من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ما يحتاج إلى معرفته
يقال فرج المرأة والجمع فروج، وهو القبل، والفرج كناية، والاسم الحر، وجمعه أحراح. وقال الفرزدق:
إنّي أقود جملا ممراحافي قبّة موقرة أحراحا
قالوا: وإنّما جمعوه على أحراح، لأنّ الواحد حرح. هكذا كان أصله. وقد يستعار ذلك وهو قليل، قال الشاعر:
تراها الضّبع أعظمهنّ رأساجراهمة لها حرة وثيل
فلم يرض الاستعارة حتّى ألحق فيها الهاء.
وهو الكعثب، وقال الفرزدق:
إذ بطحت فوقث الأثافي رفعنهابثديين مع نحر كريم وكعثب
وقال الأغلب:
حيّاكة عن كعثب لم يمصح
وهو الأجم، وقال الرّاجز:
جارية أعظمها أجمّهاقد سمّنتها بالسّويق أمّها
بائنة الرّجل فما تضمّها
وقال: وقد يسمّى الشّكر، بفتح الشّين وإسكان الكاف، وأنشدوا:
وكنت كليلة الشّيباء هبّتبمنع الشّكر أتأمها القبيل
أتأمها: أفضاها. وأمّا قوله:
قد أقبلت عمرة من عراقهاملصقة السّرج بخاق باقها
قال: وهو إن أراد الحر فليس ذلك من أسمائه، ولكنه سمّاه بذلك على المزاح.
قالوا: والظّبية اسم الفرج من الحافر، والجمع الظّبيات، وقد استعاره أبو الأخزر فجعله للخفّ فقال:
ساورها عند القروء الوحمفي الأرض ذات الظّبيات الجحم
وقد قال الأوّل:
فجاء بغرمول وفلك مدملكفخرّق ظبييها الحصان المشبّق
وهو من الظّلف والخفّ الحيا. والجمع أحيية. وهو من السبع ثفر، وقد استعاره الأخطل للظّلف فقال:
جزى الله عنّا الأعورين ملامةوعبلة ثفر الثّورة المتضاجم
فلم يرض أن استعاره من السّبع للبقرة حتّى جعل البقرة ثورة.
وقد استعاره النّابعة الجعديّ للحافر، كما استعاره الأخطل للظّلف، فقال:
بريذنة بلّ البراذين ثفرهاوقد شربت من آخر الليل أيّلا
وقد قالوا برذونة، وقال الرّاجز:
تزحزحي إليك يا برذونهإنّ البراذين إذا جرينه
مع الجياد ساعة أعيينه
وقد استعاره آخر فجعله للنعجة فقال:
وما عمرو إلّا نعجة ساجسيّةتحرّك تحت الكبش والثّفر وارم
والسّاجسيّة: ضأن في تغلب.
وقد استعاره آخر فجعله للمرأة فقال:
نحن بنو عمرة في انتساببنت سويد أكرم الضّباب
جلدتنا من ثفرها المنجاب
ويقال لجردان الحمار غرمول، وقد يقال ذلك للإنسان وقضيب البعير، وهو لكلّ شيء، ومقلم الجمل فقط. ومن السباع العقدة، وأصله للكلب والذّئب. وقال جرير:
إذا روين على الخنزير من سكرنادين يا أعظم القسّين جردانا
ويقال: صرفت الكلبة صرافا وصروفا، وظلعت تظلع ظلوعا.
وقالوا في الأمثال: «لا أفعل حتّى ينام ظالع الكلاب» أي الصارف.
ولم يعرف الأصمعيّ ظلعت الكلبة بمعنى صرفت. واستحرمت، وأجعلت واستجعلت، واستطارت. والذئبة في ذلك كالكلبة.
قال: ويقال في السّباع: قد وضعت، وولدت، ورمصت مثل ما يقال للنّاس والغنم.
قال: ويقال كلبة وكلب، وذئبة وذئب وبرذون وبرذونة. وأنشد:
أريت إذا ما جالت الخيل جولةوأنت على برذونة غير طائل
ويقال رجل ورجال، وامرأة ونساء، وليس لها جمع من واحدها. ويقال بعير وناقة وجمل، ولا يقال جملة ولا بعيرة، وقد قالوا رجل ورجلة وشيخ وشيخة. ويقال كبش ونعجة، ولا يقال كبشة، كما لا يقال أسدة، ويقال أسد ولبوة ولبوات، ويقال ذئبة وذئب، وقال الشاعر:
كأنّهما ضبعانة في مفازةوذئبة محل أمّ جروين تعسل
ويقال إنسان وإنسانة، وسبع وسبعة، وحمام وحمامة، وحمار وحمارة، وسرحان وسرحانة، وسيد وسيدة، وهقل وهقلة، وإلق وإلقة، وقال رؤبة:
جدّ وجدّت إلقة من الإلق
وزعم أنّه يقال ضبع وضبعة، وثعلب وثعلبة. وأصحابنا لا يقولون هذا ويضحكون ممن يقولون ضبعة عرجاء. ويقال ثرملة.
ويقال من الفراخ فرخ وفرخة، ومن النمور نمر ونمرة. قال: ويقال ذيخ وذيخة، وضبعان وضبعانة، وجيأل وجيألة. ويقال عقرب وعقربة. والعقربان الذّكر وحده. وقال الشاعر:
كأنّ مرعى أمّكم إذ غدتعقربة يكومها عقربان
ومن الضفادع ضفدع وضفدعة، ومن القنافذ قنفذ وقنفذة، وشيهم وشيهمة، ومن القرود قرد وقردة.
ويقال إلقة وقشّة، ولا يقال إلق وقشّ، ويقال لولد القرد ربّاح والأنثى إلقة.
وقال الشّاعر:
وإلقة ترغث ربّاحهاوالسّهل والنّوفل والنّضر
ومن النعام هقل وهقلة. وهيق وهيقة، وصعل وصعلة، وسفنّج وسفنّجة، ونعام ونعامة، والواحد من فراخها الرأل والجمع رئال ورئلان وأرآل وأرؤل، والأنثى رألة، وحفّانة والجمع حفّان، وقد يكون الحفّان أيضا للواحد. ويقال لها قلاص والواحدة قلوص ولا يقال قلوصة، ويقال ظليم ولا يقال ظليمة، ويقال نقنق ولا يقال نقنقة.
ويقال من الأرانب أرنب ولا يقال أرنبة، والذكر خزز. ويقال للأنثى عكرشة ولولدها خرنق. ويقال هذه أرنب وهذه عقاب، ولا يقال هذا الأرنب ولا هذا العقاب.
وقال الشّمّاخ:
فما تنفكّ بين عويرضاتتجرّ برأس عكرشة زموع
قال ويقال لولد الكلب جرو والأنثى جروة، وهو درص والجمع أدراص، ويقال لمن عضّه الكلب الكلب: بال كأدراص الكلاب.
وجرو الكلب يكون أعمى عشرة أيّام وأكثر، وقد يعرض شبيه بذلك لكثير من السّباع.
ويقال بصبص الجرو وفقّح وجصّص، إذا فتح عينيه شيئا، وصأصأ إذا لم يفتح عينيه. ولذلك قال عبيد الله بن جحش، والسّكران بن عمرو، للمسلمين ببلاد الحبشة: «إنّا فقّحنا وصأصأتم». قال بعض الرّجاز في بعض الصّبيان:
أقبح به من ولد وأشقحمثل جريّ الكلب لم يفقّح
إن يسر سار لم يقم فينبحبالباب عند حاجة المستفتح
ويقال لولد الأسد جرو وأجراء وجراء، وهي لجميع السباع، ويقال له خاصّة:
شبل. والجمع أشبال وشبول. وقال زهير:
ولأنت أشجع حين تتّجه الأبطال من ليث أبي أجر
وحدّثني صديق لي قال: تعجّب أخ لنا من خبث الثّعلب. وكان صاحب قنص، وقال لي ما أعجب أمر الثعلب! يفصل بين الكلب والكلّاب، فيحتال للكلّاب بما يعلم أنّه يجوز عليه، ولا يحتال مثل تلك الحيلة للكلب، لأنّ الكلب لا يخفى عليه الميّت من المغشيّ عليه. ولا ينفع عنده التّماوت. ولذلك لا يحمل من مات من المجوس إلى النّار حتى يدنى منه كلب، لأنّه لا يخفى عليه مغمور الحسّ أحيّ هو أو ميت. وللكلب عند ذلك عمل يستدلّ به المجوس.
قال: وذلك أنّي هجمت على ثعلب في مضيق، ومعي بنيّ لي، فإذا هو ميّت
منتفخ، فصددت عنه، فلم ألبث أن لحقتني الكلاب. فلمّا أحسّ بها وثب كالبرق، بعد أن تحايد عن السّنن، فسألت عن ذلك فإذا ذلك من فعله معروف، وهو أن يستلقي وينفخ خواصره ويرفع قوائمه، فلا يشكّ من رآه من الناس أنّه ميّت منذ دهر، وقد تزكّر بالانتفاخ بدنه، فكنت أتعجّب من ذلك، إذ مررت في الزّقاق الذي في أصل دار العبّاسيّة ومنفذه إلى مازن، فإذا جرو كلب مهزول سيّئ الغذاء، قد ضربه الصّبيان وعقروه ففرّ منهم ودخل الزّقاق، فرمى بنفسه في أصل أسطوانة وتبعوه حتّى هجموا عليه، فإذا هو قد تماوت فضربوه بأرجلهم فلم يتحرّك فانصرفوا عنه. فلمّا جاوزوا تأمّلت عينه فإذا هو يفتحها ويغمضها، فلمّا بعدوا عنه وأمنهم عدا، وأخذ في غير طريقهم فأذهب الذي كان في نفسي للثّعلب، إذا كان الثّعلب ليس فيه إلّا الرّوغان والمكر، وقد ساواه الكلب في أجود حيله.
ومع الكلب بعد ما ليس معه، إلّا أن يفخر بفروته في موضع انتفاع النّاس به، فجعر الكلب للذّبحة أنفع منه، إذ كان في الذّبحة الموت وليس يقوم مقامه شيء.
وجلد الثّعلب منه عوض.
قال صاحب الديك: شرار عباد الله من قتل أولاد رسول الله ﷺ. ولم نجد شعراء النّاس شبّهوا أولئك القاتلين بشيء سوى الكلاب. قال أبو نضلة الأبّار، في قتل سلم بن أحوز المازنيّ، صاحب شرطة نصر بن سيّار اللّيثي، يحيى بن زيد وأصحابه، فقال:
ألم تر ليثا ما الذي ختمت بهلها الويل في سلطانها المتخاذل
كلاب تعاوت لا هدى الله سبلهافجاءت بصيد لا يحلّ لآكل
بنفسي وأهلي فاطميّ تقنّصوازمان عمى من أمّة وتخاذل
لقد كشفت للنّاس ليث عن استهاوغاب قبيل الحقّ دون القبائل
قال صاحب الديك: وروى هشيم عن المغيرة عن إبراهيم قال: لم يكونوا ينهوننا عن شيء من اللعب ونحن غلمان إلّا الكلاب.
وذكر محمّد بن عجلان المدينيّ عن زيد بن أسلم، أنّه كان لا يرى بأسا بالبيض الذي يتقامر به الفتيان، أن يهدى إليه منه شيء أو يشتريه فيأكله.
وهشام بن حسّان قال: سئل الحسن عن البيض يلعب به الصّبيان يشتريه الرجل فيأكله، فلم ير به بأسا وإن أطعموه أن يأكل منه. والجوز الذي يلعب به الصّبيان.
وحاتم بن إسماعيل الكوفيّ قال: حدّثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، أنّه لم يكن يرى بأسا بالبيض الذي يلعب به الصّبيان.
قال: وحدّثني ابن جريج قال، وأخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أخبرني أبو الطفيل أنّه سمع عليّ بن أبي طالب يقول: اقتلوا من الحيّات ذا الطّفيتين، والكلب الأسود البهيم ذا الغرّتين.
قال: والغرّة: حوّة تكون بعينيه.
قال صاحب الكلب: قد أخبرني أبو حرب عن منصور القصّاب، قال: سألت الحسن عن البيض الذي يتقامرون به، فكرهه.
وما رأينا قطّ أحدا يريد الادّلاج ينتظر صقاع الدّيك. وإنّما يوالي الدّيك بين صياحه قبيل الفجر ثمّ مع الفجر إلى أن ينبسط النهار، وفيما بين الفجر وامتداد النهار لا يحتاج النّاس إلى الاستدلال بأن يصوّت الديك. ولها في الأسحار أيضا بالليل الصّيحة والصّيحتان، وكذلك الحمار. على أنّ الحمار أبعد صوتا، وأجدر أن ينبّه كلّ نائم لحاجة إن كانت له. وما رأينا صاحب سحور يستعمله، وكذلك صاحب الأذان، وما رأيناه يتّكل في وقت أذانه على صياح الدّيك، لأنّ صورة صوته ومقدار مخرجه في السّحر الأكبر كصياحه قبل الفجر. وصياحه قبل الفجر؛ كصياحه وقد نوّر الفجر وقد أضاء النهار. ولو كان بين الصيحتين فرق وعلامة كان لعمري ذلك دليلا.
ولكنّه من سمع هتافه وصقاعه فإنّما يفزع إلى مواضع الكواكب، وإلى مطلع الفجر الكاذب والصادق.
والديك له عدّة أصوات بالنّهار لا يغادر منها شيئا، ولتلك أوقات لا يحتاج فيها النّاس إليه.
وملوكنا وعلماؤنا يستعملون بالنّهار الأسطرلابات، وبالليل البنكامات، ولهم بالنّهار سوى الأسطرلابات خطوط وظل يعرفون به ما مضى من النهار وما بقي.
ورأيناهم يتفقّدون المطالع والمجاري. ورأينا أصحاب البساتين وكلّ من كان بقرب الرّياض، يعرفون ذلك بريح الأزهار. ورأينا الرّوم ونصارى القرى يعرفون ذلك بحركات الخنازير وببكورها وغدوّها وأصواتها، ولذلك قالوا في وصف الرجل: له وثبة الأسد، وروغان الثعلب، وانسلاب الذّئب وجمع الذرّة وبكور الخنزير. والرّاعي يعرف ذلك في بكور الإبل وفي حنينها وغير ذلك من أمرها.
وللحمام أوقات صياح ودعاء مع الصّبح وقبيل ذلك على نسق واحد، ولكنّ النّاس إنّما ذكروا ذلك في الدّيك والحمار، لامتداد أصواتهما.
وهديل الحمام ودعاؤه لا يجوز بعيدا، إلّا ما كان من الوراشين والفواخت في رؤوس النّخل وأعالي الأشجار، فلعمري إنّ ذلك لما يسمع من موضع صالح البعد.
وللعصافير والخطاطيف وعامّة الطّير، ممّا يصير أو يصرصر، ومما يهدل مع الفجر إلى بعيد ذلك- صياح كثير. ثمّ الذي لا يدع الصّياح في الأسحار مع الصبح أبدا الضّوع، والصّدى، والهامة، والبومة وهذا الشّكل من الطّير. وقد كتبنا في غير هذا الموضع الأشعار في ذلك.
قال: وقد يصيح مع الصّبح البوم، والصدى والهام، والضّوع والخطاطيف، والعصافير، والحمّر في ذلك الوقت أكثر من الدّيكة. قال الوليد بن يزيد في ذلك:
سليمى تيك في العيرقفي إن شئت أو سيري
فلما أن دنا الصّبحبأصوات العصافير
وقال كلثوم بن عمرو العتّابيّ:
يا ليلة لي بحوّارين ساهرةحتّى تكلم في الصّبح العصافير
فالعصافير والخطاطيف والحمّر والحمام والضّوعان وأصناف البوم كلّها تقوم مقام الديك. وقال ثعلبة بن صعير المازنيّ:
أعمير ما يدريك أن رب فتيةبيض الوجوه ذوي ندى ومآثر
حسني الفكاهة لا تذمّ لحامهمسبطي الأكفّ لدى الحروب مساعر
باكرتهم بسباء جون مترعقبل الصّباح وقبل لغو الطائر
قال: ويقال لصوت الدّيكة الدّعاء. والزقاء، والهتاف، والصّراخ، والصّقاع.
وهو يهتف ويصقع ويزقو ويصرخ. وقال جران العود:
تميل بك الدنيا ويغلبك الهوىكما مال خوّار النّقا المتقصف
ونلغى كأنّا مغنم قد حويتهوترغب عن جزل العطاء وتصدف
فموعدك الشّطّ الذي بين أهلناوأهلك حتّى تسمع الديك يهتف
وقال الممزّق العبديّ:
وقد تخذت رجلاي في جنب غرزهانسيفا كأفحوص القطاة المطرّق
أنيخت بجوّ يصرخ الديك عندهاوباتت بقاع كادئ النبت سملق
وقال لبيد:
لدن أن دعا ديك الصّباح بسحرةإلى قدر ورد الخامس المتأوّب
ويقال للطائر الذي يخرج من وكره باللّيل البومة والصّدى والهامة والضّوع والوطواط والخفّاش، وغراب اللّيل، ويصيد بعضها الفأر وسامّ أبرص والقطا وصغار الحشرات، وبعضها يصيد البعوض والفراش وما أشبه ذلك. والبوم يدخل بالليل على كل طائر في بيته، ويخرجه منه ويأكل فراخه وبيضه. وهذه الأسماء مشتركة.
وقال خزيمة بن أسلم:
فلا تزقون لي هامة فوق مرقبفإنّ زقاء الهام أخبث خابث
وقال عبد الله بن خازم أو غيره:
فإن تك هامة بهراة تزقوفقد أزقيت بالمروين هاما
وقال توبة بن الحميّر:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمتعليّ ودوني جندل وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاإليها صدى من جانب القبر صائح
وقال الرّاجز:
ومنهل طامسة أعلامهيعوي به الذئب ويزقو هامه
وأنشدني في الصّدى:
تجشمّت من جرّاك والبوم والصّدىله صائح أن كنت أسريت من أجلي
وقال سويد بن أبي كاهل في الضّوع:
لن يضرني غير أن يحسدنيفهو يزقو مثل ما يزقو الضّوع
قال: في قراءة ابن مسعود: إِنْ كانَتْ إِلَّا
زقية واحِدَةً
، وَنُفِخَ فِي
الزّقية يريد الصّور.
وصوت الدجاجة القوقأة، تقول هي تقوقئ.
وقال أعرابيّ:
أليس يرى عيني جبيرة زوجهاومحجرها، قامت عليه النّوائح
تنجّبها لا أكثر الله خيرهرميصاء قد شابت عليها المسائح
لها أنف خنزير وساقا دجاجةورؤيتها ترح من العيش تارح
وقال العجير السّلولي:
لا نوم إلّا غرار العين ساهرةحتّى أصيب بغيظ آل مطلوب
إن تهجروني فقد بدّلت أيكتكمذرق الدجاج بحفّاز اليعاقيب
وقال أبو الأسود الدّؤليّ:
ألم تعلما يا ابني دجاجة أنّنيأغشّ إذا ما النّصح لم يتقبّل
وقال صاحب الكلب: وسنروي في الدّجاج ونذكر كلّ من هجاها وهجا من اتخذها وأشبهها في وجه من الوجوه، قال الراجز:
أقبلن من نير ومن سواجبالحيّ قد ملّ من الإدلاج
فهم رجاج وعلى رجاجيمشون أفواجا إلى أفواج
مشي الفراريج إلى الدّجاج
وقال عبد الله بن الحجّاج:
فإن يعرض أبو العبّاس عنّيويركب بي عروضا عن عروض
ويجعل ودّه يوما لغيريويبغضني فإنّي من بغيض
فنصر الله يأسو كلّ جرحويجبر كسر ذي العظم المهيض
فدى لك من إذا ما جئت يوماتلقاني بجامعة ربوض
لدى جنب الخوان وذاك فحشوبئست خبزة الشّيخ المريض
كأنّي إذ فزعت إلى أحيحفزعت إلى مقوقية بيوض
إوزّة غيضة لقحت كشافالفقحتها إذا بركت نقيض
وقالت امرأة في زوجها وهي ترقّص ابنا لها منه:
وهبته من سلفع أفوكومن هبلّ قد عسا حنيك
أشهب ذي رأس كرأس الدّيك
تريد بقولها «أشهب» أنه شيخ وشعر جسده أبيض وأنّ لحيته حمراء.
وقد قال الشاعر، وهو الأعشى:
وبني المنذر الأشاهب بالحيره يمشون غدوة كالسّيوف
وإنما أراد الأعشى أن يعظّم ويفخّم أمرهم وشأنهم، بأن يجعلهم شيوخا.
وأمّا قولها: «ذي رأس كرأس الدّيك» فإنّما تعني أنّه مخضوب الرّأس واللّحية.
وقال الآخر:
حلّت خويلة في حيّ مجاورةأهل المدائن فيها الدّيك والفيل
يقارعون رؤوس العجم ضاحيةمنهم فوارس لا عزل ولا ميل
قال ابن أحمر:
في رأس خلقاء من عنقاء مشرفةلا يبتغى دونها سهل ولا جبل
إلّا كمثلك فينا غير أنّ لناشوقا وذلك ممّا كلّفت جلل
هيهات حيّ غدوا من ثجر منزلهمحيّ بنجران صاح الدّيك فاحتملوا
وقال:
أبعد حلول بالرّكاء وجاملغدا سارحا من حولنا وتنشّرا
تبدّلت إصطبلا وتلّا وجرّةوديكا إذا ما آنس الفجر فرفرا
وبستان ذي ثورين لا لين عندهإذا ما طغى ناطوره وتغشمرا
وقال أوس بن حجر:
كأنّ هرّا جنيبا عند مغرضهاوالتفّ ديك برجليها وخنزير
وقال الحكم بن عبدل:
مررت على بغل تزفّك تسعةكأنّك ديك مائل الرّأس أعور
تخيرّت أثوابا لزينة منظروأنت إلى وجه يزينك أفقر
وقال النّمر بن تولب:
أعذني رب من حصر وعيّومن نفس أعالجها علاجا
ومن حاجات نفسي فاعصمنّيفإنّ لمضمرات النّفس حاجا
وأنت وليّها وبرئت منهاإليك وما قضيت فلا خلاجا
وأنت وهبتها كوما جلاداأرجّي النّسل منها والنّتاجا
وتأمرني ربيعة كلّ يوملأشريها وأقتني الدّجاجا
وما تغني الدّجاج الضيّف عنيوليس بنافعي إلا نضاجا
أأهلكها وقد لاقيت فيهامرار الطّعن والضّرب الشّجاجا
وتذهب باطلا غدوات صهبىعلى الأعداء تختلج اختلاجا
جموم الشدّ شائلة الذّنابىتخال بياض غرّتها سراجا
وشدّي في الكريهة كلّ يومإذا الأصوات خالطت العجاجا
وقال عبد الرحمن بن الحكم:
وللأنصار آكل في قراهالخبث الأطعمات من الدّجاج
وقال الآخر لصاحبه:
آذيتنا بديكك السّلّاحفنجّنا من منتن الأرواح
وقالوا: «هو أسلح من حبارى» ساعة الخوف، ومن «دجاجة»، ساعة الأمن.
وقال عقيل بن علّفة:
وهل أشهدن خيلا كأنّ غبارهابأسفل علكد دواخن تنضب
تبيت على رمض كأنّ عيونهمفقاح الدّجاج في الوديّ المعصب
وقال صاحب الديك: حدّث الأصمعيّ قال: أخبرني العلاء بن أسلم قال:
أردت الخروج إلى مكّة المعظّمة، شرّفها الله تعالى، فجاءني هشام بن عقبة- وهو أخو ذي الرّمة- فقال لي: يا ابن أخي، إنّك تريد سفرا يحضر الشّيطان فيه حضورا لا يحضره في غيره، فاتّق الله وصلّ الصّلوات لوقتها فإنّك مصلّيها لا محالة، فصلّها وهي تنفعك، وأعلم أنّ لكلّ رفقة كلبا ينبح عليهم، فإن كان نهب شركوه فيه، وإن كان عار تقلّده دونهم فلا تكن كلب الرّفقة !! وقد رووا شبيها بذلك عن تبيع بن كعب.
وقال زيد الخيل:
يا نصر نصر بني قعين إنّماأنتم إماء يتّبعن الأشترا
يتبعن فضلة أير كلب منغظعضّ الكلاب بعجبه فاستثفرا
قال: فلمّا قدم زيد من عند النبي ﷺ قال: «أبرح فتى إن لم تدركه أمّ كلبة»، يعني الحمّى.
وقال جرير في البعيث:
إذا أنت لاقيت البعيث وجدتهأشحّ على الزّاد الخبيث من الكلب
وقال صاحب الكلب: وقد قال عمرو بن معد يكرب:
وقد كنت إذا ما الحيّيوما كرهوا صلحي
ألفّ الخيل بالخيلوأكفي النّبح بالنّبح
قال ومن الاستعارات من اسم الكلب قول الرّجل منهم، إن أوطن نفسه على شيء: قد ضربت جروتي، وضربت عليه. وقال أبو النّجم:
حتّى إذا ما ابيضّ جرو التّتفلوبدّلت والدّهر ذو تبدّل
وقال:
من الحنظل العاميّ جرو مفلّق
وقال عتبة الأعور:
ذهب الذين أحبّهموبقيت فيمن لا أحبه
إذ لا يزال كريم قومي فيهم كلب يسبّه
قال صاحب الديك:
فخرتم علينا بصيد الكلب، وهجوتم الديك إذ كان مما لا يصيد ولا يصاد به، وقد وجدنا العرب يستذلّون الصّيد ويحقرون الصّيّاد، فمن ذلك قول عمرو بن معد يكرب:
ابني زياد أنتم في قومكمذنب ونحن فروع أصل طيّب
نصل الخميس إلى الخميس وأنتمبالقهر بين مربّق ومكلّب
لا يحسبنّ بنو طليحة حربناسوق الحمير بجأبة فالكوكب
حيد عن المعروف سعي أبيهمطلب الوعول بوفضة وبأكلب
حتّى يكهّن بعد شيب شاملترحا له من كاهن متكذّب
وأما قول زهير:
وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهموكانوا قديما من مناياهم القتل
فهذا البيت نفسه ليس يدلّ على قولهم أنّ كلّ من كان به جنون أو كلب ثمّ حسا من دم ملك أو سيّد كريم أفاق وبرئ.
وقد ضربوا لصاحب الكلب أمثالا في شدّة طلبه الماء، وفي شدّة فراره منه إذا عاينه.
وقالوا وقلتم: فالماء المطلوب إذا عاينه من غير أن يمسّه، وهو الطالب له ولم يحرص عليه إلّا من حاجة إليه. فكيف صار إذا رآه صاح؟! قالوا: وقد يعتري النّاظر إلى الماء، والذي يديم التّحديق إليه وهو يمشي على قنطرة أو جرف أو جسر الدّوار، فإنّه ربما رمى بنفسه من تلقاء نفسه إلى الماء، وإن كان لا يحسن السباحة، وذلك إنما يكون على قدر ما يصادف ذلك من المرار. ومن الطّباع.
فممّن فعل ذلك بنفسه أبو الجهجهاه محمد بن مسعود، فكاد يموت حتى استخرج. ومنهم منصور بن إسماعيل التّمّار، وجماعة قد عرفت حالهم.
وهذا كما يعتري الذي يصيبه الأسن من البخار المختنق في البئر إذا صار فيها، فإنّه ربّما استقى واستخرج وقد تغيّر عقله. وأصحاب الرّكايا يرون أنّ دواءه أن يلقوا عليه دثارا ثقيلا، وأن يزمّل تزميلا وإن كان في تموز وآب، ثم يحرس وإن كان قريبا من رأس البئر، فإنّه إن لم يحل بينه وبينها طرح نفسه في تلك البئر، أتاها سعيا في أوّل ما يفتح عينه ويرجع إليه اليسير من عقله، حتى يكفي نفسه فيها من ذات نفسه، في الموضع الذي قد لقي منه ما لقي، وقد كان عنده معلوما أنّ القوم لو تركوه طرفة عين لهلك. هكذا كان عنده أيّام صحّة عقله، فلمّا فسد أراه الفساد أنّ الرّأي في العود إلى ذلك الموضع.
وكما يعتري الممرور حتّى يرجم النّاس، فإنّ المرّة تصوّر له أن الذي رجمه قد كان يريد رجمه، فيرى أنّ الصّواب أن يبدأه بالرّجم وعلى مثل ذلك تريه المرّة أنّ طرحه نفسه في النّار أجود وأحزم.
وليس في الأرض إنسان يذبح نفسه أو يختنق أو يتردّى في بئر، أو يرمي نفسه من حالق، إلّا من خوف المثلة أو التعذيب أو التعيير وتقريع الشامتين، أو لأنّ به وجعا شديدا فيحرّك عليه المرّة فيحمى لذلك بدنه ويسخن جوفه، فيطير من ذلك شيء إلى دماغه أو قلبه، فيوهمه ذلك أنّ الصّواب في قتل نفسه، وأنّ ذلك هو الرّاحة.
وأنّ الحزم مع الرّاحة.
ولا يختار الخنق الوادع الرابح الرافه، السليم العقل والطّباع. وللغيظ ربّما رمى بنفسه في هذه المهالك، وقذف بها في هذه المهاوي.
وقد يعتري الذي يصعد على مثل سنسيرة أو عقرقوف أو خضراء زوج، فإنّه يعتريه أن يرمي بنفسه من تلقاء نفسه، فيرون عند ذلك أن يصعد إليه بعض المعاودين المجرّبين، ولا يصنع شيئا حتّى يشدّ عينيه، ويحتال لإنزاله، فهذا المعنى عامّ فيمن كانت طبيعته تثور عند مثل هذه العلّة، وما أكثر من لا يعتريه ذلك.
وقد قال النّاس في عذر هؤلاء ولأنّ فيهم ضروبا من الأقاويل.
وإنّما تكلمنا على المغلوب. فأمّا من كانت هذه العوارض لا تفسد عقله، ولا تنقض استطاعته، فليس بيننا اختلاف في أنّه ملوم. على أنّ إلزامه اللائمة لا يكون إلّا من بعد خصومة طويلة، لا يصلح ذكرها في هذا الباب.
وقال صاحب الكلب: الغراب من لئام الطير وليس من كرامها، ومن بغاثها وليس من أحرارها، ومن ذوات البراثن الضعيفة والأظفار الكليلة، وليس من ذوات المخالب المعقّفة والأظفار الجارحة. ومن ذوات المناقير وليس من ذوات المناسر.
وهو مع أنّه قويّ النّظر. لا يتعاطى الصّيد. وربّما راوغ العصفور، ولا يصيد الجرادة إلّا أن يلقاها في سدّ من الجراد. وهو فسل إن أصاب جيفة نال منها وإلّا مات هزالا، ويتقمّم كما يتقمم بهائم الطير وضعافها، وليس ببهيمة لمكان أكله الجيف، وليس بسبع لعجزه عن الصّيد.
وهو مع ذلك يكون حالك السّواد شديد الاحتراق، ويكون مثله من الناس الزّنج فإنّهم شرار الناس، وأردأ الخلق تركيبا ومزاجا، كمن بردت بلاده فلم تطبخه الأرحام، أو سخنت فأحرقته الأرحام. وإنما صارت عقول أهل بابل وإقليمها فوق العقول، وجمالهم فوق الجمال لعلّة الاعتدال.
والغراب إمّا أن يكون شديد الاحتراق فلا يكون له معرفة ولا جمال، وإمّا أن يكون أبقع فيكون اختلاف تركيبه وتضادّ أعضائه دليلا على فساد أمره. والبقع ألأم من السّود وأضعف.
ومن الغربان غراب الليل، وهو الذي ترك أخلاق الغربان وتشبّه بأخلاق البوم».
ومنها غراب البين. وغراب البين نوعان: أحدهما غربان صغار معروفة
بالضّعف واللّؤم والآخر: [كلّ غراب يتشاءم به. و] إنّما لزمه هذا الاسم لأن الغراب إذا بان أهل الدّار للنّجعة، وقع في مرابض بيوتهم يلتمس ويتقمّم، فيتشاءمون به ويتطيّرون منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلّا إذا بانوا، فسمّوه غراب البين. ثمّ كرهوا إطلاق ذلك الاسم له مخافة الزّجر والطّيرة، وعلموا أنّه نافذ البصر صافي العين- حتى قالوا: «أصفى من عين الغراب». كما قالوا: «أصفى من عين الدّيك» - فسمّوه الأعور كناية، كما كنوا طيرة عن الأعمى فكنوه أبا بصير. وبها اكتنى الأعشى بعد أن عمي. ولذلك سمّوا الملدوغ والمنهوش سليما، وقالوا للمهالك من الفيافي:
المفاوز. وهذا كثير.
والغدقان جنس من الغربان، وهي لئام جدّا.
ومن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقّوا من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب.
وليس في الأرض بارح ولا نطيح، ولا قعيد، ولا أعضب ولا شيء مما يتشاءمون به إلّا والغراب عندهم أنكد منه، يرون أنه صياحه أكثر أخبارا، وأنّ الزّجر فيه أعمّ. وقال عنترة:
حرق الجناح كأنّ لحيى رأسهجلمان، بالأخبار هشّ مولع
وهو عندهم عار، وهم يتعايرون بأكل لحمه. ولو كان ذلك منهم لأنّه يأكل
اللحوم، ولأنّه سبع، لكانت الضّواري والجوارح أحقّ بذلك عندهم. وقد قال وعلة الجرمي:
فما بالعار ما عيّرتموناشواء الناهضات مع الخبيص
فما لحم الغراب لنا بزادولا سرطان أنهار البريص
قال: والغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحلّ والحرم، وسميت بالفسق وهي فواسق، اشتقّ لها من اسم إبليس.
وقالوا: رأى فلان فيما يرى النّائم أنه يسقط أعظم صومعة بالمدينة غراب.
فقال سعيد بن المسيّب: يتزوج أفسق الفاسقين امرأة من أهل المدينة. فلم يلبثوا إلا أيّاما حتى كان ذلك.
وقالوا في المثل: «لا يرجع فلان حتّى يرجع غراب نوح»، وأهل البصرة يقولون: «حتّى يرجع نشيط من مرو»، وأهل الكوفة يقولون: «حتى يرجع مصقلة من سجستان». [وكما تقول العرب: حتى يؤوب القارظ العنزي] فهو مثل في كل موضع من المكروه.
وزعم الأصمعيّ عن خلف الأحمر، أنّه قال: رأيت فرخ غراب فلم أر صورة أقبح ولا أسمج ولا أبغض ولا أقذر ولا أنتن منه. وزعم أنّ فراخ الغربان أنتن من الهدهد- على أنّ الهدهد مثل في النّتن- فذكر عظم رأس وصغر بدن، وطول منقار وقصر جناح، وأنّه أمرط أسود، وساقط النّفس، ومنتن الرّيح.
وصاحب المنطق يزعم أنّ رؤية فرخ العقاب أمر صعب، وشيء عسى. ولست أحسن أن أقضى بينهما.
والغربان عندنا بالبصرة أوابد غير قواطع، وهي تفرخ عندنا في رؤوس النّخل الشّامخة، والأشجار العالية.
فالغراب عند العرب مع هذا كلّه، قد خدع الدّيك وتلعّب به، ورهنه عند الخمّار، وتخلّص من الغرم، وأغلقه عند الخمّار، فصار له الغنم وعلى الدّيك الغرم، ثم تركه تركا ضرب به المثل.
فإن كان معنى الخبر على ظاهر لفظه. فالدّيك هو المغبون والمخدوع والمسخور به، ثمّ كان المتلعّب به أنذل الطير وألأمه.
وإن كان هذا القول مهم يجري مجرى الأمثال المضروبة، فلولا أنّ عليا الدّيك في قلوبهم دون محلّ الغراب- على لؤم الغراب ونذالته وموقه وقلّة معرفته- لما وضعوه في هذا الموضع.
فإن أردتم معرفة ذلك فانظروا في أشعارهم المعروفة، وأخباره الصحيحة ثمّ ابدؤوا بقول أميّة بن أبي الصّلت، فقد كان داهية من دواهي ثقيف، وثقيف من دهاة العرب، وقد بلغ من اقتداره في نفسه أنّه قد كان همّ بادّعاء النّبوة، وهو يعلم كيف الخصال التي يكون الرجل بها نبيّا أو متنبّيا إذا اجتمعت له، نعم وحتّى ترشّح لذلك بطلب الرّوايات، ودرس الكتب، وقد بان عند العرب علّامة، ومعروفا بالجولان في البلاد، راوية.
وفي كثير من الروايات من أحاديث العرب، أنّ الدّيك كان نديما للغراب، وأنّهما شربا الخمر عند خمّار ولم يعطياه شيئا، وذهب الغراب ليأتيه بالثّمن حين شرب، ورهن الدّيك، فخاس به، فبقي محبوسا.
وأنّ نوحا ﷺ حين بقي في اللّجّة أيّاما بعث الغراب، فوقع على جيفة ولم يرجع، ثمّ بعث الحمامة لتنظر هل ترى في الأرض موضعا يكون للسفينة مرفأ، واستجعلت على نوح الطّوق الذي في عنقها، فرشاها بذلك- أي فجعل ذلك جعلا لها.
وفي جميع ذلك يقول أميّة بن أبي الصّلت:
بآية قام ينطق كلّ شيءوخان أمانة الدّيك الغراب
يقول: حين تركه في أيديهم وذهب وتركه.
والعامّة تضرب به المثل وتقول: «ما هو إلّا غراب نوح».
ثم قال:
وأرسلت الحمامة بعد سبعتدلّ على المهالك لا تهاب
تلمّس هل ترى في الأرض عيناوغايتها من الماء العباب
فجاءت بعد ما ركضت بقطفعليه الثّأط والطين الكباب
فلما فرّسوا الآيات صاغوالها طوقا كما عقد السّخاب
إذا ماتت تورّثه بنيهاوإن تقتل فليس لها استلاب
كذي الأفعى تربّبها لديهوذي الجنّيّ أرسله تساب
فلا ربّ المنية يأمننهاولا الجنّيّ أصبح يستتاب
الجنّيّ: إبليس؛ لذنوبه. والأفعى هي الحيّة التي كلم إبليس آدم من جوفها.
ومن لا علم عنده يروي أيضا أنّ إبليس قد دخل جوف الحمار مرّة، وذلك أنّ نوحا لمّا دخل السفينة تمنّع الحمار بعسره ونكده، وكان إبليس قد أخذ بذنبه. وقال آخرون: بل كان في جوفه فلمّا قال نوح للحمار: ادخل يا ملعون! ودخل الحمار، دخل إبليس معه، إذ كان في جوفه. قال: فلمّا رآه نوح في السفينة قال: يا ملعون من أدخلك السّفينة؟ قال: أنت أمرتني. قال: ومتى أمرتك؟ قال: حين قلت، ادخل يا ملعون، ولم يكن ثمّ ملعون غيري.
قال أميّة بن أبي الصّلت:
هو أبدى من كلّ ما يأثر النّاس أماثيل باقيات سفورا
خلق النّخل مصعدات تراهاتقصف اليابسات والخضّورا
والتّماسيح والثّياتل والإيّل شتّى والرّيم واليعفورا
وصوارا من النّواشط عيناونعاما خواضبا وحميرا
وأسودا عواديا وفيولاوذيابا والوحش والخنزيرا
وديوكا تدعو الغراب لصلحوإوزّين أخرجت وصقورا»
قال: ثم ذكر الحمامة فقال:
سمع الله لابن آدم نوحربّنا ذو الجلال والإفضال
حين أوفى بذي الحمامة والنّاس جميعا في فلكه كالعيال
فأتته بالصّدق لمّا رشاهاوبقطف لما غدا عثكال
ووصف في هذه القصيدة أمر الحمامة والغراب صفة ثانية، وغير ذلك، وبدأ بذكر السفينة فقال:
ترفّع في جري كأنّ أطيطهصريف محال تستعيد الدّواليا
على ظهر جون لم يعدّ لراكبسراه وغيم ألبس الماء داجيا
فصارت بها أيّامها ثمّ سبعةوستّ ليال ذائبات غواطيا
تشق بهم تهوي بأحسن إمرةكأنّ عليها هاديا ونواتيا
وكان لها الجوديّ نهيا وغايةوأصبح عنه موجه متراخيا
[ثم قال]:
وما كان أصحاب الحمامة خيفةغداة غدت منهم تضمّ الخوافيا
رسولا لهم والله يحكم أمرهيبين لهم هل يؤنس التّرب باديا
فجاءت بقطف آية مستبينةفأصبح منها موضع الطّين جاديا
على خطمها واستوهبت ثمّ طوقهاوقالت ألا لا تجعل الطّوق حاليا
ولا ذهبا، إنّي أخاف نبالهميخالونه مالي وليس بماليا
وزدني على طوقي من الحلي زينةتصيب إذا أتبعت طوقي خضابيا
وزدني لطرف العين منك بنعمةوأرّث إذا ما متّ طوقي حماميا
يكون لأولادي جمالا وزينةويهوين زيني زينة أن يرانيا
ثم عاد أيضا في ذكر الدّيك فقال:
ولا غرو إلّا الدّيك مدمن خمرةنديم غراب لا يملّ الحوانيا
ومرهنه عن الغراب حبيبهفأوفيت مرهونا وخلفا مسابيا
أدلّ عليه الدّيك: إنّي كما ترىفأقبل على شأني وهاك ردائيا
أمنتك لا تلبث من الدّهر ساعةولا نصفها حتّى تؤوب مآبيا
ولا تدركنك الشّمس عند طلوعهافأعلق فيهم أو يطول ثوائيا
فردّ الغراب والرداء يحوزهإلى الدّيك وعدا كاذبا وأمانيا
بأيّة ذنب أو بأيّة حجّةأدعك فلا تدعو عليّ ولا ليا
فإنّي نذرت حجّة لن أعوقهافلا تدعونّي مرّة من ورائيا
تطيّرت منها والدّعاء يعوقنيوأزمعت حجّا أن أطير أماميا
فلا تيأسن إنّي مع الصّبح باكرأوافي غدا نحو الحجيج الغواديا
لحبّ امرئ فاكهته قبل حجّتيوآثرت عمدا شأنه قبل شانيا
هنالك ظنّ الدّيك إذ زال زولهوطال عليه اللّيل ألّا مفاديا
فلما أضاء الصّبح طرّب صرخةألا يا غراب هل سمعت ندائيا
على ودّه لو كان ثمّ مجيبهوكان له ندمان صدق مواتيا
وأمسى الغراب يضرب الأرض كلّهاعتيقا وأضحى الدّيك في القدّ عانيا
فذلك ممّا أسهب الخمر لبّهونادم ندمانا من الطّير عاديا
قال: ومن الطّير ما يلقم فراخه مثل العصفور، لأن العصفور لا يزقّ. وكذلك أشباه العصفور.
ومن الطير ما يزقّ فراخه، مثل الحمام وما أشبه ذلك كبهائم الطير الخالصة.
لأنّ الدّجاجة تأكل اللّحم، وتلغ في الدم، وولدها حين يخرج من البيض يخرج كاسبا
مليحا، كيسا بصيرا بما يعيشه ويقوته، ولا يحتاج إلى تلقيم سباع الطير والعصافير لأولادها، لأنّ أولادها إذ لم ترضع ولم تلقط الحبّ كالفراريج أوّل ما تخرج من البيض ولم تزقّها الآباء ولا الأمهات كأجناس الحمام- فلا بدّ لها من تلقيم.
والفرّوج مشترك الطبيعة. قد أخذ من طبائع الجوارح نصيبا، وهو أكله للحم، وحسوه للدّم، وأكله للديدان وما هو أقذر من الذّباب، والعصفور أيضا مشارك الطّباع، لأنّه يجمع بين أكل الحبوب واللّحمان، وبين لقط الحبوب وصيد أجناس كثيرة من الحيوان، كالنمل إذا طار. وكالجراد، وغير ذلك. وليس في الأرض رأس أشبه برأس الحيّة من العصفور.
والعصفور يتعالى ويطير، ويهتدي ويستجيب. ولقد بلغني أنّه قد رجع من قريب من فرسخ. وهي تكون عندنا بالبصرة في الدّور، فإذا أمكنت الثمار لم تجد منها إلّا اليسير، فتصير من القواطع إلى قاصي النّخل، وذلك أنّها إذا مرّت بعصافير القرى وقد سبقت إلى ما هو إليها أقرب، جاوزتها إلى ما هو أبعد، ثمّ تقرب الأيّام الكثيرة إلى ما هو أبعد، ثمّ تقرب الأيّام الكثيرة المقدار، في المسافة إلى أكثر مما ذكرت من الفرسخ أضعافا.
والعصافير لا تقيم في دور الأمصار إذا شخص أهلها عنها، إلّا ما كان منها مقيما على بيض أو فراخ، فإنّه ليس في الأرض طائر أحنى على ولده ولا أشدّ تعطفا من عصفور. والذي يدلّ على أنّ في طبعها من ذلك ما ليس في طبع سواها من الطّير الذي تجد من إسعاد بعضهنّ لبعض، إذا دخلت الحيّة إلى جحر بعضهن لتأكل فرخا، أو تبتلع بيضا، فإنّ لأبوي الفرخ عند ذلك صياحا وقلقا وطيرانا، وتدفيفا وترنيقا فوق الجحر ودونه وحواليه، فلا يبقى عصفور من حيث يسمع صياحهما أو يسمع أصواتهما إلّا جئن أرسالا مسعدات، يصنعن معهما كما يصنعان.
وليس في الأرض أصدق حذرا منه، ويقال إنّه في ذلك لأكثر من العقعق والغراب.
وخبّرني من يصيد العصافير قال: ربما كان العصفور ساقطا على حائط سطح بحذائي، فيغمّني صياحه وحدّة صوته، فأصبح وأومئ إليه بيدي، وأشير كأنّي أرميه، فما يطير. حتّى ربّما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئا، كلّ ذلك لا يتحرّك له. فإن مسّت يدي أديي حصاة أو نواة وأنا أريد رميها، طار قبل أن تستمكن منها يدي.
وليس في الطّير أكثر عدد سفاد من العصافير، ولذلك يقال إنّها أقصر الطّير أعمارا. ويقال إنّه ليس شيء ممّا يألف النّاس ويعايشهم في دورهم أقصر عمرا منها، يعنون: من الخيل والبغال والحمير، والبقر والغنم، والكلاب والسّنانير، والخطاطيف والزرازير، والحمام والدّجاج.
ولا يقدر العصفور على المشي، وليس عنده إلا النّقزان، ولذلك يسمّى النّقّاز، وإنّما يجمع رجليه ثمّ يثب، وذلك في جميع حركاته، وفي جميع ذهابه ومجيئه. فهي الصّعو، والعصافير، والنقاقيز. وإن هو مشى هذه المشية- التي هي نقزان- على سطح وإن ارتفع سمكه، فكأنّك تسمع لوطئه وقع حجر، لشدّة وطئه، ولصلابة مشيه، وهو ضدّ الفيل؛ لأنّ إنسانا لو كان جالسا ومن خلف ظهره فيل لما شعر به، لخفّة وقع قوائمه، مع سرعة مشي وتمكين في الخطا.
والرّخم والنّسر سباع، وإنّما قصّر بها عدم السلاح. فأمّا البدن والقوّة ففوق جميع الجوارح. ولكنّها في معنى الدّجاج، لمكان البراثن ولعدم المخالب.
ولقد رأيت سنّورا وثب على فرخ عصفور فأخطأه فتناول الفرخ بعض الغلمان فوضعه في البيت، فكان أبوه يجىء حتى يطعمه، فلمّا قوي وكاد يطير جعله في قفص، فرأيت أباه يجيء يتخرّق السّنانير وهي تهمّ به، حتّى يدخل إليه من أعلى فتح الباب، وهي تهمّ بالوثوب والاختطاف له، حتّى يسقط على القفص فينازعه ساعة، فإذا لم يجد إلى الوصول سبيلا طار فسقط خارجا من البيت، ثمّ لا يصبر حتّى يعود.
فكان ذلك دأبه. فلمّا قوي فرخه أرسلوه معه فطارا جميعا.
وعرفنا أنّه الأب دون الأمّ لسواد اللّحية.
قال: والدليل على أنّ صوت الدّيك كريه في السّماع، غير مطرب، قول الشاعر:
ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحاوأملّه ديك الصّباح صياحا
أوفى على شعف الجدار بسدفةغردا يصفّق بالجناح جناحا
قال: ويدلّ على صغر قدر الدّجاج عندهم قول بشّار بن برد الأعمى:
بجدّك يا ابن أقرع نلت مالاألا إنّ اللّئام لهم جدود
فمن نذر الزّيادة في الهداياأقمت دجاجة فيمن يزيد
قال: وإذا كثر الدّجاج في دار أو إصطبل أو قرية، لم يكن عدد بيضها وفراريجها على حسب ما كان يبيض القليل منهنّ ويفرخه. يعرف ذلك تجّار الدّجاج ومن اتخذها للغلّة.
وهي بمصر ترعى كما يرعى الغنم، ولها راع وقيّم.
والموت إلى الدّجاج سريع جدّا، العادة في صغار فراريجها خلاف ما عليها نتوّ فراخ الحمام، لأنّ الفرّوج تتصدّع عنه البيضة فهو كيّس ظريف، مليح مقبول، محبّ، غنيّ بنفسه، مكتف بمعرفته، بصير بموضع معيشته من لقط الحب، ومن صيد الذّباب وصغار الطير من الهوامّ. ويخرج كاسيا حتى كأنّه من أولاد ذوات الأربع.
ويخرج سريع الحركة شديد الصوت حديده، يدعى بالنّقر فيجيب، ولا يقال له: قر، قر، ثلاث مرّات- حتى يلقنه. فإن استدبره مستدبر ودعاه عطف عليه، وتتّبع الذي يطعمه ويلاعبه، وإن تباعد من مكانه الأوّل. فهو آلف شيء. ثمّ كلما مرّت عليه الأيام ماق وحمق، ونقص كيسه، وأقبل قبحه وأدبر ملحه. فلا يزال كذلك حتى ينسلخ من جميع ما كان يحبّ له إلى ضدّ ذلك، ويصير من حالة إلى حال لم يبلغ الانتفاع بذبحه وبيضه وفراريجه. وذهب عنهم الاستمتاع بكيسه. ولا يكاد يقبل الشّحم. حتى يلحق بأبيه، وكذلك إن كانت أنثى، لا تقبل السّمن، ولا تحمل اللّحم حتّى تكاد تلحق بأمّها في الجثّة.
والفرخ يخرج حارضا ساقطا، أنقص من أن يقال له مائق، وأقبح شيء، وهو في ذلك عاري الجلد مختلف الأوصال متفاوت الأعضاء، ضعيف الحوصلة، عظيم المنقار، فكلمّا مرّت به الأيّام زادت في لحمه وشحمه، وفي معرفته وبصره، حتى إذا بلغ خرج منه من الأمور المحمودة ما عسى لو أنّ واصفا تتبّع ذلك لملأ منه الأجلاد الكثيرة. ثم إذا جاز حدّ الفراخ إلى حدّ النواهض، إلى حدّ العتّق والمخالب، قلّ لحمه وذهب شحمه على حساب ذلك ينقص. فإذا تمّ وانتهى لم تكن في الأرض دابّة ولا طائر أقلّ شحما ولا أخبث لحما منه، ولا أجدر ألّا يقبل شيئا من السّمن ولو تخيّروا له فؤارة المسمنات وما يسمّن به- ما سمن.
وسألت عن السّبب الذي صار له الدّجاج إذا كثرن قلّ بيضهنّ وفراخهنّ، فزعموا أنّها في طباع النّخل، فإن النّخلة إذا زحمت أختها، بل إذا مسّ طرف سعفها
طرف سعف الأخرى وجاورتها، وضيّقت عليها في الهواء، وكذلك أطراف العروق في الأرض- كان ذلك كربا عليها وغمّا.
قالوا: فتدانيها وتضاغطها، وأنفاسها وأنفاس أبدانها، يحدث لها فسادا.
قال: وكما أنّ الحمام إذا كثرت في الكنّة والشريحة احتاجت إلى شمس وإلى ماء تغتسل فيه في بعض الأحايين، وإلى أن تكون بيوتها مكنوسة في بعض الأوقات ومرشوشة، وإلّا لم يكن لها كبير بيض. على أنّه إذا كان لها في الصميمين الدّفء في الشتاء والكنّ في الصيف، لم تغادر الدّهر كلّه أن تبيض.
قال صاحب الدّيك: فخرتم للكلب بكثرة ما اشتقّ للأشياء من اسم الكلب، وقد اشتقّ لأكثر من ذلك العدد من البيض، فقالوا لقلانس الحديد: بيض، وقالوا:
فلان يدفع عن بيضة الإسلام، وقالوا: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: أنا بيضة البلد. وفي موضع الذمّ من قولهم:
تأبى قضاعة أن تدري لكم نسباوابنا نزار وأنتم بيضة البلد
ويسمّى رأس الصّومعة والقبّة بيضة. ويقال للمجلس إذا كان معمورا غير مطوّل بيض جاثمة، ويقال للوعاء الذي يكون فيه الحبن والخراج- وهو الذي يجتمع فيه القيح- بيضة. وقال الأشتر بن عبادة:
يكفّ غروبها ويغضّ منهاوراء القوم خشية أن يلاموا
مظاهر بيضتين على دلاصبه من وقعة أخرى كلام
وقال النابغة:
فصبّحهم ململمة رداحاكأن رؤوسهم بيض النعام
وقال العجير السّلولي:
إذا البيضة الصّمّاء عضّت صفيحةبحربائها صاحت صياحا وصلّت
ولما أنشدوا أبا عبّاد النّمريّ قول ابن ميّادة، وهو الرّمّاح:
ولقد غدوت على الفتى في رحلهقبل الصّباح بمترع نشّاج
جاد القلال له بدرّ صبابةحمراء مثل سخينة الأوداج
حبست ثلاثة أحرس في دارةقوراء بين جوازل ودجاج
تدع الغويّ كأنّه في نفسهملك يعصّب رأسه بالتّاج
ويظلّ يحسب كلّ شيء حولهنجب العراق نزلن بالأحداج
فحين سمعه أبو عبّاد يقول:
حبست ثلاثة أحرس في دارةقوراء بين جوازل ودجاج
قال: لو وجدت خمرا زيتيّة ذهبية، أصفى من عين الديك، وعين الغراب، ولعاب الجندب وماء المفاصل، وأحسن حمرة من النّار، ومن نجيع غزال، ومن فوّة الصّباغ- لما شربتها حتّى أعلم أنّها من عصير الأرجل، وأنّها من نبات القرى، وما لم تكدر في الزّقاق، وأنّ العنكبوت قد نسجت عليها، وأنّها لم تصر كذلك إلّا وسط دسكرة، وفي قرية سواديّة وحولها دجاج وفراريج. وإن لم تكن رقطاء أو فيها رقط فإنّها لم تتمّ كما أريد. وأعجب من هذا أنّي لا أنتفع بشربها حتّى يكون بائعها على غير الإسلام. ويكون شيخا لا يفصح بالعربيّة، ويكون قميصه متقطّعا بالقار.
وأعجب من هذا أنّ الذي لا بدّ منه أن يكون اسمه وإن كان مجوسيّا شهريار، ومازيار، وما أشبه ذلك، مثل أدير، واردان، ويازان. فإن كان يهوديا فاسمه مانشا، وأشلوما، وأشباه ذلك، وإن كان نصرانيّا فاسمه يوشع وشمعون وأشباه ذلك.
ويقال حمس الشرّ وأحمس إذا اشتدّ. ويقال قد احتمس الدّيكان احتماسا، إذا
اقتتلا اقتتالا شديدا، ويقال وقع الطائر يقع وقوعا. وكلّ واقع فمصدره الوقوع، ومكانه موقعة، والجمع مواقع. وقال الرّاجز:
كأنّ متنيه من النفيّمواقع الطير على الصّفيّ
يقال صفا وصفيّ. والنّفيّ: ما نفى الرّشاء من الماء، وما تنفيه مشافر الإبل من من الماء المدير. فشبّه مكانه على ظهر الساقي والمستقي بذرق الطّير على الصّفا.
ويقال: وقع الشيء من يدي وقوعا، وسقط من يدي سقوطا. ويقال وقع الربيع بالأرض، ويقال سقط. وقال الرّاعي:
وقع الربيع وقد تقارب خطوهورأى بعقوته أزلّ نسولا
قال: وكان عندنا فرّوج، وفي الدار سنانير تعابث الحمام وفراخه، وكان الفرّوج يهرب منها إلى الحمام، فجاؤونا بدرّاج، فترك الحمام وصار مع الدّرّاج، ثمّ اشترينا فروجا كسكريّا للذّبح فجعلناه في قفص، فترك الدّرّاج ولزم قرب القفص، فجئنا بدجاجة فترك الدّيك وصار مع الدّجاجة، فذكرت قول الفزر عبد بني فزارة- وكانت بأذنه خربة -: إنّ الوئام يتنزّع في جميع الطّمش، لا يقرب العنز الضّأن ما وجدت المعز، وتنفر [الشاء] من المخلب ولا تتأنّس بالخفّ. فجعلها كما ترى تنفر ولا تأنس منزله وكذلك حدّثنا الأصمعيّ قال: قلت للمنتجع بن نبهان- وكانت بأذنه خربة - أكان تميم مسلما؟ قال: إن كان هو الذي سمّى ابنه زيد مناة فما كان
مسلما، وإلّا يكن هو الذي سمّاه فلا أدري. ولم يقل: وإلّا يكن هو سمّاه فقد كان مسلما.
والوئام: المشاكلة. وقالوا: تقول العرب: «لولا الوئام لهلك الأنام». وقال بعضهم: تأويل ذلك: لولا أنّ بعض الناس إذا رأى صاحبه قد صنع خيرا فتشبّه به لهلك الناس، وقال الآخرون: إنما ذهب إلى أنس بعض الناس ببعض، كأنّه قال: إنّما يتعايشون على مقادير الأنس الذي بينهم، ولو عمّتهم الوحشة عمّتهم الهلكة، وقال قوم بن مالك، في الوئام:
علام أوائم البخلاء فيهافأقعد لا أزور ولا أزار
وقال الأخطل:
نازعته في الدجى الرّاح الشّمول وقدصاح الدّجاج وحانت وقفة السّاري
وقال جرير:
لمّا مررت على الدّيرين أرّقنيصوت الدّجاج وقرع بالنواقيس
قالوا: وقد وجدنا الدّيكة والدّجاج وأفعالها، مذكورات في مواضع كثيرة، قال ذو الرّمة:
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بناأواخر الميس أصوات الفراريج
وقال الهذلي:
ومن أينها بعد إبدانهاومن شحم أثباجها الهابط
تصيح جنادبه ركّداصياح المسامير في الواسط
فهو على كلّ مستوفزسقوط الدّجاج على الحائط
وقال مروان بن محمد:
ضيّع ما ورّثه راشدمن كيلة الأكداس في صفّه
فربّ كدس قد علا رمسهكالدّيك إذ يعلو على رفّه
ويقال في المثل للذي يعطي عطيّة لا يعود في مثلها: «كانت بيضة الدّيك».
فإن كان معروف له قيل: «بيضة العقر».
ويقال دجاجة بيوض في دجاج بيض وبيض، بإسكان موضع العين من الفعل من لغة سفلى مضر، وضمّ موضع العين من نظيره من الفعل مع الفاء من لغة أهل الحجاز.
ويقال عمد الجرح يعمد عمدا، إذا عصر قبل أن ينضج فورم ولم يخرج بيضته وذلك الوعاء والغلاف الذى يجمع المدّة يسمّى بيضة، وإذا خرج ذلك بالعصر من موضع العين فقد أفاق صاحبه.
ويقال حضن الطائر فهو يحضن حضانا.
ويقال: هو التّسافد من الطير، والتعاظل من السّباع. ويقال قمط الحمام الحمامة وسفدها، ويقال قعا الفحل يقعو قعوا، وهو إرساله بنفسه عليها في ضرابه،
والفحل من الخفّ يضرب، وهو القعو والضّراب. ومن الظّلف والحافر ينزو نزوا، وكذلك السنانير، والظليم يقعو، وكلّ الطير يقعو قعوا، وأما الخفّ والظّلف فإنّه يقعو بعد التسنم. وهو ضراب كلّه ما خلا التسنّم. وأما الظّلف خاصّة فهو قافط، يقال قفط يقفط قفطا. أو القفط نزوة واحدة. وليس في الحافر إلّا النّزو.
قال: ويوضع بيض الطاوس تحت الدّجاجة، وأكثر ذلك لأنّ الذّكر يعبث بالأنثى إذا حضنت، قال: ولهذه العلّة كثير من إناث طير الوحش يهرّبن بيضهنّ من ذكورتها، ثمّ لا تضعه بحيث يشعر به ذكورتهنّ.
قال: ويوضع تحت الدجاجة بيضتان من بيض الطاوس، لا تقوى على تسخين أكثر من ذلك. على أنهم يتعهّدون الدّجاجة بجميع حوائجها خوفا من أن تقوم عنه فيفسده الهواء.
قال: وخصى ذكور أجناس الطّير تكون في أوان أوّل السفاد أعظم. وكلّما كان الطير أعظم سفادا. كانت خصيته أعظم، مثل الدّيك، والقبج، والحجل.
وخصية العصفور أعظم من خصية ما يساويه في الجثّة مرّتين.
قال: وكلّ ما كان من الدّجاج أصغر جثّة يكون أكبر لبيضه. وبعض الدّجاج يكون يبيض بيضا كثيرا، وربما باض بيضتين في يوم واحد؛ وإذا عرض له ذلك كان من أسباب موته.
وقال آخر في صفة الديك:
ماذا يؤرّقني والنوم يعجبنيمن صوت ذي رعثات ساكن الدّار
كأنّ حمّاضة في رأسه نبتتمن آخر الليل قد همّت بإثمار
وقال الطرمّاح:
فيا صبح كمّش غبّر اللّيل مصعداببمّ ونبّه ذا العفاء الموشّح
إذا صاح لم يخذل وجاوب صوتهحماش الشّوى يصدحن من كلّ مصدح
قال: والفرّوج إذا خرج من بيضه عن حضن الحمام، كان أكيس له.
وبيض الطّاوس إذا لم تحضنه الأنثى التي باضته خرج الفرخ أقمأ وأصغر.
قال: وإذا أهرمت الدجاجة فليس لأواخر ما تبيض صفرة. وقد عاينوا للبيضة الواحدة محّتين، خبّرني بذلك جماعة ممّن يتعرّف الأمور. وإذا لم يكن للبيضة محّ لم يخلق من البيضة فرّوج ولا فرخ، لأنّه ليس له طعام يغذوه ويربيه. والبيض إذا كان فيه مّحتان وكان البياض وافرا- ولا يكون ذلك للمسنّات- فإذا كان ذلك خلق الله تعالى من البياض فروجين، وتربّى الفرّوجان، وتمّ الخلق، لأنّ الفرخ إنّما يخلق من البياض، والصفرة غذاء الفروج.
قال: ويقال قفط الطائر يقفط قفطا، وسفد يسفد سفادا، وهما واحد. ويكون السّفاد للكلب والشاة، ويقال قمط الحمام يقمط قمطا.
ويقال ذرق الطائر يذرق ذرقا، وخزق يخزق خزقا، يقال ذلك للإنسان، فإذا
اشتقّ له من الحذقة نفسه ومن اسمه الذي هو اسمه قيل خرئ، وهو الخرء والخراء.
ويقال للحافر راث يروث، وللمعز والشاء: بعر يبعر، ويقال للنّعام: صام يصوم، وللطير: نجا ينجو واسم نجو النّعام الصّوم، واسم نجو الطير العرّة. وقال الطّرمّاح:
في شناظي أقن بينهاعرّة الطّير كصوم النّعام
ويقال للصبي عقى، مأخوذ من العقي.
ويقال لحمت الطير، ويقال ألحم طائرك إلحاما، أي أطعمه لحما واتخّذ له.
ويقال هي لحمة النّسب، ويقال ألحمت الثوب إلحاما، وألحمت الطائر إلحاما، وهي لحمة الثّوب، ولحمة، بالفتح والضمّ.
ومن خصال الدّيك المحمودة قولهم في الشراب: «أصفى من عين الدّيك» وإذا وصفوا عين الحمام الفقيع بالحمرة، أو عين الجراد قالوا: كأنّها عين الدّيك. وإذا قالوا: «أصفى من عين الغراب» فإنّما يريدون حدّته ونفاذ البصر.
وفي عين الديك يقول الأعشى:
وكأس كعين الدّيك باكرت حدّهابغرّتها إذ غاب عنها بغاتها
وقال آخر:
وكأس كعين الديك باكرت حدهابفتيان صدق والنّواقيس تضرب
وقال آخر:
قدّمته على عقار كعين الدّيك صفّى زلالها الرّاووق
وقال الآخر:
ثلاثة أحوال وشهرا مجرّماتضيء كعين العترفان المحارب
والعترفان من أسماء الديك، وسماه بالمحارب كما سماه بالعترفان.
وإذا وصفوا الماء والشّراب بالصّافي قالوا، كأنّه الدّمع، وكأنّه ماء قطر، وكأنّه ماء مفصل، وكأنّه لعاب الجندب، إلّا أنّ هذا الشاعر قال:
مطبقة ملآنة بابليّةكأنّ حميّاها عيون الجنادب
وقال آخر:
وما قرقف من أذرعات كأنّهاإذا سكبت من دنّها ماء مفصل
والمفاصل: ماء بين السّهل والجبل، وقال أبو ذؤيب:
مطافيل أبكار حديث نتاجهاتشاب بماء مثل ماء المفاصل
وقال ابن نجيم: إنما عنوا مفاصل فقار الجمل، لأنّ لكلّ مفصل حقا، فيستنقع فيه ماء أبدا أصفى ولا أحسن منه وإن رقّ.
وقال مرّة قطرب، وهو محمد بن المستنير النحويّ: «والله لفلان أبصر من كلب، وأسمع من كلب، وأشمّ من كلب» !. فقيل له: أنشدنا في ذلك ما يشبه قولك. فأنشد قوله:
يا ربّة البيت قومي غير صاغرةحطّي إليك رحال القوم فالقربا
في ليلة من جمادى ذات أنديةلا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةحتّى يجرّ على خيشومه الذّنبا
وأنشد هذا البيت في ثقوب بصره، والشّعر لمرّة بن محكان السعديّ.
ثم أنشد في ثقوب السّمع:
خفيّ السّرى لا يسمع الكلب وطأهأتى دون نبح الكلب والكلب دابب
قال أبو الحسن: قال نصر بن سيّار اللّيثي: كان عظماء التّرك يقولون للقائد العظيم القيادة: لا بدّ أن تكون فيه عشر خصال من أخلاق الحيوان: سخاء الديك، وتحنّن الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وختل الذئب، وصبر الكلب على لجراحة، وحذر الغراب، وحراسة الكركيّ، وهداية الحمام.
وقد كتبنا هذا في باب ما للدّجاج والدّيك، لأنّ صاحب هذا الكلام قسّم هذه الخصال، فأعطى كلّ جنس منها خصلة واحدة وأعطى جنس الدجاج خصلتين.
وعبّاد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان مكحول يسافر بالدّيك، وعنه في هذا الإسناد عن رسول الله ﷺ: «الدّيك صديقي، وصديق صديقي، وعدوّ عدوّ الله، يحفظ داره وأربع دور من حواليه».
والمسيب بن شريك عن الأعمش نحسبه عن إبراهيم، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تذبحوا الدّيك، فإنّ الشّيطان يفرح به».
والقربا»، ما الفائدة في هذا؟ فقال: كان الضيف إذا نزل بالعرب في الجاهلية ضموا إليه رحله، وبقي سلاحه معه لا يؤخذ خوفا من البيان والإغارة»، فقال مرة بن محكان يخاطب امرأته: ضمي إليك رحال هؤلاء الضيفان وسلاحهم، فإنهم عندي في عز وأمن من الغارات والبيات، فليسوا ممن يحتاج أن يبيت لابسا سلاحه).
قال: وليس جناح إلّا وفيه عشرون ريشة: فأربع قوادم. وأربع مناكب، وأربع أباهر، وأربع كلى، وأربع خواف، ويقال: سبع قوادم، وسبع خواف، وسائره لقب.
قال: وكلّ شيء من ذوات الأربع فركبتاه في يديه، وركبتا الإنسان في رجليه، قال: والإنسان كفّه في يده، والطائر كفه في رجله.
قال: وفي الفم ثنيّتان ورباعيتان ونابان وضاحكان وأربعة أرحاء سوى ضرس الحكم. والنّواجذ والعوارض سواء. ومثلها أسفل.
قال صاحب الدّيك: والدّجاجة يتفاءل بذكرها، ولذلك لمّا ولد لسعيد بن العاص عنبسة بن سعيد، قال لابنه يحيى: أىّ شيء تنحلة؟ قال: دجاجة بفراريجها! يريد احتقاره بذلك، إذ كان ابن أمة ولم يكن ابن حرّة. فقال سعيد- أو قيل له-: إن صدق الطّير ليكوننّ أكثرهم ولدا! فهم اليوم أكثرهم ولدا، وهم بالكوفة والمدينة.
وقال الشاعر:
غدوت بشربة من ذات عرقإبا الدّهناء من حلب العصير
وأخرى بالعقنقل ثمّ سرنانرى العصفور أعظم من بعير
كأنّ الدّيك ديك بني نميرأمير المؤمنين على السّرير
كأنّ دجاجهم في الدّار رقطابنات الرّوم في قمص الحرير
فبتّ أرى الكواكب دانياتينلن أنامل الرّجل القصير
أدافعهنّ بالكفين عنيّوأمسح جانب القمر المنير
قال: ويوصف بالدّعاء وبالمنطق، قال لبيد بن ربيعة:
وصدّهم منطق الدّجاج عن القصد وضرب النّاقوس فاجتنبا
وقال:
لدن أن دعا ديك الصباح بسحرةإلى قدر ورد الخامس المتأوّب
قال أبو الحسن: حدّثني أعرابيّ كان ينزل بالبصرة قال: قدم أعرابيّ من البادية فأنزلته، وكان عندي دجاج كثير، ولي امرأة وابنان وابنتان منها، فقلب لامرأتي: بادري واشوي لنا دجاجة وقدّميها إلينا نتغدّاها فلمّا حضر الغداء جلسنا جميعا أنا وامراتي وابناي وابنتاي والأعرابيّ. قال: فدفعنا إليه الدّجاجة فقلنا له:
اقسمها بيننا- نريد بذلك أنّ نضحك منه- فقال: لا أحسن القسمة، فإن رضيتم بقسمتي قسمتها بينكم، قلنا: فإنّا نرضى. فأخذ رأس الدّجاجة فقطعه فناولنيه وقال:
الرّأس للرّأس، وقطع الجناحين وقال: الجناحان للابنين. ثمّ قطع السّاقين فقال:
السّاقان للابنتين. ثمّ قطع الزمكّي وقال: العجز للعجز. [ثم قطع الزور] وقال:
الّزور للزائر: قال فأخذ الدّجاجة بأسرها وسخر بنا. قال: فلما كان من الغد قلت لامرأتي: اشوي لنا خمس دجاجات. فلما حضر الغداء. قلت: اقسم بيننا. قال: إنّي أظنّ أنّكم وجدتم في أنفسكم! قلنا: لا! لم نجد في أنفسنا فأقسم. قال: أقسم شفعا أو وترا، قلنا: اقسم وترا قال: أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة. ثمّ رمى إلينا بدجاجة. ثمّ قال: وابناك ودجاجة ثلاثة. ثمّ رمى إليهما بدجاجة. ثمّ قال: وابنتاك ودجاجة ثلاثة. ثمّ رمى إليهما بدجاجة. ثمّ قال: أنا ودجاجاتان ثلاثة. وأخذ دجاجتين وسخر بنا. قال: فرآنا ونحن ننظر إلى دجاجتيه فقال: ما تنظرون! لعلّكم
كرهتم قسمتي الوتر لا يجيء إلّا هكذا، فهل لكم في قسمة الشّفع؟ قلنا: نعم.
فضمّهنّ إليه، ثم قال: أنت وابناك ودجاجة أربعة. ورمى إلينا بدجاجة، ثمّ قال:
والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمى إليهنّ بدجاجة، ثمّ قال: أنا وثلاث دجاجات أربعة، وضمّ إليه الثّلاث، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم الحمد، أنت فهّمتنيها!
قال صاحب الكلب: [أمّا قولهم]: من أعظم مفاخر الدّيك والدّجاج على سائر الحيوان، إنّ الفرّوج يخرج من البيضة كاسيا يكفي نفسه، ثمّ يجمع كيس الخلقة وكيس المعرفة، وذلك كلّه مع خروجه من البيضة- فقد زعم صاحب المنطق أنّ ولد العنكبوت يأخذ في النّسج ساعة يولد. وعمل العنكبوت عمل شاق ولطيف دقيق، لا يبلغه الفرّوج ولا أبو الفرّوج!! على أنّ ما مدحوا الفرّوج به من خروجه من البيضة كاسيا، قد شركه في حاله غير جنسه. وكذلك ذوات الأربع كلها تلد كواسي كواسب، كولد الشاء.
وفراخ القبج والدّرّاج، وفراخ البطّ الصّينيّ في ذلك كلّه لا حقة بالفراريج، وتزيد على ذلك أنّها تزداد حسنا كلّما كبرت. فقد سقط هذا الفخر.
ومن الشّعر الذي قيل في الدّيك، ممّا يكتب للهزل وليس للجدّ والفائدة، قول أبي الشّمقمق:
هتفت أمّ حصينثمّ قالت: من ينيك
فتحت فرجا رحيبامثل صحراء العتيك
فيه وزّ فيه بطّفيه درّاج وديك
قال: وممّا فيه ذكر الدجاج وليس من شكل ما بنينا كلامنا عليه. ولكنّه يكتب لما فيه من العجب. قال: قال الهامرز. قال صاحب الأهواز: ما رأينا قوما أعجب من العرب! أتيت الأحنف بن قيس فكلّمته في حاجة لي إلى ابن زياد، وكنت قد ظلمت في الخراج، فكلّمه فأحسن إليّ وحطّ عنّي، فأهديت إليه هدايا كثيرة فغضب وقال: إنّا لا نأخذ على معونتنا أجرا! فلمّا كنت في بعض الطريق سقطت من ردائي
دجاجة فلحقني رجل منهم فقال: هذه سقطت من ردائك. فأمرت له بدرهم، ثمّ لحقني بالأبلّة فقال: أنا صاحب الدّجاجة! فأمرت له بدراهم؛ ثمّ لحقني بالأهواز فقال: أنا صاحب الدّجاجة! فقلت له: إن رأيت زادي بعد هذا كلّه قد سقط فلا تعلمني، وهو لك!!
قال صاحب الكلب: كان يقال لأبي العاصي بن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس، وهو زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ولأخيه كنانة بن الرّبيع: جرو البطحاء.
قال صاحب الديك لصاحب الكلب: وسنضرب لك المثل الذي ضربه الموريانيّ للدّيك والبازي: وذلك أنّ خلّاد بن يزيد الأرقط قال: بينما أبو أيّوب الموريانيّ جالس في أمره ونهيه، إذ أتاه رسول أبي جعفر فانتقع لونه، وطارت عصافير رأسه، وأذن بيوم بأسه، وذعر ذعرا نقض حبوته، واستطار فؤاده، ثمّ عاد طلق الوجه، فتعجّبنا من حاليه وقلنا له: إنّك لطيف الخاصّة قريب المنزلة. فلم ذهب بك الذّعر واستفرغك الوجل؟ فقال: سأضرب لكم مثلا من أمثال الناس.
زعموا أنّ البازي قال للديك: ما في الأرض شيء أقلّ وفاء منك! قال: وكيف؟
قال: أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثمّ خرجت على أيديهم فأطعموك على أكفّهم، ونشأت بينهم، حتّى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلّا طرت هاهنا وهاهنا وضججت وصحت. وأخذت أنا من الجبال مسنّا فعلّموني وألّفوني، ثمّ يخلّى عنّي فآخذ صيدي في الهواء فأجيء به إلى صاحبي. فقال له الدّيك: إنّك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم مثل ما رأيت من الدّيوك لكنت أنفر منّي! ولكنّكم أنتم لو علمتم ما أعلم، لم تتعجّبوا من خوفي، مع ما ترون من تمكّن حالي.
قال صاحب الكلب: ذكر محمّد بن سلّام عن سعيد بن صخر قال: أرسل مسلم بن عمرو، ابن عمّ له إلى الشّام ومصر يشتري له خيلا، فقال له: لا علم لي
بالخيل- وكان صاحب قنص- قال: ألست صاحب كلاب؟ قال: بلى. قال فانظر كلّ شيء تستحسنه في الكلب فاستعمله في الفرس. فقدم بخيل لم يكن في العرب مثلها.
قال محمّد بن سلّام: استأذن رجل على امرأة فقالت له: ماله من حاجة. قالت الجارية: يريد أن يذكر حاجة. قالت: لعلها حاجة الدّيك إلى الدّجاجة!.
محمّد بن سلّام عن سلّام أبي المنذر قال: حبس خالد بن عبد الله الكميت ابن زيد، وكانت امرأته تختلف إليه في ثياب وهيئة حتّى عرفها البوّابون، فلبس يوما ثيابها وخرج عليهم. فسمّى في شعره البوّابين النّوابح، وسمّى خالدا المشلي:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبلعلى الرّغم من تلك النّوابح والمشلي
عليّ ثياب الغانيات وتحتهاصريمة عزم أشبهت سلّة النّصل
قال: وأخبرنا خشرم قال: سمعت فلانا البقّال يسأل الحسن قال: إنّ الصبيان يأتونني ببيضتين مكسورتين، يأخذون منّي صحيحة واحدة. قال: ليس به بأس.
محمّد بن سلّام عن بعض أشياخه قال: قال مصعب بن الزّبير على منبر مسجد البصرة، لبعض بني أبي بكره: إنما كانت أمّكم مثل الكلبة، ينزو عليها الأعفر والأسود والأبقع، فتؤدي إلى كلّ كلب شبهه.
هذا في هذا الموضع هجاء، وأصحاب الكلاب يرون هذا من باب النّجابة، وأنّ ذلك من صحّة طباع الأرحام، حين لا تختلط النّطف فتجيء جوارح الأولاد مختلفة مختلطة.
وقال صاحب الكلب: في وصيّة عثمان الخيّاط للشّطّار اللّصوص: إيّاكم إيّاكم وحبّ النّساء وسماع ضرب العود، وشرب الزّبيب المطبوخ، وعليكم باتّخاذ الغلمان؛ فإنّ غلامك هذا أنفع لك من أخيك، وأعون لك من ابن عمّك، وعليكم بنبيذ التّمر، وضرب الطّنبور، وما كان عليه السلف واجعلوا النّقل باقلّاء، وإن قدتم على الفستق، والرّيحان شاهسفرم، وإن قدرتم على الياسمين. ودعوا لبس العمائم وعليكم بالقناع. والقلنسوة كفر، والخف شرك، واجعل لهوك الحمام، وهارش الكلاب وإيّاك والكباش واللّعب بالصّقورة والشّواهين، وإيّاكم والفهود.
فلما انتهى إلى الديك قال: والدّيك فإنّ له صبرا ونجدة، وروغانا وتدبيرا، وإعمالا للسّلاح، وهو يبهر بهر الشّجاع.
ثم قال: وعليكم بالنّرد ودعوا الشّطرنج لأهلها، ولا تلعبوا في النّرد إلا بالطويلتين. والودغ رأس مال كبير، وأوّل منافعه الحذق باللّقف.
ثمّ حدّثهم بحديث يزيد بن مسعود القيسيّ.
وقال صاحب الديك: ذكر محمّد بن سلّام عن يحيى بن النضر، عن أبي أميّة عبد الكريم المعلّم قال: كان الحسن بن إبراهيم يكره صيد الكلب الأسود البهيم.
وأنشد صاحب الكلب قول أحمد بن زياد بن أبي كريمة في صفة صيد الكلب، قصيدة طويلة أوّلها:
وغبّ غمام مزّقت عن سمائهشاميّة حصّاء جون السّحائب
مواجه طلق لم يردّد جهامهتذاؤب أرواح الصّبا والجنائب
بعثت وأثواب الدّجى قد تقطّصتلغرّة مشهور من الصبّح ثاقب
وقد لاح ناعي الليل حتّى كأنّهلساري الدّجى في الفجر قنديل راهب
بهاليل لا يثنيهم عن عزيمةوإن كان جمّ الرشد، لوم القرائب
بتجنيب غضف كالقداح لطيفةمشرّطة آذانها بالمخالب
تخال سياطا في صلاها منوطةطوال الهوادي كالقداح الشوازب
إذا افترشت خبتا أثارت بمتنهعجاجا وبالكذّان نار الحباحب
يفوت خطاها الطّرف سبقا كأنّهاسهام مغال أو رجوم الكواكب
طراد الهوادي لاحها كلّ شتوةبطامسة الأرجاء مرت المسارب
تكاد من الأحراج تنسلّ كلّمارأت شبحا لولا اعتراض المناكب
تسوف وتوفى كلّ نشز وفدفدمرابض أبناء النّفاق الأرانب
كأنّ بها ذعرا، يطير قلوبهاأنين المكاكي أو صرير الجنادب
تدير عيونا ركّبت في براطلكجمر الغضى خزرا ذراب الأنائب
إذا ما استحثّت لم يجنّ طريدهالهنّ ضراء أو مجاري المذانب
وإن باصها صلتا مدى الطّرف أمسكتعليه بدون الجهد سبل المذاهب
تكاد تفرّى الأهب عنها إذا انتحتلنبّأة شخت الجرم عاري الرّواجب
كأنّ غصون الخيزران متونهاإذا هي جالت في طراد الثّعالب
كواشر عن أنيابهنّ كوالحمذلّقة الآذان شوس الحواجب
كأنّ بنات القفر حين تفرّقتغدون عليها بالمنايا الشّواعب
ثم وصف الفهود:
بذلك أبغي الصّيد طورا وتارةبمخطفة الأكفال رحب التّرائب
مرقّقة الأذناب نمر ظهورهامخطّطة الآماق غلب الغوارب
مدنّرة ورق كأنّ عيونهاحواجل تستذمى متون الرّواكب
إذا قلّبتها في الفجاج حسبتهاسنا ضرم في ظلمة اللّيل ثاقب
مولّعة فطح الجباه عوابستخال على أشداقها خطّ كاتب
نواصب آذان لطاف كأنّهامداهن، للإجراس من كلّ جانب »
ذوات أشاف ركّبت في أكفّهانوافذ في صمّ الصّخور نواشب
ذراب بلا ترهيف قين كأنّهاتعقرب أصداغ الملاح الكواعب
فوارس مالم تلق حربا، ورجلةإذا آنست بالبيد شهب الكتائب
تروّ وتسكين يكون دريئةلهنّ بذي الأسراب في كلّ لاحب
تضاءل حتّى لا تكاد تبينهاعيون لدى الصرّات غير كواذب
حراص يفوت البرق أمكث جريهاضراء مبلّات بطول التّجارب
توسّد أجياد الفرائس أذرعامرمّلة تحكى عناق الحبائب
قال دعبل الشاعر: أقمنا عند سهل بن هارون فلم نبرح، حتّى كدنا نموت من الجوع، فلما اضطررناه قال: يا غلام، ويلك غدّنا! قال: فأتينا بقصعة فيها مرق فيه لحم [ديك عاس] هرم ليس قبلها ولا بعدها غيرها لا تحزّ فيه السكين، ولا تؤثّر فيه الأضراس. فاطّلع في القصعة وقلّب بصره فيها، ثمّ أخذ قطعة خبز يابس فقلّب جميع ما في القصعة حتّى فقد الرأس من الدّيك وحده، [فبقي مطرقا ساعة] ثمّ رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرّأس؟ فقال: رميت به. قال: ولم رميت به؟ قال: لم أظنّك تأكله! قال: ولأيّ شيء ظننت أنّي لا آكله؟ فو الله إنّي لأمقت من يرمي برجليه [فكيف من يرمي برأسه] ؟! ثم قال له: لو لم أكره ما صنعت إلّا للطّيرة والفأل، لكرهته! الرأس رئيس وفيه الحواسّ، ومنه يصدح الديك، ولولا صوته ما أريد؛ وفيه فرقه الذي يتبرّك به، وعينه التي يضرب بها المثل، يقال: «شراب كعين الديك»، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم أر عظما قطّ أهشّ تحت الأسنان من عظم رأسه، فهلّا إذ ظننت أنّي لا آكله، ظننت أنّ العيال يأكلونه؟! وإن كان بلغ من نبلك أنّك لا تأكله، فإنّ عندنا من يأكله. أو ما علمت أنّه خير من طرف الجناح، ومن السّاق والعنق! انظر أين هو؟ قال: والله ما أدري أين رميت به! قال: لكنّي أدري أنّك رميت به في بطنك، والله حسيبك!
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع