تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ذكر خصال الحرم

فمن خصاله: أنّ الذّئب يصيد الظّبي ويريغه ويعارضه، فإذا دخل الحرم كفّ عنه.

ومن خصاله: أنّه لا يسقط على الكعبة حمام إلّا وهو عليل. يعرف ذلك متى امتحن وتعرّفت حاله. ولا يسقط عليها ما دام صحيحا.

ومن خصاله: أنّه إذا حاذى أعلى الكعبة عرقة من الطّير كاليمام وغيره، انفرقت فرقتين ولم يعلها طائر منها.

ومن خصاله: أنّه إذا أصاب المطر الباب الذي من شقّ العراق، كان الخصب والمطر في تلك السّنة في شقّ العراق، وإذا أصاب الذي من شقّ الشّام كان الخصب والمطر في تلك السّنة في شقّ الشام. وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر والخصب عامّا في سائر البلدان.

ومن خصال الحرم: أنّ حصى الجمار يرمى بها في ذلك المرمى، مذ يوم حجّ النّاس البيت على طوال الدّهر، ثمّ كأنّه على مقدار واحد. ولولا موضع الآية والعلامة والأعجوبة التي فيها، لقد كان ذلك كالجبال. هذا من غير أن تكسحه السّيول، ويأخذ منه النّاس.

ومن سنّتهم: أنّ كلّ من علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، لا يرون الملك على من علاها، ولا يجمعون بين عزّ علوّها وذلة الملك.

وبمكة رجال من الصّلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ.

وكانوا في الجاهليّة لا يبنون بيتا مربّعا؛ تعظيما للكعبة. والعرب تسمّي كلّ بيت مربّع كعبة، ومنه: كعبة نجران. وكان أوّل من بنى بيتا مربّعا حميد بن زهير، أحد بني أسد بن عبد العزّى.

ثمّ البركة والشفاء الذي يجده من شرب من ماء زمزم على وجه الدهر وكثرة من يقيم عليه يجد فيه الشفاء، بعد أن لم يدع في الأرض حمّة إلّا أتاها، وأقام عندها، وشرب منها، واستنقع فيها.

هذا مع شأن الفيل، والطّير الأبابيل، والحجارة السّجّيل، وأنّها لم تزل أمنا ولقاحا، لا تؤدّي إتاوة، ولا تدين للملوك، ولذلك سمّي البيت العتيق؛ لأنّه لم يزل حرّا لم يملكه أحد.

وقال حرب بن أميّة في ذلك:

أبا مطر هلمّ إلى صلاحفتكفيك النّدامى من قريش
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أبا مطر هلم إلى صلاح»
فتأمن وسطهم وتعيش فيهمأبا مطر هديت لخير عيش
وتنزل بلدة عزّت قديماوتأمن أن يزروك ربّ جيش

وقال الله ﷿: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى

وقال ﷿، حكاية عن إبراهيم: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ

والمدينة هي طيبة، ولطيبها قيل تلفط خبثها وينصع طيبها. وفي ريح ترابها وبنّة تربتها، وعرف ترابها ونسيم هوائها، والنعمة التي توجد في سككها وفي حيطانها- دليل على أنّها جعلت آية حين جعلت حرما.

وكلّ من خرج من منزل مطيّب إلى استنشاق ريح الهواء والتّربة في كل بلدة فإنّه لابدّ عند الاستنشاق والتثبّت من أن يجدها منتنة. فذلك على طبقات من شأن البلدان، إلّا ما كان في مدينة الرّسول، رسول الله ﷺ، فللصّيّاح والعطر والبخور والنضوح، من الرائحة الطيبة- إذا كان فيها- أضعاف ما يوجد له في غيرها من البلدان، وإن كان الصّيّاح أجود، والعطر أفخر، والبخور أثمن.

وربّت بلدة يستحيل فيها العطر وتذهب رائحته، كقصبة الأهواز.

وقد كان الرشيد همّ بالإقامة بأنطاكية، وكره أهلها ذلك، فقال شيخ منهم، وصدقه: يا أمير المؤمنين، ليست من بلادك، ولا بلاد مثلك، لأنّ الطّيب الفاخر يتغيّر فيها حتّى لا ينتفع منه بكثير شيء، والسّلاح يصدأ فيها ولو كان من قلعة الهند، ومن طبع اليمن، ومطرها ربّما أقام شهرين، ليس فيه سكون. فلم يقم بها.

ثمّ ذكر المدينة فقال: وإنّ الجويرية السّوداء، لتجعل في رأسها شيئا من بلح، وشيئا من نصوح، مما لا قيمة له؛ لهوانه على أهله، فتجد لذلك خمرة طيّبة وطيب رائحة لا يعدلها بيت عروس من ذوي الأقدار. حتّى إنّ النّوى المنقع، الذي يكون عند أهل العراق في غاية النّتن، إذا طال إنقاعه، يكون عندهم في غاية الطّيب.

والله ﷾ أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.