من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب من الفطن وفهم الرّطانات والكنايات والفهم والإفهام
الأصمعي قال: كانت امرأة تنزل متنحّية من الحيّ، وتحبّ العزلة وكان لها غنم، فطرقها اللّصوص فقالت لأمتها: اخرجي! من هاهنا؟ قالت: هاهنا حيّان، والحمارس، وعامر والحارث، ورأس عنز وشادن. وراعيا بهمنا: فنحن ما أولئك. أي:
فنحن أولئك. فلما سمعوا ذلك ظنّوا أنّ عندها بنيها. وقال الأصمعيّ مرّة: فلما سمعت حسّهم قالت لأمتها: أخرجي سلح بنيّ من هاهنا.
قال: وسلح جمع سلاح. وحيّان والحمارس: أسماء تيوس لها.
قال الأصمعيّ: تزوّج رجل امرأة فساق إليها مهرها ثلاثين شاة، وبعث بها رسولا، وبعث بزقّ خمر. فعمد الرّسول فذبح شاة في الطريق فأكلها، وشرب بعض الزّقّ. فلما أتى المرأة نظرت إلى تسع وعشرين ورأت الزّقّ ناقصا، فعلمت أنّ الرجل لا يبعث إلّا بثلاثين وزقّ مملوء فقالت للرسول: قل لصاحبك: إن سحيما قد رثم، وإن رسولك جاءنا في المحاق! فلما أتاه الرّسول بالرّسالة: قال يا عدوّ الله، أكلت من الثّلاثين شاة شاة، وشربت من رأس الزّق! فاعترف بذلك.
الأصمعيّ قال: أخبرني شيخ من بني العنبر قال: أسر بنو شيبان رجلا من
بني العنبر، قال: دعوني حتى أرسل إلى أهلي ليفدوني. قالوا: على ألّا تكلّم الرّسول إلّا بين أيدينا. قال: نعم. قال: فقال للرسول. ائت أهلي فقل: إنّ الشّجر قد أورق.
وقل: إنّ النّساء قد اشتكت وخرزت القرب. ثمّ قال له: أتعقل؟ قال: نعم. قال: إن كنت تعقل فما هذا؟ قال: الليل. قال: أراك تعقل انطلق إلى أهلي فقل لهم: عرّوا جملي الأصهب، واركبوا ناقتي الحمراء، وسلوا حارثا عن أمري- وكان حارث صديقا له- فذهب الرّسول فأخبرهم. فدعوا حارثا فقصّ عليه الرّسول القصة، فقال أمّا قوله: «إنّ الشّجر قد أورق» فقد تسلّح القوم. وأمّا قوله: «إن النساء قد اشتكت وخرزت القرب» فيقول: قد اتخذت الشّكا وخرزت القرب للغزو. وأما قوله: «هذا الليل» فإنّه يقول: أتاكم جيش مثل الليل. وأمّا قوله: «عرّوا جملي الأصهب» فيقول: ارتحلوا عن الصّمّان. وأما قوله: «اركبوا ناقتي الحمراء» فيقول انزلوا الدّهناء وكان القوم قد تهيّؤوا لغزوهم، فخافوا أن ينذرهم، فأنذرهم وهم لا يشعرون فجاء القوم يطلبونهم فلم يجدوهم.
وكذلك صنع العطاردي في شأن شعب جبلة، وهو كرب بن صفوان؛ وذلك أنه حين لم يرجع لهم قولا حين سألوه أن يقول، ورمى بصرّتين في إحداهما شوك، والأخرى تراب، فقال قيس بن زهير: هذا رجل مأخوذ عليه ألا يتكلّم، وهو ينذركم عددا وشوكة.
قال الله ﷿: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
قال أبو نخيلة:
لما رأيت الدّين دينا يؤفكوأمست القبة لا تستمسك
يفتق من أعراضها ويهتكسرت من الباب فطار الدّكدك
منها الدّجوجيّ ومنها الأرمككالّليل إلّا أنّها تحرّك
وقال منصور النّمري:
ليل من النّقع لا شمس ولا قمرإلّا جبينك والمذروبة الشّرع
وقال آخر:
كأنّهم ليل إذا استنفرواأو لجّة ليس لها ساحل
وقال العجاج:
كأنّما زهاؤه إذا جهرليل ورزّ وغره إذا وغر
سار سرى من قبل العين فجر
وفي هذا الباب وليس منه يقول بشّار:
كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسهموأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وقال كلثوم بن عمرو:
تبني سنابكهم من فوق أرؤسهمسقفا كواكبه البيض المباتير
وهذا المعنى قد غلب عليه بشّار، كما غلب عنترة على قوله:
فترى الذّباب بها يغنّي وحدههزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعهفعل المكبّ على الزّناد الأجذم
فلو أنّ امرأ القيس عرض في هذا المعنى لعنترة لافتضح.
وقال بعضهم في غير هذا المعنى:
وفلاة كأنّما اشتمل الّليل على ركبها بأبناء حام
خضت فيها إلى الخليفة بالرّقّة بحري ظهيرة وظلام
وقال العرجيّ:
سمّيتني خلقا بخلّة قدمتولا جديد إذا لم يلبس الخلق
يا أيها المتحلّي غير شيمتهومن خلائقه الإقصاد والملق
ارجع إلى خيمك المعروف ديدنهإن التّخلق يأتي دونه الخلق
وقال آخر:
أودى الخيار من المعاشر كلهمواستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتنازعوا في كلّ أمر عظيمةلو قد تكون شهدتهم لم ينبسوا
وأبيات أبي نواس على أنه مولّد شاطر، أشعر من شعر مهلهل في إطراق النّاس في مجلس كليب، وهو قوله:
على خبز إسماعيل واقية البخلوقد حلّ في دار الأمان من الأكل
وما خبزه إلّا كآوى يرى ابنهاولم ترآوى في الحزون ولا السّهل
وما خبزه إلّا كعنقاء مغربتصوّر في بسط الملوك وفي المثل
يحدث عنها النّاس من غير رؤيةسوى صورة ما أن تمرّ ولا تحلي
وما خبزه إلّا كليب بن وائلليالي يحمي عزّه منبت البقل
وإذ هو لا يستبّ خصمان عندهولا القول مرفوع بجد ولا هزل
فإن خبز إسماعيل حلّ به الذيأصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل
ولكن قضاء ليس يسطاع دفعهبحيلة ذي دهي ولا فكر ذي عقل
والقضية التي لا أحتشم منها، ولا أهاب الخصومة فيها: أنّ عامّة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب، أشعر من عامّة شعراء الأمصار والقرى، من المولدة والنابتة. وليس ذلك بواجب لهم في كلّ ما قالوه.
وقد رأيت ناسا منه يبهرجون أشعار المولّدين، ويستسقطون من رواها ولم أر ذلك قطّ إلّا في رواية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى. ولو كان له بصر لعرف موضع الجيّد ممّن كان، وفي أيّ زمان كان.
وأنا رأيت أبا عمرو الشيبانيّ وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين، ونحن في المسجد يوم الجمعة، أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتّى كتبهما له.
وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا. ولولا أن أدخل في الحكم بعض الفتك؛ لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا، وهما قوله:
لا تحسبنّ الموت موت البلىفإنّما الموت سؤال الرّجال
كلاهما موت ولكنّ ذاأفظع من ذاك لذلّ السّؤال
وذهب الشّيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ. وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النّسج، وجنس من التّصوير.
وقد قيل للخليل بن أحمد: ما لك لا تقول الشّعر؟ قال: «الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني».
فأنا أستحسن هذا الكلام، كما أستحسن جواب الأعرابيّ حين قيل له: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد !
وقيل لابن المقفّع: ما لك لا تجوز البيت والبيتين والثلاثة! قال: إن جزتها عرفوا صاحبها. فقال له السائل: وما عليك أن تعرف بالطّول الجياد؟! فعلم أنّه لم يفهم عنه.
ونقول: إن الفرق بين المولّد والأعرابي: أنّ المولّد يقول بنشاطه وجمع باله الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا أمعن انحلّت قوّته، واضطرب كلامه.
وفي شبيه بمعنى مهلهل وأبي نواس، في التّعظيم والإطراق عند السّادة، يقول الشاعر في بعض بني مروان:
في كفّه خيزران ريحه عبقفي كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلّا حين يبتسم
إن قال قال بما يهوى جميعهموإن تكلّم يوما ساخت الكلم
كم هاتف بك من داع وهاتفةيدعوك يا قثم الخيرات يا قثم
وقال أبو نواس في مثل ذلك:
فترى السادات ماثلةلسليل الشّمس من قمره
فهم شتّى ظنونهمحذر المطويّ من خبره
وقال إبراهيم بن هرمة في مديح المنصور، وهو شبيه بهذا وليس منه:
له لحظات عن حفافي سريرهإذا كرّها فيها عقاب ونائل
فأمّ الذي أمّنت آمنة الرّدىوأمّ الذي أو عدت بالثّكل ثاكل
وقال مهلهل، وهو يقع في باب الحلف وكّد بعقد:
ملنا على وائل وأفلتنايوما عديّ جريعة الذّقن
دفعت عنه الرّماح مجتهداحفظا لحلفي وحلف ذي يمن
أذكر من عهدنا وعهدهمعهدا وثيقا بمنحر البدن
ما بلّ بحر كفا بصوفتهاوما أناف الهضاب من حضن
يزيده اللّيل والنّهار معاشدّا، خراط الجموح في الشّطن
وقال جابر بن حنيّ التغلبيّ:
ولسنا كأقوام قريب محلهمولسنا كمن يرضيكم بالتملق
فسائل شرحبيلا بنا ومحلّماغداة نكرّ الخيل في كلّ خندق
لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعالتخدم ليلى أمّه بموفّق
فقام ابن كلثوم إلى السّيف مغضبافأمسك من ندمانه بالمخنّق
وعممه عمدا على الرّأس ضربةبذي شطب صافي الحديدة مخفق
وقال المتلمّس:
على كلّهم آسى وللأصل زلفةفزحزح عن الأدنين أن يتصدّعوا
وقد كان إخواني كريما جوارهمولكنّ أصل العود من حيث ينزع
وقال المتلمس:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيضتيجعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلّا مثل قاطع كفّهبكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذهفلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرىمساغا لنابيه الشجاع لصمّما
أحارث إنا لو تساط دماؤناتزايلن حتّى لا يمسّ دم دما
قال: وسألت عن قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفي:
والله لأنا أشدّ بغضا لك من الأرض للدّم ! قال: لأنّ الدّم الجاري من كلّ شيء بيّن، لا يغيض في الأرض؛ ومتى جفّ وتجلّب ففرقته رأيت مكانه أبيض.
إلّا إنّ صاحب المنطق قال في كتابه في الحيوان: كذلك الدّماء، إلّا دم البعير.
وقال النّمر بن تولب:
إذا كنت في سعد، وأمّك منهمغريبا فلا تغررك أمّك من سعد
وقال:
وإنّ ابن أخت القوم مصغى إناؤهإذا لم يزاحم خاله بأب جلد
وقال آخر:
تخيّره الله الغداة لدينهعلى علمه والله بالعلم أفرس
وقال آخر:
وما ترك الهاجون لي في أديمكممصحّا ولكنّي أرى مترقّعا
وقال العجليّ، أو العكليّ، لنوح بن جرير:
أتسبّني فأراك مثلي سبّةوأسبّ جدّكم بسبّ أبينا
ولقد أرى والمقتضى متجوّزيا نوح أنّ أباك لا يوفينا
وقال عمرو بن معد يكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
وصله بالزّماع فكلّ أمرسما لك أو سموت له ولوع
وقال المقنّع الكنديّ:
وصاحب السّوء كالدّاء العياء إذاما ارفضّ في الجوف يجري هاهنا وهنا
ينبي ويخبر عن عورات صاحبهوما رأى عنده من صالح دفنا
كمهر سوء إذا رفّعت سيرتهرام الجماع وإن خفّضته حرنا
إن يحي ذاك فكن منه بمعزلةأو مات ذاك فلا تعرف له جننا
-
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع