من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر في الكلب وشأنه
قال طفيل الغنويّ:
أناس إذا ما أنكر الكلب أهلهحموا جارهم من كلّ شنعاء مظلع
يقول: إذا تكفّروا في السّلاح لم تعرفهم كلابهم.
ولم يدّع جميع أصحاب المعارف إلّا أنّ الكلب أشدّ ثباتا، وأصدق حسّا. وفي ذلك يقول الآخر:
فلا ترفعي صوتا وكوني قصيّةإذا ثوّب الدّاعي وأنكرني كلبي
يقول: إيّاك والصّراخ إذا عاينت الجيش.
وقوله: «أنكرني كلبي»، يخبر أنّ سلاحه تامّ من الدّرع والمغفر والبيضة.
فإذا تكفّر بسلاحه أنكره كلبه فنبحه.
وأما قوله:
إذا خرس الفحل وسط الحجوروصاح الكلاب وعقّ الولد
فأمّا قوله: إذا خرس الفحل، فإنّ الفحل [الحصان] إذا عاين الجيش وبوارق السيوف، لم يلتفت لفت الحجور.
وأمّا قوله: وصاح الكلاب. فإنّ الكلاب في تلك الحالة تنبح أربابها كما تنبح سرعان الخيل إليهم؛ لأنّها لا تعرفهم من عدوّهم.
وأما قوله: وعقّ الولد، فإنّ المرأة إذا صبّحتهم الخيل، ونادى الرجال يا صباحاه! ذهلت عن ولدها، وشغلها الرّعب عن كلّ شيء. فجعل تركها احتمال ولدها والعطف عليه في تلك الحالة، عقوقا منها، وهو قولهم: نزلت بهم أمور لا ينادى وليدها، وإنّما استعاروا هذه الكلمة فصيّروها في هذا الموضع من هذا المكان.
وقد ذكر ذلك مزرّد بن ضرار وغيره، فقال:
تبرّأت من شتم الرجال بتوبةإلى الله مني لا ينادى وليدها
وقال الآخر:
ظهرتم على الأحرار من بعد ذلّةوشقوة عيش لا ينادى وليدها
والذي يخرسه إفراط البرد، وإلحاح المطر، كما قال الهذليّ:
وليلة يصطلي بالفرث جازرهايختص بالنّقرى المثرين داعيها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةمن الصّقيع، ولا تسري أفاعيها
وقال ابن هرمة:
واسأل الجار والمعصّب والأضياف وهنا إذا تحيّوا لديّا
كيف يلقونني إذا نبح الكلب وراء الكسور نبحا خفيّا
وقال آخر:
إذا عمي الكلب في ديمةوأخرسه الله من غير صرّ
يقول: الكلب وإن أخرسه البرد الذى يكون مع المطر والرّيح التي تمرّ بالصّحارى المطيرة فتبرد، فإنّ الكلب وإن ناله ذلك فإنّ ذلك من خصب، وليس ذلك من صرّ.
والكلب إذا ألحّت عليه السحائب بالأمطار في أيام الشتاء لقي جنّة فمتى أبصر غيما نبحه، لأنّه قد عرف ما يلقّى من مثله، وفي المثل: «لا يضرّ السّحاب نباح الكلاب» فقال الشاعر:
وما لي لا أغزو وللدّهر كرّةوقد نبحت نحو السماء كلابها
يقول: قد كنت أدع الغزو مخافة العطش على الخيل والأنفس، فما عذري اليوم والغدران كثيرة، ومناقع المياه موفورة.
والكلاب لا تنبح السحاب إلّا من إلحاح المطر وترادفه.
وقال الأفوه الأوديّ، في نبح الكلاب السحاب، وذلك من وصف الغيم:
له هيدب دان ورعد ولجّةوبرق تراه ساطعا يتبلّج
فباتت كلاب الحيّ ينبحن مزنهوأضحت بنات الماء فيها تعمّج
وقال أبو خالد النميريّ: وذكروا فرعون ذا الأوتاد عند أبي حيّة النميريّ، فقال أبو حيّة: الكلب خير منه وأحزم! قال: فقيل له كيف خصصت الكلب بذلك؟ قال:
لأنّ الشاعر يقول:
وما لي لا أغزو وللدّهر كرّةوقد نبحت نحو السماء كلابها
وقال الفرزدق:
فإنّك إن تهجو حنيفة سادراوقبلك قد فاتوا يد المتناول
كفرعون إذ يرمي السّماء بسهمهفردّ عليه السهم أفوق ناصلي
فهذا يرمي السماء بجهله، وهذا ينبح السحاب من جودة فطنته.
وزعم فهد الأحزم أنّ الكلب إنّما عرف مخرج ذلك الشيء المؤذي له حتّى نبحه بالقياس، لأنّه إنما نبحه بعد أن توالى عليه الأذى من تلك الجهة. وكان فهد يتعصّب للكلب. فقلت له: وكذلك الحمار إذا رفعت عليه السّوط مرّ من تحتك مرّا حثيثا، فالقياس علّمه أنّ السّوط متى رفع حطّ، ومتى حطّ أصابه، ومتى أصابه ألم.
فما فضل الكلب في هذا الموضع على الحمار، والحمار هو الموصوف بالجهل؟!
قال الفرزدق:
وقد نبح الكلب السحاب ودونهامهامه تعشي نظرة المتأمّل
وقال الآخر:
ما لك لا تنبح يا كلب الدّومقد كنت نبّاحا فما بال اليوم
قال: كان هذا رجل ينتظر عيرا له تقدم، فكان إذا جاءت العير نبح، فاحتبست عليه العير، فقال كالمتمنّي وكالمنتظر المستبطئ: ما لك لا تنبح؟ أي ما للعير لا تأتي.
وقال: خرج إياس بن معاوية، فسمع نباح كلب فقال: هذا كلب مشدود. ثم سمع نباحه فقال: قد أرسل. فانتهوا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال.
فقال له غيلان أبو مروان: كيف علمت أنّه موثق وأنّه أطلق؟ قال: كان نباحه وهو موثق يسمع من مكان واحد، فلما أطلق سمعته يقرب مرّة ويبعد مرة، ويتصرّف في ذلك.
وقالوا: مرّ إياس بن معاوية ذات ليلة بماء، فقال: أسمع صوت كلب غريب.
قيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال: بخضوع صوته وشدّة نباح الآخر. فسألوا فإذا هو غريب مربوط والكلاب تنبحه.
وقال بعض العلماء: كلب أبقع، وفرس أبلق، وكبش أملح، وتيس أبرق، وثور أشيه.
ويقال كلب وكلاب وكليب، ومعز وماعز ومعيز. وقال لبيد:
فبتنا حيث أمسينا قريباعلى جسداء تنبحنا الكليب
وقال علقمة بن عبدة:
وتصبح عن غبّ السّرى وكأنّهامولّعة تخشى القنيص شبوب
تعفّق بالأرطى لها وأرادهارجال فبذّت نبلهم وكليب
وقال عبادة بن محبّر السعدي:
فمن للخيل بعد أبي سراجإذا ما أشنج الصّرّ الكليبا
وهؤلاء كلهم جاهليّون.
وقال حمّويه الخريبي وأنشدوه:
كأنّك بالمبارك بعد حينتخوض غماره بقع الكلاب
وأنشدوه:
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقدأمسى شريدهم في الأرض فلّالا
فقال: لا خير في بقع الكلاب البتة، وسود الكلاب أكثرها عقورا.
وخير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى ألوان الأسد من الصّفرة والحمرة.
والتبقيع هجنة.
وخير السنانير الخلنجيّة، وخير كلاب الصّيد البيض.
قالوا: إنّ الأسدّ للهراش الحمر والصّفر، والسّود للذّئاب، وهي شرّها، وقال النبي ﷺ: «لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها. ولكن اقتلوا منها كلّ أسود بهيم».
وكلّ شيء من الحيوان إذا اسودّ شعره أو جلده، أو صوفه، كان أقوى لبدنه ولم تكن معرفته بالمحمودة.
وزعم أنّ الحمام الهدّاء إنما هو في الخضر والنمر، فإذا اسودّ الحمام حتّى يدخل في الاحتراق صار مثل الزّنجيّ الشديد البطش. القليل المعرفة. والأسود لا يجيء من البعد، لسود هدايته. والأبيض وما ضرب فيه البياض لا يجيء من الغاية، لضعف قواه. وعلى قدر ما يعتريه من البياض يعتريه من الضّعف.
فالكلب هو الأصفر والأحمر، والحمام هو الأخضر والأنمر، والسّنّور هو الخلنجيّ العسّال، وسائر الألوان عيب.
وقد يكون فيها ومنها الخارجيّ كما يكون من الخيل، ولكنّه لا يكاد ينجب، ولا تعدو الأمور المحمودة منه رأسه، وقد يكون ربّما أشبه وقرب من النّجابة، فإذا كان كذلك كان كهذه الأمهات والآباء المنجبة، إلّا أنّ ذلك لا يتمّ منها إلا بعد بطون عدّة.
وقال أبو زيد: قال ردّاد: أقول للرجل الّذي إذا ركب الإبل فعقر ظهورها من
إتعابه. هذا رجل معقر، وكذلك السّرج والقتب، ولا يقال للكلب إلّا عقور. ويقال هو ضرو للكلب الضاري على الصيد، وضروة للكلبة، وهذا ضراء كثيرة، وكلب ضار، وكلاب ضوار. وقد ضريت أشدّ الضراوة. وقال ذو الرّمّة:
مقزّع أطلس الأطمار ليس لهإلّا الضّراء وإلا صيدها نشب
وقال طفيل الغنوي:
تباري مراخيها الزّجاج كأنّهاضراء أحسّت نبأة من مكلّب
ومنه قيل: إناء ضار وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إيّاكم وهذه المجازر فإنّ لها ضراوة كضراوة الخمر».
وقال الأصمعيّ: كلب أبقع وكلبة بقعاء، وفرس أبلق وفرس بلقاء، وتيس أبرق وعنز برقاء، وكذلك جبل أبرق وكساء أبرق وكلب أبرق.
وقال ابن داحة: نزل عندنا أعرابيّ ومعه ابنان له صغيران، وكان أحدهما مستهترا باللّعب بالكلاب، وكان الآخر مستهترا بالحملان، فقال الأعرابيّ لصاحب الكلب:
ما لي أراك مع الكلاب جنيبةوأرى أخاك جنيبة الحملان
قال: فردّ عليه الغلام:
لولا الكلاب وهرشها من دونهاكان الوقير فريسة الذّؤبان
والوقير: اسم للغنم الكثيرة السائمة مع ما فيها من الحمير وغير ذلك.
وقال الشماخ بن ضرار:
فأوردهنّ تقريبا وشدّاشرائع لم يكدّرها الوقير
وقال الشاعر في تثبيت ما قال الغلام:
تعدو الذّئاب على من لا كلاب لهوتتّقي صولة المستأسد الضاري
وقال الآخر:
إنّ الذئاب ترى من لا كلاب لهوتتّقي حوزة المستثفر الحامي
وقال محمّد بن إبراهيم: قدمت امرأة إلى مكّة، وكانت ذات جمال وعفاف وبراعة وشارة، فأعجبت ابن أبي ربيعة، فأرسل إليها فخافت شعره، فلما أرادت الطّواف قالت لأخيها: اخرج معي. فخرج معها، وعرض لها عمر فلمّا رأى أخاها أعرض عنها، فأنشدت قول جرير:
تعدو الذّئاب على من لا كلاب لهوتتّقي حوزة المستأسد الحامي
هذا حديث أبي الحسن، وأمّا بنو مخزوم فيزعمون أنّ ابن أبي ربيعة لم يحلّ إزاره على حرام قطّ، وإنما كان يذهب في نسيبه إلى أخلاق ابن أبي عتيق، فإنّ ابن أبي عتيق كان من أهل الطّهارة والعفاف، وكان من سمع كلامه توهّم أنّه من أجرأ الناس على فاحشة.
وما يشبه الذي يقول بنو مخزوم ما ذكروا عن قريش والمهاجرين؛ فإنّهم يقولون: إنّ عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة إنّما سمّي بعمر بن الخطاب وإنّه ولد ليلة مات عمر. فلما كان بعد ذلك ذكروا فساد هذا وصلاح ذلك فقالوا: أيّ باطل وضع، وأيّ حقّ رفع!!
ومثل هذا الكلام لا يقال لمن يوصف بالعفّة الثابتة.
ولبغض المزاح في لعب الصبيان بالكلاب واستهتارهم بها. كتب شريح إلى معلّم ولد له كان يدع الكتّاب ويلعب بالكلاب:
ترك الصّلاة لأكلب يلهو بهاطلب الهراش مع الغواة الرّجّس
وليأتينّك غاديا بصحيفةيغدو بها كصحيفة المتلمّس
فإذا خلوت فعضّه بملامةأو عظه موعظة الأديب الأكيس
وإذا هممت بضربه فبدرّةوإذا ضربت بها ثلاثا فاحبس
واعلم بأنّك ما فعلت فإنّهمع ما يجرّعني أعز الأنفس
وهذا الشعر عندنا لأعشى بني سليم في ابن له. وقد رأيت ابنه هذا شيخا كبيرا. وهو يقول الشعر؛ وله أحاديث كثيرة ظريفة.
وقال صاحب الكلب: ومما يدلّ على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة النّاس من مدحه بالخير والشرّ، وبالحمد وبالذمّ، حتّى ذكر في القرآن مرّة بالحمد ومرّة بالذّم. وبمثل ذلك ذكر في الحديث، وكذلك في الأشعار والأمثال، حتى استعمل في الاشتقاقات، وجرى في طريق الفأل والطّيرة، وفي ذكر الرؤيا والأحلام، ومع الجن والحنّ والسّباع والبهائم. فإن كنتم قضيتم عليه بالشر وبالنقص، وباللؤم وبالسقوط لأنّ ذلك كلّه قد قيل فيه، فالذي قيل فيه من الخير أكثر، ومن الخصال المحمودة أشهر.
وليس شيء أجمع لخصال النقص من الخمول، لأنّ تلك الخصال المخالفة لذلك، تعطي من النّباهة وتقيم من الذكر على قدر المذكور من ذلك. وكما لا تكون الخصال التي تورث الخمول مورثة للنباهة، فكذلك خصال النّباهة في مجانبة الخمول، لأنّ الملوم أفضل من الخامل.
وسمع الترجمان بن هريم عند يزيد بن عمر بن هبيرة، رجلا يقول: ما جاء الحارث ابن شريح بيوم خير قطّ. قال التّرجمان: إلا يكن جاء بيوم خير فقد جاء بيوم شرّ.
وبعد فأيّ رئيس كان خيره محضا عدم الهيبة. ومن لم يعمل بإقامة جزاء السيئة والحسنة، وقتل في موضع القتل، وأحيا في موضع الإحياء. وعفا في موضع العفو، وعاقب في موضع العقوبة، ومنع ساعة المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالف الرّبّ في تدبيره، وظنّ أن رحمته فوق رحمة ربه.
وقد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع. وبعض العفو إغراء، كما أنّ بعض المنع إعطاء، ولا خير فيمن كان خيره محضا، وشرّ منه من كان شرّه صرفا، ولكن اخلط الوعد بالوعيد، والبشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم بالإيقاع، فإنّ الناس لا يهابون ولا يصلحون إلّا على الثّواب والعقاب، والإطماع والإخافة. ومن أخاف ولم يوقع وعرف بذلك، كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك، ومن عرف بذلك دخل عليه بحسب ما عرف منه. فخير الخير ما كان ممزوجا، وشرّ الشرّ ما كان صرفا، ولو كان النّاس يصلحون على الخير وحده لكان الله ﷿ أولى بذلك الحكم.
وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار على استعمال المكروه والمحبوب، دليل على أنّ الصواب فيه دون غيره.
وإذا كان الناس إنما يصلحون على الشّدّة واللين، وعلى العفو والانتقام وعلى البذل والمنع، وعلى الخير والشرّ، عاد بذلك الشرّ خيرا وذلك المنع إعطاء وذلك المكروه محبوبا. وإنّما الشأن في العواقب، وفيما يدوم ولا ينقطع وفيما هو أدوم، ومن الأنقطاع أبعد.
وقال الشاعر، وهو يمدح قوما:
إن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوافالجهد يخرج منهم طيب أخبار
وإن تودّدتهم لانوا وإن شهمواكشفت أذمار حرب غير أغمار
وقال العتبي:
ولكن بنو خير وشر كليهماجميعا ومعروف ألمّ ومنكر
وقال بعض من ارتجز يوم جبلة:
أنا الغلام الأعسرالخير فيّ والشرّ
والشرّ فيّ أكثر
وقال عبد الملك بن مروان لزفر بن الحارث؛ وقد دخل عليه في رجالات قيس:
ألست امرأ من كندة؟ قال: وما خير من لا يتّقى حسدا، ويدعى رغبة.
وقال ثمامة: الشّهرة بالشرّ خير من أن لا أعرف بخير ولا شرّ.
وكان يقال: يستدل على نباهة الرّجل من الماضين بتباين الناس فيه.
وقال: ألا ترى أن عليّا- رضي الله تعالى عنه- قال: يهلك فيّ فئتان: محبّ مفرط، ومبغض مفرط.
وهذه صفة أنبه الناس، وأبعدهم غاية في مراتب الدّين وشرف الدنيا. ألا ترى أن الشاعر يقول:
أرى العلباء كالعلباء لا حلو ولا مرّ
شييخ من بني الجارود لا خير ولا شرّ
وقال الآخر:
عيّرتني يا ثكلتني أمّيأسود مثل الجعل الأحمّ
ينطح عرض الجبل الأصمّليس بذي القرن ولا الأجمّ
وإذا كان الرجل أبرع الناس براعة، وأظهرهم فضلا، وأجمعهم لخصال الشرف، ثمّ كانت كلّ خصلة مساوية لأختها في التّمام، ولم تغلب عليه خصلة واحدة، فإنّ هذا الرّجل لا يكاد يوصف إلّا بالسيادة والرياسة خاصّة إذا لم يكن له مسند عما يكون هو الغالب عليه.
وقالوا فيما يشبه ما ذكرنا، وإن لم يكن هو بعينه، قال الشاعر:
هينون لينون أيسار ذوو يسرسوّاس مكرمة أبناء أيسار
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهممثل النّجوم التي يسري بها الساري
وقد قال مثل الذي وصفنا جعفر الضبّيّ في الفضل بن سهل: أيّها الأمير أسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السّؤدد، وحيّرني فيها كثرة عددها، فليس إلى ذكر جميعها سبيل، وإن أردت وصف واحدة اعترضت أختها، إذ لم تكن الأولى أحقّ بالذكر. ولست أصفها إلّا بإظهار العجز عن وصفها.
ولذلك قالوا: «أحلم من الأحنف»، و «ما هو إلّا في حلم معاوية» و «أحلم من قيس بن عاصم»، ولم يقولوا: أحلم من عبد المطّلب، ولا هو أحلم من هاشم، لأنّ الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه، فلمّا كانت خصاله متساوية، وخلاله مشرفة متوازية، وكلّها كان غالبا ظاهرا، وقاهرا غامرا، سمّي بأجمع الأشياء ولم يسمّ بالخصلة الواحدة، فيستدلّ بذلك على أنّها كانت أغلب خصال الخير عليه.
وإذا بلغ السّيد في السّؤدد الكمال، حسده من الأشراف من يظنّ أنّه الأحقّ به، وفخرت به عشيرته، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على مرتبة سيّد عشيرته فهجاه. ومن طلب عيبا وجده. فإن لم يجد عيبا وجد بعض ما إذا ذكره، وجد من يغلط فيه ويحمله عنه. ولذلك هجي حصن بن حذيفة، وهجي زرارة ابن عدس، وهجي عبد الله بن جدعان، وهجي حاجب بن زرارة.
وإنّما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم وطاعة القبيلة لهم، لم يذهبوا فيمن تحت أيديهم من قومهم، ومن حلفائهم وجيرانهم، مذهب كليب بن ربيعة، ولا مذهب حذيفة بن بدر، ولا مذهب عيينة بن حصن، ولا مذهب لقيط بن زرارة، ولأنّ لقيطا لم يأمر بسحب ضمرة بن ضمرة إلّا وهو لو بقي لجاوز ظلم كليب وتهكم عيينة، فإنّ هؤلاء وإن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون، وكانوا بين أن يظلموا وبين أن يحتملوا ظلما ممن ظلمهم. ولا بدّ من الاحتمال كما لا بدّ من الانتصار.
وقد قال ﷿: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
. وإلى هذا المعنى رجع قول الحكيم الأوّل: «بعض القتل إحياء للجميع».
وعامّة هولاء السّادة لم يكن شأنهم أن يردّوا الناس إلى أهوائهم، وإلى الانسياق لهم بعنف السّوق، وبالحرب في القود، بل كانوا لا يؤثرون التّرهيب على الترغيب.
والخشونة على التليين. وهم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء.
ومتى أحبّ السّيّد الجامع، والرئيس الكامل قومه أشدّ الحبّ وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حبّ قومه له. هذا إذا لم يتوثّب إليه ولم يعترض عليه من بني عمّه وإخوته من قد أطمعته الحال باللّحاق به. وحسد الأقارب أشدّ، وعداوتهم على حسب حسدهم.
وقد قال الأوّلون: رضا الناس شيء لا ينال.
وقد قيل لبعض العرب: من السّيّد فيكم؟ قال الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه! وقد قال الأوّل: بغضاء السّوق موصولة بالملوك والسادة، وتجري في الحاشية مجرى الملوك.
وليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوامّ. وقد قال الهذليّ يصف صعوبة السياسة:
وإن سياسة الأقوام فاعلملها صعداء مطلبها طويل
وقال آخر في شبيه بهذا المعنى:
ودون النّدى في كلّ قلب ثنيّةلها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى في كلّ نيل ينيلهإذا ما انقضى، لو أنّ نائله جزل
وقال عامر بن الطّفيل:
وإنّي وإن كنت ابن سيّد عامروفارسها المشهور في كلّ موكب
فما سوّدتني عامر من وراثةأبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّني أحمي حماها وأتّقيأذاها وأرمي من رماها بمنكب
وقال زياد بن ظبيان لابنه عبيد الله بن زياد وزياد يغرغر بنفسه: ألا أوصي بك الأمير؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: إذا لم يكن للحي إلّا وصيّة الميّت، فالحيّ هو الميّت».
وقال آخر في هذا المعنى:
والعزّ لا يأتي بغير تطلّب
وقال بشامة بن الغدير في خلاف ذلك، وأن يثبت أن يكون منه كان:
وجدت أبي فيهم وجدّي كليهمايطاع ويؤتى أمره وهو محتبي
فلم أتعمّل للسّيادة فيهمولكن أتتني طائعا غير متعب
ومن الناس من يقول: إن العيش كلّه في كثرة المال، وصحة البدن، وخمول الذكر.
وقال من يخالفه: لا يخلو صاحب البدن الصّحيح والمال الكثير، من أن يكون بالأمور عالما، أو يكون بها جاهلا. فإن كان بها عالما فعلمه بها لا يتركه حتّى يكون له من القول والعمل على حسب علمه، لأنّ المعرفة لا تكون كعدمها، لأنّها لو كانت
موجودة غير عاملة لكانت المعرفة كعدمها، وفي القول والعمل ما أوجب النّباهة، وأدنى حالاته أن تخرجه من حدّ الخمول، ومتى أخرجته من حدّ الخمول فقد صار معرّضا لمن يقدر على سلبه.
وكما أنّ المعرفة لا بدّ لها من عمل، ولا بدّ للعمل من أن يكون قولا أو فعلا، والقول لا يكون قولا إلّا وهناك مقول له، والفعل لا يكون فعلا إلّا وهناك مفعول له، وفي ذلك ما أخرج من الخمول وعرف به الفاعل.
وإذا كانت المعرفة هذا عملها في التنبيه على نفسها، فالمال الكثير أحقّ بأنّ عمله الدّلالة على مكانه، والسّعاية على أهله. والمال أحقّ بالنميمة، وأولى بالشكر، وأخدع لصاحبه، بل يكون له أشدّ قهرا، ولحيّه أشدّ فسادا.
وإن كانت معرفته ناقصة فبقدر نقصانها يجهل مواضع اللذة. وإن كانت تامّة فبقدر تمامها ينفى الخمول ويجلب الذّكر.
وبعد فليس يفهم فضيلة السلامة. وحقائق رشد العافية، الذين ليس لهم من المعرفة إلّا الشّدو، وإلّا خلاق أوساط الناس. ومتى كان ذلك كذلك، لم يعرف المدخل الذي من أجله يكره ذو المال الشّهرة. ومن عرف ذلك على حقّه وصدقه، لم يدعه فهمه لذلك حتّى يدلّ على فهمه. وعلى أنّه لا يفهم هذا الموضع حتّى يفهم كلّ ما كان في طبقته من العلم. وفي أقلّ من ذلك ما يبين به حاله من حال الخامل.
وشروط الأمانيّ غير شروط جواز الأفعال وإمكان الأمور. وليس شيء ألذّ ولا أسرّ من عزّ الأمر والنهي، ومن الظّفر بالأعداء، ومن عقد المنن في أعناق الرجال، والسّرور بالرّياسة وبثمرة السيادة، لأنّ هذه الأمور هي نصيب الرّوح، وحظّ الذهن، وقسم النّفس. فأمّا المطعم والمشرب والمنكح والمشمّة، وكلّ ما كان من نصيب الحواسّ، فقد علمنا أن كلّ ما كان أشدّ نهما وأرغب، كان أتمّ لوجدانه الطعم. وذلك قياس على مواقع الطّعم من الجائع، والشراب من العطشان.
ولكنّا إذا ميّلنا بين الفضيلة التي مع السّرور، وبين لذّة الطعام، وما يحدث الشّره له من ألم السهر والالتهاب والقلق وشدّة الكلب، رأينا أنّ صاحبه مفضول غير فاضل. هذا مع ما يسبّ به، ومع حمله له على القبيح، وعلى أنّ نعمته متى زالت لم
يكن أحد أشقى منه. هذا مع سرور العالم بما وهب الله له من السلامة من آفة الشّره، ومن فساد الأخلاط.
وبعد فلا يخلو صاحب الثّروة والصامت الكثير، الخامل الذكر من أن يكون ممّن يرغب في المركب الفاره، والثوب اللين، والجارية الحسنة، والدار الجيّدة، والمطعم الطيّب، أو يكون ممن لا يرغب في شيء من ذلك. فإن كان لا يرغب في هذا النوع كلّه، ولا يعمل في ماله للدّار الآخرة. ولا يعجب بالأحدوثة الحسنة، ويكون ممن لا تعدو لذّته أن يكون كثير الصامت، فإنّ هذا حمار أو أفسد طبعا من الحمار، وأجهل من الحمار، وقد رضي أن يكون في ماله أسوأ حالا من الوكيل.
وبعد فلا بدّ للمال الكثير من الحراسة الشّديدة، ومن الخوف عليه، فإن أعمل الحراسة له، وتعب في حفظه وحسب الخوف، خرج عليه فضل. فإن هو لم يخف عليه- ولا يكون ذلك في سبيل التوكّل- فهو في طباع الحمار وفي جهله. والذي أوجب له الخمول ليؤدّيه إلى سلامة المال له، قد أعطاه من الجهل ما لا يكون معه إلّا مثل مقدار لذة البهيمة في أكل الخبط.
وإن هو ابتاع فرّه الدواب، وفرّه الخدم والجواري، واتخذ الدار الجيّدة، والطعام الطيّب والثّوب الليّن وأشباه ذلك، فقد دلّ على ماله. ومن كان كذلك ثمّ ظهرت له ضيعة فاشية، أو تجارة مربحة، يحتمل مثل ذلك الذي يظهر من نفقته. وإلا فإنّه سيوجد في اللّصوص عند أوّل من يقطع عليه، أو مكابرة تكون، أو تعب يؤخذ لأهله المال العظيم.
ولو عنى بقوله الخمول وصحة البدن والمال، فذهب إلى مقدار من المال مقبولا ولكن ما لمن كان ماله لا يجاوز هذا المقدار يتهيّأ الخمول.
ولعمري إنّ الخمول ليكون في طبقات كثيرة، قال أبو نخيلة:
شكرتك إنّ الشّكر حبل من التّقىوما كلّ من أقرضته نعمة يقضي
فأحييت من ذكري وما كان خاملاولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
قالوا: ولسقوط الخامل من عيون الناس، قالت الأعرابيّة لابنها: إذا جلست مع الناس فإن أحسنت أن تقول كما يقولون فقل، وإلّا فخالف تذكر! وأمّا الأصمعيّ فزعم أنّها قالت: فخالف ولو بأن تعلّق في عنقك أير حمار.
وليس يقول هذا القول إلّا من ليس يعرف شكر الغنى، وتقلّب الأموال إلى ما خلقت له، وقطعها عقلها، وخلعها عذرها، وتيه أصحابها، وكثرة خطاهم في حفظها وسترها، وعجزهم عن إماتة حركتها ومنعها من جميع ما تنازع إليه وتحمل عليه.
وقد روينا في الملح أنّ رجلا قال لصاحب له: أبوك الذي جهل قدره، وتعدّى طوره، فشقّ العصا، وفارق الجماعة، لا جرم لقد هزم ثم أسر ثمّ قتل ثمّ صلب! قال له صاحبه: دعني من ذكر هزيمة أبي، ومن أسره وقتله وصلبه. أبوك هل حدّث نفسه بشيء من هذا قطّ؟!
وليس إلى النّاس بعد الهمم وقصرها، وإنما تجري الهمم بأهلها إلى الغايات، على قدر ما يعرض لهم من الأسباب. ألا ترى أنّ أبعد النّاس همّة في نفسه، وأشدّهم تلفتا إلى المراتب، لا تنازعه نفسه إلى طلب الخلافة، لأن ذلك يحتاج إلى نسب، أو إلى أمر قد وطّئ له بسبب، كسبب طلب أوائل الخوارج الخلافة بالدّين وحده دون النّسب. فإن صار من الخوارج فقد حدث له سبب إمكان الطّلب، أكدى أم نجح.
وقد زعم ناس من العلماء أنّ رجالا خطبت للسّيادة والنّباهة والطّاعة في العشيرة.
وكذلك القبيلة ربّما سعدت بالحظّ، وربّما حظيت بالجدّ، وإنّما ذلك على قدر الاتفاق، وإنما هو كالمعافى والمبتلى، وإنما ذلك كما قال زهير:
وجدت المنايا خبط عشواء من تصبتمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
وكما تحظى بعض الأشعار وبعض الأمثال، وبعض الألفاظ دون غيرها، ودون ما يجري مجراها أو يكون أرفع منها.
قالوا: وذلك موجود في المرزوق والمحروم، وفي المحارف والذي تجوز
عليه الصّدقة. وكم من حاذق بصناعته، وكثير الجولان في تجارته، وقد بلغ فرغانة مرّة، والأندلس مرة، ونقّب في البلاد، وربع في الآفاق، ومن حاذق يشاور ولا يستعمل، ثمّ لا تجدهما يستبينان، من سوء الحال وكثرة الدّين. ومن صاحب حرب منكوب، وهو اللّيث على براثنه، مع تمام العزيمة وشدّة الشّكيمة، ونفاذ البصيرة، ومع المعرفة بالمكيدة والصّبر الدّائم على الشدّة.
وبعد؛ فكم من بيت شعر قد سار، وأجود منه مقيم في بطون الدّفاتر، لا تزيده الأيّام إلّا خمولا، كما لا تزيد الذي دونه إلّا شهرة ورفعة. وكم من مثل قد طار به الحظّ حتّى عرفته الإماء، ورواه الصّبيان والنّساء.
وكذلك حظوظ الفرسان. وقد عرفت شهرة عنترة في العامّة. ونباهة عمرو بن معد يكرب، وضرب الناس المثل بعبيد الله بن الحرّ، وهم لا يعرفون، بل لم يسمعوا قطّ بعتيبة بن الحارث بن شهاب، ولا ببسطام بن قيس، وكان عامر بن الطفيل أذكر منهما نسبا.
ويذكرون عبيد الله بن الحرّ، ولا يعرفون شعبة بن ظهير ولا زهير بن ذؤيب، ولا عبّاد بن الحصين. ويذكرون اللسن والبيان والخطيب ابن القرّيّة ولا يعرفون سحبان وائل.
والعامّة لم يصل ذكر هؤلاء إليهم إلّا من قبل الخاصّة، والخاصّة لم تذكر هؤلاء دون أولئك، فتركت تحصيل الأمور والموازنة بين الرجال وحكمت بالسّابق إلى القلب، على قدر طباع القلب وهيئته، ثمّ استوت علل العامّة في ذلك وتشابهت.
والعامّة والباعة والأغنياء والسّفلة كأنّهم أعذار عام واحد. وهم في باطنهم أشدّ تشابها من التوأمين في ظاهرهما، وكذلك هم في مقادير العقول وفي الاعتراض والتسرّع، وإن اختلفت الصّور والنّغم، والأسنان والبلدان.
وذكر الله ﷿ ردّ قريش ومشركي العرب على النبيّ ﷺ قوله، فذكر ألفاظهم، وجهد معانيهم، ومقادير هممهم التي كانت في وزن ما يكون من جميع
الأمم إلى أنبيائهم، فقال: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
وقال: أَتَواصَوْا بِهِ
ثم قال:
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا
. ومثل هذا كثير، ألا ترى أنّك لا تجد بدّا في كلّ بلدة وفي كلّ عصر للحاكة من أن يكونوا على مقدار واحد وجهة واحدة، من السّخط والحمق، والغباوة والظلم، وكذلك النخّاسون على طبقاتهم. من أصناف ما يبيعون. وكذلك السماكون والقلّاسون وكذلك أصحاب الخلقان كلّهم، في كلّ دهر وفي كلّ بلد، على مثال واحد، وعلى جهة واحدة.
وكلّ حجّام في الأرض فهو شديد الاستهتار بالنبيذ، وإن اختلفوا في البلدان والأجناس والأسنان.
ولا ترى مسجونا ولا مضروبا عند السّلطان إلّا وهو يقول: إنّي مظلوم، ولذلك قال الشاعر:
لم يخلق الله مسجونا تسائلهما بال سجنك إلّا قال مظلوم
وليس في الأرض خصمان يتنازعان إلى حاكم، إلّا كلّ واحد منهما يدّعي عدم الإنصاف والظّلم على صاحبه.
وليس في الأرض إنسان إلّا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعتريه الغلط في شعره وفي ولده. إلّا أنّ الناس في ذلك على طبقات من الغلط: فمنهم الغرق المغمور، ومنهم من قد نال من الصواب ونال من الخطأ، ومنهم من يكون خطؤه مستورا لكثرة صوابه، فما أحسن حاله ما لم يمتحن بالكشف. ولذلك احتاج العاقل في العجب بولده، وفي استحسان كتبه وشعره، من التحفظ والتوقّي، ومن إعادة النظر والتّهمة إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك.
والعامّة تحكم أنّ حاتما أجود العرب، ولو قدّمته على هرم الجواد لما اعترضته عليهم. ولكنّ الذي يحدّث به عن حاتم، لا يبلغ مقدار ما رووه عن كعب بن مامة، لأنّ كعبا بذل نفسه في أعطية الكرم وبذل المجهود فساوى حاتما من هذه الوجه، وباينه ببذل المهجة.
ونحن نقول: إنّ الأشعار الصحيحة بها المقدار الذي يوجب اليقين بأنّ كعبا كان كما وصفوا. فلو لم يكن الأمر في هذا إلى الجدود والحظوظ والاتفاقات، وإلى علل باطنة تجري الأمور عليها، وفي الغوص عليها وفي معرفتها بأعيانها عسر، لما جرت الأمور على هذه المجاري، ولو كان الأمر فيها مفوّضا إلى تقدير الرأي، لكان ينبغي لغالب بن صعصعة أن يكون من المشهورين بالجود، دون هرم وحاتم.
فإن زعمت أنّ غالبا كان إسلاميّا وكان حاتم في الجاهلية. والناس بمآثر العرب في الجاهليّة أشدّ كلفا، فقد صدقت. وهذا أيضا ينبئك أنّ الأمور في هذا على خلاف تقدير الرأي، وإنّما تجري في الباطن على نسق قائم، وعلى نظر صحيح، وعلى تقدير محكم، فقد تقدّم في تعبيتهما وتسويتهما من لا تخفى عليه خافية، ولا يفوته شيء ولا يعجزه، وإلّا فما بال أيّام الإسلام ورجالها. لم تكن أكبر في النفوس، وأحلّ في الصدور من رجال الجاهليّة، مع قرب العهد وعظم خطر ما ملكوا، وكثرة ما جادت به أنفسهم، ومع الإسلام الذي شملهم، وجعله الله تعالى أولى بهم من أرحامهم.
ولو أنّ جميع مآثر الجاهليّة وزنت به، وبما كان في الجماعات اليسيرة من رجالات قريش في الإسلام لأربت هذه عليها، أو لكانت مثلها.
فليس لقدر الكلب والدّيك في أنفسهما وأثمانهما ومناظرهما ومحلّهما من صدور العامّة أسلفنا هذا الكلام، وابتدأنا بهذا القول. ولسنا نقف على أثمانهما من الفضّة والذّهب، ولا إلى أقدارهما عند الناس. وإنما نتنظّر فيما وضع الله ﷿ فيهما من الدّلالة عليه، وعلى إتقان صنعه، وعلى عجيب تدبيره، وعلى لطيف حكمته، وفيما استخزنهما من عجائب المعارف، وأودعهما من غوامض الأحساس، وسخّر لهما من عظام المنافع والمرافق، ودلّ بهما على أنّ الذي ألبسهما ذلك التّدبير، وأودعهما تلك الحكم، يجبّ أن يفكّر فيهما؛ ويعتبر بهما، ويسبّح الله ﷿ عندهما. فغشّى ظاهرهما بالبرهان، وعمّ باطنهما بالحكم، وهيّج على النظر فيهما والاعتبار بهما؛ ليعلم كلّ ذي عقل أنّه لم يخلق الخلق سدى؛ ولم يترك الصّور هملا؛ وليعلموا أنّ الله ﷿ لم يدع شيئا غفلا غير موسوم، ونثرا غير منظوم، وسدى غير محفوظ؛ وأنّه لا يخطئه من عجيب تقديره، ولا يعطله من حلي تدبيره، ولا من زينة الحكم وجلال قدرة البرهان.
ثمّ عمّ ذلك بين الصّؤابة والفراشة، إلى الأفلاك السبعة وما دونها من الأقاليم السبعة.
وقد قال تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
. وقد يتّجه هذا الكلام في وجوه:
أحدها أن تكون ها هنا ضروب من الخلق لا يعلم بمكانهم كثير من الناس، ولا بدّ أن يعرف ذلك الخلق معنى نفسه، أو يعلمه صفوة جنود الله وملائكته، أو تعرفه الأنبياء، أو يعرفه بعض الناس، لا يجوز إلّا ذلك. أو يكون الله ﷿ إنما عنى أنّه خلق أسبابا، ووهب عللا، وجعل ذلك رفدا لما يظهر لنا ونظاما.
وكان بعض المفسّرين يقول: من أراد أن يعرف معنى قوله: وَيَخْلُقُ ما لا
تَعْلَمُونَ
فليوقد نارا في وسط غيضه، أو في صحراء بريّة ثمّ ينظر إلى ما يغشى النار من أصناف الخلق من الحشرات والهمج فإنّه سيرى صورا، ويتعرّف خلقا لم يكن يظنّ أنّ الله تعالى خلق شيئا من ذلك العالم. وعلى أنّ الخلق الذي يغشى ناره يختلف على قدر اختلاف مواضع الغياض والبحار والجبال. ويعلم أنّ ما لم يبلغه أكثر وأعجب. وما أردّ هذا التأويل، وإنّه ليدخل عندي في جملة ما تدلّ عليه الآية.
ومن لم يقل ذلك لم يفهم عن ربّه ولم يفقه في دينه.
كأنّك لا ترى أنّ في ديدان الخلّ والملح، والدّيدان التي تتولد في السّموم إذا عتقت وعرض لها العفن- وهي بعد قواتل- عبرة وأعجوبة، وأنّ التفكّر فيها مشحذة للأذهان، ومنبهة لذوي الغفلة، وتحليل لعقدة البلدة»
، وسبب لاعتياد الرويّة وانفساح الصدور، وعزّ في النفوس، وحلاوة تقتاتها الرّوح، وثمرة تغذّي العقل، وترقّ في الغايات الشريفة، وتشرّف إلى معرفة الغايات البعيدة.
وكأنّك لا ترى أنّ في فأرة البيش وفي السمندل آية غربية، وصفة عجيبة، وداعية إلى التفكّر، وسببا إلى التعجّب والتّعجيب.
وكأنّك لا ترى أنّ في الجعل، الذي متى دفنته في الورد سكنت حركته وبطلت في رأي العين روحه، ومتى أعدته إلى الرّوث انحلّت عقدته، وعادت حركته، ورجع حسه- أعجب العجب، وأحكم الحكم!.
وأيّ شيء أعجب من الخلد ! وكيف يأتيه رزقه، وكيف يهيّئ الله له ما
يقوته وهو أعمى لا يبصر، وأصمّ لا يسمع، وبليد لا يتصرّف، وأبله لا يعرف!. ومع ذلك أنّه لا يجوز باب جحره، ولا يتكلّف سوى ما يجلب إليه رازقه ورازق غيره.
وأيّ شيء أعجب من طائر ليس له رزق إلّا أن يخلّل أسنان التّمساح، ويكون ذلك له.
وأيّ شيء أعجب من طائرين، يراهما الناس من أدنى جدود البحر من شقّ البصرة، إلى غاية البحر من شقّ السّند، أحدهما كبير الجثّة يرتفع في الهواء صعدا، والآخر صغير الجثّة يتقلّب عليه ويعبث به، فلا يزال مرّة يرفرف حوله ويرتقي على رأسه، ومرّة يطير عند ذناباه، ويدخل تحت جناحه ويخرج من بين رجليه، فلا يزال يغمّه ويكربه حتّى يتّقيه بذرقه، فإذا ذرق شحا له فاه فلا يخطئ أقصى حلقه حتّى كأنّه دحا به في بئر، وحتّى كأنّ ذرقه مدحاة بيد أسوار، فلا الطائر الصغير يخطئ في التلقّي، وفي معرفته أنّه لا رزق له إلّا الذي في ذلك المكان؛ ولا الكبير يخطئ التّسديد، ويعلم أنّه لا ينجيه منه إلا أن يتّقيه بذرقه، فإذا أوعى ذلك الذّرق، واستوفى ذلك الرّزق، رجع شبعان ريّان بقوت يومه، ومضى الطائر الكبير لطيّته.
وأمرهما مشهور وشأنهما ظاهر، لا يمكن دفعه ولا تهمة المخبرين عنه.
فجعل تعالى وعزّ بعض الوحوش كسوبا محتالا، وبعض الوحوش متوكّلا غير محتال، وبعض الحشرات يدّخر لنفسه رزق سنته؛ وبعضا يتّكل على الثّقة بأنّ له كلّ يوم قدر كفايته، رزقا معدّا وأمرا مقطوعا. وجعل بعض الهمج يدّخر، وبعضه يتكسّب، وبعض الذكورة يعول ولده، وبعض الذكورة لا يعرف ولده، وبعض الإناث تخرّج ولدها، وبعض الإناث تضيّع ولدها وتكفل ولد غيرها، وبعض الأجناس معطوفة على كل ولد من جنسها، وبعض الإناث لا تعرف ولدها بعد استغنائه عنها،
وبعض الإناث لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وبعض الإناث تأكل ولدها، وكذلك بعض الذكورة. وبعض الأجناس يعادي كلّ ما يكسر بيضها أو يأكل أولادها. وجعل يتم بعض الحيوان من قبل أمّهاتها، وجعل يتم بعضها من قبل آبائها، وجعل بعضها لا يلتمس الولد وإن أتاه الولد، وجعل بعضها مستفرغ الهمّ في حبّ الذّرء والتماس الولد؛ وجعل بعضها يزاوج وبعضها لا يزاوج ليكون للمتوكل من الناس جهة في توكّله، وللمتكسّب جهة في تكسّبه وليحضر على بالهم أسباب البرّ والعقوق، وأسباب الحظر والتربية، وأسباب الوحشة من الأرحام الماسّة.
ولمكان افتراق المعاني واختلاف العلل، قال رسول الله ﷺ لبعضهم: «اعقلها وتوكّل». وقال لبلال «أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا».
فافهموا هذا التدبير، وتعلّموا هذه الحكم، واعرفوا مداخلها ومخارجها ومفرّقها ومجموعها؛ فإنّ الله ﷿ لم يردّد في كتابه ذكر الاعتبار، والحثّ على التفكير، والترغيب في النظر وفي التثبّت والتعرّف والتوقّف، إلّا وهو يريد أن تكونوا علماء من تلك الجهة، حكماء من هذه التعبئة.
ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنّه لولا الاستدلال بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى. لولا تمييز المضارّ من المنافع، والرديّ من الجيّد بالعيون المجعولة لذلك، لما جعل الله ﷿ العيون المدركة. والإنسان الحسّاس إذا كانت الأمور المميّزة عنده، أخذ ما يحتاج إليه وترك ما يستغني عنه وما يضرّ أخذه، فيأخذ ما يحبّ ويدع ما يكره، ويشكر على المحبوب ويصبر على المكروه، حتى يذكر بالمكروه كيفيّة العقاب ويذكر بالمحبوب كيفيّة الثواب، ويعرف بذلك كيفيّة التضاعيف، ويكون ما يغمّه رادعا له، وممتحنا بالصّبر عليه، وما يسرّه باسطا له وممتحنا بالشكر عليه. وللعقل في خلال ذلك مجال، وللرأي تقلب، وتنشقّ
للخواطر أسباب، ويتهيأ لصواب الرأي أبواب. ولتكون المعارف الحسّية والوجدانات الغريزيّة، وتمييز الأمور بها، إلى ما يتميز عند العقول وتحصره المقاييس. وليكون عمل الدّنيا سلّما إلى عمل الآخرة، وليترقّى من معرفة الحواس إلى معرفة العقول، ومن معرفة الرويّة من غاية إلى غاية؛ حتّى لا يرضى من العلم والعمل إلّا بما أدّاه إلى الثّواب الدائم، ونجّاه من العقاب الأليم.
سنذكر طرفا ممّا أودع الله- ﷿ الكلب ممّا لا تحسنه أنت أيّها الإنسان، مع احتقارك له وظلمك إيّاه.
وكيف لا تكون تلك الحكم لطيفة، وتلك المعاني غريبة، وتلك الأحساس دقيقة، ونحن نعلم أنّ أدقّ الناس حسّا وأرقّهم ذهنا وأحضرهم فهما، وأصحّهم خاطرا وأكملهم تجربة وعلما، لو رام الشيء الذي يحسنه الكلب في كثير من حالات الكلب لظهر له من عجزه وخرقه، وكلال حدّه وفساد حسّه، ما لا يعرف بدونه إنّ الأمور لم تقسم على مقدار رأيه، ولا على مبلغ عقله وتقديره، ولا على محبّته وشهوته؛ وأنّ الذي قسم ذلك لا يحتاج إلى المشاورة والمعاونة، وإلى مكانفة ومرافدة، ولا إلى تجربة ورويّة. ونحن ذاكرون من ذلك جملا إن شاء الله تعالى.
اعلم أنّ الكلب إذا عاين الظّباء، قريبة كانت أو بعيدة، عرف المعتلّ وغير المعتل وعرف العنز من التّيس. وهو إذا أبصر القطيع لم يقصد إلّا قصد التّيس- وإن علم أنّه أشدّ حضرا، وأطول وثبة، وأبعد شوطا- ويدع العنز وهو يرى ما فيها من نقصان حضرها وقصر قاب خطوها، ولكنّه يعلم أنّ التّيس إذا عدا شوطا أو شوطين حقب ببوله !!.
وكلّ حيوان إذا اشتدّ فزعه، فإنّه يعرض له إمّا سلس البول والتقطير، وإمّا الأسر والحقب. وكذلك المضروب بالسياط على الأكتاف، وبالعصيّ على الأستاه. وما أكثر ما يعتريهم البول والغائط.
وكذلك صار بعض الفرسان الأبطال إذا عاين العدوّ قطّر إلى أن يذهب عنه، لهول الجنان.
وإذا حقب التّيس لم يستطع البول مع شدّة الحضر، ومع النّفز والزّمع، ووضع القوائم معا ورفعها معا، في أسرع من الطّرف فيثقل عدوه، ويقصر مدى خطاه، ويعتريه البهر حتّى يلحقه الكلب فيأخذه.
والعنز من الظّباء إذا اعتراها البول من شدّه الفزع لم تجمعه، وحذفت به كإيزاغ المخاض الضّوارب، لسعة السّبيل وسهولة المخرج، فتصير لذلك أدوم شدّا، وأصبر على المطاولة.
فهذا شيء في طبع الكلب معرفته، دون سائر الحيوان.
والكلب المجرّب لا يحتاج في ذلك إلى معاناة، ولا إلى تعلّم، ولا إلى رويّة ولا إلى تكلف، قد كفاه ذلك الذي خلق العقل والعاقل والمعقول، والداء والدواء والمداواة والمداوي، وقسم الأمور على الحكمة، وعلى تمام مصلحة الخليقة.
ومن معرفة الكلب، أنّ المكلّب يخرجه إلى الصيد في يوم، الأرض فيه ملبسة من الجليد، ومغشّاة بالثّلج، قد تراكم عليها طبقا على طبق، حتّى طبّقها واستفاض فيها، حتّى ربّما ضربته الريح ببردها، فيعود كلّ طبق منها وكأنّه صفاة ملساء، أو صخرة خلقاء، حتى لا يثبت عليها قدم ولا خفّ، ولا حافر ولا ظلف، إلّا بالتثبيت الشديد، أو بالجهد والتّفريق- فيمضي الكلّاب بالكلب، وهو إنسان عاقل، وصيّاد مجرّب، وهو مع ذلك لا يدري أين جحر الأرنب من جميع بسائط الأرض، ولا موضع كناس ظبي، ولا مكو ثعلب، ولا غير ذلك من موالج وحوش الأرض؛
فيتخّرق الكلب بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله ويتشمّم ويتبصّر، فلا يزال كذلك حتّى يقف على أفواه تلك الجحرة، وحتى يثير الذي فيها بتنفيس الذي فيها، وذلك أن أنفاسها وبخار أجوافها وأبدانها، وما يخرج من الحرارة المستكنّة في عمق الأرض- ممّا يذيب ما لاقاها من فم الجحر، من الثّلج الجامد، حتى يرقّ ويكاد أن يثقبه وذلك خفيّ غامض، لا يقع عليه قانص ولا راع، ولا قائف ولا فلّاح، وليس يقع عليه إلّا الكلب الصائد الماهر.
وعلى أنّ للكلب في تتبّع الدّرّاج والإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق، من الرّفق وحسن الاهتداء والتأتّي ما يخفى مكانه على البيازرة والكلّابين.
وقد خبّرني صديق لي أنّه حبس كلبا له في بيت وأغلق دونه الباب في الوقت الذي كان طبّاخه يرجع فيه من السوق ومعه اللحم، ثمّ أحدّ سكّينا بسكين، فنبح الكلب وقلق، ورام فتح الباب؛ لتوهمّه أنّ الطّبّاخ قد رجع من السوق بالوظيفة، وهو يحد السّكّين ليقطع اللّحم!!.
قال: فلما كان العشيّ صنعنا به مثل ذلك، لنتعرّف حاله في معرفة الوقت، فلم يتحرّك!!.
قال: وصنعت ذلك بكلب لي آخر فلم يقلق إلّا قلقا يسيرا، فلم يلبث أن رجع الطّباخ فصنع بالسّكّين مثل صنيعي، فقلق حتّى رام فتح الباب!!.
قال فقلت: والله لئن كان عرف الوقت بالرّصد فتحرّك له، فلما لم يشمّ ريح اللحم عرف أنّه ليس بشيء، ثمّ لما سمع صوت السّكّين والوقت بعد لم يذهب، وقد جيء باللحم فشمّ ريح اللّحم من المطبخ وهو في البيت، أو عرف فصل ما بين إحدادي السّكّين وإحداد الطباخ، إنّ هذا أيضا لعجب.
وإنّ اللحم ليكون بيني وبينه الذراعان والثلاث الأذرع، فما أجد ريحه إلّا بعد أن أدنيه من أنفي. وكلّ ذلك عجب.
ولم أجد أهل سكّة أصطفانوس، ودار جارية، وباعة مربّعة بني منقر يشكّون أنّ كلبا كان يكون في أعلى السكة، وكان لا يجوز محرس الحارس أيام الأسبوع كلّه، حتّى إذا كان يوم الجمعة أقبل قبل صلاة الغداة، من موضعه ذلك إلى باب جارية، فلا يزال هناك مادام على معلاق الجزّار شيء من لحم. وباب جارية تنحر عنده الجزر في جميع أيّام الجمع خاصّة، فكان ذلك لهذا الكلب عادة، ولم يره أحد منهم في ذلك الموضع في سائر الأيّام، حتّى إذا كان غداة الجمعة أقبل! فليس يكون مثل هذا إلّا عن مقداريّة بمقدار ما بين الوقتين.
ولعلّ كثيرا من الناس ينتابون بعض هذه المواضع في يوم الجمعة، إمّا لصلاة، وإمّا لغير ذلك، فلا يعدمهم النّسيان من أنفسهم، والاستذكار بغيرهم. وهذا الكلب لم ينس من نفسه، ولا يستذكر بغيره.
وزعم هؤلاء بأجمعهم أنّهم تفقّدوا شأن هذا الكلب منذ انتبهوا لصنيعه هذا، فلم يجدوه غادر ذلك يوما واحدا. فهذا هذا.
وأنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عبيدة لبعض الشعراء:
يعرّد عنه جاره وشقيقهوينبش عنه كلبه وهو ضاربه
قال أبو عبيدة: قيل ذلك لأنّ رجلا خرج إلى الجبّان ينتظر ركابه فأتبعه كلب كان له، فضرب الكلب وطرده، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر، فأبى الكلب إلّا أن يذهب معه، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار، ربض الكلب قريبا منه، فبينا هو كذلك إذ أتاه أعداء له يطلبونه بطائلة لهم عنده، وكان معه جار له وأخوه دنيا، فأسلماه وهربا عنه، فجرح جراحات ورمي به في بئر غير بعيدة القعر، ثم حثوا عليه من التراب حتّى غطّى رأسه ثم كمّم فوق رأسه منه، والكلب في ذلك
يزجم ويهرّ، فلمّا انصرفوا أتى رأس البئر؛ فما زال يعوي وينبث عنه ويحثو التّراب بيده ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسه، فتنفّس وردّت إليه الرّوح؛ وقد كاد يموت ولم يبق منه إلّا حشاشة، فبينا هو كذلك إذ مرّ ناس فأنكروا مكان الكلب ورأوه كأنّه يحفر عن قبر، فنظروا فإذا هم بالرّجل في تلك الحال، فاستشالوه فأخرجوه حيّا، وحملوه حتّى أدّوه إلى أهله، فزعم أنّ ذلك الموضع يدعى ببئر الكلب. وهو متيامن عن النّجف.
وهذا العمل يدل على وفاء طبيعي وإلف غريزي ومحاماة شديدة، وعلى معرفة وصبر، وعلى كرم وشكر، وعلى غناء عجيب ومنفعة تفوق المنافع، لأنّ ذلك كلّه كان من غير تكلف ولا تصنّع.
وقال مؤمّل بن خاقان، لأعرابيّ من بني أسد، وقد أكل جرو كلب: أتاكل لحم الكلب وقد قال الشاعر:
إذا أسديّ جاع يوما ببلدةوكان سمينا كلبه فهو آكله
أكلّ هذا قرما إلى اللحم؟ قال: فأنشأ الأسديّ يقول:
وصبّا بحظّ اللّيث طعما وشهوةفسائل أخا الحلفاء إن كنت لا تدري
قال: وذلك لأنّ الأسد لا يحرص على شيء من اللّحمان حرصه على لحم الكلب. وأمّا العامّة فتزعم أنّ لحوم الشاء أحبّ اللّحمان إليه، قالوا: ولذلك يطيف الأسد بجنبات القرى، طلبا لاغترار الكلب؛ لأنّ وثبة الأسد تعجل الكلب عن القيام وهو رابض، حتّى ربّما دعاهم ذلك إلى إخراج الكلب من قراهم؛ إلّا أن يكون بقرب ضياعهم خنازير، فليس حينئذ شيء أحبّ إليهم من أن تكثر الأسد عندهم. وإنّما
يخرجون عنهم في تلك الحالات الكلاب، لأنّهم يخافونها على ما هو عندهم أنفس من الكلب، وهذه مصلحة في الكلب، ولا يكون ذلك إلّا في القرى التي بقرب الغيضة أو المأسدة.
فزعم لي بعض الدّهاقين قولا لا أدري كيف هو، ذكر أنّهم لا يشكّون أنّه إنّما يطلب الكلب لحنقه عليه. لا من طريق أنّ لحمه أحبّ اللّحمان إليه. وإنّ الأسد ليأتي مناقع المياه. وشطوط الأنهار، فيأكل السّراطين والضفادع، والرّق والسلاحف، وإنّه أشره من أن يختار لحما على لحم. قال: وإنّما يكون ذلك منه إذا أراد المتطرّف من حمير القرية وشائها وسائر دوابّها. فإذا لجّ الكلب في النّباح انتبهوا ونذروا بالأسد. فكانوا بين أن يحصّنوا أموالهم وبين أن يهجهجوا به. فيرجع خائبا. فإذا أراد ذلك بدأ بالكلب؛ لأن يأمن بذلك الإنذار، ثمّ يستولي على القرية بما فيها. فإنّما يطالب الأسد الكلاب لهذه العلّة.
وسمعت حديثا من شيوخ ملّاحي الموصل- وأنا هائب له- ورأيت الحديث يدور بينهم، ويتقبّله جميعهم. وزعموا أنّ الأسد ربّما جاء إلى قلس السفينة، فيتشبّث به ليلا، والملّاحون يمدّون السفينة فلا يشكّون أنّ القلس قد التفّ على صخرة، أو تعلّق بجذم شجرة. ومن عاداتهم أن يبعثوا الأوّل من المدّادين ليحلّه.
فإذا رجع إليه الملّاح ليمدّه تمدّد الأسد بالأرض، ولزق بها وغمّض عينيه كي لا يبصر وبيصهما بالليل، فإذا قرب منه وثب عليه فخطفه، فلا يكون للملّاحين هم إلّا إلقاء أنفسهم في الماء وعبورهم إليه. وربما أكله إلّا ما بقي منه، وربما جرّ فريسته إلى عرّيسه وعرينه، وإلى أجرائه وأشباله، وإن كان ذلك على أميال.
قالوا: فليس الدّيك من بابة الكلب؛ لأنّه إن ساوره قهره قهرا ذريعا. وسلاح الكلب الذي هو في فيه، أقوى من صيصة الديك التي في رجله، وصوته أندى وأبعد مدى وعينه أيقظ.
والكلب يكفي نفسه ويحمي غيره، ويعول أهله، فيكون لصاحبه غنمه وليس عليه غرمه. ولما يرمح الدوابّ من الناس، ولما يحرن ويجمع، وتنطح وتقتل أهلها في يوم واحد، أكثر ممّا يكون من جميع الكلاب في عام.
والكبش ينطح فيعقر ويقتل، من غير أن يهاج ويعبث به.
والبرذون يعضّ ويرمح من غير أن يهاج به ويعبث.
وأنت لا تكاد ترى كلبا يعضّ أحدا إلّا من تهييج شديد، وأكثر ذلك أيضا إنّما هو النّباح والوعيد.
والكلب يعرف وجه ربّه من وجه عبده وأمته، ووجه الزائر. حتّى ربّما غاب صاحب الدار حولا مجرّما، فإذا أبصره قادما اعتراه من الفرح والبصبصة، والعواء الذي يدلّ على السرور، وعلى شدّة الحنين ما لا يكون فيه شيء فوقه.
وخبّرني صديق لي قال: كان عندنا جرو كلب، وكان لي خادم لهج بتقريبه، مولع بالإحسان إليه، كثير المعاينة له، فغاب عن البصرة أشهرا، فقلت لبعض من عندي: أتظنون أنّ فلانا (يعني الكلب) يثبت اليوم صورة فلان (يعني خادمه الغائب) وقد فارقه وهو جرو، وقد صار كلبا يشغر ببوله؟ قالوا: ما نشك أنّه قد نسي صورته وجميع برّه كان به. قال: فبينا أنا جالس في الدار إذ سمعت من قبل باب الدار نباحه، فلم أر شكل نباحه من التأنّب والتعثيث والتوعّد، ورأيت فيه بصبصة
السّرور، وحنين الإلف. ثمّ لم ألبث أن رأيت الخادم طالعا علينا، وإنّ الكلب ليلتفّ على ساقيه، ويرتفع إلى فخذيه، وينظر في وجهه، ويصيح صياحا يستبين فيه الفرح.
ولقد بلغ من إفراط سروره أنّي ظننت أنّه عرض. ثمّ كان بعد ذلك يغيب الشّهرين والثلاثة، أو يمضي إلى بغداد ثم يرجع إلى العسكر بعد أيّام، فأعرف بذلك الضّرب من البصبصة، وبذلك النوع من النّباح، أنّ الخادم قدم. حتّى قلت لبعض من عندي: ينبغي أن يكون فلان قد قدم، وهو داخل عليكم مع الكلب.
وزعم لي أنّه ربّما ألقي لهذا الجرو إلى أن صار كلبا تامّا، بعض الطعام فيأكل منه ما أكل، ثم يمضي بالباقي فيخبؤه. وربّما ألقي إليه الشيء وهو شبعان فيحتمله، حتّى يأتي به بعض المخابئ فيضعه هناك، حتّى إذا جاع رجع إليه فأكله.
وزعم لي غلماني وغيرهم من أهل الدّرب، أنّه كان ينبح على كلّ راكب يدخل الدرب إلى عراقيب برذونه، سائسا كان أو صاحب دابّة إلّا أنّه كان إذا رأى محمد بن عبد الملك داخلا إلى باب الدرب أو خارجا منه، لم ينبح البتّة، لا عليه ولا على دابّته، بل كان لا يقف له على الباب ولا على الطريق، ولكنّه يدخل الدّهليز سريعا، فسألت عن ذلك فبلغني أنه كان إذا أقبل صاح به الخادم، وأهوى له بالضّرب، فيدخل الدّهليز، وأنه ما فعل ذلك به إلّا ثلاث مرار، حتّى صار إذا رأى محمّد بن عبد الملك، دخل الدّهليز من تلقاء نفسه، فإذا جاوز وثب على عراقيب دوابّ الشاكريّة.
ورأيت هذا الخبر عندهم مشهورا.
قال: وكنّا إذا تغدّينا دنا من الخوان فزجرناه مرّة أو مرّتين، فكان لا يقربنا، لمكان الزّجر، ولا يبعد عن الخوان لعلّة الطمع، فإن ألقينا إليه شيئا أكله ثمّ، ودنا من أجل ذلك بعض الدّنوّ. فكنّا نستظهر عليه، فنرمي باللّقمة فوق مربضه بأذرع. فإذا أكلها ازداد في الطّمع، فقرّبه ذلك من الخوان، ثمّ يجوز موضعه الذي كان فيه. ولولا ما كنا نقصد إليه من امتحان ما عنده، ليصير ما يظهر لنا حديثا، لكان إطعام الكلب والسّنّور من الخوان خطأ من وجوه: أوّلها أن يكون يصير له به دربة، حتّى إنّ منها ما يمدّ يده إلى ما على المائدة حتّى ربما تناول بفيه ما عليها، وربّما قاء الذي يأكل
وهم يرونه، وربّما لم يرض بذلك حتّى يعود في قيئه. وهذا كله مما لا ينبغي أن يحضره الرئيس، ويشهده ربّ الدار. وهو على الحاشية أجوز.
فأمّا علماء الفرس والهند، وأطبّاء اليونانيّين ودهاة العرب، وأهل التّجربة من نازلة الأمصار وحذّاق المتكلّمين، فإنهم يكرهون الأكل بين أيدي السّباع، يخافون نفوسها وأعينها، للّذي فيها من الشّره والحرص، والطّلب والكلب، ولما يتحلّل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء، وينفصل من عيونها من الأمور المفسدة، التي إذا خالطت طباع الإنسان نقضته.
وقد روي مثل ذلك عن الثّوري عن سماك بن حرب عن ابن عبّاس أنّه قال على منبر البصرة: إنّ الكلاب من الحنّ، وإنّ الحنّ من ضعفة الجنّ، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليه شيئا واطردوها، فإنّ لها أنفس سوء.
ولذلك كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذابّ والأشربة على رؤوسهم وهم يأكلون؛ مخافة النفس والعين. وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون في السّنّور والكلب: إمّا أن تطرده قبل أن تأكل وإمّا أن تشغله بشيء يأكله، ولو بعظم.
ورأيت بعض الحكماء وقد سقطت من يده لقمة فرفع رأسه، فإذا عين غلام له تحدّق نحو لقمته، وإذا الغلام يزدرد ريقه لتحلّب فمه من الشّهوة. وكان ذلك الحكيم جيّد اللّقم، طيّب الطعام، ويضيّق على غلمانه. فيزعمون أنّ نفوس السّباع وأعينها في هذا الباب أردأ وأخبث.
وبين هذا المعنى وبين قولهم في إصابة العين الشيء العجيب المستحسن شركة وقرابة؛ وذلك أنّهم قالوا: قد رأينا رجالا ينسب ذلك إليهم، ورأيناهم، وفيهم من إصابة العين مقدار من العدد، لا نستطيع أن نجعل ذلك النّسق من باب الاتّفاق. وليس إلى ردّ الخبر سبيل؛ لتواتره وترادفه، ولأنّ العيان قد حقّقه، والتجربة قد ضمّت إليه.
وفي الحديث المأثور في العين التي أصابت سهل بن حنيف فأمر رسول الله ﷺ في ذلك بالذي أمر، وذلك مشهور.
قالوا: ولولا فاصل ينفصل من عين المستحسن إلى بدن المستحسن، حتّى يكون ذلك الداخل عليه هو الناقض لقواه لما جاز أن يلقى مكروها البتّة. وكيف يلقى المكروه من انساق في حيزه وموضعه، والذي أصابته العين في حيّزه أيضا وموضعه، من غير تماسّ ولا تصادم، ولا فاصل ولا عامل لاقى معمولا فيه. ولا يجوز أن يكون المعتل بعد صحّته يعتلّ من غير معنى بدنه. ولا تنتقض الأخلاط ولا تتزايل إلّا لأمر يعرض، لأنه حينئذ يكون ليس بأولى بالانتقاض من جسم آخر. وإن جاز للصحيح أن يعتلّ من غير حادث، جاز للمعتلّ أن يبرأ من غير حادث. وكذلك القول في الحركة والسكون. وإذا جاز ذلك كان الغائب قياسا على الحاضر الذي لم يدخل عليه شيء من مستحسن له. فإذا كان لا بدّ من معنى قد عمل فيه، فليس لذلك المعنى وجه إلّا أن يكون انفصل إليه شيء عمل فيه. وإلّا فكيف يجوز أن يعتلّ من ذات نفسه، وهو على سلامته وتمام قوّته، ولم يتغيّر ولم يحدث عليه ما يغيّره. فهو وجسم غائب في السّلامة من الأعراض سواء. وهذا جواب المتكلّمين الذين يصدّقون بالعين، ويثبتون الرّؤيا.
وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكّنا في الصناعة، يصلح للرئاسة، حتّى يكون الذي يحسن من كلام الدّين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. والعالم عندنا هو الذي يجمعهما، والصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال.
ومن زعم أنّ التوحيد لا يصلح إلا بإبطال حقائق الطبائع، فقد حمل عجزه على الكلام في التوحيد. وكذلك إذا زعم أنّ الطبائع لا تصحّ إذا قرنتها بالتوحيد. ومن قال فقد حمل عجزه على الكلام في الطبائع.
وإنّما ييأس منك الملحد إذا لم يدعك التوفّر على التوحيد إلى بخس حقوق الطبائع؛ لأنّ في رفع أعمالها رفع أعيانها. وإذا كانت الأعيان هي الدالّة على الله فرفعت الدّليل، فقد أبطلت المدلول عليه، ولعمري إنّ في الجمع بينهما لبعض الشّدّة.
وأنا أعوذ بالله تعالى أن أكون كلّما غمز قناتي باب من الكلام صعب المدخل، نقضت ركنا من أركان مقالتي! ومن كان كذلك لم ينتفع به.
فإن قال قائل: وما بلغ من أمر هذا الفاصل الذي لا يشعر به القوم الحضور ولا الذي انفصل منه، ولا المارّ بينهما، ولا المتلقّي له ببدنه وليس دونه شيء، وكيف لم يعمل في الأقرب دون الأبعد، والأقرب إنسان مثله، ولعلّه أن يكون طبعه أشدّ اجتذابا للآفات!.
وبعد، فكيف يكون شيء يصرع الصحيح ويضجع القائم، وينقض القوى، ويمرض الأصحّاء، ويصدع الصّخر ويهشم العظم، ويقتل الثّور، ويهدّ الحمار، ويجري في الجماد مجراه في النبات، ويجري في النّبات مجراه في الحيوان، ويجري في الصّلابة والملاسة جريه في الأشياء السخيفة الرّخوة؛ وهو ممّا ليس له صدم كصدم الحجر، أو غرب كغرب السّيف، أو حدّ كحدّ السّنان؛ وليس من جنس السمّ، فيحمل على نفوذ السّمّ؛ وليس من جنس الغذاء فيحمل على نفوذ الغذاء، وليس من جنس السّحر فيقال إنّ العمّار عملوا ذلك من طريق طاعتهم للعزائم. فلعلّ ذلك إنّما كان شيئا وافق شيئا.
قيل لهم: قد تعلمون كيف مقدار سمّ الجرّارة أو سمّ الأفعى، وكيف لو وزنتم الجرّارة قبل لسعها وبعده لوجدتموها على حال واحدة. وأنت ترى كيف تفسخ عقد بدن الفيل، وكيف تنقض قوى البعير، من غير صدم كصدم الحجر، وغرب كغرب السّيف، وحدّ كحدّ السنان.
فإن قلت: فهل ناب الأفعى وإبرة العقرب إلّا في سبيل حدّ السنان؟ قلنا: إنّ البعير لو كان إنما يتفسّخ لطعن العقرب بإبرتها لما كان ذلك يبلغ منها مقدار النّخس فقط، ولكنّه لا بدّ أن يكون ذلك لأحد أمرين: إمّا أن تكون العقرب تمجّ فيه شيئا من إبرتها، فيكون طبع ذلك وإن قلّ يفسخ الفيل والزّندبيل، وإمّا أن يكون طبع ذلك الدّم إذا لاقاه طبع ذلك الناب وتلك الإبرة أن يجمد فيقتل بالإجماد، أو يذيب فيقتل بالإذابة. فأيّهما كان فإنّ الأمر فيه على خلاف ما صدّرتم به المسألة.
ولا تنازع بين الأعراب- والأعراب ناس إنّما وضعوا بيوتهم وأبنيتهم وسط السّباع والأحناش والهمج، فهم ليس يعبرون إلّا بها، وليس يعرفون سواها- وقد أجمعوا على أنّ الأفعى إذا هرمت فلم تطعم- ولم يبق في فمها دم أنّها تنكز بأنفها، وتطعن به، ولا تعضّ بفيها، فيبلغ النّكز لها ما كان يبلغ لها قبل ذلك اللّدغ.
وهل عندنا في ذلك إلا تكذيبهم أو الرجوع إلى الفاصل الذي أنكرتموه، لأنّ أحدا لا يموت من تلك النّخسة، إن كان ليس هناك أكثر من تلك الغمزة.
وقال العجّاج، أو ابنه رؤبة:
كنتم كمن أدخل في جحر يدافأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
ثم قال:
بالشمّ لا بالسّمّ منه أقصدا
وقال الآخر:
أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسهاأو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا
وقد حدّثني الأصمعيّ بفرق ما بين النّكز وغيره عند الأعراب.
وههنا أمثال نضربها، وأمور قد عاينتموها، يذلّل بها هذا المعنى عندكم ويسهل بها المدخل. قولوا لنا: ما بال العجين يكون في أقصى الدار ويفلق إنسان بطّيخة في أدنى الدار، فلا يفلح ذلك العجين أبدا ولا يختمر؟ فما ذلك الفاصل؟
وكيف تقولون بصدم كان ذلك كصدم الحجر، أو بغرب كغرب السيف!! وكيف لم يعرض ذلك الفساد في كلّ معجون هو أقرب إليه من ذلك العجين.
وعلى أنّ نكز الحيّة التي يصفه الشّعراء بأنّ المنكوز ميّت لا محالة، في سبيل ما حدّثني به حاذق من حذّاق الأطباء، أنّ رجلا يضرب الحيّة من دواهي الحيّات بعصاه فيموت الضّارب، لأنهم يرون أنّ شيئا فصل من الحيّة فجرى فيها حتّى داخل الضارب فقتله، والأطباء أيضا والنّصارى أجرا على دفع الرّؤيا والعين. وهذه الغرائب التي تحكى عن الحيّات وصرع الشيطان الإنسان، من غيرهم.
فأمّا الدّهريّة فمنكرة للشياطين والجنّ والملائكة والرّؤيا والرّقى، وهم يرون أنّ أمرهم لا يتمّ لهم إلّا بمشاركة أصحاب الجهالات.
وقد نجد الرجل ينقف شحم الحنظل، وبينه وبين صاحبه مسافة صالحة، فيجد في حلقه مرارة الحنظل، وكذلك السّوس إذا عولج به وبينه وبين الإنسان مسافة متوسّطة البعد، يجد في حلقه حلاوة السوس. وناقف الحنظل لا تزال عينه تهمل ما دام ينقفه، ولذلك قال ابن حذام، قال أبو عبيدة: وهو الذي يقول:
كأنّي غداة البين يوم تحمّلوالدى سمرات الحيّ ناقف حنظل
يخبر عن بكائه، ويصف درور دمعته في إثر الحمول، فشبّه نفسه بناقف الحنظل، وقد ذكره امرؤ القيس في قوله:
عوجا على الطّلل القديم لعلّنانبكي الدّيار كما بكى ابن خذام
ويزعمون أنّه أوّل من بكى في الدّيار.
وقد نجد الرّجل يقطع البصل، أو يوخف الخردل فتدمع عيناه. وينظر الإنسان فيديم النّظر في العين المحمرة فتعتري عينه حمرة.
والعرب تقول: «لهو أعدى من الثّؤباء!»، كما تقول: «لهو أعدى من الجرب!»، وذلك أنّ من تثاءب مرارا، وهو تجاه عين إنسان، اعترى ذلك الإنسان التثاؤب.
ورأيت ناسا من الأطباء وهم فلاسفة المتكلّمين، منهم معمر، ومحمد بن الجهم، وإبراهيم بن السّنديّ، يكرهون دنوّ الطامث من إناء اللبن لتسوطه أو تعالج منه شيئا، فكأنّهم يرون أنّ لبدنها ما دام ذلك العرض يعرض لها، رائحة لها حدّة وبخار غليظ، يكون لذلك المسوط مفسدا.
ولا تبعدنّ هذا من قلبك تباعدا يدعوك إلى إنكاره، وإلى تكذيب أهله. فإن أبيت إلّا إنكار ذلك، فما تقول في فرس تحصّن تحت صاحبه، وهو في وسط موكبه، وغبار الموكب قد حال بين استبانة بعضهم لبعض، وليس في الموكب حجر ولا رمكة، فيلتفت صاحب الحصان فيرى حجرا أو رمكة، على قاب غرض أو غرضين، أو غلوة أو غلوتين. حدّثني، كيف شمّ هذا الفرس ريح تلك الفرس الأنثى، وما باله يدخل دارا من الدّور، وفي الدّار الأخرى حجر، فيتحصّن مع دخوله من غير معاينة وسماع صهيل!! وهذا الباب سيقع في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو سعيد عبد الملك بن قريب: كان عندنا رجلان يعينان الناس، فمرّ أحدهما بحوض من حجارة، فقال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ! فتطاير الحوض فلقين، فأخذه أهله فضبّبوه بالحديد، فمرّ عليه ثانية فقال: وأبيك لقلّما أضررت أهلك فيك! فتطاير أربع فلق.
قال: وأمّا الآخر، فإنّه سمع صوت بول من وراء حائط فقال: إنّك لشرّ الشّخب ! فقالوا له: إنه فلان ابنك، قال: وا انقطاع ظهراه! قالوا: إنه لا بأس عليه.
قال: لا يبول والله بعدها أبدا! قال: فما بال حتّى مات.
قال الأصمعيّ: ورأيت أنا رجلا عيونا فدعي عليه فعور. قال: إذا رأيت الشيء يعجبني، وجدت حرارة تخرج من عيني.
قال: وسمع رجل بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها، فقال: أيتّهن هذه، فخافوا عينه فقالوا: الفلانيّة- لأخرى ورّوا بها عنها- فهلكتا جميعا: المورّى بها والمورّى عنها.
وقد حمل النّاس كما ترى على العين ما لا يجوز، وما لا يسوغ في شيء من المجازات. وقول الذي اعورّ: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني، من أعظم الحجج في الفاصل من صاحب العين إلى المعين.
قال: ويقال إنّ فلانا لعيون: إذا كان يتشوّف للناس ليصيبهم بعين. ويقال عنت فلانا أعينه عينا: إذا أصبته بعين، ورجل معين ومعيون: إذا أصيب بالعين. وقال عبّاس بن مرداس:
قد كان قومك يحسبونك سيّداوإخال أنك سيّد معيون
ويقال للعيون: إنّه لنفوس، وما أنفسه، أي ما أشدّ عينه، وقد أصابته نفس أو عين.
وأمّا قول القائل: إنّ من لؤم الكلب وغدره أنّ اللصّ إذا أراد دار أهله أطعم الكلب الذي يحرسهم قبل ذلك مرارا ليلا ونهارا، ودنا منه ومسح ظهره، حتى يثبت صورته، فإذا أتاه ليلا أسلم إليه الدار بما فيها- فإن هذا التأويل لا يكون إلّا من نتيجة سوء الرأي، فإنّ سوء الرأي يصوّر لأهله الباطل في صورة الحقّ. وفيه بعض الظّلم للكلب وبعض المعاندة للمحتجّ عن الكلب، وقد ثبت للكلب استحقاق المدح من حيث أراد أن يهجوه منه، فإن كان الكلب بفرط إلفه وشكره كفّ عن اللصّ عند ذكر إحسانه، وإثبات صورته، فما أكثر من يفرط عليه الحياء حتّى ينسب إلى الضّعف والكرم وحتّى ينسب إلى الغفلة، وربّما شاب الرّجل بعض الفطنة ببعض التّغافل، ليكون أتمّ لكرمه، فإنّ الفطنة إذا تمّت منعت من أمور كثيرة، ما لم يكن الخيم كريما والعرق سليما.
وإنك أيّها المتأوّل، حين تكلّف الكلب- مع ما قد عجّل إليه اللصّ من اللّطف والإحسان- أن يتذكّر نعمة سالفة، وأن يحترس من خديعة المحسن إليه، مخافة أن يكون يريغ بإكرامه سوءا- لحسن الرأي فيه، بعيد الغاية في تفضيله.
ولو كان للكلب آلة يعرف بها عواقب الأمور وحوادث الدهور، وكان يوازن بين عواجلها وأواجلها، وكان يعرف مصادرها ومواردها، ويختار أنقص الشرّين وأتمّ الخيرين، ويتثبّت في الأمور، ويخاف العيب ويأخذ بحجّة ويعطي بحجّة، ويعرف الحجّة من الشّبهة، والثّقة من الرّيبة، ويتثّبت في العلّة، ويخاف زيغ الهوى وسرف الطبيعة، لكان من كبار المكلّفين ومن رؤوس الممتحنين.
والعادة القائمة، والنّسق الذي لا يتخطّى ولا يغادر، والنظام الذي لا ينقطع ولا يختلط، في ذوي التمكين والاستطاعة، وفي ذوي العقول والمعرفة، أنّ أبدانهم متّى أحسّت بأصناف المكروه والمحبوب، وازنوا وقابلوا، وعايروا وميّزوا بين أتمّ الخيرين وأنقص الشرّين، ووصلوا كلّ مضرة ومنفعة في العاجل بكلّ مضرّة ومنفعة في الآجل وتتبعوا مواقعها، وتدبّروا مساقطها، كما يتعرّفون مقاديرها وأوزانها، واختاروا بعد ذلك أتمّ الخيرين وأنقص الشّرين. فأما الشر صرفا والخير محضا فإنّهم لا يتوقّفون عندهما، ولا يتكلّفون الموازنة بينهما، وإنّما ينظرون في الممزوج وفي بعض ما يخشى في معارضته، ولا يوثق بمعرّاه ومكشّفه، فيحملونه على خلاص الذّهن، كما يحمل الذّهب على الكير.
وأمّا ذوات الطّبائع المسخّرة والغريزة المحبولة فإنما تعمل من جهة التسخير والتنبيه، كالسمّ الذي يقتل بالكمّيّة ولا يغذو، وكالغذاء الذي يغذو ويقتل بالمجاوزة لمقدار الاحتمال.
وإن هيّأ الله ﷿ أصناف الحيوان المسخّرة لدرك ما لا تبلغه العقول اللطيفة، بلغته بغير معاناة ولا رويّة ولا توقّف، ولا خوف من عاقبة.
ومتى تقدّمت إلى الأمور التي يعالجها أهل العقول المبسوطة، المتمكّنة بطبائعها، المقصورة غير المبسوطة، لم يمكنها أن تعرف من تلك الطبيعة ما كان موازيا لتلك الأمور ببديهة ولا فكرة. وإذا كانت كذلك فليس بواجب أن تكون كلّما أحسنت أمرا أمكنها أن تحسن ما كان في وزنه في الغموض والإلطاف، وفي الصّنعة التي لا تمكن، إلّا بحسن التأتّي وببعد الرويّة، وبمقابلة الأمور بعضها ببعض. وهذا الفنّ لا يصاب إلّا عند من جهته العقل، ويمكنه الاستدلال، والكفّ عنه والقطع له
إذا شاء، وإتمامه إذا شاء، وبلوغ غايته، والانصراف عنه إلى عقيبه من الأفعال، ومن جهته تعرّف العلل، ويمكنه إكراه نفسه على المقاييس والتكلّف والتأتّي.
ومتى كانت الآلة موجودة فإنّها تنبيك على مكانها، وإلّا كان وجودها كعدمها. وبالحسّ الغريزيّ تشعر صاحبها بمكانها، لا يحتاج في ذلك إلى تلقين وإشارة، وإلى تعليم وتأديب، وإن كان صاحب الآلة أحمق من الحبارى، وأجهل من العقرب، والعاقل الممكّن لا يفضل في هذا المكان على الأشياء المسخّرة، ولا ينفصل منها في هذا الباب.
وليس عند البهائم والسباع إلّا ما صنعت له، ونصبت عليه، وألهمت معرفته وكيفيّة تكلّف أسبابها والتعلّم لها من تلقاء أنفسها. فإذا أحسن العنكبوت نسج ثويّه وهو من أعجب العجب، لم يحسن عمل بيت الزنبور. وإذا صنع النّحل خلاياه مع عجيب القسمة التي فيها، لم يحسن أن يعمل مثل بيت العنكبوت.
والسّرفة- التي يقال: «أصنع من سرفة» لا تحسن أن تبني مثل بيت الأرضة، على جفاء هذا العمل وغلظه، ودقّة ذلك العمل ولطافته.
وليس كذلك العاقل وصاحب التمييز، ومن ملك التصرّف، وخوّل الاستطاعة، لأنّه يكون ليس بنجّار فيتعلّم النّجارة، ثمّ يبدو له بعد الحذق الانتقال إلى الفلاحة. ثمّ ربّما ملها بعد أن حذقها، وصار إلى التجارة.
وقال صاحب الكلب: وزعمت أنّ قولهم «أسمح من لافظة» أن اللافظة الدّيك، لأنّه يعضّ على الحبّة بطرفي منقاره. ثمّ يحذف بها قدّام الدّجاجة. وما رأينا
أحدا من العلماء ومن الذين رووا هذا المثل يقول ذلك. والناس في هذا المثل رجلان:
زعم أحدهما أنّ اللافظة العنز؛ لأن العنز ترعى في روضة وتأكل من معلفها وهي جائعة. فيدعوها الراعي وصاحبها باسمها إلى الحلب، فتترك ما هي فيه حتى تنهك حلبا، وقال الآخر: اللافظة الرّحى، لأنّها لا تمسك في جوفها شيئا مما صار في بطنها.
وكيف تكون اللافظة الديك! وليس لنا أن نلحق في هذه الكلمة تاء التأنيث في الأسماء المذكّرة. واللافظة مع هاء التأنيث أشبه بالعنز والرّحى، وإنّما سمّينا الجمل راوية، وحامل العلم راوية، وعلّامة، حين احتجّ أهل اللغة على ذلك ولم يختلفوا فيه، وكيف ولا اختلاف بينهم أنّ الديك خارج من هذا التأويل، وإنّ اختلافهم بين العنز والرّحى.
وبعد فقد زعم ثمامة بن أشرس رحمه الله تعالى: أنّ ديكة مرو تطرد الدّجاج عن الحبّ، وتنزع الحبّ من أفواه الدّجاج.
وقال صاحب الديك: قولهم: «أسمح من لافظة» لا يليق بالرّحى، لأنّ الرّحى صخرة صمّاء، والذي يخرج ما في بطنها المدير لها، والعرب إنّما تمدح بهذه الأسماء الإنسان وما جرى مجراه في الوجوه الكثيرة، ليكون ذلك مشحذة للأذهان، وداعية إلى السّباق وبلوغ الغايات وأمّا ترك الشّاة للعلف فليس بلفظ للعلف، إلّا أن يحملوا ذلك على المجازات البعيدة، وقد يكون ذلك عند بعض الضّرورة. والشّاة ترضع من خلفها حتّى تأتي على أقصى لبن في ضرعها، وتنثر العلف، وتقلب المحلب، وتنطح من قام عليها وأتاها بغذائها. وهي من أموق البهائم، وزوجها شتيم المحيّا، منتن الريح، يبول في جوف فيه وفي حاق خياشيمه.
وتقول العرب: «ما هو إلّا تيس في سفينة»، إذا أرادوا به الغباوة و «ما هو إلّا تيس»، إذا أرادوا به نتن الريح.
والعنز خرقاء، وأبوها وهو التّيس أخرق منها.
وأمر الدّيك وشأنه، وكيف يلفظ ما قد صار في منقاره، وكيف يؤثر به طروقته من ذات نفسه- شيء يراه الناس، ويراه جميع العباد.
وهذه المكرمة، وهذا الغزل، وهذا الإيثار، شيء يراه الناس لم يكن في ذكر قطّ ممّن يزاوج إلّا الديك، والدّيك أحقّ بهذا المثل. فإن كنتم قد صدقتم على العرب في تأويل هذا المثل فهذا غلط من العرب وعصبيّة للّبن، وعشق للدّقيق.
والمثل إنّما يلفظ به رجل من الأعراب، وليس الأعرابيّ بقدوة إلّا في الجر والنصب والرفع وفي الأسماء، وأمّا غير ذلك فقد يخطئ فيه ويصيب فالدّيك أحقّ بهذا المثل الذي ذكرنا، وسائر خصاله الشريفة.
والذي يدلّ على أنّ هذا الفعل في الدّيك، إنّما هو من جهة الغزل لا غير، أنه لا يفعل ذلك إذا هرم وعجز عن السّفاد، وانصرفت رغبته عنهنّ وهو في أيّام شبابه أنهم وأحرص على المأكول، وأضنّ على الحبّ، فما له لم يؤثرهنّ به عند زهده، ويؤثرهنّ عند رغبته؟! وما باله لم يفعل ذلك وهو فرّوج صغير، وصنع ذلك حين أطاق السفاد؟! فتركه لذلك في العجز عنهنّ، وبذله في أوقات القوة عليهنّ دليل على الذي قلنا، وهذا بيّن لا يردّه إلّا جاهل أو معاند.
وقال صاحب الكلب: لسنا ننكر خصال الدّيك ومناقبه من الأخبار المحمودة، ولولا ذلك ما ميّلنا بينه وبين الكلب. ومن يميّل بين العسل والخلّ في وجه الحلاوة والحموضة؟! وكيف يفضل شيء على شيء وليس في المفضول شيء من الفضل؟! والذي قلتم من قذقه الحبّ قدّام الدّجاج صحيح. وليس هذا الذي أنكرنا، وإنّما أنكرنا موضع المثل الذي صرفتموه إلى حجّتكم، وتركتم الذين ما زال الناس يقلّدونهم في الشاهد والمثل. وإن جاز لكم أن تردّوا عليهم هذا المثل جاز لكلّ من كره مثلا أو شاهدا أن يردّ عليهم كما رددتم، وفي ذلك إفساد أمر العرب كله.
فإن زعمت أنّ الديك، كان أحقّ به، فخصومك كثير ولسنا نحيط بأوائل
كلامهم، على أيّ مقادير كانوا يضعونها، ومن أيّ شيء اشتقّوها، وكيف كان السبب. وربّ شيء أنكرناه فإذا عرفنا سببه أقررنا به.
وقال أبو الحسن: مر إياس بن معاوية بديك ينقر حبّا ولا يفرقه، فقال: ينبغي أن يكون هذا هرما، فإنّ الهرم إذا ألقي له الحبّ لم يفرقه ليجتمع الدجاج حوله.
والهرم قد فنيت رغبته فيهنّ، فليس همّه إلّا نفسه.
ورووا عنه أنّه قال: اللافظة الديك الشابّ، وإنّه يأخذ الحبّة يؤثر بها الدّجاج، والهرم لا يفعل ذلك، وإنّما هو لافظة مادام شابّا.
وقال صاحب الكلب: وذكر ابن سيرين عن أبي هريرة: «أن كلبا مرّ بامرأة وهو يلهث عند بئر، فنزعت خفّها فسقته، فغفر الله تعالى لها».
وعنه قال: «غفر الله لبغيّ أو لمؤمنة مرّ بها كلب فنزعت خفّها فسقته».
وقال صاحب الكلب: وقال ابن داحة: ضرب ناس من السّلطاء جارا لهم، ولبّبوه وسحبوه وجرّوه، وله كلب قد ربّاه، فلم يزل ينبح عليهم ويشقّق ثيابهم، ولولا أنّ المضروب المسحوب كان يكفّه ويزجره، لقد كان عقر بعضهم أو منعه منهم.
قال إبراهيم النّظّام: قدّمتم السّنّور على الكلب، ورويتم أن النبيّ ﷺ أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها وتربيتها، كقوله عند مسألته عنها: «إنّهنّ من الطّوّافات عليكم». وكلّ منفعة عند السّنّور إنّما هي أكل الفأر فقط، وعلى أنّكم قلّما تجدون سنّورا يطلب الفأر، فإن كان مما يطلب ويأكل الفأر، لم يعدمكم أن يأكل حمامكم وفراخكم والعصافير التي يتلهّى بها أولادكم، والطائر يتّخذ لحسنه وحسن صوته. والذي لابدّ منه الوثوب على صغار الفراريج. فإن هو عفّ عن أموالكم
لم يعفّ عن أموال جيرانكم، ومنافع الكلب لا يحصيها الطّوامير. والسّنّور مع ذلك يأكل الأوزاغ والعقارب، والخنافيس، وبنات وردان، والحيّات، ودخّالات الآذان والفأر والجرذان، وكلّ خبيثة وكلّ ذات سمّ، وكلّ شيء تعافه النفس. ثمّ قلتم في سؤر السّنّور وسؤر الكلب ما قلتم. ثمّ لم ترضوا به حتّى أضفتموه إلى نبيّكم ﷺ!!
ولا يشكّ الناس أن ليس في السباع أطيب أفواها من الكلاب، وكذلك كلّ إنسان سائل الريق سائل اللعاب. والخلوف لا يعرض للمجانين الذين تسيل أفواههم. ومن كان لا يعتريه الخلوف فهو من البخر أبعد. وكما أنّ طول انطباق الفم يورث الخلوف. فكثرة تحلّب الأفواه بالريق تنفي الخلوف. وحتّى إنّ من سال فوه من اللعاب فإنّما قضوا له بالسلامة من فيه، وإن استنكهوه مع أشباهه وجدوه طيّبا، وإن كان لا يقرب سواكا على الريق. وكذلك يقال، إن أطيب النّاس أفواها الزّنج، وإن كانت لا تعرف سنونا ولا سواكا.
على أنّ الكلب سبع، وسباع الطير وذوات الأربع موصوفة بالبخر، والذي يضرب به في ذلك المثل الأسد، وقد ذكره الحكم بن عبدل في هجائه محمّد بن حسّان فقال:
فنكهته كنكهة أخدريّشتيم شابك الأنياب ورد
وقال بشّار:
وأفسى من الظّربان في ليلة الكرىوأخلف من صقر وإن كان قد طعم
يهجو بها حماد عجرد.
ويقال: ليس في البهائم أطيب أفواها من الظباء.
وزعم علماء البصريّين، وذكر أبو عبيدة النحويّ، وأبو اليقظان سحيم بن حفص، وأبو الحسن المدائني، وذكر ذلك عن محمّد بن حفص عن مسلمة بن محارب، وهو حديث مشهور في مشيخة أصحابنا من البصريّين، أنّ طاعونا جارفا جاء على أهل دار، فلم يشكّ أهل تلك المحلّة أنّه لم يبق فيها صغير ولا كبير، وقد كان فيها صبيّ يرتضع، ويحبو ولا يقوم على رجليه، فعمد من بقي من المطعونين من أهل تلك المحلّة إلى باب تلك الدار فسدّه، فلمّا كان بعد ذلك بأشهر تحوّل فيها بعض ورثة القوم، ففتح الباب، فلمّا أفضى إلى عرصة الدّار إذا هو بصبيّ يلعب مع أجراء كلبة، وقد كانت لأهل الدار، فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة كانت لأهل الدار، فلمّا رآها الصبيّ حبا إليها، فأمكنته من أطبائها فمصّها، فظنّوا أنّ الصّبيّ لما بقي في الدار وصار منسيّا واشتدّ جوعه، ورأى أجراءها تستقي من أطبائها، حبا إليها فعطفت عليه، فلمّا سقته مرّة أدامت ذلك له، وأدام هو الطلب.
والذي ألهم هذا المولود مصّ إبهامه ساعة يولد من بطن أمّه، ولم يعرف كيفيّة الارتضاع، هو الذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة. ولو لم تكن الهداية شيئا مجعولا في طبيعته، لما مصّ الإبهام وحلمة الثّدي، فلمّا أفرط عليه الجوع واشتدّت حاله، وطلبت نفسه وتلك الطبيعة فيه، دعته تلك الطبيعة وتلك المعرفة إلى الطلب والدنوّ، فسبحان من دبّر هذا وألهمه وسوّاه ودلّ عليه!!
ومثل هذا الحديث ما خبّر به عن بابويه صاحب الحمام. ولو سمعت قصصه في كتاب اللّصوص، علمت أنّه بعيد من الكذب والتزيد. وقد رأيته وجالسته ولم أسمع هذا الحديث منه، ولكن حدّثني به شيخ من مشايخ البصرة، ومن النّزول بحضرة مسجد محمد بن رغبان. وقال بابويه: كان عندي زوج حمام مقصوص، وزوج حمام طيّار، وفرخان من فراخ الزّوج الطيار. قال: وكان في الغرفة ثقب في أعلاها وقد كنت جعلت قدّام الكوّة رفّا ليكون مسقطا لما يدخل ويخرج من الحمام، فتقدّمت في ذلك مخافة أن يعرض لي عارض فلا يكون للطّيار منفذ للتكسّب ولورود الماء. فبينا أنا كذلك إذ جاءني رسول السلطان، فوضعني في
الحبس، فنسيت قدر الزّوج الطيّار والفرخين. وما لهما من الثمن، وما فيهما من الكرم، ومتّ من رحمة الزّوج المقصوص، وشغلني الاهتمام بهما عن كثير مما أنا فيه، فقلت: أمّا الزّوج الطيّار فإنّهما يخرجان ويرجعان ويزقّان، ولعلّهما أن يسلما ولعلّهما أن يذهبا- وقد كنت ربّيتهما حتى تحصّنا وورّدا - فإذا شبّ الفرخان ونهضا مع أبويهما، وسقطا على المعلاة، فإمّا أن يثبتا وإمّا أن يذهبا، ولكن كيف يكون حال المقصوصين، ومن أسوأ حالا منهما؟! فخلّي سبيلي بعد شهر، فلم يكن لي همّ إلّا النّظر إلى ما خلّفت خلفي من الحمام، وإذا الفرخان قد ثبتا وإذا الزّوجان قد ثبتا، وإذا الزّوجان الطيّاران ثبتا على حالهما، إلّا أنّي رأيتهما زاقّين، إذ علامة ذلك في موضع الغبب، وفي القرطمتين، وفي أصول المناقير، وفي عيونهما، فقلت:
فكيف يكونان زاقّين مع استغناء فرخيهما عنهما؟! ولا أشكّ في موت المقصوصين.
ثمّ دخلت الغرفة فإذا هما على أفضل حال، فاشتدّ تعجّبي من ذلك، فلم ألبث أن دنوا إلى أفواه الزّوج الكبار يصنعان كما يصنع الفرخ في طلب الزّقّ، ورأيتهما حين زقّاهما، فإذا هما لما اشتدّ جوعهما، وكانا يريانهما يزقّان الفرخين ويريان الفرخين كيف يستطعمان ويستزقّان، حملهما الجوع وحبّ العيش، وتلهّب العطش، وما في طبعهما من الهداية، على أن طلبا ما يطلب الفرخ، فزقّاهما ثم صار الزّقّ عادة في الطيّار، والاستطعام عادة في المقصوص.
ومن الحمام حمام يزقّ فراخه ولا يزقّ شيئا من فراخ غيره، وإن دنا منه مع فراخه فرخ من فراخ غيره، وشاكل فرخيه في السّنّ واللّون طردهما ولم يزقّهما، ومن الحمام ما يزّقّ كلّ فرخ دنا منه، كما أنّ من الحمام حماما لا يزقّ فراخه البتّة حتّى يموت.
وإنّما تعظم البليّة على الفرخ إذا كان الأب هو الذي لا يزقّ، لأنّ الولادة وعامّة الحضن والكفل على الأمّ، فإذا ظهر الولد فعامّة الزّقّ على الأب. كأنه صاحب العيال والكاسب عليهم، وكالأمّ التي تلد وترضع.
وأعجب من هذا، الطائر الذي يقال له كاسر العظام، فإنّه يبلغ من برّ الفراخ
كلّها بعد القيام بشأن فراخ نفسه، أنّه يتعاهد فرخ العقاب الثالث، الذي تخرجه من عشّها، لأنّها أشره وأرغب بطنا، وأقسى قلبا وأسوأ خلقا من أن تحتمل إطعام ثلاثة.
وهي مع ذلك سريعة الجزع، فتخرج ما فضل عن فرخين. فإذا أخرجته قبله كاسر العظام وأطعمه، لأن العقاب من اللائي تبيض ثلاث بيضات في أكثر حالاتها.
قال: وعيّر رجل من بني أسد بأكل لحوم الكلاب، وذهب إلى قوله:
يا فقعسيّ لم أكلته لمهلو خافك الله عليه حرّمه
فما أكلت لحمه ولا دمه
قال: فقال الأعرابي: أما علمت أن الشّدّة والشجاعة، والبأس والقوة من الحيوان، في ثلاثة أصناف: العقاب في الهواء، والتمساح في ساكن الماء، والأسد في ساكن الغياض.
وليس في الأرض لحم أشهى إلى التمساح ولا إلى الأسد من لحم الكلب. فإن شئتم فعدّوه عدوّا لهما، فإنّهما يأكلانه من طريق الغيظ وطلب الثأر، وإن شئتم فقولوا غير ذلك.
وبنو أسد أسد الغياض، وأشبه شيء بالأسد، فلذلك تشتهي من اللّحمان أشهاها إلى الأسد. والدّليل على أنّهم أسد، وفي طباع الأسد، أنّك لو أحصيت جميع القتلى من سادات العرب ومن فرسانهم، لوجدت شطرها أو قريبا من شطرها لبني أسد.
قالوا: ثمّ بعد ذلك كلّه أنّ الكلب لا يرضى بالنوم والرّبوض على بياض الطريق، وعلى عفر التراب، وهو يرى ظهر البساط، ولا يرضى بالبساط وهو يجد الوسادة، ولا يرضى بالمطارح دون مرافق المطارح فمن نبله في نفسه أن يتخيّر أبدا أنبل موضع
في المجلس، وحيث يدعه ربّ المجلس صيانة له وإبقاء عليه- إلّا أن يتصدّر فيه من لايجوز إلّا أن يكون صدرا، فلا يقصّر الكلب دون أن يرقى عليه.
وقد كان في حجج معاوية في اتخاذ المقصورة بعد ضرب البرك إيّاه بالسيف، أنّه أبصر كلبا على منبره.
هذا على ما طبع عليه من إكرام الرّجل الجميل اللباس، حتّى لا ينبح عليه إن دنا من باب أهله، مع الوثوب على كل أسود، وعلى كلّ رثّ الهيئة، وعلى كلّ سفيه تشبه حاله حال أهل الرّيبة.
ومن كبره وشدّة تجبّره، وفرط حميّته وأنفته واحتقاره. أنه متى نبح على رجل في الليل، ولم يمنعه حارس ولم يمكنه الفوت، فدواؤه عند الرجل أنه لا ينجيه منه إلّا أن يقعد بين يديه مستخزيا مستسلما، وأنّه إذا رآه في تلك الحال دنا منه فشغر عليه؛ ولم يهجه، كأنّه حين ظفر به، ورآه تحت قدرته، رأى أن يسمه بميسم ذلّ، كما كانت العرب تجزّ نواصي الأسرى من الفرسان، إذا رامت أن تخلّي سبيلها وتمنّ عليها، ولو كفّ العربيّ عن جزّ ناصيته، لوسمه الأسير من الشّعر والقوافي الخالدات البواقي، التي هي أبقى من الميسم، بما هو أضرّ عليه من جزّ ناصيته، ولعلّه لا يبلغ أهله حتّى تستوي مع سائر شعر رأسه، ولكنّ ذلّ الجزّ لا يزال يلوح في وجهه، ولا يزال له أثر في قلبه.
وذكر أنّ مطرّف بن عبد الله كان يكره أن يقال للكلب اخسأ، وما أشبه ذلك، وفي دعائه على أصحاب الكلب الذي كان أربابه لا يمنعونه من دخول مصلّاه، قال:
اللهمّ امنعهم بركة صيده!! دليل على حسن رأيه فيه.
قالوا: ومرّ المسيح بن مريم في الحواريّين بجيفة كلب، فقال بعضهم: ما أشدّ نتن ريحه! قال: فهلّا قلت: ما أشدّ بياض أسنانه!! قالوا: وقال رجل لكلب: اخسأ، ويلك! فقال همّام بن الحارث: الويل لأهل النّار.
والهراش الذي يجري بينها وهو شرّ، يكون بين جميع الأجناس المتّفقة،
كالبرذون والبرذون، والبعير والبعير، والحمار والحمار، وكذلك جميع الأجناس، فأمّا الذي يفرط ويتمّ ذلك فيه، ويتمنّع ناس من النّاس، ويقع فيه القمار، ويتّخذ لذلك، وينفق عليه، ويغالى به، فالكلب والكلب، والكبش والكبش، والدّيك والدّيك، والسّمانى والسّمانى.
فأمّا الجرذ فإنّه لا يقاتل الجرذ حتّى يشدّ رجل أحدهما في طرف خيط، ويشدّ الجرذ الآخر بالطرف الآخر، ويكون بينهما من السماواة والالتقاء، والعضّ والخمش، وإراقة الدّم وفري الجلود، ما لا يكون بين شيئين من الأنواع التي يهارش بها.
والذي يحدث للجرذان طبيعة القتال، الرّباط نفسه، فإن انقطع الخيط وانحلّ العقد، أخذ هذا شرقا وهذا غربا، ولم يلتقيا أبدا.
وإذا تقابلت جحرة الفأر، وخلالها الموضع، فبينها شرّ طويل، ولكنه لا يعدو الوعيد والصخب، ولا يلتقي منهما اثنان أبدا ...
وحدّثني ثمامة بن أشرس قال: كان بقي في الحبس جحر فأر، وتلقاءه جحر آخر، فيرى لكلّ واحد منهما وعيدا وصياحا ووثوبا، حتّى يظنّ أنّهما سيلتقيان ثم لا يحتجزان حتّى يقتل كلّ واحد منهما صاحبه. فبينا كلّ واحد منهما في غاية الوعيد. إذ مرّ هاربا حتّى دخل جحره، فما زالا كذلك، حتّى أتى الله تعالى بالفرج وخلّي سبيلي.
وزعم أنّ السّلوقيّة الطويلة المناخر أجود شمّا، والشمّ العجيب والحسّ اللطيف من ذلك، إلّا أنّ ذلك في طلب الذكور للإناث والإناث للذّكور خاصة. وأمّا شمّ المأكول، واسترواح الطّعم، فللسّباع في ذلك ما ليس لغيرها. وإنّ الفأر ليشمّ، وإنّ الذّر والنمل ليشمّ، وإنّ السنانير لتشمّ، وكذلك الكلب، وله في ذلك فضيلة، ولا يبلغ ما يبلغ الذئب وقال أعرابيّ:
كان أبو الصّحيم من أربابهاصبّ عليه الله من ذئابها
أطلس لا ينحاش من كلابهايلتهم الطائر في ذهابها
في الجرية الأولى فلا مشى بها
ألا تراه يجتهد في الدّعاء عليها بذئب لا ينحاش من الكلاب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع