تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب القول في الغربان

اللهم جنبنا التكلّف، وأعذنا من الخطأ، واحمنا العجب بما يكون منه، والثّقة بما عندنا، واجعلنا من المحسنين.

نذكر على اسم الله جمل القول في الغربان، والإخبار عنها، وعن غريب ما أودعت من الدّلالة، واستخزنت من عجيب الهداية.

وقد كنّا قدّمنا ما تقول العرب في شأن منادمة الغراب والدّيك وصداقته له، وكيف رهنه عند الخمّار، وكيف خاس به وسخر منه وخدعه وكيف خرج سالما غير غارم، وغانما غير خائب، وكيف ضربت به العرب الأمثال، وقالت فيه الأشعار، وأدخلته في الاشتقاق لزجرها عند عيافتها وقيافتها، وكيف كان السبب في ذلك.

فهذا إلى ما حكى الله ﷿ من خبر ابني آدم، حين قرّبا قربانا فحسد الذي لم يتقبّل منه المتقبل منه، فقال عندما همّ به من قتله، وعند إمساكه عنه، والتّخلية بينه وبين ما اختار لنفسه: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ

. ثم قال: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ

حتّى قال القائل، وهو أحد ابني آدم ما قال: فلولا أنّ للغراب فضيلة وأمورا محمودة، وآلة وسببا ليس لغيره من جميع الطّير لما وضعه الله تعالى في موضع تأديب الناس، ولما جعله الواعظ والمذكّر بذلك. وقد قال الله ﷿:

فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ

، فأخبر أنّه مبعوث، وأنه هو اختاره لذلك من بين جميع الطّير.

قال صاحب الدّيك: جعلت الدّليل على سوء حاله وسقوطه الدّليل على حسن حاله وارتفاع مكانه. وكلما كان ذلك المقرّع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ.

ألا تراه يقول: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ

ولو كان في موضع الغراب رجل صالح، أو إنسان عاقل، لما حسن به أن يقول: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الكريم الشّريف. وإذا كان دونا وحقيرا فقال: أعجزت وأنا إنسان أن أحسن ما يحسنه هذا الطائر، ثمّ طائر من شرار الطير. وإذا أراه ذلك في طائر أسود محترق، قبيح الشّمائل، رديء المشية، ليس من بهائم الطير المحمودة، ولا من سباعها الشريفة، وهو بعد طائر يتنكّد به ويتطيّر منه، آكل جيف، رديء الصيّد. وكلما كان أجهل وأنذل كان أبلغ في التّوبيخ والتّقريع.

وأمّا قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ

فلم يكن به على جهة الإخبار أنّه كان قتله ليلا، وإنما هو كقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ

. ولو كان المعنى وقع على ظاهر اللّفظ دون المستعمل في الكلام من عادات الناس، كان من فرّ من الزّحف ليلا لم يلزمه وعيد.

وإنما وقع الكلام على ما عليه الأغلب من ساعات أعمال الناس، وذلك هو النّهار دون اللّيل.

وعلى ذلك المعنى قال صالح بن عبد الرحمن، حين دفعوا إليه جوّابا الخارجيّ ليقتله، وقالوا: إن قتله برئت الخوارج منه، وإن ترك قتله فقد أبدى لنا صفحته. فتأوّل صالح عند ذلك تأويلا مستنكرا: وذلك أنّه قال: قد نجد التّقيّة تسيغ الكفر، والكفر باللسان أعظم من القتل والقذف بالجارحة. فإذا جازت التقيّة في الأعظم كانت في الأصغر أجوز. فلما رأى هذا التأويل يطّرد له، ووجد على حال بصيرته ناقصة، وأحسّ بأنّه إنما التمس عذرا ولزّق الحجّة تلزيقا فلمّا عزم على قتل جوّاب، وهو عنده واحد الصّفرية في النّسك والفضل قال: إني يوم أقتل جوّابا على هذا الضّرب من التأويل

لحريص على الحياة! ولو كان حين قال إني يوم أقتل جوّابا إنما عنى النهار دون اللّيل، كان عند نفسه إذا قتله تلك القتلة ليلا لم يأثم به. وهذا أيضا كقوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ

ولو كان هذا المعنى إنما يقع على ظاهر اللفظ دون المستعمل بين الناس، لكان إذا قال من أوّل الليل: إني فاعل ذلك غدا في السّحر، أو مع الفجر أو قال الغداة:

إني فاعل يومي كلّه، وليلتي كلها، لم يكن عليه حنث، ولم يكن مخالفا إذا لم يستثن، وكان إذن لا يكون مخالفا إلّا فيما وقع عليه اسم غد. فأمّا كلّ ما خالف ذلك في اللّفظ فلا. وليس التّأويل كذلك لأنّه جلّ وعلا إنما ألزم عبده أن يقول: إن شاء الله، ليتّقى عادة التألّي ولئلا يكون كلامه ولفظه يشبه لفظ المستبدّ والمستغني، وعلى أن يكون عند ذلك ذاكر الله، لأنه عبد مدبّر، ومقلّب ميّسر، ومصرّف مسخّر.

وإذا كان المعنى فيه، والغاية التي جرى إليها اللفظ، إنما هو على ما وصفنا، فليس بين أن يقول أفعل ذلك بعد طرفة، وبين أن يقول أفعل ذلك بعد سنة فرق.

وأمّا قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ

فليس أنّه كان هنالك ناس قتلوا إخوتهم وندموا فصار هذا القاتل واحدا منهم؛ وإنما ذلك على قوله لآدم وحوّاء ﵉: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ

، على معنى أن كلّ من صنع صنيعكما فهو ظالم.

وعجبت من ناس ينكرون قولنا في الأستثناء، وقد سمعوا الله ﷿ يقول:

إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. وَلا يَسْتَثْنُونَ.

فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ

، مع قوله ﷿: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ

والعرب تسمّي الغراب ابن دأية، لأنّه إذا وجد دبرة في ظهر البعير، أو في عنقه

قرحة سقط عليها، ونقره وأكله، حتّى يبلغ الدّايات. قال الشاعر:

نجيبة قرم شادها القتّ والنّوىبيثرب حتى نيّها متظاهر
فقلت لها سيري فما بك علّةسنامك ملموم ونابك فاطر
فمثلك أو خيرا تركت رذيّةتقلّب عينيها إذا مرّ طائر

ومثله قول الرّاعي:

فلو كنت معذورا بنصرك طيّرتصقوري غربان البعير المقيد
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ولم أر معقورا به وسط معشر»

هذا البيت لعنترة، في قصيدة له. ضرب ذلك مثلا للبعير المقيّد ذي الدّبر، إذا وقعت عليه الغربان.

وإذا كان بظهر البعير دبرة غرزوا في سنامه إمّا قوادم ريش أسود وإمّا خرقا سودا، لتفزع الغربان منه، ولا تسقط عليه. قال الشاعر، وهو ذو الخرق الطّهوي:

لما رأت إبلي حطت حمولتهاهزلى عجافا عليها الرّيش والخرق
قالت ألا تبتغي عيشا نعيش بهعمّا نلاقي، فشرّ العيشة الرّنق

الرّنق، بالرّاء المهملة، وبالنون، هو الكدر غير الصافي.

وقال آخر:

كأنّها ريشة في غارب جرزفي حيثما صرفته الرّيح ينصرف

جرز: عظيم. قال رؤبة:

عن جرز منه وجوز عار

وقد توضع الرّيش في أسنمتها وتغرز فيها لغير ذلك، وذلك أنّ الملوك كانت تجعل الرّيش علامة لحباء الملك، تحميها بذلك وتشرّف صاحبها.

قال الشاعر:

يهب الهجان بريشها ورعائهاكاللّيل قبل صباحه المتبلج

ولذلك قالوا في الحديث: فرجع النّابغة من عند النّعمان وقد وهب له مائة من عصافيره بريشها.

وللرّيش مكان آخر: وهو أنّ الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظّفر غرزت فيها قوادم ريش سود.

وقال الشاعر:

سأرفع قولا للحصين ومالكتطير به الغربان شطر المواسم
وتروى به الهيم الظماء، ويطّبيبأمثاله الغازين سجع الحمائم

يعني غربان الليل. وأمّا قوله: «وتروى به الهيم الظّماء» فمثل قول الماتح:

علقت يا حارث عند الوردبجاذل لا رفل التّردّي

ولا عييّ بابتناء المجد

وقالوا في البعير إذا كان عليه حمل من تمر أو حبّ، فتقدّم الإبل بفضل قوّته ونشاطه، فعرض ما عليه للغربان. قال الرّاجز:

قد قلت قولا للغراب إذ حجلعليك بالقود المسانيف الأول

تغدّ ما شئت على غير عجل

ومثله:

يقدمها كلّ علاة مذعانحمراء من معرّضات الغربان

ويقال: «أصحّ بدنا من غراب»، و «أبصر من غراب»، و «أصفى عينا من غراب».

وقال ابن ميّادة:

ألا طرقتنا أمّ أوس ودونهاحراج من الظلّماء يعشى غرابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فبتنا كأنّا بيننا لطميّةمن المسك، أو داريّة وعيابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

يقول: إذا كان الغراب لا يبصر في حراج الظلماء. وواحد الحراج حرجة، وهي هاهنا مثل، حيث جعل كلّ شيء التفّ وكثف من الظلام حراجا، وإنّما الحراج من السّدر وأشباه السّدر.

يقول: فإذا لم يبصر فيها الغراب مع حدّة بصره، وصفاء مقلته فما ظنّك بغيره؟! وقال أبو الطمحان القينيّ:

إذا شاء راعيها استقى من وقيعةكعين الغراب صفوها لم يكدّر
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

والوقيعة: المكان الصلب الذي يمسك الماء، والجمع الوقائع.

قال: وأنشدنا أبو عمرو بن العلاء، في الوقائع:

إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفهموقائع للأبوال والماء أبرد
للشاعر فارس ذي الخمار، اقرأ القصيدة

يقول: كانوا في فلاة فاستبالوا الخيل في أكفهم، فشربوا أبوالها من العطش.

ويقال شهد الوقيقة والوقعة بمعنى واحد. قال الشاعر:

لعمري لقد أبقت وقيعة راهطعلى زفر داء من الشّرّ باقيا
للشاعر جَوَاس بن القَعْطل، اقرأ القصيدة

وقال زفر بن الحارث:

لعمري لقد أبقت وقيعة راهطلمروان صدعا بيننا متنائيا

وقال الأخطل:

لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعةإلى الله منها المشتكى والمعوّل
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»

وفي صحّة بدن الغراب يقول الآخر:

إنّ معاذ بن مسلم رجلقد ضجّ من طول عمره الأبد
قد شاب رأس الزّمان واكتهل الدّهر وأثواب عمره جدد
للشاعر سهل بن أبي غالب الخزرجي، اقرأ القصيدة
يا نسر لقمان كم تعيش وكمتسحب ذيل الحياة يا لبد
قد أصبحت دار آدم خربتوأنت فيها كأنّك الوتد
للشاعر سهل بن أبي غالب الخزرجي، اقرأ القصيدة
تسأل غربانها إذا حجلتكيف يكون الصّداع والرّمد
للشاعر سهل بن أبي غالب الخزرجي، اقرأ القصيدة

ويقال: «أرض لا يطير غرابها». قال النّابغة:

ولرهط حرّاب وقد سورةفي المجد ليس غرابها بمطار
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «نبئت زرعة والسفاهة كاسمها»

جعله مثلا. يعني أنّ هذه الأرض تبلغ من خصبها أنّه إذا دخلها الغراب لم يخرج منها، لأنّ كلّ شيء يريده فيها.

وفي زهو الغراب يقول حسّان، في بعض قريش:

إنّ الفرافصة بن الاحوص عندهشجن لأمّك من بنات عقاب
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «يا حار إن كنت امرأ متوسعا»
أجمعت أنّك أنت ألأم من مشىفي فحش مومسة وزهو غراب
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «يا حار إن كنت امرأ متوسعا»

ويقال: «وجد فلان تمرة الغراب»، كأنّه يتّبع عندهم أطيب التمر.

ويقال: «إنّه لأحذر من غراب» و: «أشد سوادا من غراب».

وقد مدحوا بسواد الغراب. قال عنترة:

فيها اثنتان وأربعون حلوبةسودا كخافية الغراب الأسحم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقال أبو دؤاد:

تنفي الحصى صعدا شرقيّ منسمهانفي الغراب بأعلى أنفه الغردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

والمغاريد: كمء. صغار. وأنشد:

يحجّ مأمومة في قعرها لجففاست الطبيب قذاها كالمغاريد

وقد ذكرنا شدّة منقاره، وحدّة بصره في غير هذا المكان.

وقالوا في مديح السواد، قال امرؤ القيس:

العين قادحة واليدّ سابحةوالأذن مصغية واللّون غربيب

وفي السّواد يقول ربيّعة أبو ذؤاب الأسدي، قاتل عتيبة بن الحارث بن شهاب:

إن المودة والهوادة بينناخلق كسحق اليمنة المنجاب
للشاعر ربيعة الأسدي، اقرأ القصيدة
إلّا بجيش لا يكتّ عديدهسود الجلود من الحديد غضاب
للشاعر ربيعة الأسدي، اقرأ القصيدة

وفي المثل: «لا يكون ذلك حتّى يشيب الغراب». وقال العرجيّ:

لا يحول الفؤاد عنه بودّأبدا أو يحول لون الغراب

وقال ساعدة بن جؤيّة:

شاب الغراب ولا فؤادك تاركعهد الغضوب ولا عتابك يعتب

ومما يذكر للغراب ما حدّث به أبو الحسن، عن أبي سليم، أنّ معاوية قال لأبي هوذة بن شمّاس الباهليّ: لقد هممت أن أحمل جمعا من باهلة في سفينة ثم أغرقهم! فقال أبو هوذة: إذن لا ترضى باهلة بعدّتهم من بني أمية! قال: اسكت أيّها الغراب الأبقع! وكان به برص، فقال أبو هوذة: إنّ الغراب الأبقع ربّما درج إلى الرّخمة حتى ينقر دماغها، ويقلع عينيها! فقال يزيد بن معاوية: ألا تقتله يا أمير المؤمنين؟

فقال: مه! ونهض معاوية. ثمّ وجهه بعد في سريّة فقتل. فقال معاوية ليزيد: هذا أخفى وأصوب ! وقال آخر في نقر الغراب العيون:

أتوعد أسرتي وتركت حجرايريغ سواد عينيه الغراب
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أتوعد أسرتي وتركت حجرا»
ولو لاقيت علباء بن جحشرضيت من الغنيمة بالإياب

وقال أبو حيّة- في أنّ الغراب يسمّونه الأعور تطيّرا منه -:

وإذا تحلّ قتودها بتنوفةمرّت تليح من الغراب الأعور

لأنها تخاف من الغربان، لما تعلم من وقوعها على الدّبر.

ومما يمدح به الشّعراء بلون الغراب قال أبو حيّة:

غراب كان أسود حالكيّاألا سقيا لذلك من غراب
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

وقال أبو حيّة:

زمان عليّ غراب غداففطيّره الدّهر عني فطارا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
فلا يبعد الله ذاك الغدافوإن كان لا هو إلّا ادّكارا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
فأصبح موضعه بائضامحيطا خطاما محيطا عذارا

وقال أبو حيّة في غير ذلك، وهو مما يعدّ للغراب:

كأنّ عصيم الورس منهنّ جاسدبما سال من غربانهنّ من الخطر
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

والغراب ضروب، ويقع هذا الاسم في أماكن، فالغراب حدّ السكين والفأس، يقال فأس حديدة الغراب. وقال الشّماخ:

فأنحى عليها ذات حدّ غرابهاعدوّ لأوساط العضاه مشارز

المشارزة: المعاداة والمخاشنة.

والغراب: حدّ الورك ورأسه الذي يلي الظهر، ويبدأ من مؤخّر الرّدف. والجمع غربان. قال ذو الرّمّة:

وقرّبن بالزّرق الحمائل بعد ماتقوّب من غربان أوراكها الخطر

تقوّب: تقشر ما على أوراكها من سلحها وبولها، من ضربها بأذنابها.

وكلّ غراب فقد يقال له غراب البين إذا أرادوا به الشؤم، أمّا غراب البين نفسه، فإنّه غراب صغير. وإنّما قيل لكلّ غراب غراب البين، لسقوطها في مواضع منازلهم إذا بانوا عنها. قال أبو خولة الرّياحيّ:

فليس بيربوع إلى العقل فاقةولا دنس يسودّ منه ثيابها
فكيف بنوكي مالك إن كفرتملهم هذه، أم كيف بعد خطابها
مشائم ليسوا مصلحين عشيرةولا ناعب إلّا ببين غرابها

ومن الدّليل على أنّ الغراب من شرار الطّير، ما رواه أبو الحسن قال: كان ابن الزبير يقعد مع معاوية على سريره، فلا يقدر معاوية أن يمتنع منه، فقال ذات يوم: أما أحد يكفيني ابن الزبير؟ فقال الوليد بن عقبة: أنا أكفيكه يا أمير المؤمنين. فسبق فقعد في مقعده على السرير، وجاء ابن الزبير فقعد دون السرير، ثمّ أنشد ابن الزبير:

تسمّى أبانا بعد ما كان نافعاوقد كان ذكوان تكنّى أبا عمرو

فانحدر الوليد حتى صار معه، ثم قال:

ولولا حرّة مهدت عليكمصفيّة ما عددتم في النّفير
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
ولا عرف الزبير ولا أبوهولا جلس الزبير على السرير
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة
وددنا أنّ أمّكم غرابفكنتم شرّ طير في الطيور
للشاعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط، اقرأ القصيدة

قال أبو زيد: إذا كان الشتاء قطعت إلينا الغربان، أي جاءت بلادنا، فهي

قواطع إلينا، فإذا كان الصيف فهي رواجع. والطير التي تقيم بأرض شتاءها وصيفها أبدا فهي الأوابد. والأوابد أيضا هي الدواهي، يقال جاءنا بآبدة. ومنها أوابد الوحش.

ومنها أوابد الأشعار. والأوابد أيضا: الإبل إذا توحّش منها شيء فلم يقدر عليه إلا بعقر. وأنشد أبو زيد في الأوابد:

ومنهل وردته التقاطاطام فلم ألق به فرّاطا

إلّا القطا أوابدا غطاطا

ويقال نغق الغراب ينغق نغيقا، بغين معجمة، ونعت ينعب نعيبا بعين غير معجمة. فإذا مرّت عليه السّنون الكثيرة وغلظ صوته قيل شحج يشحج شحيجا.

وقال ذو الرّمّة:

ومستشحجات بالفراق كأنّهامثاكيل من صيّابة النّوب نوّح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

والنّوبة توصف بالجزع.

وأصحاب الإبل يرغبون في اتخاذ النوبة والبربر والرّوم للإبل، يرون أنهم يصلحون على معايشها، وتصلح على قيامهم عليها.

ومن العجب أنّ رجال الرّوم تصلح في البدو مع الإبل، ودخول الإبل بلاد الروم هو هلاكها.

فأمّا السند؛ فإنّ السّنديّ صاحب الخربة إذا صار إلى البدو، وهو طفل، خرج أفصح من أبي مهديّة، ومن أبي مطرف الغنويّ. ولهم طبيعة في الصّرف، لا ترى بالبصرة صيرفيّا إلا وصاحب كيسه سنديّ.

واشترى محمّد بن السّكن، أبا روح فرجا السّندي، فكسب له المال العظيم.

فقلّ صيدلانيّ عندنا إلّا وله غلام سنديّ. فبلغوا أيضا في البربهار والمعرفة بالعقاقير، وفي صحّة المعاملة، واجتلاب الحرفاء مبلغا حسنا.

وللسّند في الطبخ طبيعة، ما أكثر ما ينجبون فيه.

وقد كان يحيى بن خالد أراد أن يحوّل إجراء الخيل عن صبيان الحبشان والنّوبة، إلى صبيان السند، فلم يفلحوا فيه، وأراد تحويل رجال السّند إلى موضع الفرّاشين من الرّوم، فلم يفلحوا فيه.

وفي السّند حلوق جياد، وكذلك بنات السّند.

والغراب يسمّى أيضا حاتما. وقال عوف بن الخرع:

ولكنّما أهجو صفيّ بن ثابتمثبّجة لاقت من الطّير حاتما

وقال المرقّش، من بني سدوس:

ولقد غدوت وكنت لاأغدو على واق وحاتم
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «لا يمنعنك من بغاء الخير»
فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
وكذاك لا خير ولاشرّ على أحد بدائم
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «لا يمنعنك من بغاء الخير»

وأنشد لخثيم بن عديّ:

وليس بهيّاب إذا شدّ رحلهيقول عداني اليوم واق وحاتم
للشاعر خُثَيم بن عَدِي، اقرأ القصيدة
ولكنّه يمضي على ذاك مقدماإذا صدّ عن تلك الهنات الخثارم
للشاعر خُثَيم بن عَدِي، اقرأ القصيدة

والخثارم: هو المتطيّر من الرّجال. وأما قوله: «واق وحاتم» فحاتم هو الغراب، والواقي هو الصّرد، كأنّه يرى أنّ الزّجر بالغراب إذا اشتقّ من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب، فإنّ ذلك حتم. ويشتق من الصّرد التصريد، والصّرد وهو البرد. ويدلك على ذلك قوله:

دعا صرد يوما على غصن شوحطوصاح بذات البين منها غرابها
فقلت: أتصريد وشحط وغربةفهذا لعمري نأيها واغترابها
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

فاشتقّ التّصريد من الصّرد، والغربة من الغراب، والشّحط من الشّوحط.

ويقال أغرب الرّجل: إذا اشتدّ مرضه، فهو مغرب.

قال: والعنقاء المغرب، العقاب، لأنها تجيء من مكان بعيد.

قال: وأصل التطيّر إنما كان من الطّير ومن جهة الطير، إذا مرّ بارحا أو سانحا، أو رآه يتفلى وينتتف، حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من النّاس أو البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عند ذلك وتطيّروا عندها، كما تطيّروا من الطير إذا رأوها على تلك الحال. فكان زجر الطّير هو الأصل، ومنه اشتقوا التطيّر، ثمّ استعملوا ذلك في كلّ شيء.

والغراب لسواده إن كان أسود، ولاختلاف لونه إن كان أبقع، ولأنّه غريب يقطع إليهم، ولأنّه لا يوجد في موضع خيامهم يتقمّم، إلّا عند مباينتهم لمساكنهم، ومزايلتهم لدورهم، ولأنّه ليس شيء من الطير أشدّ على ذوات الدّبر من إبلهم من الغربان، ولأنه حديد البصر فقالوا عند خوفهم من عينه «الأعور». كما قالوا: «غراب» لاغترابه وغربته «وغراب البين»، لأنّه عند بينونتهم يوجد في دورهم.

ويسمّونه «ابن داية»، لأنّه ينقب عن الدّبر حتّى يبلغ إلى دايات العنق وما اتصل بها من خرزات الصّلب، وفقار الظهر.

وللطّيرة سمّت العرب المنهوش بالسّليم، والبرّيّة بالمفازة، وكنوا الأعمى أبا بصير، والأسود أبا البيضاء، وسمّوا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزّجر به على الأمور.

فصار تطيّرهم من القعيد والنّطيح ومن جرد الجراد، ومن أن الجرادة ذات ألوان، وجميع ذلك- دون التّطيّر بالغراب.

ولإيمان العرب بباب الطّيرة والفأل عقدوا الرّتائم، وعشّروا إذا دخلوا القرى تعشير الحمار، واستعملوا في القداح الآمر، والناهي، والمتربّص. وهنّ غير قداح الأيسار.

ويدلّ على أنهم يشتقون من اسم الشيء الذي يعاينون ويسمعون، قول سوّار ابن المضرّب:

تغنّى الطائران ببين ليلىعلى غصنين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمىوفي الغرب اغتراب غير دان
للشاعر جُحدُر العُكَلي، اقرأ القصيدة

فاشتقّ كما ترى الاغتراب من الغرب، والبينونة من البان.

وقال جران العود:

جرى يوم رحنا بالجمال نزفّهاعقاب وشحّاج من البين يبرح
فأمّا العقاب فهي منها عقوبةوأمّا الغراب فالغريب المطوّح
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

فلم يجد في العقاب إلّا العقوبة. وجعل الشّحاج هو الغراب البارح وصاحب البين، واشتقّ منه الغريب المطوّح.

ورأى السّمهريّ غرابا على بانة ينتف ريشه، فلم يجد في البان إلّا البينونة، ووجد في الغراب جميع معاني المكروه، فقال:

رأيت غرابا واقعا فوق بانةينتّف أعلى ريشه ويطايره
فقلت، ولو أني أشاء زجرتهبنفسي، للنهديّ: هل أنت زاجره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»
فقال: غراب باغتراب من النّوىوبالبان بين من حبيب تعاشره

فذكر الغراب بأكثر ممّا ذكر به غيره، ثمّ ذكر بعد شأن الريش وتطايره. وقال الأعشى:

ما تعيف اليوم في الطير الرّوحمن غراب البين أو تيس برح
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ما تعيف اليوم في الطير الروح»

فجعل التّيس من الطّير، إذ تقدم ذكر الطير، وجعله من الطير في معنى التطيّر.

وقال النّابغة:

زعم البوارح أنّ رحلتنا غداوبذاك خبّرنا الغراب الأسود
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وقال عنترة:

ظعن الذين فراقهم أتوقّعوجرى ببينهم الغراب الأبقع
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ظعن الذين فراقهم أتوقع»
حرق الجناح كأنّ لحيي رأسهجلمان بالأخبار هشّ مولع
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ظعن الذين فراقهم أتوقع»
فزجرته ألّا يفرّخ بيضهأبدا ويصبح خائفا يتفجّع
إنّ الذين نعبت لي بفراقهمهم أسهروا ليلى التّمام فأوجعوا

فقال: «وجرى ببينهم الغراب» لأنّه غريب، ولأنه غراب البين، ولأنّه أبقع. ثم قال: «حرق الجناح» تطيرا أيضا من ذلك. ثمّ جعل لحيي رأسه جلمين، والجلم يقطع. وجعله بالأخبار هشّا مولعا، وجعل نعيبه وشحيجه كالخبر المفهوم.

قال: فالغراب أكثر من جميع ما يتطيّر به في باب الشؤم. ألا تراهم كلما ذكروا ممّا يتطيرون منه شيئا ذكروا الغراب معه! وقد يذكرون الغراب ولا يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كلّ واحد من هذا الباب لا يمكنهم أن يتطيروا منه إلّا من وجه واحد، والغراب كثير المعاني في هذا الباب، فهو المقدّم في الشؤم.

قال صاحب الغراب: الغراب وغير الغراب في ذلك سواء. والأعرابيّ إن شاء اشتقّ من الكلمة، وتوهّم فيها الخير، وإن شاء اشتقّ منها الشرّ. وكلّ كلمة تحتمل وجوها.

ولذلك قال الشاعر:

نظرت وأصحابي ببطن طويلعضحيّا وقد أفضى إلى اللّبب الحبل
إلى ظبية تعطو سيالا تصورهيجاذبها الأفنان ذو جدد طفل
فقلت وعفت: الحبل حبل وصالهاتجذّذ من سلماك وانصرم الحبل
وقلت: سيال! قد تسلّت مودّتيتصور غصونا! صار جثمانها يعلو
وعفت الغرير الطّفل طفلا أتت بهفقلت لأصحابي: مضيّكم جهل
رجوعي حزم وامترائي ضلّةكذلك كان الزّجر يصدقني قبل

وقال ابن قيس الرّقيّات:

بشّر الظّبي والغراب بسعدىمرحبا بالذي يقول الغراب
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

بدا إذ قصدنا عامدين لأرضناسنيح فقال القوم: مرّ سنيح
وهاب رجال أن يقولوا وجمجموافقلت لهم: جار إليّ ربيح
عقاب بإعقاب من الدار بعد مامضت نيّة لا تستطاع طروح
وقالوا: دم! دامت مودّة بينناوعاد لنا غض الشباب صريح
وقال صحابي: هدهد فوق بأنة!هدى وبيان في الطريق يلوح
وقالوا: حمامات! فحمّ لقاؤهاوطلح! فنيلت والمطيّ طليح
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

قالوا: فهو إذا شاء جعل الحمام من الحمام والحميم والحمى. وإن شاء قال:

«وقالوا حمامات فحمّ لقاؤها» وإذا شاء اشتق البين من البان. وإذا شاء اشتقّ منه البيان.

وقال آخر:

وقالوا: عقاب! قلت عقبى من الهوىدنت بعد هجر منهم، ونزوح
وقالوا: حمامات! فحمّ لقاؤهاوعاد لنا حلو الشّباب ربيح
وقالوا: تغنّى هدهد فوق بانة!فقلت: هدى نغدو به ونروح

ولو شاء الأعرابيّ أن يقول إذا رأى سواد الغراب: سواد سودد، وسواد الإنسان:

شخصه، وسواد العراق: سعف نخله، والأسودان: الماء والتمر، وأشباه ذلك- لقاله.

قال: وهؤلاء بأعيانهم الذين يصرّفون الزّجر كيف شاؤوا، وإذا لم يجدوا من وقوع شيء بعد الزّجر بدّا- هم الذين إذا بدا لهم في ذلك بداء أنكروا الطّيرة والزّجر البتّة.

وقد زعم الأصمعي أنّ النّابغة خرج مع زبّان بن سيّار يريدان الغزو، فبينما هما يريدان الرحلة إذ نظر النّابغة وإذا على ثوبه جرادة تجرد ذات ألوان، فتطيّر وقال: غيري الذي خرج في هذا الوجه! فلما رجع زبّان من تلك الغزوة سالما غانما، قال:

تخبّر طيره فيها زيادلتخبره وما فيها خبير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
أقام كأنّ لقمان بن عادأشار له بحكمته مشير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
تعلّم أنّه لا طير إلّاعلى متطير وهو الثّبور
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة
بلى شيء يوافق بعض شيءأحايينا وباطله كثير
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة

فزعم كما ترى زبّان- وهو من دهاة العرب وساداتهم- أنّ الذي يجدونه إنّما هو شيء من طريق الاتفاق، وقال:

تعلّم أنّه لا طير إلاعلى متطيّر وهو الثّبور
للشاعر زبان بن سيار الفزاري، اقرأ القصيدة

وهذا لا ينقض الأول من قوله: أمّا واحدة فإنه إن جعل ذلك من طريق العقاب للمتطير لم ينقض قوله في الاتفاق. وإن ذهب إلى أنّ مثل ذلك قد يكون ولا يشعر به اللّاهي عن ذلك والذي لا يؤمن بالطيرة، فإنّ المتوقّع فهو في بلاء مادام متوقعا. وإن وافق بعض المكروه جعله من ذلك.

ويقال إنّ ابن الزبير لما خرج مع أهله من المدينة إلى مكّة، سمع بعض إخوته ينشد:

وكلّ بني أمّ سيمسون ليلةولم يبق من أعيانهم غير واحد
للشاعر عامر العَدواني، اقرأ القصيدة

فقال لأخيه: ما دعاك إلى هذا؟ قال: أما إني ما أردته! قال: ذلك أشدّ له.

وهذا منه إيمان شديد بالطيرة كما ترى.

وممن كان لا يرى الطيرة شيئا المرقش. من بني سدوس، حيث قال:

إني غدوت وكنت لاأغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيامن والأيامن كالأشائم
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
فكذاك لا خير ولاشرّ على أحد بدائم

قال سلامة بن جندل:

ومن تعرّض للغربان يزجرهاعلى سلامته لا بدّ مشؤوم
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

وممن كان ينكر الطيرة ويوصي بذلك، الحارث بن حلزة، وهو قوله- قال أبو عبيدة: أنشدنيها أبو عمرو، وليست إلا هذه الأبيات، وسائر القصيدة مصنوع مولد- وهو قوله:

يا أيها المزمع ثم انثنىلا يثنك الحازي ولا الشاحج
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا أيها المزمع ثم انثنى»
ولا قعيد أغضب قرنههاج له من مربع هائج
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا أيها المزمع ثم انثنى»
بينا الفتى يسعى ويسعى لهتاح له من أمره خالج
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «بينا الفتى يسعى ويسعى له»
يترك ما رقّح من عيشهيعيث فيه همج هامج
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا أيها المزمع ثم انثنى»
لا تكسع الشّول بأغبارهاإنك لا تدري من الناتج
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا أيها المزمع ثم انثنى»

وقال الأصمعي: قال سلم بن قتيبة: أضللت ناقة لي عشراء، وأنا بالبدو، فخرجت في طلبها، فتلقاني رجل بوجهه شين من حرق النار، ثم تلقّاني رجل آخذ بخطام بعيره، وإذا هو ينشد:

فلئن بغيت لها البغاة فما البغاة بواجدينا

ثم من بعد هذا كلّه، سألت عنها بعض من لقيته. فقال لي: التمسها عند تلك النار. فأتيتهم فإذا همّ قد نتجوها حوارا، وقد أوقدوا لها نارا فأخذت بخطامها وانصرفت.

وأخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام قال: جعت حتّى أكلت الطين، وما صرت إلى ذلك حتّى قلبت قلبي أتذّكر: هل بها رجل أصيب عنده غداء أو عشاء، قما قدرت عليه، وكان علي جبّة وقميصان، فنزعت القميص الأسفل فبعته بدريهمات، وقصدت إلى فرضة الأهواز، أريد قصبة الأهواز، وما أعرف بها أحدا. وما كان ذلك إلّا شيئا أخرجه الضّجر وبعض التعرّض. فوافيت الفرضة فلم أصب فيها سفينة، فتطيّرت من ذلك. ثم إني رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيرت من ذلك أيضا، وإذا فيها حمولة، فقلت للملاح: تحملني؟ قال: نعم. قلت: ما اسمك؟

قال: «داوداذ» وهو بالفارسية الشّيطان، فتطيرت من ذلك. ثم ركبت معه، تصكّ الشمال وجهي، وتثير بالليل الصّقيع على رأسي. فلما قربنا من الفرصة صحت: يا حمّال! معي لحاف لي سمل، ومضربة خلق، وبعض ما لا بدّ لمثلي منه، فكان أول حمّال أجابني أعور فقلت لبقّار كان واقفا: بكم تكري ثورك هذا إلى الخان؟ فلما أدناه من متاعي إذا الثّور أعضب القرن، فازددت طيرة إلى طيرة، فقلت في نفسي:

الرّجوع أسلم لي. ثم ذكرت حاجتي إلى أكل الطين فقلت: ومن لي بالموت؟! فلما صرت في الخان وأنا جالس فيه، ومتاعي بين يديّ وأنا أقول: إن أنا خلفته في الخان وليس عنده من يحفظه فشّ الباب وسرق، وإن جلست أحفظه لم يكن لمجيئي إلى الأهواز وجه. فبينا أنا جالس إذ سمعت قرع الباب، قلت: من هذا عافاك الله تعالى؟

قال: رجل يريدك، قلت: ومن أنا؟ قال: أنت إبراهيم. فقلت: ومن إبراهيم؟ قال:

إبراهيم النّظّام. قلت: هذا خنّاق، أو عدوّ، أو رسول سلطان! ثم إني تحاملت وفتحت الباب، فقال: أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز ويقول:

نحن وإن كنّا اختلفنا في بعض المقالة، فإنّا قد نرجع بعد ذلك إلى حقوق الإخلاق والحرّيّة. وقد رأيتك حين مررت بي على حال كرهتها منك، وما عرفتك حتى خبّرني عنك بعض من كان معي وقال: ينبغي أن يكون قد نزعت بك حاجة.

فإن شئت فأقم بمكانك شهرا أو شهرين، فعسى أن نبعث إليك ببعض ما يكفيك زمنا من دهرك. وإن اشتهيت الرّجوع فهذه ثلاثون مثقالا، فخذها وانصرف، وأنت أحقّ من عذر.

قال: فهجم والله عليّ أمر كاد ينقضني. أما واحدة: فأنّي لم أكن ملكت قبل ذلك ثلاثين دينارا في جميع دهري. والثّانية: أنّه لم يطلع مقامي وغيبتي عن وطني، وعن أصحابي الذين هم على حال أشكل بي وأفهم عنّي. والثّالثة: ما بيّن لي من أنّ الطيرة باطل؛ وذلك أنّه قد تتابع عليّ منها ضروب، والواحدة منها كانت عندهم معطبة.

قال: وعلى مثل ذلك الاشتقاق يعمل الذين يعبّرون الرّؤيا.

وبالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات: لكان عندهم من أجود الطّلّسم. وذلك أنّ الغربان تقطع إلينا في الخريف، فترى النّخل وبعضها مصرومة، وعلى كلّ نخلة عدد كثير من الغربان، وليس منها شيء يقرب نخلة واحدة من النّخل الذي لم يصرم، ولو لم يبق عليها إلا عذق واحد. وإنّما أو كار جميع الطير المصوّت في أقلاب تلك النّخل، والغراب أطير وأقوى منها ثم لا يجترئ أن يسقط على نخلة منها، بعد أن يكون قد بقي عليها عذق واحد.

ومنقار الغراب معول، وهو شديد النّقر. وإنّه ليصل إلى الكمأة المندفنة في الأرض بنقرة واحدة حتى يشخصها. ولهو أبصر بمواضع الكمأة من أعرابيّ يطلبها في منبت الإجردّ والقصيص، في يوم له شمس حارّة. وإن الأعرابيّ ليحتاج إلى أن

يرى ما فوقها من الأرض فيه بعض الانتفاخ والانصداع، وما يحتاج الغراب إلى دليل.

وقال أبو دؤاد الإياديّ:

تنفي الحصى صعدا شرقي منسمهانفي الغراب بأعلى أنفه الغردا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

ولو أنّ الله ﷿ أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها الثّمرة لذهبت، وفي ذلك الوقت لو أنّ إنسانا نقر العذق نقرة واحدة لا نتثر عامّة ما فيه، ولهلكت غلّات الناس. ولكنّك ترى منها على كلّ نخلة مصرومة الغربان الكثيرة، ولا ترى على التي تليها غرابا واحدا، حتى إذا صرموا ما عليها تسابقن إلى ما سقط من التمر في جوف الليف وأصول الكرب لتستخرجه كما يستخرج المنتاخ الشّوك.

فإن قال قائل: إنما أشباح تلك الأعذاق المدلّاة كالخرق السّود التي تفزع الطير أن يقع على البزور، وكالقودام السّود تغرز في أسنمة ذوات الدبر من الإبل، لكيلا تسقط عليها الغربان. فكأنها إذا رأت سواد الأعذاق فزعت كما يفزع الطير من الخرق السّود.

قال الآخر: قد نجد جميع الطير الذمي يفزع بالخرق السّود فلا يسقط على البزور، يقع كله على النخل وعليه الحمل، وهل لعامّة الطيّر وكور إلا في أقلاب النّخل ذوات الحمل.

قال الآخر: يشبه أن تكون الغربان قطعت إلينا من مواضع ليس فيها نخل ولا أعذاق، وهذا الطير الذي يفزع بالخرق السّود إنّما خلقت ونشأت في المواضع التي لم تزل ترى فيها النّخيل والأعذاق. ولا نعرف لذلك علة سوى هذا.

قال الآخر: وكيف يكون الشأن كذلك ومن الغربان غربان أوابد بالعراق فلا تبرح تعشّش في رؤوس النّخل، وتبيض وتفرخ، إلّا أنّها لا تقرب النّخلة التي يكون عليها الحمل.

والدّليل على أنها تعشش في نخل البصرة، وفي رؤوس أشجار البادية قول الأصمعيّ:

ومن زردك مثل مكن الضّبابيناوح عيدانه السيمكان
ومن شكر فيه عشّ الغرابومن جيسران وبنداذجان

وقال أبو محمد الفقعسيّ، وهو يصف فحل هجمة:

يتبعها عدبّس جرائضأكلف مربدّ هصور هائض

بحيث يعتش الغراب البائض

والعامّة تتطيّر من الغراب إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنّى تفاءلت به.

والبوم عند أهل الرّيّ وأهل مرو يتفاءل به، وأهل البصرة يتطيرون منه. والعربيّ يتطير من الخلاف، والفارسي يتفاءل إليه، لأنّ اسمه بالفارسية «باذامك» أي يبقى، وبالعربية خلاف، والخلاف غير الوفاق.

والريحان يتفاءل به، لأنه مشتقّ من الرّوح، ويتطيرّ منه لأن طعمه مرّ، وإن كان في العين والأنف مقبولا.

وقال شاعر من المحدثين:

أهدى له أحبابه أترجّةفبكى وأشفق من عيافة زاجر
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
متطيّرا ممّا أتاه، فطعمهلونان باطنه خلاف الظّاهر

والفرس تحبّ الآس وتكره الورد، لأن الورد لا يدوم، والآس دائم.

قال: وإذا صاح الغراب مرتين فهو شرّ، وإذا صاح ثلاث مرّات فهو خير، على قدر عدد الحروف.

ويقال: إنّ بين الغراب والحمار عداوة. كذا قال صاحب المنطق.

وأنشدني بعض النحويّين:

عاديتنا لا زلت في تبابعداوة الحمار للغراب

ويقال: «أصحّ من غراب». وأنشد ابن أبي كريمة لبعضهم، وهو يهجو صريع الغواني مسلم بن الوليد:

فما ريح السّذاب أشدّ بغضاإلى الحيّات منك إلى الغواني

وأنشد:

وأصلب هامة من ذي حيودودون صداعه حمّى الغراب

وزعم لي داهية من دهاة العرب الحوّائين، أنّ الأفاعي وأجناس الأحناش، تأتي أصول الشّيح والحرمل، تستظل به، وتستريح إليه.

ويقال: «أغرب من غراب». وأنشد قول مضرّس بن لقيط:

كأني وأصحابي وكرّي عليهمعلى كلّ حال من نشاط ومن سأم
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
غراب من الغربان أيّام قرّةرأين لحاما بالعراص على وضم
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة

وقد اعترض قوم علينا في الحديث الذي جاء في تفرقة ما بين الطيرة والفأل،

وزعموا أنّه ليس لقوله: «كان يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة» معنى. وقالوا:

إن كان ليس لقول القائل: يا هالك، وأنت باغ، وجه ولا تحقيق، فكذلك إذا قال: يا واجد، ليس له تحقيق، وليس قوله يا مضلّ ويا مهلك، أحقّ بأن يكون لا يوجب ضلالا ولا هلاكا من قوله يا واجد، ويا ظافر، من ألّا يكون يوجب ظفرا ولا وجودا.

فإمّا أنّ يكونا جميعا يوجبان، وإما أن يكونا جميعا لا يوجبان. قيل لهم: ليس التأويل ما إليه ذهبتم. لو أن النّاس أمّلوا فائدة الله ﷿ ورجوا عائدته، عند كلّ سبب ضعيف وقويّ، لكانوا على خير. ولو غلطوا في جهة الرّجاء لكان لهم بنفس ذلك الرّجاء خير. ولو أنهم بدل ذلك قطعوا أملهم ورجاءهم من الله تعالى، لكان ذلك من الشرّ والفأل، أن يسمع كلمة في نفسها مستحسنة. ثمّ إن أحبّ بعد ذلك أو عند ذلك أنّ يحدث طمعا فيما عند الله تعالى، كان نفس الطمع خلاف اليأس.

وإنما خبّر أنّه كان يعجبه. وهذا إخبار عن الفطرة كيف هي، وعن الطبيعة إلى أيّ شيء تتقلب.

وقد قيل لبعض الفقهاء: ما الفأل؟ قال: أن تسمع وأنت مضلّ: يا واجد، وأنت خائف: يا سالم. ولم يقل إنّ الفأل يوجب لنفسه السلامة. ولكنّهم يحبّون له إخراج اليأس وسوء الظن وتوقّع البلاء من قلبه على كل حال- وحال الطيرة حال من تلك الحالات- ويحبون أن يكون لله راجيا، وأن يكون حسن الظن. فإن ظنّ أن ذلك المرجوّ يوافق بتلك الكلمة ففرح بذلك فلا بأس.

وقال الأصمعيّ: هرب بعض البصريين من بعض الطّواعين، فركب ومضى بأهله نحو سفوان، فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه، وهو يقول:

لن يسبق الله على حمارولا على ذي ميعة مطّار
أو يأتي الحين على مقدارقد يصبح الله أمام السّاري

فلما سمع ذلك رجع بهم.

قال: والغربان تسقط في الصحارى تلتمس الطّعم، ولا تزال كذلك، فإذا وجبت الشمس نهضت إلى أو كارها معا. وما أقلّ ما تختلط البقع بالسّود المصمتة.

قال: ومنها أجناس كثيرة عظام كأمثال الحداء السّود، ومنها صغار. وفي مناقيرها اختلاف في الألوان والصور. ومنها غربان تحكي كلّ شيء سمعته، حتى إنها في ذلك أعجب من الببغاء. وما أكثر ما يتخلّف منها عندنا بالبصرة في الصيف، فإذا جاء القيظ قلّت. وأكثر المتخلّفات منها البقع. فإذا جاء الخريف رجعت إلى البساتين، لتنال مما يسقط من التمر في كرب النّخل وفي الأرض، ولا تقرب النّخلة إذا كان عليها عذق واحد، وأكثر هذه الغربان سود، ولا تكاد ترى فيهنّ أبقع.

وقال الأصمعيّ: قال خلف: لم أر قطّ أقبح من فرخ الغراب! رأيته مرّة فإذا هو صغير الجسم، عظيم الرأس، عظيم المنقار، أجرد أسود الجلد، ساقط النفس، متفاوت الأعضاء.

قال: وبعضها يقيم عندنا في القيظ. فأمّا في الصّيف فكثير. وأمّا في الخريف فالدّهم. وأكثر ما تراه في أعالي سطوحنا في القيظ والصيف البقع. وأكثر ما تراه في الخريف في النخل وفي الشتاء في البيوت السّود.

وفي جبل تكريت في تلك الأيّام، غربان سود كأمثال الحداء السّود عظما.

وناس يزعمون أنّ تسافدها على غير تسافد الطير، وأنّها تزاقّ بالمناقير، وتلقح من هناك.

نذكر شيئا من نوادر وأشعار وشيئا من أحاديث، من حارّها وباردها.

قال ابن نجيم: كان ابن ميّادة يستحسن هذا البيت لأرطأة بن سهيّة:

فقلت لها يا أمّ بيضاء إنّههريق شبابي واستشنّ أديمي
للشاعر الطرماح، من قصيدة «فقلت لها يا أم بيضاء إنه»

صار شنّا.

وكان الأصمعي يستحسن قول الطرمّاح بن حكيم، في صفة الظّليم:

مجتاب شملة برجد لسراتهقدرا وأسلم ما سواه البرجد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

ويستحسن قوله في صفة الثّور:

يبدو وتضمره البلاد كأنّهسيف على شرف يسلّ ويغمد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

وكان أبو نواس يستحسن قول الطّرماح:

إذا قبضت نفس الطّرماح أخلقتعرى المجد واسترخى عنان القصائد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت»

وقال كثير:

إذا المال يوجب عليك عطاؤهصنيعة برّ أو خليل توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوّةفلم يفتلتك المال إلّا حقائقه
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلن وقد يكذبن فيك تعيف»

وقال سهل بن هارون؛ يمدح يحيى بن خالد:

عدوّ تلاد المال فيما ينوبهمنوع إذا ما منعه كان أحزما

قال: وكان ربعيّ بن الجارود يستحسن قوله:

فخير منك من لا خير فيهوخير من زيارتك القعود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «علي ألية وعلي نذر»

وقال الأعشى:

قد نطعن العير في مكنون فائلهوقد يشيط على أرماحنا البطل
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ودع هريرة إن الركب مرتحل»
لا تنتهون ولن ينهى ذوي شططكالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل

وقال العلاء بن الجارود:

أظهروا للنّاس نسكاوعلى المنقوش داروا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أظهروا للناس نسكا»
وله صاموا وصلّواوله حجّوا وزاروا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أظهروا للناس نسكا»
وله قاموا وقالواوله حلّوا وساروا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أظهروا للناس نسكا»
لو غدا فوق الثريّاولهم ريش لطاروا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «أظهروا للناس نسكا»

وقال الآخر في مثل ذلك:

شمر ثيابك واستعدّ لقابلواحكك جبينك للقضاء بثوم
وامش الدّبيب إذا مشيت لحاجةحتى تصيب وديعة ليتيم

وقال أبو الحسن: كان يقال: «من رقّ وجهه رقّ علمه».

وقال عمر: «تفقّهوا قبل أن تسودوا».

وقال الأصمعي: «وصلت بالعلم، وكسبت بالملح».

ومن الأشعار الطيبة قول الشاعر في السمك والخادم:

مقبل مدبر خفيف ذفيفدسم الثّوب قد شوى سمكات
من شبابيط لجة ذات غمرحدب من شحومها زهمات

ففكّر فيهما فإنّهما سيمتعانك ساعة.

وقال الشاعر:

إن أجز علقمة بن سيف سعيهلا أجزه ببلاء يوم واحد
لأحبّني حبّ الصبيّ ورمّنيرمّ الهديّ إلى الغنيّ الواجد
ولقد شفيت غليلتي ونقعتهامن آل مسعود بماء بارد

وقال رجل من جرم:

نبئت أخوالي أرادوا عمومتيبشنعاء فيها ثامل السّمّ منقعا
سأركبها فيكم وأدعى مفرّقاوإن شئتم من بعد كنت مجمّعا
للشاعر أبو قيس بن رفاعة، من قصيدة «وأنبئت أخوالي أرادوا نقيصتي»

وقال يونس بن حبيب: ما أكلت في شتاء شيئا قطّ إلّا وقد برد، ولا أكلت في صيف شيئا إلّا وقد سخن.

وقال أبو عمرو المدينيّ: لو كانت البلايا بالحصص، ما نالني كما نالني:

اختلفت الجارية بالشاة إلى التّيّاس اختلافا كثيرا، فرجعت الجارية حاملا والشاة حائلا.

وقال جعفر بن سعيد: الخلاف موكّل بكلّ شيء يكون، حتى القذاة في الماء في رأس الكوز، فإن أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك، وإن أردت أن تصبّ من رأس الكوز لتخرج رجعت.

وقال إسماعيل بن غزوان: بكرت اليوم إلى أبي عمران، فلزمت الجادّة،

فاستقبلني واحد فلزم الجادّة التي أنا عليها، فلما غشيني انحرفت عنه يمنة فانحرف معي، فعدت إلى سمتي فعاد، فعدت فعاد ثمّ عدت فعاد. فلولا أنّ صاحب برذون فرّق بيننا لكان إلى الساعة يكدّني. فدخلت على أبي عمران فدعا بغدائه، فأهويت بلقمتي إلى الصّباغ فأهوى إليه بعضهم، فنحّيت يدي فنحّى يده، ثمّ عدت فعاد، ثمّ نحيت فنحّى، فقلت لأبي عمران: ألا ترى ما نحن فيه؟ قال سأحدّثك بأعجب من هذا، أنا منذ أكثر من سنة أشفق أن يراني ابن أبي عون الخياط، فلم يتّفق لي أن يراني مرّة واحدة، فلما أن كان أمس ذكرت لأبي الحارث الصّنع في السلامة من رؤيته، فاستقبلني أمس أربع مرّات!

وذكر محمّد بن سلام، عن محمّد بن القاسم قال: قال جرير: أنّا لا أبتدي ولكنّي أعتدي.

وقال أبو عبيدة: قال الحجّاج: أنا حديد حقود حسود! قال: وقال قديد بن منيع، لجديع بن عليّ: لك حكم الصبيّ على أهله! وقال أبو إسحاق- وذكر إنسانا -: هو والله أترف من ربيب ملك، وأخرق من امرأة، وأظلم من صبي.

وقال لي أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل هذا النّظام. قلت:

وكيف؟ قال: مرّ بي يوما فقلت: والله لأمتحننّه، ولأسمعنّ كلامه؛ فقلت له: ما عيب الزّجاج- قال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر- من غير أن يكون فكّر أو ارتدع!

قال: وقال جبّار بن سلمى بن مالك- وذكر عامر بن الطفيل فقال: كان لا يضل حتّى يضلّ النّجم، ولا يعطش حتّى يعطش البعير ولا يهاب حتّى يهاب السيل، كان والله خير ما يكون حين لا تظنّ نفس بنفس خيرا.

وقال ابن الأعرابيّ: قال أعرابي: اللهمّ لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ سوء! يقول: يدعوني قلّته إلى منعه.

وقال محمّد بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس: إنّ الأحنف كان يكره الصّلاة في المقصورة، فقال له بعض القوم: يا أبا بحر، لم لا تصلي في المقصورة؟ قال: وأنت لم لا تصلّي فيها؟ قال: لا أترك.

وهذا الكلام يدل على ضروب من الخير كثيرة.

ودخل عبد الله بن الحسن على هشام في ثياب سفره، فقال: اذكر حوائجك.

فقال عبد الله: ركابي مناخة، وعليّ ثياب سفري! فقال: إنّك لا تجدني خيرا منّي لك الساعة.

قال أبو عبيدة: بلغ عمر بن عبد العزيز قدوم عبد الله بن الحسن، فأرسل إليه: إني أخاف عليك طواعين الشام، وإنّك لا تغنم أهلك خيرا لهم منك فالحق بهم، فإنّ حوائجهم ستسبقك.

وكان ظاهر ما يكلّمونه به ويرونه إيّاه جميلا مذكورا، وكان معناهم الكراهة لمقامه بالشام، وكانوا يرون جماله، ويعرفون بيانه وكماله فكان ذلك العمل من أجود التدبير فيه عند نفسه.

وأنشد:

تليح من الموت الذي هو واقعوللموت باب أنت لا بدّ داخله

وقال آخر:

أكلكم أقام على عجوزعشنزرة مقلّدة سخابا

وقال آخر:

الموت باب وكل الناس داخلهفليت شعري بعد الباب ما الدّار
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «الموت باب وكل الناس داخله»
لو كنت أعلم من يدري فيخبرنيأجنّة الخلد مأوانا أم النّار

وقال آخر:

اصبر لكلّ مصيبة وتجلّدواعلم بأنّ المرء غير مخلّد
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «اصبر لكل مصيبة وتجلد»
فإذا ذكرت مصيبة تشجى بهافاذكر مصابك بالنبيّ محمد

وقال آخر:

والشمس تنعى ساكن الدّنيا ويسعدها القمر
أين الذين عليهمركم الجنادل والمدر
أفناهم غلس العشاء يهزّ أجنحة السّحر
ما للقلوب رقيقةوكأنّ قلبك من حجر
ولقلّما تبقى وعودك كلّ يوم يهتصر

وقال زهير:

ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبهإلى مطمئن البرّ لا يتجمجم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
ومن يغترب يحسب عدوّا صديقهومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
ومهما تكن عند امرئ من خليقةوإن خالها تخفى على النّاس تعلم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
ومن لا يزل يسترحل النّاس نفسهولا يعفها يوما من الذّمّ يندم

وقال زهير أيضا:

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنواضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

وقال:

وجار البيت والرّجل المناديأمام الحيّ عقدهما سواء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
جوار شاهد عدل عليكموسيّان الكفالة والتّلاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
فإن الحقّ مقطعه ثلاث:يمين، أو نفار، أو جلاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

فتفهّم هذه الأقسام الثلاثة، كيف فصّلها هذا الأعرابيّ! وقال أيضا:

فلو كان حمد يخلد النّاس لم تمتولكنّ حمد المرء ليس بمخلد
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «غشيت ديارا بالنقيع فثهمد»
ولكنّ منه باقيات وراثةفأورث بنيك بعضها وتزوّد
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «غشيت ديارا بالنقيع فثهمد»
تزوّد إلى يوم الممات فإنّهوإن كرهته النّفس آخر معهد

وقال الأسديّ:

فإني أحبّ الخلد لو أستطيعهوكالخلد عندي أن أموت ولم ألم

وقال الحادرة:

فأثنوا علينا لا أبا لأبيكمبإحساننا إنّ الثّناء هو الخلد
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

وقال الغنوي:

فإذا بلغتم أهلكم فتحدّثواومن الحديث مهالك وخلود

وقال آخر:

فقتلا بتقتيل وعقرا بعقركمجزاء العطاس لا يموت من اتّأر
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «فقتلاً بتقتيل وعقرا بعقركم»

وقال زهير:

والإثم من شرّ ما تصول بهوالبرّ كالغيث نبته أمر

أي كثير. ولو شاء أن يقول:

والبرّ كالماء نبته أمر

استقام الشعر، ولكن كان لا يكون له معنى، وإنّما أراد أن النبات يكون على الغيث أجود. ثمّ قال:

قد أشهد الشّارب المعذّل لامعروفه منكر ولا حصر
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «فيم لحت إن لومها ذعر»
في فتية ليّني المآزر لاينسون أحلامهم إذا سكروا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «فيم لحت إن لومها ذعر»
يشوون للضّيف والعفاة ويوفون قضاء إذا هم نذروا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «فيم لحت إن لومها ذعر»

يمدح كما ترى أهل الجاهليّة بالوفاء بالنّذور أنشدني حبّان بن عتبان، عن أبي عبيدة، من الشّوارد التي لا أرباب لها، قوله:

إن يغدروا أو يفجرواأو يبخلوا لم يحفلوا
يغدوا عليك مرجّلين كأنّهم لم يفعلوا
كأبي براقش كلّ يوم لونه يتخيّل

وقال الصّلتان السعديّ، وهو غير الصّلتان العبديّ:

أشاب الصغير وأفنى الكبير كرّ الغداة ومرّ العشي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
إذا ليلة هرّمت يومهاأتى بعد ذلك يوم فتي
للشاعر الصَحاري بن شبيب، من قصيدة «أشارب الصغير وأفنى الكبير»
نروح ونغدو لحاجاتناوحاجة من عاش لا تنقضي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
تموت مع المرء حاجاتهوتبقى له حاجة ما بقي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
إذا قلت يوما لدى معشرأروني السّريّ أروك الغني
ألم تر لقمان أوصى بنيهـ وأوصيت عمرا فنعم الوصي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة
وسرّك ما كان عند امرئوسرّ الثّلاثة غير الخفي
للشاعر الصَّلَتان العَبْدي، اقرأ القصيدة

أنشدني محمّد بن زياد الأعرابيّ:

ولا تلبث الأطماع من ليس عندهمن الدّين شيء أن تميل به النّفس
ولا يلبث الدّحس الإهاب تحوزهبجمعك أن ينهاه عن غيرك الترس

وأنشدني أبو زيد النحويّ لبعض القدماء:

ومهما يكن ريب المنون فإنّنيأرى قمر اللّيل المعذّر كالفتى
يعود ضئيلا ثم يرجع دائباويعظم حتّى قيل قد ثاب واستوى
كذلك زيد المرء ثمّ انتقاصهوتكراره في إثره بعد ما مضى

وقال أبو النّجم:

ميّز عنه قنزعا من قنزعمرّ اللّيالي أبطئي وأسرعي
أفناه قيل الله للشّمس اطلعيثمّ إذا واراك أفق فارجعي

وقال عمرو بن هند:

وإن الذي ينهاكم عن طلابهايناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
يعلّل والأيّام تنقص عمرهكما تنقص النّيران من طرف الزّند
للشاعر عبد هند الثعلبي، اقرأ القصيدة

وقال ابن ميّادة:

هل ينطق الرّبع بالعلياء غيّرهسافي الرّياح ومستنّ له طنب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال أبو العتاهية:

أسرع في نقص امرئ تمامه

وقال:

ولمرّ الفناء في كلّ شيءحركات كأنّهنّ سكون

وقال ابن ميّادة:

أشاقك بالقنع الغداة رسومدوارس أدنى عهدهنّ قديم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
يلحن وقد جرّمن عشرين حجّةكما لاح في ظهر البنان وشوم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

في مرفقيها إذا ما عونقت جممعلى الضّجيع وفي أنيابها شنب

وقال ابن ميّادة في جعفر ومحمد ابني سليمان، وهو يعني أمير المؤمنين المنصور:

وفى لكما يا ابني سليمان قاسمبجدّ النّهى إذ يقسم الخير قاسمه
فبيتكما بيت رفيع بناؤهمتى يلق شيئا محدثا فهو هادمه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لكم كبش صدق شذّب الشّول عنكموكسّر قرني كلّ كبش يصادمه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.