من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة والأمثال السّائرة، والأخبار الصحيحة
والأحاديث المأثورة، وما أوجد العيان فيها، وما استخرجت التجارب منها من أصناف المنافع والمرافق، وعن مواضع أخلاقها المحمودة وأفعالها المرادة.
ونبدأ بقول العرب: «إنّ دماء الملوك شفاء من داء الكلب»، ثمّ نذكر الأبواب لما قدّمنا في صدر كلامنا هذا. قال بعض المرّيين:
أرى الخلّان بعد أبي عميربحجر في لقائهم جفاء
من البيض الوجوه بني سنانلو أنّك تستضيء بهم أضاؤوا
لهم شمس النهار إذا استقلّتونور ما يغيبه العماء
بناة مكارم وأساة كلمدماؤهم من الكلب الشفاء
وقال الفرزدق:
من الدارميّين الذين دماؤهمشفاء من الدّاء المجنّة والخبل
وقال عبد الله بن قيس الرّقيّات:
عاودني النّكس فاشتفيت كماتشفي دماء الملوك من كلب
وقال ابن عيّاش الكنديّ لبني أسد في قتلهم حجر بن عمرو:
عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكمتريقون تامورا شفاء من الكلب
وقال الفرزدق:
ولو تشرب الكلبى المراض دماءناشفتها وذو الخبل الذي هو أدنف
وذاك أنّهم يزعمون أنّ دماء الأشراف والملوك تشفي من عضّة الكلب الكلب، وتشفي من الجنون أيضا، كما قال الفرزدق:
ولو تشرب الكلبى المراض دماءناشفتها...............
ثم قال: «وذو الخبل الذى هو أدنف» وقد قال ذلك عاصم بن القرّيّة، وهو جاهليّ:
وداويته مما به من مجنةدم ابن كهال والنّطاسيّ واقف
وقلّدته دهرا تميمة جدّهوليس لشيء كاده الله صارف
وكان أصحابنا يزعمون أنّ قولهم: «دماء الملوك شفاء من الكلب»، على معنى أنّ الدّم الكريم هو الثأر المنيم، وأنّ داء الكلب على معنى قول الشاعر:
كلب من حسّ ما قد مسّهوأفانين فؤاد مختبل
وعلى معنى قوله:
كلب بضرب جماجم ورقاب
فإذا كلب من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب، وليس أنّ هناك دما في الحقيقة يشرب ولولا قول عاصم بن القرّيّة: «والنّطاسيّ واقف». لكان ذلك التأويل جائزا.
وقول عوف بن الأحوص:
ولا العنقاء ثعلبة بن عمرودماء القوم للكلبى شفاء
وفي الكلب يقول الأعشى:
أراني وعمرا بيننا دقّ منشمفلم يبق إلّا أن يجنّ وأكلبا
ألا ترى أنّه فرّق بينهما، ولو كان كما قال لبيد بن ربيعة:
يسعى خزيمة في قوم ليهلكهمعلى الحمالة هل بالمرء من كلب
لكان ذلك على تأويل ما ذهبوا إليه جائزا، وقال الآخر:
وأمر أميري قد أطعتم فإنّماكواه بنار بين عينيه مكلب
وهذا عندي لا يدخل في الباب الأوّل، وقد جعلوه منه.
قال صاحب الكلب: وزعمتم أنّه يبلغ من فضل قوّة طباع الدّيك في الإلقاح، أنّه متى سفد دجاجة وقد احتشت بيضا صغارا من نتاج الرّيح والتراب، قلبها كلّها حيوانا ولو لم يكن سفدها إلّا مرّة واحدة، وجعلتموه في ذلك بغاية الفحلة، فطباع الكلب أعجب إلقاحا وأثقب، وأقوى وأبعد، لأنّ الكلب إذا عضّ إنسانا، فأوّل ذلك أن يحيله نبّاحا مثله، وينقله إلى طباعه، فصار ينبح، ثم يحبله ويلقحه بأجراء صغار يبولها علقا في صور الكلاب، على بعد ما بين العنصرين والطّبعين والجنسين، والذى يتولّد في أرحام الدجاج، أقرب مشاكلة إلى طباع الديك، فالكلب هو العجب العجيب، لأنّه أحبل ذكرا من خلاف جنسه، ولأنّه مع الإحبال والإلقاح، أحاله نبّاحا
مثله. فتلك الأدراص وتلك الكلاب الصغار، أولاد ونتاج، وإن كان لا يبقى.
وقد تعلمون أنّ أولاد البغلات من البغال لا تبقى، وأن اللّقاح قد يقع، وإنما منع البغل من البغلة بهذه العلّة.
قال أبو اليقظان وغيره: كان الأسود بن أوس بن الحمّرة، أتى النّجاشيّ ومعه امرأته، وهي بنت الحارث أحد بني عاصم بن عبيد بن ثعلبة، فقال النجاشيّ:
لأعطينّك شيئا يشفي من داء الكلب. فأقبل حتّى إذا كان ببعض الطريق أتاه الموت، فأوصى امرأته أن تتزوّج ابنه قدامة بن الأسود، وأن تعلّمه دواء الكلب، ولا يخرج ذلك منهم إلى أحد، فتزوجته نكاح مقت، وعلّمته دواء الكلب، فهو إلى اليوم فيهم.
فولد الأسود قدامة وولد قدامة المحلّ- وأمّه بنت الحارث- فكان المحلّ يداوي من الكلب. فولد المحلّ عقبة وعمرا، فداوى ابن المحل عتيبة بن مرداس، وهو ابن فسوة الشاعر، فبال مثل أجراء الكلب علقا، ومثل صور النّمل والأدراص فقال ابن فسوة حين برئ:
ولولا دواء ابن المحلّ وعلمههررت إذا ما النّاس هرّ كلابها
وأخرج عبد الله أولاد زارعمولّعة أكتافها وجنوبها
وأولاد زارع: الكلاب.
وأمّا قوله:
ولولا دواء ابن المحلّ وعلمههررت...............
فإنّما ذهب إلى أنّ الذي يعضّه الكلب الكلب، ينبح نباح الكلاب ويهرّ هريرها.
وقال محمّد بن حفص، وهو أبو عبيد الله بن محمد، ابن عائشة: عضّ رجلا من بني العنبر كلب كلب فأصابه داء الكلب، فبال علقا في صورة الكلاب، فقالت بنت المستنثر:
أبا لك أدراصا وأولاد زارعوتلك لعمري نهية المتعجّب
وحدّثني أبو الصّهباء عن رجال من بني سعد، منهم عبد الرحمن بن شبيب، قالوا: عضّ سنجير الكلب الكلب، فكان يعطش ويطلب الماء بأشدّ الطلب، فإذا أتوه به صاح عند معاينته: لا، لا أريد! وهكذا يصيب صاحب تلك العضّة. وذلك أنّه يعطش عنها أشدّ العطش ويطلب الماء أشدّ الطلب، فإذا أتوه به هرب منه أشدّ الهرب، فقال دلم وهو عبد لبني سعد:
لقد جئت يا سنجير أجلو ملقةإباؤك للشيء الذي أنت طالب
وهي أبيات لم أحفظ منها إلّا هذا البيت.
وذكر مسلمة بن محارب، وعليّ بن محمّد عن رجاله، أنّ زيادا كتب دواء الكلب، وعلّقه على باب المسجد الأعظم، ليعرفه جميع الناس.
وأنا، حفظك الله تعالى، رأيت كلبا مرّة في الحيّ ونحن في الكتّاب، فعرض له صبيّ يسمّى مهديّا من أولاد القصّابين. وهو قائم يمحو لوحه فعضّ وجهه فنقع ثنيّته دون موضع الجفن من عينه اليسرى، فخرق اللحم الذي دون العظم إلى شطر خدّه، فرمى به ملقيّا على وجهه وجانب شدقه؟ وترك مقلته صحيحة، وخرج منه من الدّم ما ظننت أنّه لا يعيش معه، وبقي الغلام مبهوتا قائما لا ينبس، وأسكته الفزع وبقي طائر القلب، ثمّ خيط ذلك الموضع، ورأيته بعد ذلك بشهر وقد عاد إلى الكتّاب، وليس في وجهه من الشّتر إلا موضع الخيط الذى خيط، فلم ينبح إلى أن برئ، ولا
هرّ، ولا دعا بماء، حتّى إذا رآه صاح: ردّوه! ولا بال جروا ولا علقا، ولا أصابه ممّا يقولون قليل ولا كثير. ولم أجد أحدا من تلك المشايخ، يشكّ أنّهم لم يروا كلبا قطّ أكلب ولا أفسد طبعا منه. فهذا الذي عاينت.
وأما الذي بلغني عن هؤلاء الثقات فهو الذي قد كتبته لك.
وفي الكلب الكلب أنشد الأعرابي:
حيّاكم الله فإنّي منقلبوإنّما الشاعر مجنون كلب
أكثر ما يأتي على فيه الكذب
إما أن يكون الشعر لهميان وإما أن يكون للزّفيان.
وأنشدني:
فإن كنتم كلبى فعندي شفاؤكموفي الجنّ إن كان اعتراك جنون
وأنشدني:
وما أدري إذا لاقيت عمراأكلبى آل عمرو أم صحاح
قال: فأما المكلب الذي يصيب كلابه داء في رؤوسها يسمّى الجحام فتكوى بين أعينها.
وسنذكر مسألة كلاميّة، وإنّما نذكرها لكثرة من يعترض في هذا ممّن ليس له علم بالكلام.
ولو كان أعلم الناس باللغة، لم ينفعك في باب الدين حتّى يكون عالما بالكلام.
وقد اعترض معترضون في قوله ﷿: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى
الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
فزعموا أنّ هذا المثل لا يجوز أن يضرب لهذا المذكور في صدر هذا الكلام، لأنه قال: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
. فما يشبّه حال من أعطي شيئا فلم يقبله- ولم يذكر غير ذلك- بالكلب الذي إن حملت عليه نبح وولى ذاهبا، وإن تركته شدّ عليك ونبح، مع أنّ قوله:
يلهث، لم يقع في موضعه، وإنما يلهث الكلب من عطش شديد وحرّ شديد، ومن تعب، وأما النّباح والصّياح فمن شيء آخر.
قلنا له: إن قال ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
، فقد يستقيم أن يكون الرادّ لا يسمّى مكذبا، ولا يقال لهم كذّبوا إلا وقد كان ذلك منهم مرارا، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبّه الذي أوتي الآيات والأعاجيب والبرهانات والكرامات، في بدء حرصه عليها وطلبه لها، بالكلب في حرصه وطلبه، فإنّ الكلب يعطي الجدّ والجهد من نفسه في كلّ حالة من الحالات، وشبّه رفضه وقذفه لها من يديه، وردّه لها بعد الحرص عليها وفرط الرغبة فيها، بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له. وواجب أن يكون رفض قبول الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبهم والحرص عليها.
والكلب إذا أتعب نفسه في شدّة النّباح مقبلا إليك ومدبرا عنك، لهث واعتراه ما يعتريه عند التّعب والعطش.
وعلى أنّنا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة، إلا وهي تلهث، من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، والذي طبعت عليه من شأنها، إلا أنّ لهث الكلب يختلف بالشدّة واللّين!
وقال صاحب الكلب: ليس الدّيك من الكلب في شيء، فمن الكلاب ذوات الأسماء المعروفة والألقاب المشهورة. ولكرامها وجوارحها وكواسبها، وأحرارها وعتاقها، أنساب قائمة ودواوين مخلّدة، وأعراق محفوظة، ومواليد محصاة، مثل كلب جذعان، وهو السّلهب بن البراق بن يحيى بن وثّاب بن مظفّر بن محارش.
وقد ذكر العرب أسماءها وأنسابها.
قال مزرّد بن ضرار:
فعدّ قريض الشّعر إن كنت مغزرافإن غزير الشعر ما شاء قائل
لنعت صباحيّ طويل شقاؤهله رقميّات وصفراء ذابل
بقين له مما يبرّي وأكلبتقلقل في أعناقهنّ السّلاسل
سخام، ومقلاء القنيص، وسلهبوجدلاء، والسّرحان، والمتناول
بنات سلوقيّين كانا حياتهفماتا فأودى شخصه فهو خامل
وأيقن إذ ماتا بجوع وخلّةوقال له الشّيطان: إنّك عائل
فطوّف في أصحابه يستثيبهمفآب وقد أكدت عليه المسائل
إلى صبية مثل المغالي وخرملرواد، ومن شرّ النساء الخرامل
فقال لها: هل من طعام فإنّنيأذمّ إليك الناس، أمّك هابل
فقالت: نعم، هذا الطّويّ وماؤهومحترق من حائل الجلد قاحل
فلما تناهت نفسه من طعامهوأمسى طليحا ما يعانيه باطل
تغشّى، يريد النّوم، فضل ردائهفأعيا على العين الرّقاد البلابل
ففكّر في هذا الشعر وقف على فصوله، حتى تعرف غناء الكلاب عندهم، وكسبها عليهم، وموقعها منهم.
وقال لبيد في ذكرها وذكر أسماءها:
لتذودهنّ وأيقنت إن لم تذدأن قد أحمّ من الحتوف حمامها
فتقصّدت منها كساب وضرّجتبدم وغودر في المكرّ سخامها
ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو موعظة، أن تكون الكلاب التي تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا، وقال كأنّ ناقتي بقرة من صفتها كذا، أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أنّ ذلك حكاية عن قصّة بعينها، ولكنّ الثّيران ربّما جرحت الكلاب وربّما قتلتها، وأما في أكثر ذلك فإنّها تكون هي المصابة، والكلاب هي السالمة والظافرة، وصاحبها الغانم.
وقال لبيد في هذا القول الثاني غير القول الأول، وذلك على معنى ما فسّرت لك، فقال في ذلك وذكر أسماءها:
فأصبح وانشقّ الضّباب وهاجهأخو قفرة يشلى ركاحا وسائلا
عوابس كالنّشّاب تدمى نحورهايرين دماء الهاديات نوافلا
ومن أسمائها قولهم: «على أهلها جنت براقش».
ومن أسمائها قول الآخر: ضبّار:
سفرت فقلت لها هج فتبرقعتفذكرت حين تبرقعت ضبّارا
وقال الكميت الأسديّ:
فبات وباتت عليه السّماء من كلّ حابية تهطل
مكبّا كما اجتنح الهالكيّعلى النّصل إذ طبع المنصل
ثم ذكر أسماء الكلاب فقال:
وفي ضبن حقف يرى حقفهخطاف وسرحة والأحدل
وأربعة كقداح السّراء لا عانيات ولا عبّل
وقال الآخر:
بتنا وبات جليد اللّيل يضربنابين البيوت قرانا نبح درواس
إذا ملا بطنه ألبانها حلباباتت تغنّيه وضرى ذات إجراس
ودرواس: اسم كلب، والوضرى: استه، وغناؤها: الضّراط.
وقال ضابئ بن الحارث في ذلك:
فترمّلت بدم قدام وقدأوفى اللّحاق وحان مصرعه
وقال الآخر:
ولو هيّا له اللهمن التوفيق أسبابا
لسمّى نفسه عمراوسمّى الكلب وثّابا
ومثل هذا كثير.
والكلب أشدّ ما يكون حرصا إذا كان خطمه يمسّ عجب ذنب الظّبي والأرنب والثّور وغير ذلك، مما هو من صيده، ولذلك قال الشاعر:
ربّما أغدو معي كلبيطالبا للصيّد في صحبي
فسمونا للقنيص معافدفعناه إلى أظب
فاستدرّته فدرّ لهايلطم الرّفغين بالتّرب
فادّراها وهي لاهيةفي جميم الحاج والغرب
ففرى جمّاعهنّ كماقدّ مخلولان من عصب
ثم قال:
غير يعفور أهلّ بهجاف دفّيه عن القلب
ضمّ لحييه بمخطمهضمّك الكسرين بالشعب
وانتحى للباقيات كماكسرت شغواء من لهب
فتعايا التّيس حين كباودنا فوه من العجب
ظلّ بالوعساء ينفضهآرما منه على الصّلب
تلك لذّاتي وكنت فتىلم أقل من لذّة حسبي
وأما قوله: «غير يعفور أهلّ به»، فالإهلال الذي ذكر هو شيء يعتريه في ذلك الوقت، يخرج من جوفه صوت شبيه بالعواء الخفيف، وهو ما بين العواء والأنين، وذلك من حاق الحرص، وشدّة الطلب، وخوف الفوات. ويقال: أهلّت السماء، إذا صبّت، واستهلت: إذا ارتفع صوت وقعها، ومنه الإهلال بالحج. وقال ابن أحمر:
يهلّ بالفرقد ركبانهاكما يهلّ الراكب المعتمر
ومنه استهلال الصبي، ولذلك قال الأعرابيّ: أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا صاح واستهل، أليس ذلك يطلّ ؟!
وإذا ضبع الكلب، وهو أن يمدّ ضبعه كلّه، ولا يكون كالحمار الضيّق الإبطين- والكلب في افتراش ذراعيه وبسط رجليه حتّى يصيب قصّه الأرض، أكثر من الفرس- وعند ذلك ما ينشط أذنيه حتّى يدميهما ولذلك قال الحسن بن هانئ، وقد طال ما نعت بهما:
فانصاع كالكوكب في انحدارهلفت المشير موهنا بناره
شدّا إذا أحصف في إحضارهخرّق أذنيه شبا أظفاره
وأوّل هذه الأرجوزة:
لما غدا الثّعلب من وجارهيلتمس الكسب على صغاره
وأنا كتبت لك رجزه في هذا الباب، لأنّه كان عالما راوية، وكان قد لعب بالكلاب زمانا، وعرف منها ما لا تعرفه الأعراب، وذلك موجود في شعره، وصفات الكلاب مستقصاة في أراجيزه، هذا مع جودة الطبع وجودة السبك، والحذق بالصنعة، وإن تأمّلت شعره فضّلته، إلّا أن تعترض عليك فيه العصبيّة، أو ترى أنّ أهل البدو أبدا أشعر، وأنّ المولّدين لا يقاربونهم في شيء. فإن اعترض هذا الباب عليك فإنك لا تبصر الحقّ من الباطل، مادمت مغلوبا.
قال الحسن بن هانئ:
لما غدا الثعلب من وجارهيلتمس الكسب على صغاره
عارضه في سنن امتيارهمضمّر يموج في صداره
في حلق الصّفر وفي أسيارهمنضمّة قصراه من إضماره
قد نحت التسهيم من أقطارهمن بعد ما كان إلى أصباره
غضّا غذته الجور من عشارهأيّام لا يحجب عن أظآره
وهو طلا لم يدن من إشغارهفي منزل يحجب عن زوّاره
يساس فيه طرفي نهارهحتّى إذا أحمد في اختباره
وآض مثل القلب من نضارهكأنّ خلف ملتقى أشفاره
جمر غضى يدمن في استعارهكأنّ لحييه لدى افتراره
شك مسامير على طوارهيضمّ قطريه من اضطباره
وإن تمطّى تمّ في أشبارهعشر إذا قدّر في اقتداره
سمع إذا استروح لم تمارهإلا بأن يطلق من عذاره
فانصاع كالكوكب في انحدارهلفت المشير موهنا بناره
شدّا إذا أحصف في إحضارهخرّق أذنيه شبا أظفاره
حتى إذا ما انساب في غبارهعافره أخرق في عفاره
فتلتل المفصل من فقارهوشقّ عنه جانبي صداره
ما خير للثّعلب في ابتكاره
وقال في كلب سليمان بن داود الهاشميّ- وكان الكلب يسمى زنبورا:
إذا الشياطين رأت زنبوراقد قلّد الحلقة والسّيورا
دعت لخزّان الفلا ثبوراأدفى ترى في شدقه تأخيرا
ترى إذا عارضته مفروراخناجرا قد نبتت سطورا
مشتبكات تنظم السّحوراأحسن في تأديبه صغيرا
حتّى توفّى السّبعة الشهورامن سنّه وبلغ الشّغورا
وعرف الإيحاء والصّفيراوالكفّ أن تومئ أو تشيرا
يعطيك أقصى حضره المذخوراشدّا ترى من همزه الأظفورا
منتشطا من أذنه سيورافما يزال والغا تامورا
من ثعلب غادره مجزوراأو أرنب كوّرها تكويرا
أو ظبية تقرو رشا غريراغادرها دون الطّلا عقيرا
فأمتع الله به الأميراربّي، ولا زاله مسرورا
وقد قال كما ترى:
شدّا ترى من همزه الأظفورامنتشطا من أذنه سيورا
بإثر قوله:
حتّى توفّى السبعة الشهورامن سنّه وبلغ الشغورا
فإنّ الكلب إذا شغر برجله وبال، فذلك دليل على تمام بلوغه للإلقاح، وهو من الحيوان الذي يحتلم.
وأما احتلام الغلام فيعرف بأمور: منها انفراق طرف الأرنبة، ومنها تغيّر ريح إبطيه، ومنها الأنياب، ومنها غلظ الصوت.
ومن الغلمان من لا يحتلم. وفي الجواري جوار لا يحضن، وذلك في النساء عيب، وليس مثله من الرجال عيبا، وقد رأيت رجالا يوصفون بالقوة على النساء، وبعضهم لم يحتلم إلا مرة أو مرتين، وبعضهم لم يحتلم البتة.
وقد قال الحسن بن هانئ مثل ذلك، في أرجوزة أخرى:
يمري إذا كان الجراء عبطابراثنا سحم الأثافي ملطا
ينشط أذنيه بهنّ نشطا
وهذه الأجوزة أوّلها:
عدّدت كلبا للطّراد سلطامقلّدا قلائدا ومقطا
فهو الجميل والحسيب رهطاترى له شدقين خطّا خطّا
يمري إذا كان الجراء عبطابراثنا سحم الأثافي ملطا
ينشط أذنيه بهنّ نشطاتخال ما دمين منها شرطا
ما إن يقعن الأرض إلا فرطاكأنما يعجلن شيئا لقطا
أعجل من قول قطاة قطّافاجتاح خزّان الصحارى الرّقطا
يلقين منه حكما مشتطاللعظم حطما والأديم عطّا
والشعراء إذا أرادوا سرعة القوائم قالوا كما قال:
يخفي التّراب بأظلاف ثمانيةومسّهن إذا أقبلن تحليل
وقال الآخر:
وكأنّما جهدت أليّتهأن لا تمسّ الأرض أربعه
فأفرط المولّدون فى صفة السرعة- وليس ذلك بأجود- فقال شاعر منهم يصف كلبة بسرعة العدو:
كأنّما ترفع ما لم يوضع
وقال الحسن بن هانئ:
ما إن يقعن الأرض إلا فرطا
وقال الحسن بن هانئ في نعت كلب:
أنعت كلبا أهله في كدّهقد سعدت جدودهم بجدّه
فكلّ خير عندهم من عندهيظلّ مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحب من مهدهوإن عري جلّله ببرده
ذو غرّة محجل بزندهتلذّ منه العين حسن قدّه
يا حسن شدقيه وطول خدّهتلقى الظّباء عنتا من طرده
يشرب كأسا شدّها في شدّهيا لك من كلب نسيح وحده
وقال في صفاتها، وأسمائها وسماتها، وأنسابها، وألقابها، وتفدية أربابها لها كما ذكرنا قبل ذلك-:
قد أغتدي والطّير في مثواتهالم تعرب الأفواه عن لغاتها
بأكلب تمرح في قدّاتهاتعدّ عين الوحش من أقواتها
قد نحت التقريح وارياتهامن شدّة التسهيم واقتياتها
وأشفق القانص من حفاتهاوقلت قد أحكمتها فهاتها
وأدن للصّيد معلّماتهاوارفع لنا نسبة أمّهاتها
فجاء يزجيها على شياتهاشمّ العراقيب مؤنّفاتها
غرّ الوجوه ومحجّلاتهامشرفة الأكناف موفياتها
قود الخراطيم مخرطماتهاسودا وصفرا وخلنجيّاتها
مسميّات وملقّباتهاحمرا وبيضا ومطوّقاتها
مختبرات من سلوقيّاتهاكأنّ أقمارا على لبّاتها
ترى على أفخاذها سماتهامفدّيات ومحمّياتها
مفروشة الأيدي شرنبثاتهاشمّ العراقيب مؤلفاتها
حيد الأظافير مكعبراتهازلّ المآخير عملّساتها
تسمع في الآثار من وحاتهامن نهم الحرص ومن خواتها
لتفثأ الأرنب عن حياتهاإنّ حياة الكلب في وفاتها
حتّى ترى القدر على مثفاتهاكثيرة الضّيفان من عفاتها
تقذف جالاها بجوزي شاتها
فقد قال كما ترى:
تسمع في الآثار من وحاتهامن نهم الحرص ومن خواتها
وهذا هو معناها الأول، وأما قوله:
تعدّ عين الوحش من أقواتها
فعلى قول أبي النّجم:
تعدّ عانات اللّوى من مالها
وزعموا أنّ قوله:
كطلعة الأشمط من جلبابه
هو قول الأول:
كطلعة الأشمط من كسائه
وهو كما قال الآخر:
كطلعة الأشمط من برد سمل
وقال الحسن بن هانئ:
لمّا تبدّى الصّبح من حجابهكطلعة الأشمط من جلبابه
وانعدل اللّيل إلى مآبههجنا بكلب طالما هجنا به
خزّطه القانص واغتدى بهيعزّه طورا على استصعابه
وتارة ينصبّ لانصبابهفانصاع للصّوت الذي يعنى به
كلمعان البرق من سحابهكأنّ عينيه لدى ارتيابه
فصّا عقيق قد تقابلا بهحتّى إذا عفّره هاها به
بابا به يا بعد ما بابا بهينتسف المقود من جذابه
من مرح يغلو إذا اغلولى بهوميعة تعرف من شبابه
كأنّ متنيه لدى انسلابهمتنا شجاع لجّ في انسيابه
كأنّما الأظفور في قنابهموسى صناع ردّ في نصابه
يثرد وجه الأرض في ذهابهكأنّ نسرا ما توكّلنا به
يعفو على ما جرّ من ثيابهإلّا الذي أثّر من هدّابه
ترى سوام الوحش يحتوى بهيرحن أسرى ظفره ونابه
وقال في ثعلب كان قد أفلت منه مرارا:
قد طالما أفلتّ يا ثعالاوطالما وطالما وطالا
جلت بكلبي يومك الأجوالاماطلت من لا يسأم المطالا
حتّى إذا اليوم حدا الآصالاأتاك حين يقدم الآجالا
وقال أبو نواس أيضا:
يا ربّ بيت بفضاء سبسببعيد بين السّمك والمطنّب
لفتية قد بكّروا بأكلبقد أدّبوها أحسن التأدب
من كل أدفى ميسان المنكبيشبّ في القود شباب المقرب
ينشط أذنيه بجدّ المخلبفما تني وشيقة من أرنب
وجلدة مسلوبة من ثعلبمقلوبة الفروة أو لم تقلب
وعير عانات وأمّ التّولبومرجل يهدر هدر المصعب
يقذف جالاه بجوز القرهب
قال بعض من خبر ذلك: إنّ طول ما بين يدي الكلب ورجليه- بعد أن يكون قصير الظهر- من علامة السّرعة.
قال: ويصفونه بأن يكون صغير الرأس، طويل العنق غليظها، وأن يشبه بعض خلقه بعضا، وأن يكون أغضف الأذنين مفرط الغضب، ويكون بعيد ما بينهما، ويكون أزرق العينين، طويل المقلتين، ناتئ الحدقة، طويل الخطم، واسع الشّدقين، ناتئ الجبهة عريضها، وأن يكون الشّعر الذي تحت حنكه كأنّه طاقة ويكون غليظا، وكذلك شعر خدّيه، ويكون قصير اليدين، طويل الرجلين، لأنه إذا كان كذلك كان أسرع في الصعود بمنزلة الأرنب.
قالوا: ولا يكاد يلحق الأرنب في الصّعود، إلّا كلّ كلب قصير اليدين، طويل الرّجلين.
وينبغي أن يكون طويل الصدر غليظا، ويكون ما يلي الأرض من صدره عريضا، وأن يكون غليظ العضدين، مستقيم اليدين، مضموم الأصابع بعضها إلى بعض، إذا مشى أو عدا، وهو أجدر الّا يصير بينها من الطّين وغير ذلك ما يفسدها، ويكون ذكيّ الفؤاد نشيطا، ويكون عريض الظّهر، عريض ما بين مفاصل عظامه، عريض ما بين عظمي أصل الفخذين اللذين يصيبان أصل الذنب، وطويل الفخذين
غليظهما شديد لحمهما، ويكون رزين المحزم، رقيق الوسط طويل الجلدة التي بين أصل الفخذين والصدر، ومستقيم الرجلين، ويكون في ركبته انحناء ويصير قصير الساقين دقيقهما، كأنّهما خشبة من صلابتهما. وليس يكره أن تكون الإناث طوال الأذناب، ويكره ذلك للذكور. ولين شعرهما يدلّ على القوة.
وقد يرغب ذلك في جميع الجوارح من الطير وذوات الأربع، من لين الرّيش لذوات الريش.
ولين الشّعر لذوات الشعر من عتاق الخيل علامة صالحة.
قال: وينبغي أن يكون الكلب شديد المنازعة للمقود والسّلسلة، وأن يكون العظم الذي يلي الجنبين من عظام الجنبين صغيرا في قدر ثلاث أصابع.
وزعم أنّهم يقولون: إنّ السّود منها أقلّها صبرا على البرد والحر، وإنّ البيض أفره إذا كنّ سود العيون.
قال: ومن علامة الفره التي ليس بعدها شيء، أن يكون على ساقيه أو على إحداهما أو على رأس الذنب مخلب، وينبغي أن يقطع من السّاقين، لئلا يمنعه من العدو.
وذكر أنّ خير الأشياء التي تطعمها للكلب الخبز الذي قد يبس، ويكون الماء الذي يسقاه يصبّ عليه شيء من زيت، فإنّ ذلك كالقتّ المحضّ للخيل، ويشتدّ عليه عدوه.
وقال: خير الطعام في إسمان الكلاب رأس مطبوخ، وأكارع بشعرها، من غير أن تطعم من عظامها شيئا، والسّمن إذا طعم منه قدر ثلاث سكرّجات مرّتين أو ثلاث مرات فإنّ ذلك مما يسمّنه، ويقال إنّه يعيد الهرم شابّا، حتّى يكون ذلك في الصّيد وفي المنظر، والعظم والثّريد من أردأ ما تأكله للعدو.
وممّا يكون غذاء ومن خير شيء يداوى به الكلب من وجع البطن والديدان، أن يطعم قطعة ألية وصوف شاة معجونا بسمن البقر، فإنّه يلقي كلّ دود وقذر في بطنه.
وخير ما يعالج به الحفا أن يدهن استه ثلاثة أيام. ويجمّ فيها ولا يستعمل، أو يمسح على يديه ورجليه القطران.
وذكر عن خزيمة بن طرخان الأسديّ، من أهل همذان، أنّه قال: ليس من علاج الكلب خير من أن يحقن.
وقال: يقال كدي الجرو يكدى كدى وهو داء يأخذ الجراء خاصّة، يصيبها منه قيء وسعال، حتّى تكوى بين عينيها، ويقال أكدى الرجل إكداء: إذا لم يظفر بحاجته. والكدية من الأرض: ارتفاع في صلابة. ويقال في الماء: حفر فأكدى.
وزعم صاحب المنطق أنّ الكلاب إذا كان في أجوافها دود، أكلت سنبل القمح فتبرأ.
وزعم أنّ الكلاب تمرض فتأتي حشيشة تعرفها بعينها، فتأكل منها فتبرأ.
وزعم صاحب المنطق أنّ العقاب تأكل الحيّات، وأنّ بينهما عداوة؛ لأنّ الحيّة أيضا تطلب بيضها وفراخها.
قال: والغداف يقاتل البومة، لأنّ الغداف يخطف بيض البومة نهارا. وتشدّ البومة على بيض الغداف ليلا فتأكله؛ لأنّ البومة ذليلة بالنهار رديّة النظر، وإذا كان اللّيل لم يقو عليها شيء من الطير. والطير كلّها تعرف البومة بذلك وصنيعها بالليل، فهي تطير حول البومة وتضربها وتنتف ريشها. ومن أجل ذلك صار الصيّادون ينصبونها للطير.
والغداف يقاتل ابن عرس؛ لأنه يأكل بيضه وفراخه.
قال: وبين الحدأة والغداف قتال؛ لأنّ الحدأة تخطف بيض الغداف؛ لأنّها أشدّ مخالب وأسرع طيرانا.
وبين الأطرغلّة والشّقراق قتال؛ لأنّه يقتل الأطرغلّة ويطالبها.
وبين العنكبوت والعظاية عداوة، والعظاية تأكل العنكبوت.
وعصفور الشّوك يعبث بالحمار، وعبثه ذلك قتّال له؛ لان الحمار إذا مرّ بالشوك وكانت به دبرة أو جرب تحكّك به، ولذلك متى نهق الحمار سقط بيض عصفور الشوك، وجعلت فراخه تخرج من عشّها. ولهذه العلّة يطير العصفور وراء الحمار وينقر رأسه.
والذئب مخالف للثّور والحمار والثعلب جميعا، لأنّه يأكل اللحم النّيء ولذلك يقع على البقر والحمير والثعالب.
وبين الثعالب والزّرّق خلاف لهذه العلّة؛ لأنّهما جميعا يأكلان اللحم.
والغراب يخالف الثّور؛ ويخالف الحمار جميعا، ويطير حولهما، وربّما نقر عيونهما. وقال الشاعر:
عاديتنا لازلت في تبابعداوة الحمار للغراب
ولا أعرف هذا من قول صاحب المنطق؛ لأنّ الثعلب لا يجوز أن يعادي من بين أحرار الطّير وجوارحها الزّرّق وحده، وغير الزّرّق آكل اللّحم. وإن كان سبب عداوته له اجتماعهما على أكل اللّحم، فليبغض العقاب من الطير، والذئب من ذوات الأربع؛ فإنّها آكل للّحم. والثّعلب إلى أن يحسد ما هو كذلك أقرب، وأولى فى القياس، فلو زعم أنّه يعمّ أكلة اللّحم بالعداوة، حتّى يعطى الزّرّق من ذلك نصيبه، كان ذلك أجوز. ولعلّ المترجم قد أساء في الإخبار عنه.
قال: والحيّة تقاتل الخنزير، وتقاتل ابن عرس، وإنّما تقاتل ابن عرس إذ كان مأواهما في بيت واحد، وتقاتل الخنزير لأنّ الخنزير يأكل الحيّات. ويزعمون أنّ الذي يأكل الحيّات القنافذ، والأوعال، والخنازير، والعقبان.
قال: فالحيّة تعرف هذا من الخنزير، فهي تطالبه.
قال: والغراب مصادق للثّعلب، والثعلب مصادق للحيّة، والأسد والنمر مختلفان.
قال: وبين الفيلة اختلاف شديد، وكذلك ذكورها وإناثها، وهي تستعمل الأنياب إذا قاتل بعضها بعضا، وتعتمد بها على الحيطان فتهدمها، وتزحم النّخلة بجنبها فتصرعها.
وإذا صعب من ذكورتها شيء احتالوا له حتّى يكومه ذكر آخر، فإذا كامه خضع أبدا. وإذا اشتدّ خلقه وصعب عصبوا رجليه فسكن.
ويقال إنّ البعير إذا صعب وخافه القوم، استعانوا عليه فأبر كوه وعقلوه حتّى يكومه فحل آخر، فإذا فعل ذلك به ذلّ! وأمّا أصحابنا فحكوا وجوه العداوة الّتي بين الفيل والسّنّور- وهذا أعجب- وذهبوا إلى فزع الفيل من السّنّور، ولم يروه يفزع ممّا هو أشدّ وأضخم. وهذا الباب على خلاف الأوّل، كأنّ أكثر ذلك الباب بني على عداوة الأكفاء.
والشاة من الذئب أشدّ فرقا منها من الأسد، وإن كانت تعلم أنّ الأسد يأكلها.
وكذلك الحمام يعتريه من الشّاهين ما لا يعتريه من العقاب والبازي والصقر.
وكذلك الفأرة من السّنّور، وقد يأكلها ابن عرس. وأكثر ذلك أن يقتلها ولا يأكلها. وهي من السّنّور أشدّ فرقا.
والدّجاجة تأكلها أصناف من السباع، والثعلب يطالبها مطالبة شديدة، ولو أنّ دجاجا على رفّ مرتفع، أو كنّ على أغصان شجرة شاهقة، ثمّ مرّ تحتها كلّ صنف ممّا يأكلها، فإنّها تكون مستمسكة بها معتصمة بالأغصان التي هي عليها. فإذا مرّ تحتها ابن آوى وهنّ ألف، لم تبق واحدة منهنّ إلّا رمت بنفسها إليه.
والسبع لا يأكل الحارّ، والسّنّور لا يذوق الحموضة، ويجزع من الطّعام الحارّ.
والله تعالى أعلم.
ثمّ رجع بنا القول إلى مفاخر الكلب، ونبدأ بكلّ ما أشبه فيه الكلب الأسود والإنسان؛ وبشيء من صفات العظال.
قال صاحب المنطق (في كتابه الذي يقال له الحيوان، في موضع ذكر فيه الأسد) قال: إذا ضرب الأسد بمخالبه، رأيت موضع آثار مخالبه في أقدار شرط الحجّام أو أزيد قليلا، إلّا أنّه من داخل أوسع خرزا، كأنّ الجلد ينضمّ على سم مخالبه، فيأكل ما هنالك. فأمّا عضّته فإنّ دواءها دواء عضّة الكلب.
قال: وممّا أشبه فيه الكلب الأسد انطباق أسنانه. وممّا أشبه فيه الكلب الأسد النّهم، فإنّ الأسد يأكل أكلا شديدا، ويمضغ مضغا متداركا، ويبتلع البضع الكبار، من حاقّ الرغبة ومن الحرص، وكالذي يخاف الفوت. ولما نازع السّنّور من شبهه صار إذا ألقيت له قطعة لحم فإمّا أن يحملها أو يأكلها حيث لا تراه؛ وإمّا أن يأكلها وهو يكثر التلفّت، وإن لم يكن بحضرته سنّور ينازعه، والكلب يعضّ على العظم ليرضّه، فإن مانعه شيء وكان مما يسيغه، ابتلعه وهو واثق بأنّه يستمريه ويسيغه.
والنّهم يعرض للحيّات، والحيّة لا تمضغ، وإنما تبتلع ذوات الرّاسات، وهي غير ذوات الأنياب، فإنّها تمضغ المضغة والمضغتين وإن ابتلعت شيئا فيه عظم أتت عودا شاخصا فالتوت عليه، فحطمت العظم، والحيّة قويّة جدا.
قال: والأسد وإن كان ممّا لا يفارق الغياض ولا يفارق الماء فإنّه قليل الشرب للماء، وليس يلقى رجعه إلّا مرة في اليوم، وربّما كان في اليومين والثلاثة. ورجعه يابس شديد اليبس متعلّق، شبيه برجيع الكلب. ويشبهه أيضا من جهة أخرى وذلك أنّهما جميعا إذا بالا شغرا.
والكلب من أسماء الأسد، لقرابة ما بينه وبين الكلب.
والكلب يشبه الخنزير، فإنّ الخنزير يسمن في أسبوع، وإن جاع أيّاما ثم شبع شبعة تبيّن ذلك تبيّنا ظاهرا. ألا تراه ينزع إلى محاسن الحيوان، ويشبه أشراف السباع وكرائم البهائم؟!
ويقال: ليس في الأرض فحل من جميع أجناس الحيوان لذكره حجم ظاهر إلّا الإنسان والكلب. وليس في الأرض شيئان يتشابكان من فرط إرادة كلّ واحد منهما لطباع صاحبه، حتى يلتحم عضو الذكر بعضو الأنثى حتّى يصير التحامهما التحام الخلقة والبنية، لا كالتحام الملامسة والملازمة، إلّا كما يوجد من التحام قضيب الكلب بثفر الكلبة وقد يلزق القراد، ويغمس العلس مقاديمه في جوف اللحم، حتّى يرى صاحب القراد كأنّه صاحب ثؤلول. وما القراد المضروب به المثل في الالتحام إلّا دون التحام الكلبين. ولذلك إذا ضربوا المثل للمتباضعين بالسّيوف، والملتقيين للصّراع، فالتفّ بعضهم ببعض، قالوا: «كأنهم الكلاب المتعاظلة». وليس هذا النّوع من السّفاد إلّا للكلاب وزعم صاحب المنطق وغيره، أنّ الذّباب في ذلك كالكلب.
وكان إسماعيل بن غزوان قد تعشّق جارية كانت لمويس بن عمران، وكانت إذا وقعت وقعة إليه لم تمكث عنده إلّا بقدر ما يقع عليها، فإذا فرغ لبست خفّها وطارت، وكان إسماعيل يشتهي المعاودة وأن يطيل الحديث، ويريد القرص والشمّ والتقبيل والتجريد، ويعلم أنّه في الكوم الثاني والثالث أجدر أن ينظر، وأجدر أن يشتفي فكان ربّما ضجر ويذكرها بقلبه وهو في المجلس، فيقول: يا ربّ امسخني وإيّاها كلبين ساعة من الليل أو النّهار، حتّى يشغلها الالتحام عن التفكير في غضب مولاتها إن احتبست!!
وفي الكلبة أعجوبة أخرى: وذلك أنّه يسفدها كلب أبقع وكلب أسود وكلب أبيض وكلب أصفر، فتؤدّي إلى كلّ سافد شكله وشبهه، في أكثر ما يكون ذلك.
وأما تأويل الظالع في قول الحطيئة:
تسدّيتها من بعد ما نام ظالع الكلاب وأخبى ناره كلّ موقد
قال الأصمعيّ: يظلع الكلب لبعض ما يعرض للكلاب، فلا يمنعه ذلك من أن يهيج في زمن هيج الكلاب، فإذا رأى الكلبة المستحرمة لم يطمع في معاظلتها والكلاب منتبهة تنبح، فلا يزال ينتظر وقت فترة الكلاب ونومها، وذلك من آخر الليل.
وقال أحيحة بن الجلاح:
يا ليتني ليلة إذا هجع النّاس ونام الكلاب صاحبها
وممّا قيل في الكلاب::
وفتية من آل ذهل في الذرىمن الرقاشيّين في أعلى العلا
بيض بهاليل كرام المنتمىباتوا يسيرون إلى صوح اللوى
ينفون عن أعينهم طيب الكرىإلّا غشاشا بعد ما طال السّرى
يعدين إبلاء الفتى على الفتىحتى إذا ما كوكب الصّبح بدا
ماجوا بغضف كاليعاسيب خساثلاثة يقطعن حزّان الصّوى
رحيبة الأشداق غضف في دفاتلوي بأذناب قليلات اللّحا
سمعمعات الضّمر من طول الطّوىمن كلّ مضبور القرا عاري النّسا
محملج المتنين منحوض الشّوىشرنبث البرثن خفّاق الحشا
تخال منه القصّ من غير جنامسنّتا صفواء في حيدي صفا
يلتهب الغائط منه إن عدايقادح المرو وشذّان الحصا
حتّى إذا استسحر في رأد الضّحىبمربإ أوفى به على الرّبا
أرانبا من دونها سربا ظبانواشزا من أنس إلى خلا
فوضى يدعثرن أفاحيص القطالعلعن واستلهثن من غير ظما
مبالغات في نهيم وصأىكأنّما أعينها جمر الغضى
ثمّ تطلّعن معا كالبرق لافي الأرض يهوين ولا لوح الهوا
كأنّها في شرطها لما انبرىكواكب يرمى الشّياطين بها
يذمرن بالإيساد ذمرا وأياحتى إذا ما كنّ منهنّ كها
دارت عليهنّ من الموت رحىتجذبهنّ بحديدات الشّبا
شوامذ يلعطن معبوط الدّمابين خليع الزّور مرضوض الصّلا
وبين مفريّ النّياط قد شصاكأنّه مبتهل إذا دعا
ومائل الفودين مجلوز القفايقفين بالأكباد منها والكلى
وبالقلوب وكراديس الطّلى
وقال أيضا:
لمّا تبدّى الصّبح من حجابهوانعدل الليل إلى مآبه
خرّطه القانص واغتدى بهفي مقود يردع من جذابه
يعزّه طورا على استصعابهوتارة ينصبّ لانصبابه
كأنّما يفترّ من أنيابهعن مرهفات السّنّ من حرابه
يرثم أنف الأرض في ذهابهحتّى إذا أشرف من حدابه
بعد انحدار الطّرف وانقلابهبروضة القاع إلى أعجابه
أرسله كالسّهم إذ غالى بهيكاد أن ينسلّ من إهابه
كلمعان البرق في سحابهحتّى إذا ما كاد أو حدا به
وانصات للصّوت الذي يدعى بهكأنّما أدمج في خضابه
ما بين لحييه إلى أقرابهمشهّر الغدوّ في إيابه
وقال أيضا:
ما البرق في ذي عارض لمّاحولا انقضاض الكوكب المنصاح
ولا انبتات الدّلو بالمتّاحولا انسياب الحوت بالمنداح
حين دنا من راحة السّبّاحأجدّ في السّرعة من سرياح
يكاد عند ثمل المراحإذا سما الخاتل للأشباح
يطير في الجوّ بلا جناحيفترّ عن مثل شبا الرّماح
فكم وكم ذي جدّة لياحونازب أعفر ذي طماح
غادره مضرّج الصّفاح
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع