من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ومن كرم الحمام الإلف والأنس والنّزاع والشّوق
وذلك يدلّ على ثبات العهد، وحفظ ما ينبغي أن يحفظ، وصون ما ينبغي أن يصان وإنه لخلق صدق في بني آدم فكيف إذا كان ذلك الخلق في بعض الطير.
وقد قالوا: عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان.
قال ابن الزّبير: ليس النّاس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم! وأخبر الله ﷿ عن طبائع النّاس في حبّ الأوطان، فقال: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
وقال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ
وقال الشاعر:
وكنت فيهم كممطور ببلدتهفسرّ أن جمع الأوطان والمطرا
فتجده يرسل من موضع فيجيء، ثمّ يخرج من بيته إلى أضيق موضع وإلى رخام ونقان فيرسل من أبعد من ذلك فيجيء. ثم يصنع به مثل ذلك المرار الكثيرة، ويزاد في الفراسخ، ثم يكون جزاؤه أن يغمّر به من الرّقّة إلى لؤلؤة فيجيء ويسترق
من منزل صاحبه فيقصّ، ويغبر هناك حولا وأكثر من الحول، فحين ينبت جناحه يحنّ إلى إلفه وينزع إلى وطنه، وإن كان الموضع الثّاني أنفع له، وأنعم لباله. فيهب فضل ما بينهما لموضع تربيته وسكنه، كالإنسان الذي لو أصاب في غير بلاده الرّيف لم يقع ذلك في قلبه، وهو يعالجهم على أن يعطى عشر ما هو فيه في وطنه.
ثمّ ربّما باعه صاحبه، فإذا وجد مخلصا رجع إليه، حتّى ربما فعل ذلك مرارا.
وربّما طار دهره وجال في البلاد، وألف الطّيران والتقلّب في الهواء، والنّظر إلى الدنيا، فيبدو لصاحبه فيقصّ جناحه ويلقيه في ديماس، فينبت جناحه، فلا يذهب عنه ولا يتغيّر له. نعم، حتّى ربّما جدف وهو مقصوص، فإمّا صار إليه، وإمّا بلغ عذرا.
ومتى قصّ أحد جناحيه كان أعجز له عن الطّيران، ومتى قصّهما جميعا كان أقوى له عليه، ولكنه لا يبعد، لأنّه إذا كان مقصوصا من شقّ واحد اختلف خلقه، ولم يعتدل وزنه، وصار أحدهما هوائيا والآخر أرضيا فإذا قصّ الجناحان جميعا طار، وإن كان مقصوصا فقد بلغ بذلك التعديل من جناحيه أكثر مما كان يبلغ بهما إذا كان أحدهما وافيا والآخر مبتورا.
فالكلب الذي تدّعون له الإلف وثبات العهد، لا يبلغ هذا، وصاحب الدّيك الذي لا يفخر للدّيك بشيء من الوفاء والحفاظ والإلف، أحقّ بألّا يعرض في هذا الباب.
قال: وقد يكون الإنسان شديد الحضر. فإذا قطعت إحدى يديه فأراد العدو كان خطوه أقصر، وكان عن ذلك القصد والسّنن أذهب، وكانت غاية مجهوده أقرب.
وخبّرني كم شئت، أنّ نباتة الأقطع وكان من أشدّاء الفتيان وكانت يده قطعت من دوين المنكب، وكان ذلك في شقّه الأيسر؛ فكان إذا صار إلى القتال وضرب بسيفه، فإن أصاب الضّريبة ثبت، وإن أخطأ سقط لوجهه؛ إذ لم يكن جناحه الأيسر يمسكه ويثقّله حتى يعتدل بدنه.
وقد طعن قوم في أجنحة الملائكة. وقد قال الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
وزعموا أنّ الجناحين كاليدين، وإذا كان الجناح اثنين أو أربعة كانت معتدلة، وإذا كانت ثلاثة كان صاحب الثّلاثة كالجادف من الطّير، الذي أحد جناحيه مقصوص، فلا يستطيع الطّيران لعدم التعديل. وإذا كان أحد جناحيه وافيا والآخر مقصوصا، اختلف خلقه وصار بعضه يذهب إلى أسفل والآخر إلى فوق.
وقالوا: إنّما الجناح مثل اليد، ووجدنا الأيدي والأرجل في جميع الحيوان لا تكون إلّا أزواجا. فلو جعلتم لكلّ واحد منهم مائة جناح لم ننكر ذلك. وإن جعلتموها أنقص بواحد أو أكثر بواحد لم نجوّزه.
قيل لهم: قد رأينا من ذوات الأربع ما ليس له قرن، ورأينا ما له قرنان أملسان، ورأينا ما له قرنان لهما شعب في مقاديم القرون، ورأينا بعضها جمّا ولأخواتها قرون، ورأينا منها ما لا يقال لها جمّ لأنّها ليست لها شكل ذوات القرون، ورأينا لبعض الشاء عدّة قرون نابتة في عظم الرّأس أزواجا وأفرادا، ورأينا قرونا جوفا فيها قرون، ورأينا قرونا لا قرون فيها، ورأيناها مصمتة، ورأينا بعضها يتصل قرنه في كلّ سنة، كما تسلخ الحيّة جلدها، وتنفض الأشجار ورقها، وهي قرون الأيائل، وقد زعموا أنّ للحمار الهنديّ قرنا واحدا.
وقد رأينا طائرا شديد الطيران بلا ريش كالخفاش، ورأينا طائرا لا يطير وهو وافي الجناح، ورأينا طائرا لا يمشي وهو الزّرزور. ونحن نؤمن بأنّ جعفرا الطّيار ابن أبي طالب، له جناحان يطير بهما في الجنان، جعلا له عوضا من يديه اللتين قطعتا على لواء المسلمين في يوم مؤتة. وغير ذلك من أعاجيب أصناف الخلق.
فقد يستقيم- وهو سهل جائز شائع مفهوم، ومعقول قريب غير بعيد أن يكون إذا وضع طباع الطائر على هذا الوضع الذي تراه ألّا يطير إلّا بالأزواج. فإذا وضع على غير هذا الوضع، وركّب غير هذا التّركيب صارت ثلاثة أجنحة وفوق تلك الطبيعة.
ولو كان الوطواط في وضع أخلاطه وأعضائه وامتزاجاته كسائر الطير، لما طار بلا ريش.
وقد زعم البحريّون أنّهم يعرفون طائرا لم يسقط قطّ، وإنما يكون سقوطه من لدن خروجه من بيضه إلى أن يتمّ قصب ريشه، ثمّ يطير فليس له رزق إلّا من بعوض الهواء وأشباه البعوض؛ إلّا أنّه قصير العمر سريع الانحطام.
وليس بمستنكر أن يمزج الطائر ويعجن غير عجنه الأوّل فيعيش ضعف ذلك العمر. وقد يجوز أيضا أن يكون موضع الجناح الثالث بين الجناحين، فيكون الثالث للثاني كالثاني للأوّل، وتكون كلّ واحدة من ريشة عاملة في التي تليها من ذلك الجسم فتستوي في القوى وفي الحصص.
ولعلّ الجناح الذي أنكره الملحد الضّيّق العطن أن يكون مركز قوادمه في حاقّ الصّلب.
ولعلّ ذلك الجناح أن تكون الريشة الأولى منه معينة للجناح الأيمن والثانية معينة للجناح الأيسر، وهذا مما لا يضيق عنه الوهم، ولا يعجز عنه الجواز.
فإذا كان ذلك ممكنّا في معرفة العبد بما أعاره الربّ جلّ وعزّ، كان ذلك في قدرة الله أجوز. وما أكثر من يضيق صدره لقلّة علمه!
وقد علموا أنّ كلّ ذي أربع فإنّه إذا مشى قدّم إحدى يديه، ولا يجوز أن يستعمل اليد الأخرى ويقدّمها بعد الأولى حتّى يستعمل الرّجل المخالفة لتلك اليد:
إن كانت اليد المتقدّمة اليمنى حرّك الرّجل اليسرى، وإذا حرّك الرجل اليسرى لم
يحرّك الرّجل اليمنى- وهو أقرب إليها وأشبه بها- حتّى يحرّك اليد اليسرى. وهذا كثير.
وفي طريق أخرى فقد يقال: إنّ كلّ إنسان فإنما ركبته في رجله، وجميع ذوات الأربع فإنّما ركبها في أيديها. وكلّ شيء ذي كفّ وبنان كالإنسان، والقرد، والأسد، والضّبّ، والدّب، فكفّه في يده. والطّائر كفّه في رجله.
وما رأيت أحدا ليس له يد إلّا وهو يعمل برجليه ما كان يعمل بيديه، وما أقف على شيء من عمل الأيدي إلّا وأنا قد رأيت قوما يتكلّفونه بأرجلهم.
ولقد رأيت واحدا منهم راهن على أن يفرغ برجليه ما في دستيجة نبيذ في قنانيّ رطليّات وفقّاعيّات فراهنوه، وأزعجني أمر فتركته عند ثقات لا أشك في خبرهم، فزعموا أنّه وفى وزاد. قلت: قد عرفت قولكم «وفى» فما معنى قولكم «زاد» قالوا: هو أنّه لو صبّ من رأس الدّستيجة حوالي أفواه القنانيّ كما يعجز عن ضبطه جميع أصحاب الكمال في الجوارح، لما أنكرنا ذلك. ولقد فرّغ ما فيها في جميع القناني فما ضيّع أوقيّة واحدة.
وخبّرني الحزاميّ عن خليل أخيه، أنّه متى شاء أن يدخل في بيت ليلا بلا مصباح، ويفرغ قربة في قنانيّ فلا يصبّ إستارا واحدا فعله.
ولو حكى لي الحزاميّ هذا الصّنيع عن رجل ولد أعمى أو عمي في صباه، كان يعجبني منه أقلّ. فأمّا من تعوّد أن يفعل مثل ذلك وهو يبصر فما أشدّ عليه أن يفعله وهو مغمض العينين. فإن كان أخوه قد كان يقدر على ذلك إذا غمّض عينيه فهو عندي عجب، وإن كان يبصر في الظلمة فهو قد أشبه في هذا الوجه السّنّور والفأر، فإنّ هذا عندي عجب آخر وغرائب الدّنيا كثيرة عند كلّ من كان كلفا بتعرافها، وكان له في العلم أصل، وكان بينه وبين التبيّن نسب.
وأكثر الناس لا تجدهم إلّا في حالتين: إمّا في حال إعراض عن التبيّن وإهمال للنّفس، وإمّا في حال تكذيب وإنكار وتسرّع إلى أصحاب الاعتبار وتتبّع الغرائب، والرغبة في الفوائد. ثمّ يرى بعضهم أنّ له بذلك التكذيب فضيلة، وأنّ ذلك باب من التوقّي، وجنس من استعظام الكذب، وأنّه لم يكن كذلك إلّا من حاقّ الرّغبة في الصّدق. وبئس الشيء عادة الإقرار والقبول. والحقّ الذي أمر الله تعالى به ورغب فيه، وحثّ عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ما تناقض واستحال، والآخر ما امتنع في الطبيعة، وخرج من طاقة الخلقة. فإذا خرج الخبر من هذين البابين، وجرى عليه حكم الجواز، فالتدبير في ذلك التثبت وأن يكون الحقّ في ذلك هو ضالّتك، والصّدق هو بغيتك، كائنا ما كان، وقع منك بالموافقة أم وقع منك بالمكروه. ومتى لم تعلم أنّ ثواب الحقّ وثمرة الصّدق أجدى عليك من تلك الموافقة لم تقع على أن تعطي التثبت حقّه.
قال: وهم يصفون الرّماد الذي بين الأثافيّ بالحمامة، ويجعلون الأثافيّ أظآرا لها، للانحناء الذي في أعالي تلك الأحجار، ولأنّها كانت معطّفات عليها وحانيات على أولادها. قال ذو الرّمّة:
كأنّ الحمام الورق في الدّار جثّمتعلى خرق بين الأثافي جوازله
شبّه الرّماد بالفراخ قبل أن تنهض والجثوم في الطير مثل الرّبوض في الغنم. وقال الشماخ:
وإرث رماد كالحمامة ماثلونؤيين في مظلومتين كداهما
وقال أبو حيّة:
من العرصات غير مخدّ نؤيكباقي الوحي خطّ على إمام
وغير خوالد لوّحن حتىبهنّ علامة من غير شام
كأنّ بها حمامات ثلاثامثلن ولم يطرن مع الحمام
وقال العرجي:
ومربط أفراس وخيم مصرّعوهاب كجثمان الحمامة هامد
وقال البعيث:
ويسفع ثوين العام والعام قبلهوسحق رماد كالنّصيف من العصب
وقالوا في نوح الحمام، قال جران العود:
واستقبلوا واديا نوح الحمام بهكأنّه صوت أنباط مثاكيل
وقالوا في ارتفاع مواضع بيوتها وأعشاشها. وقال الأعشى:
ألم تر أن العرض أصبح بطنهخيلا وزرعا نابتا وفصافصا
وذا شرفات يقصر الطّرف دونهترى للحمام الورق فيه قرامصا
وقال عمرو بن الوليد:
فتبدّلت من مساكن قوميوالقصور التي بها الآطام
كلّ قصر مشيّد ذي أواستتغنّى على ذراه الحمام
والحمام أيضا ربما سكن أجواف الرّكايا، ولا يكون ذلك إلّا للوحشيّ منها، وفي البير التي لا تورد. قال الشاعر:
بدلو غير مكربة أصابتحماما في مساكنه فطارا
يقول: استقى بسفرته من هذه البئر، ولم يستق بدلو. وهذه بئر قد سكنها الحمام لأنّها لا تورد.
وقال جهم بن خلف:
وقد هاج شوقي أن تغنّت حمامةمطوّقة ورقاء تصدح في الفجر
هتوف تبكّي ساق حرّ ولن ترىلها دمعة يوما على خدّها تجري
تغنّت بلحن فاستجابت لصوتهانوائح بالأصياف في فنن السّدر
إذا فترت كرّت بلحن شج لهايهيّج للصّبّ الحزين جوى الصّدر
دعتهنّ مطراب العشيّات والضّحىبصوت يهيج المستهام على الذّكر
فلم أر ذا وجد يزيد صبابةعليها، ولا ثكلى تبكّي على بكر
فأسعدنها بالنّوح حتّى كأنّماشربن سلافا من معتّقة الخمر
تجاوبن لحنا في الغصون كأنّهانوائح ميت يلتدمن لدى قبر
بسرّة واد من تبالة مونقكسا جانبيه الطّلح واعتمّ بالزّهر
ويقال: هدر الحمام يهدر. قال: ويقال في الحمام الوحشي من القماريّ والفواخت والدّباسي وما أشبه ذلك: قد هدل يهدل هديلا. فإذا طرّب قيل غرّد يغرد تغريدا. والتغريد يكون للحمام والإنسان، وأصله من الطير.
وأمّا أصحابنا فيقولون: إنّ الجمل يهدر، ولا يكون باللام، والحمام يهدل وربّما كان بالراء.
وبعضهم يزعم أنّ الهديل من أسماء الحمام الذّكر. قال الرّاعي واسمه عبيد بن الحصين:
كهداهد كسر الرّماة جناحهيدعو بقارعة الطّريق هديلا
وزعم الأصمعيّ أنّ قوله: «هتوف تبكّي ساق حرّ» إنّما هو حكاية صوت وحشيّ الطير من هذه النّوّاحات. وبعضهم يزعم أنّ «ساق حرّ» هو الذكر، وذهب إلى قول الطّرمّاح في تشبيه الرّماد بالحمام، فقال:
بين أظآر بمظلومةكسراة السّاق ساق الحمام
وقال آخر يصف فرسا: [من الراجز]
ينجيه من مثل حمام الأغلالرفع يد عجلى ورجل شملال
تظمأ من تحت وتروي من عال
الأغلال: جمع غلل، وهو الماء الذي يجري بين ظهري الشّجر قال: والمعنى أنّ الحمام إذا كان يريد الماء فهو أسرع لها. وقوله: شملال أي خفيفة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع