تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

ثم رجع بنا القول إلى ذكر الذّبّان

قيل لعلّويه كلب المطبخ: أيّ شيء معنى قولهم: «هذا نبيذ يمنع جانبه» ؟

قال: يريدون أن الذّبّان لا يدنو منه. وكان الرّقاشي حاضرا فأنشد قول ابن عبدل:

عشّش العنكبوت في قعر دنّيإنّ ذا من رزيّتي لعظيم
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
ليتني قد غمرت دني حتّىأبصر العنكبوت فيه يعوم
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
غرقا لا يغيثه الدّهر إلّازبد فوق رأسه مركوم
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
مخرجا كفّه ينادي ذباباأن أغثني فإنّني مغموم
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
قال: دعني فلن أطيق دنوّامن شراب يشمّه المزكوم

قال: والذّبّان يضرب به المثل في القذر وفي استطابة النّتن، فإذا عجز الذّباب عن شمّ شيء فهو الذي لا يكون أنتن منه.

ولذلك حين رمى ابن عبدل محمّد بن حسّان بن سعد بالبخر، قال:

وما يدنو إلى فيه ذبابولو طليت مشافره بقند
يرين حلاوة ويخفن موتاوشيكا إن هممن له بورد

ويقال لكلّ أبخر: أبو ذبّان، وكانت فيما زعموا كنية عبد الملك بن مروان وأنشدوا قول أبي حزابة:

أمسى أبو ذبّان مخلوع الرّسنخلع عنان قارح من الحصن

وقد صفت بيعتنا لابن حسن

قال رجل يهجو هلال بن عبد الملك الهنائيّ:

ألا من يشتري منّي هلالامودّته وخلّته بفلس
وأبرأ للذي يبتاع منّيهلالا من خصال فيه خمس
فمنهنّ النغانغ والمكاويوآثار الجروح وأكل ضرس
ومن أخذ الذباب بإصبعيهوإن كان الذّباب برأس جعس

قالوا: وضرب الله ﷿ لضعف النّاس وعجزهم مثلا، فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ

فقال

بعض النّاس: قد سوّى بين الذّبّان والنّاس في العجز: وقالوا: فقد يولّد النّاس من التّعفين الفراش وغير الفراش وهذا خلق، على قوله: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ

وعلى قوله: أَحْسَنُ الْخالِقِينَ

وعلى قول الشاعر:

وأراك تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثمّ لا يفري

قيل لهم: إنما أراد الاختراع، ولم يرد التّقدير.

وأمّا قول ابن ميّادة:

ألا لا نبالي أن تخندف خندفولسنا نبالي أن يطنّ ذبابها

فإنّما جعل الذّباب هاهنا مثلا، وقد وضعه في غير موضع تحقير له وموضع تصغير. وهو مثل قوله:

بني أسد كونوا لمن قد علمتمموالي ذلّت للهوان رقابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فلو حاربتنا الجنّ لم نرفع العصاعن الجنّ حتّى لا تهرّ كلابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وليس يريد تحقير الكلاب.

ويقال: هو ذباب العين، وذباب السّيف، ويقال تلك أرض مذبّة أي كثيرة الذّباب.

وقال أبو الشّمقمق في هجائه لبعض من ابتلي به:

أسمج النّاس جميعا كلّهمكذباب ساقط في مرقه
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «أسمج الناس جميعا كلهم»

ويقال إن اللبن إذا ضرب بالكندس ونضح به بيت لم يدخله ذبّان.

وسمعت أبا حكيم الكيمائي وهو يقول لثمامة بن أشرس: قلنا لكم إنّنا ندلكم على الإكسير، فاستثقلتم الغرم، وأردتم الغنم بلا غرم. وقلنا لكم: دعونا نصنع هذه الجسور صنعة لا تنتقض أبدا، فأبيتم. وقلنا لكم: ما ترجون من هذه المسنّيات التي تهدمها المدود، وتخرّبها المراديّ ؟! نحن نعمل لكم مسنّيات بنصف هذه المؤونة، فتبقى لكم أبدا. ثم قولوا للمدود أن تجتهد جهدها، وللمراديّ أن تبلغ غايتها فأبيتم. وقولوا لي: الذّباب ما ترجون منها؟! وما تشتهون من البعوض؟

وما رغبتكم في الجرجس ؟ لم لا تدعوني أخرجها من بيوتكم بالمؤونة اليسيرة؟

وهو يقول هذا القول وأصحابنا يضحكون، وابن سافري جالس يسمع.

فلما نزلنا أخذ بيده ومضى به إلى منزله، فغدّاه وكساه وسقاه، ثمّ قال له:

أحببت أن تخرج البعوض من داري. فأمّا الذّباب فإني أحتمله. قال: ولم تحتمل الأذى وقد أتاك الله بالفرج؟ قال: فافعل. قال: لابدّ لي من أن أخلط أدوية وأشتري أدوية قال: فكم تريد؟ قال: أريد شيئا يسيرا. قال: وكم ذاك؟ قال: خمسون دينارا.

قال: ويحك! خمسون يقال لها يسير؟! قال: أنت ليس تشتهي الرّاحة من قذر الذّبّان ولسع البعوض! ثمّ لبس نعليه وقام على رجليه. فقال له: اقعد. قال: إن قعدت قبل أن آخذها ثمّ اشتريت دواء بمائة دينار لم تنتفع به؛ فإنّي لست أدخّن هذه الدّخنة، إلّا للذين إذا أمرتهم بإخراجهنّ أخرجوهن. ولا أكتمك ما أريد؛ إنّي لست أقصد إلّا إلى العمّار. فما هو إلّا أن سمع بذكر العمّار حتى ذهب عقله، ودعا له بالكيس وذهب ليزن الدنّانير، فقال له: لا تشقّ على نفسك! هاتها بلا وزن عددا، وإنّما خاف أن تحدث حادثة، أو يقع شغل، فتفوت. فعدّها وهو زمع فغلط بعشرة دنانير، فلما انصرف وزنها وعدّها فوجد دنانيره تنقص، فبكر عليه يقتضيه الفضل، فضحك أبو حكيم حتّى كاد يموت، ثمّ قال: تسألني عن الفرع وقد استهلك الأصل؟! ولم يزل يختلف إليه ويدافعه حتّى قال له ثمامة: ويلك أمجنون أنت؟! قد ذهب المال

والسّخرية مستورة. فإن نافرته فضحت نفسك، وربحت عداوة شيطان هو والله أضرّ عليك من عمّار بيتك، الذي ليس يخرجون عنك الذباب والبعوض بلا كلفة، مع حقّ الجوار. قال: هم سكّاني وجيراني. قالوا: لو كان سمع منك أبو حكيم هذه الكلمة لكانت الخمسون دينارا مائة دينار!!.

ومما قيل في أصوات الذباب وغنائها، قال المثقّب العبديّ:

وتسمع للذّباب إذا تغنّىكتغريد الحمام على الغصون
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «أفاطم قبل بينك متعيني»

وقال آخر:

حوّ مساربه تغنّى في غياطله ذبابه

وقال أبو النجم:

أنف ترى ذبابها تعلّلهمن زهر الرّوض الذي يكلّله
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

والشيخ تهديه إلى طحمائهفالرّوض قد نوّر في عزّائه
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
مختلف الألوان في أسمائهنورا تخال الشّمس في حمرائه
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
مكلّلا بالورد من صفرائهيجاوب المكّاء من مكّائه
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
صوت ذباب العشب في درمائهيدعو كأنّ العقب من دعائه
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

صوت مغنّ مدّ في غنائه

وقال الشمّاخ:

يكلفها ألّا تخفّض صوتهاأهازيج ذبّان على عود عوسج
بعيد مدى التطريب أوّل صوتهسحيل وأعلاه نشيج المحشرج

والأجناس التي توصف بالغناء أجناس الحمام والبعوض، وأصنف الذّبّان من الدّبر، والنّحل، والشّعراء، والقمع والنّعر، وليس لذبّان الكلب غناء، ولا لما يخرج من الباقلاء. قال الشاعر:

تذبّ عنها بأثيث ذائلذبّان شعراء وصيف ماذل

وذبّان الشّعراء حمر. قال: والذّبّان التي تهلك الإبل زرق.

قال الشاعر:

تربّعت والدّهر ذو تصفّقحالية بذي سبيب مونق
إلّا من أصوات الذّباب الأزرقأو من نقانق الفلا المنقنق

والذّبّان الذي يسقط على الدواب صفر.

وقال أرطأة بن سهيّة، لزميل بن أمّ دينار:

أزميل إنّي إن أكن لك جازياأعكر عليك وإن ترح لا تسبق
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
إنّي امرو تجد الرّجال عداوتيوجد الرّكاب من الذّباب الأزرق
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

وإذا مرّ بك الشّعر الذي يصلح للمثل وللحفظ، فلا تنس حظّك من حفظه.

وقال المتلمس:

فهذا أوان العرض جنّ ذبابهزنابيره والأزرق المتلمّس

وبه سمّي المتلمّس.

وقال ابن ميّادة:

بعنتريس كأنّ الدّبر يلسعهاإذا تغرّد حاد خلفها طرب

والدّليل على أنّ أجناس النّحل والدّبر كلّها ذبّان، ما حدث به عبّاد بن صهيب، وإسماعيل المكّي عن الأعمش، عن عطيّة بن سعيد العوفي قال: قال رسول الله ﷺ:

«كلّ ذباب في النار إلّا النّحلة».

وقال سليمان: سمعت مجاهدا يكره قتل النّحل وإحراق العظام. يعني في الغزو.

وحدثنا عنبسة قال: حدّثنا حنظلة السّدوسيّ قال: أنبأنا أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ قال: «عمر الذّباب أربعون يوما. والذّباب في النار».

وقد اختلف النّاس في تأويل قوله: «والذباب في النار» وقال قوم: الذّباب خلق خلق للنّار. كما خلق الله تعالى ناسا كثيرا للنّار، وخلق أطفالا للنّار. فهؤلاء قوم خلعوا عذرهم فصار أحدهم إذا قال: ذلك عدل من الله ﷿؛ فقد بلغ أقصى العذر، ورأى أنّه إذا أضاف إليه عذاب الأطفا فقد مجّده. ولو وجد سبيلا إلى أن يقول إنّ ذلك ظلم لقاله ولو وجد سبيلا إلى أن يزعم أن الله تعالى يخبر عن شيء أنّه

يكون وهو لا يكون، ثم يقول إلّا أنّ ذلك صدق لقاله. إلّا أنّه يخاف السّيف عند هذه، ولا يخاف السّيف عند تلك. وإن كانت تلك أعظم في الفرية من هذه.

وبعض يزعم أنّ الله ﷿ إنّما عذّب أطفال المشركين ليغمّ بهم آباءهم. ثمّ قال المتعاقلون منهم: بل عذّبهم لأنّه هكذا شاء، ولأنّ هذا له. فليت شعري أيحتسب بهذا القول في باب التمجيد لله تعالى؛ لأنّ كل من فعل ما يقدر عليه فهو محمود، وكل من لم يخف سوط أمير فأتى قبيحا فالذي يحسن ذلك القبيح أنّ صاحبه كان في موضع أمن، أو لأنّه آمن يمتنع من مطالبة السلطان. فكيف وكون الكذب والظّلم والعبث واللهو والبخل كلّه محال ممّن لا يحتاج إليه، ولا تدعوه إليه الدواعي.

وزعم أبو إسحاق أنّ الطّاعات إذا استوت استوى أهلها في الثّواب، وأنّ المعاصي إذا استوت استوى أهلها في العقاب. وإذا لم يكن منهم طاعة ولا معصية استووا في التفضّل.

وزعم أنّ أجناس الحيوان وكلّ شيء يحسّ ويألم، في التفضّل سواء وزعم أنّ أطفال المشركين والمسلمين كلّهم في الجنّة. وزعم أنّه ليس بين الأطفال ولا بين البهائم والمجانين فرق، ولا بين السّباع في ذلك وبين البهائم فرق.

وكان يقول: إنّ هذه الأبدان السبعيّة والبهيمية لا تدخل الجنّة، ولكنّ الله ﷿ ينقل تلك الأرواح خالصة من تلك الآفات؛ فيركّبها في أيّ الصّور أحبّ.

وكان أبو كلدة، ومعمر، وأبو الهذيل وصحصح، يكرهون هذا الجواب.

ويقولون: سواء عند خواصّنا وعوامّنا، أقلنا: إنّ أرواح كلابنا تصير إلى الجنّة، أم قلنا:

إن كلابنا تدخل الجنّة ومتى ما اتّصل كلامنا بذكر الكلب على أيّ وجه كان؛ فكأنّا عندهم قد زعمنا أنّ الجنّة فيها كلاب. ولكنّا نزعم أنّ جميع ما خلق الله تعالى من السّباع والبهائم والحشرات والهمج فهو قبيح المنظرة مؤلم، أو حسن المنظرة ملذّ؛ فما كان كالخيل والظباء، والطواويس، والتّدارج فإنّ تلك في الجنّة، ويلذّ أولياء الله ﷿ بمناظرها. وما كان منها قبيحا في الدّنيا مؤلم النظر جعله الله عذابا إلى عذاب أعدائه في النّار فإذا جاء في الأثر: أنّ الذّباب في النّار، وغير ذلك من الخلق، فإنّما يراد به هذا المعنى.

وذهب بعضهم إلى أنها تكون في النّار، وتلذّ ذلك، كما أن خزنة جهنّم والذين يتولّون من الملائكة التّعذيب، يلذّون موضعهم من النار.

وذهب بعضهم إلى أنّ الله تعالى يطبعهم على استلذاذ النّار والعيش فيها، كما طبع ديدان الثلج والخلّ على العيش في أماكنها.

وذهب آخرون إلى أنّ الله ﷿ يحدث لأبدانهما علّة لا تصل النّار إليها، وتنعم قلوبهما وأبدانهما من وجه آخر كيف شاء. وقالوا: وقد وجدنا النّاس يحتالون لأنفسهم في الدّنيا حيلا، حتى يدخل أحدهم بعض الأتاتين بذلك الطلاء، ولا تضرّه النار، وهو في معظمها، وموضع الجاحم منها. ففضل ما بين قدرة الله وقدرة عباده أكثر من فضل ما بين حرّ نار الدّنيا والآخرة.

وذهب بعضهم إلى أنّ سبيلها فيها كسبيل نار إبراهيم؛ فإنّه لما قذف فيها بعث الله ﷿ ملكا يقال له ملك الظلّ، فكان يحدّثه ويؤنسه؛ فلم تصل النار إلى أذاه، مع قربه من طباع ذلك الملك.

وكيفما دار الأمر في هذه الجوابات؛ فإن أخسّها وأشنعها أحسن من قول من زعم أنّ الله تعالى يعذّب بنار جهنّم من لم يسخطه ولا يعقل كيف يكون السخط.

ومن العجب أنّ بعضهم يزعم أن الله تعالى إنما عذّبه ليغمّ أباه. وإنما يفعل ذلك من لا يقدر على أن يوصل إليهم ضعف الاغتمام، وضعف الألم الذي ينالهم بسبب أبنائهم. فأمّا من يقدر على إيصال ذلك المقدار إلى من يستحقه، فكيف يوصله ويصرفه إلى من لا يستحقّه؟ وكيف يصرفه عمّن أسخطه إلى من لم يسخطه؟ هذا وقد سمعوا قول الله ﷿: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ.

وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ. وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ. كَلَّا إِنَّها لَظى. نَزَّاعَةً لِلشَّوى

وكيف يقول هذا القول من يتلو القرآن؟! ثمّ رجع بنا القول إلى الذبّان وأصناف الذّبّان.

والذّبّان أجهل الخلق؛ لأنّها تغشى النّار من ذات أنفسها حتى تحترق. وقال الشاعر:

ختمت الفؤاد على حبّهاكذاك الصّحيفة بالخاتم
هوت بي إلى حبها نظرةهويّ الفراشة للجاحم

وقال آخر:

كأنّ مشافر النّجدات منهاإذا ما مسّها قمع الذّباب
بأيدي مأتم متساعداتنعال السّبت أو عذب الثّياب

وقال بعض الشعراء، يهجو حارثة بن بدر الغدانيّ:

زعمت غدانة أنّ فيها سيّداضخما يواريه جناح الجندب
للشاعر الأبيرد الرياحي، اقرأ القصيدة

وزعم ناس أنّه قال:

يرويه ما يروي الذّباب فينتشيسكرا، وتشبعه كراع الأرنب

قالوا: لا يجوز أن يقول: «يرويه ما يروي الذباب» و «يواريه جناح الجندب» ثم يقول: «ويشبعه كراع الأرنب».

وإنما ذكر كراع الأرنب؛ لأنّ يد الأرنب قصيرة، ولذلك تسرع في الصّعود، ولا يلحقها من الكلاب إلّا كلّ قصير اليد. وذلك محمود من الكلب. والفرس توصف بقصر الذّراع.

وحدّثني الحسن بن إبراهيم العلويّ قال: مررت بخالي، وإذا هو وحده يضحك، فأنكرت ضحكه؛ لأنّي رأيته وحده، وأنكرته، لأنّه كان رجلا زمّيتا ركينا، قليل الضحك. فسألته عن ذلك فقال: أتاني فلان يعني شيخا مدينيا- وهو مذعور فقلت له: ما وراءك؟ فقال: أنا والله هارب من بيتي! قلت ولم؟ قال: في بيتي ذباب أزرق، كلما دخلت ثار في وجهي، وطار حولي وطنّ عند أذني، فإذا وجد

مني غفلة لم يخطئ موق عيني. هذا والله دأبه ودأبي دهرا معه. قلت له: إنّ شبه الذباب بالذباب كشبه الغراب بالغراب؛ فلعلّ الذي آذاك اليوم أن يكون غير الذي آذاك أمس، ولعلّ الذي آذاك آمس غير الذي آذاك أوّل من أمس، فقال: أعتق ما أملك إن لم أكن أعرفه بعينه منذ خمس عشرة سنة. فهذا هو الذي أضحكني.

وقال الخليل بن يحيى: قد رأيت الخنزير يركب الخنزيرة عامّة نهاره، ورأيت الجمل يركب الناقة ساعة من نهاره. وكنت قبل ذلك أغبط العصفور والعصم- فإنّ الذّكر وإن كان سريع النّزول عن ظهر الأنثى فإنّه لسرعة العودة، ولكثرة العدد، كأنّه في معنى الخنزير والجمل وحتّى رأيت الذّباب وفطنت له، فإذا هو يركب الذّبابة عامّة نهاره. فقال له محمد بن عمر البكراوي: ليس ذلك هو السّفاد. قال: أمّا الذي رأت العينان فهذا حكمه. فإن كنت تريد أن تطيب نفسك بإنكار ما تعرف ممّا قسم الله ﷿ بين خلقه، من فضول اللّذّة، فدونك.

ويزعمون أنّ للورل في ذلك ما ليس عند غيره.

وأنشد ابن داحة في مجلس أبي عبيدة، قول السّيّد الحميريّ:

أترى ضهاكا وابنها وابن ابنهاوأبا قحافة آكل الذّبان
كانوا يرون، وفي الأمور عجائبيأتي بهنّ تصرّف الأزمان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
أنّ الخلافة في ذؤابة هاشمفيهم تصير وهيبة السّلطان
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة

وكان ابن داحة رافضيّا، وكان أبو عبيدة خارجيّا صفريا، فقال له: ما معناه في قوله: «آكل الذّبّان» ؟ فقال: لأنّه كان يذبّ عن عطر ابن جدعان. قال: ومتى احتاج العطّارون إلى المذابّ؟! قال: غلطت إنّما كان يذب عن حيسة ابن جدعان. قال:

فابن جدعان وهشام بن المغيرة، كان يحاس لأحدهما الحيسة على عدّة أنطاع،

فكان يأكل منها الراكب والقائم والقاعد فأين كانت تقع مذبّة أبي قحافة من هذا الجبل؟! قال: كان يذبّ عنها ويدور حواليها. فضحكوا منه، فهجر مجلسهم سنة.

قال: وفي باب تحقير شأن الذبابة وتصغير قدرها، يقول الرسول: «لو كانت الدّنيا تساوي عند الله تعالى جناح ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئا».

وعندنا بالبصرة في الذبّان أعجوبة، لو كانت بالشّامات أو بمصر لأدخلوها في باب الطّلّسم؛ وذلك أنّ التّمر يكون مصبوبا في بيادر التمر في شقّ البساتين، فلا ترى على شيء منها ذبابة لا في اللّيل، ولا في النّهار، ولا في البردين ولا في أنصاف النهار، نعم وتكون هناك المعاصر، ولأصحاب المعاصر ظلال، ومن شأن الذّباب الفرار من الشّمس إلى الظّلّ. وإنّما تلك المعاصر بين تمرة ورطبة، ودبس وثجير، ثمّ لا تكاد ترى في تلك الظّلال والمعاصر، في انتصاف النهار، ولا في وقت طلب الذّبّان الكنّ، إلّا دون ما تراه في المنزل الموصوف بقلّة الذّبّان.

وهذا شيء يكون موجودا في جميع الشّقّ الذي فيه البساتين. فإن تحوّل شيء من تمر تلك الناحية إلى جميع ما يقابلها في نواحي البصرة، غشيه من الذّبان ما عسى إلّا يكون بأرض الهند أكثر منه وليس بين جزيرة نهر دبيس، وبين موضع الذّبان إلّا فيض البصرة، ولا بين ما يكون من ذلك بنهر أذرب وبين موضع الذبّان ممّا يقابله، إلّا سيحان، وهو ذلك التمر وتلك المعصرة، ولا تكون تلك المسافة إلّا مائة ذراع أو أزيد شيئا أو أنقص شيئا.

وأعجوبة أخرى، وهي عندي أعجب من كلّ شيء صدّرنا به جملة القول في

الذباب. فمن العجب أن يكون بعض الحيوان لا ينام كالصافر والتنوّط؛ فإنّهما إذا كان اللّيل فإن أحدهما يتدلّى من غصن الشّجرة، ويضمّ عليه رجليه، وينكّس رأسه، ثمّ لا يزال يصيح حتّى يبرق النور. والآخر لا يزال يتنقّل في زوايا بيته، ولا يأخذه القرار، خوفا على نفسه، فلا يزال كذلك، وقد نتف قبل ذلك ممّا على ظهور الأشجار مما يشبه الليف فنفشه، ثمّ فتل منه حبلا، ثمّ عمل منه كهيئة القفّة، ثمّ جعله مدلّى بذلك الحبل، وعقده بطرف غصن من تلك الأغصان؛ إلّا أنّ ذلك بترصيع ونسج، ومداخلة عجيبة؛ ثمّ يتّخذ عشّه فيه، ويأوي إليه مخافة على نفسه.

والأعراب يزعمون أنّ الذّئب شديد الاحتراس، وأنّه يرواح بين عينيه، فتكون واحدة مطبقة نائمة وتكون الأخرى مفتوحة حارسة ولا يشكّون أنّ الأرنب تنام مفتوحة العينين.

وأمّا الدّجاج والكلاب فإنما تعزب عقولهما في النّوم، ثمّ ترجع إليهما بمقدار رجوع الأنفاس. فأمّا الدّجاج فإنها تفعل ذلك من الجبن وأمّا الكلب فإنّه يفعل ذلك من شدّة الاحتراس.

وجاؤوا كلهم يخبرون أن الغرانيق والكراكيّ لا تنام أبدا إلّا في أبعد المواضع من النّاس، وأحرزها من صغار سباع الأرض، كالثعلب وابن آوى. وأنها لا تنام حتى تقلّد أمرها رئيسا وقائدا، وحافظا وحارسا، وأن الرئيس إذا أعيا رفع إحدى رجليه، ليكون أيقظ له.

وسلطان النّوم معروف. وإن الرّجل ممن يغزو في البحر، ليعتصم بالشّراع وبالعود وبغير ذلك، وهو يعلم أن النّوم متى خالط عينيه استرخت يده، ومتى استرخت يده باينه الشيء الذي كان يركبه ويستعصم به، وأنه متى باينه لم يقدر عليه، ومتى عجز عن اللّحاق به فقد عطب. ثمّ هو في ذلك لا يخلو، إذا سهر ليلة أو ليلتين، من أن يغلبه النّوم ويقهره، وإمّا أن يحتاج إليه الحاجة التي يريه الرأي الخوّان، وفساد العقل المغمور بالعلّة الحادثة، أنّه قد يمكن أن يغفي وينتبه في أسرع الأوقات، وقبل أن تسترخي يده كلّ الاسترخاء، وقبل أن تباينه الخشبة إن كانت خشبة.

وليس في جميع ما رأينا وروينا، في ضروب نوم الحيوان، أعجب من نوم الذّبّان، وذلك أنّها ربما جعلت مأواها بالليل دروند الباب وقد غشّوه ببطانة ساج أملس كأنّه صفاة، فإذا كان اللّيل لزقت به، وجعلت قوائمها مما يليه، وعلّقت أبدانها إلى الهواء. فإن كانت لا تنام البتّة ولا يخالطها عزوب المعرفة فهذا أعجب: أن تكون أمّة من أمم الحيوان لا تعرف النّوم، ولا تحتاج إليه. وإن كانت تنام ويعزب عنها ما يعزب عن جميع الحيوان سوى ما ذكرنا، فما تخلو من أن تكون قابضة على مواضع قوائمها، ممسكة بها، أو تكون مرسلة لها مخلّية عنها. فإن كانت مرسلة لها فكيف لم تسقط وهي أثقل من الهواء؟! وإن كانت ممسكة لها فكيف يجامع التشدّد والتثبيت النّوم؟!.

ونحن نرى كلّ من كان في يده كيس أو درهمأو حبل، أو عصا فإنّه متى خالط عينيه النّوم استرخت يده وانفتحت أصابعه. ولذلك يتثاءب المحتال للعبد الذي في يده عنان دابّة مولاه، ويتناوم له وهو جالس؛ لأنّ من عادة الإنسان إذا لم يكن بحضرته من يشغله، ورأى إنسانا قبالته ينود أو ينعس، أن يتثاءب وينعس مثله. فمتى استرخت يده أو قبضته عن طرف العنان، وقد خامره سكر النّوم، ومتى صار إلى هذه الحال- ركب المحتال الدّابّة ومرّ بها.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.