من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في من يهجى ويذكر بالشؤم
قال دعبل بن عليّ، في صالح الأفقم- وكان لا يصحب رجلا إلّا مات أو قتل، أو سقطت منزلته -:
قل للأمين أمين آل محمّدقول امرئ شفق عليه محام
إيّاك أن تغترّ عنك صنيعةفي صالح بن عطيّة الحجّام
ليس الصّنائع عنده بصنائعلكنهنّ طوائل الإسلام
اضرب به نحر العدوّ فإنّهجيش من الطاعون والبرسام
وقال محمد بن عبد الله في محمد بن عائشة:
للهلاليّ قتيلأبدا في كلّ عام
قتل الفضل بن سهلوعليّ بن هشام
وعجيفا آخر القوم بأكناف الشآم
وغدا يطلب من يقتل بالسّيف الحسام
فأعاذ الله منهأحمدا خير الأنام
يعني أحمد بن أبي دؤاد.
وقال عيسى بن زينب في الصخري، وكان مشؤوما:
يا قوم من كان له والديأكل ما جمّع من وفر
فإنّ عندي لابنه حيلةيموت إن أصحبه الصخري
كأنما في كفّه مبرديبرد ما طال من العمر
وقال الأعشى:
فما إن على قلبه غمرةوما إن بعظم له من وهن
وقال الكميت:
ولم يقل عند زلّة لهمكرّوا المعاذير إنّما حسبوا
وقال آخر:
فلا تعذراني في الإساءة إنّهشرار الرّجال من يسيء فيعذر
وقال العتّابي:
رحل الرّجاء إليك مغترباحشدت عليه نوائب الدّهر
ردّت عليك ندامتي أمليوثنى إليك عنانه شكري
وجعلت عتبك عتب موعظةورجاء عفوك منتهى عذري
وقال أعشى بكر:
قلّدتك الشّعر يا سلامة ذاالإفضال والشّيء حيث ما جعلا
والشّعر يستنزل الكريم كما استنزل رعد السّحابة السّبلا
لو كنت ماء عدّا جممت إذاما ورد القوم لم تكن وشلا
أنجب آباؤه الكرام بهإذ نجلاه فنعم ما نجلا
استأثر الله بالبقاء وبالحمد وولّى الملامة الرّجلا
وقال الكذّاب الحرمازيّ لقومه، أو لغيرهم:
لو كنتم شاء لكنتم نقداأو كنتم ماء لكنتم ثمدا
أو كنتم قولا لكنتم فندا
وقال الأعشى في الثياب:
فعلى مثلها أزور بني قيس إذا شطّ بالحبيب الفراق
المهينين ما لهم في زمان السّوء حتّى إذا أفاق أفاقوا
وإذا ذو الفضول ضنّ على المولى وصارت لخيمها الأخلاق
ومشى القوم بالعماد إلى الرّزحى وأعيا المسيم أين المساق
أخذوا فضلهم هناك وقد تجري على عرقها الكرام العتاق
وإذا الغيث صوبه وضع القدح وجنّ التّلاع والآفاق
لم يزدهم سفاهة شرب الخمر ولا اللهو فيهم والسّباق
واضعا في سراة نجران رحليناعما غير أنني مشتاق
في مطايا أربابهنّ عجالعن ثواء وهمّهنّ العراق
درمك غدوة لنا ونشيلوصبوح مباكر واغتباق
وندامى بيض الوجوة كأنّ الشّرب منهم مصاعب أفناق
فيهم الخصب والسّماحة والنجدة جمعا والخاطب المسلاق
وأبيّون لا يسامون ضيماومكيثون والحلوم وثاق
وترى مجلسا يغصّ به المحراب بالقوم والثّياب رقاق
وقال أيضا في الثّياب:
أزور يزيد وعبد المسيحوقيسا هم خير أربابها
وكعبة نجران حتم عليك حتّى تناخي بأبوابها
إذا الحبرات تلوّت بهموجرّوا أسافل هدّابها
وفي الثّياب يقول الآخر:
أسيلم ذاكم لا خفا بمكانهلعين ترجّي أو لأذن تسمّع
من النّفر البيض الذين إذا انتمواوهاب الرّجال حلقة الباب قعقعوا
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقهوطيب الدّهان رأسه فهو أنزع
إذا النّفر السّود اليمانون حاولواله حوك برديه أجادوا وأوسعوا
وقال كثيّر:
يجرّر سربالا عليه كأنّهسبيّ هلال لم تفتق شرانقه
وقال الجعدي:
أتاني نصرهم وهم بعيدبلادهم بأرض الخيزران
يريد أرض الخصب والأغصان اللّيّنة.
وقال الشاعر:
في كفّه خيزران ريحها عبقبكفّ أروع في عرنينه شمم
لأن الملك لا يختصر إلّا بعود لدن ناعم. وقال آخر:
تجاوبها أخرى على خيزرانةيكاد يدنيها من الأرض لينها
وقال آخر:
نبتّم نبات الخيزرانيّ في الثرىحديثا، متى ما يأتك الخير ينفع
وقال المسيّب بن علس:
قصار الهمّ إلّا في صديقكأنّ وطابهم موشى الضّباب
وقال المسيب بن علس:
تامت فؤادك إذ عرضت لهاحسن برأي العين ما تمق
وقال ابن أبي ربيعة:
حسن في كلّ عين من تود
وقال عبد الله بن معاوية:
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلةولكنّ عين السّخط تبدي المساويا
وقال روح أبو همّام:
وعين السّخط تبصر كلّ عيبوعين أخي الرّضا عن ذاك تعمى
وقال الفرزدق:
ألا خبّروني أيّها النّاس إنّماسألت ومن يسأل عن العلم يعلم
سؤال امرئ لم يغفل العلم صدرهوما السائل الواعي الأحاديث كالعمي
وقيل لدغفل: أنّى لك هذا العلم؟ قال: لسان سؤول، وقلب عقول وقال النابغة:
فآب مضلوه بعين جليّةوغودر بالجولان حزم ونائل
مضلوه: دافنوه، على حدّ قوله تعالى: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ
وقال المخبّل:
أضلّت بنو قيس بن سعد عميدهاوفارسها في الدّهر قيس بن عاصم
قوال زهير- أو غيره- في سنان بن أبي حارثة:
إن الرّزيّة لا رزيّة مثلهاما تبتغي غطفان يوم أضلّت
ولذلك زعم بعض النّاس أنّ سنان بن أبي حارثة خرف فذهب على وجهه، فلم يوجد.
ويزعمون أنّ ثلاثة نفر هاموا على وجوههم فلم يوجدوا: طالب بن أبي طالب، وسنان بن أبي حارثة، ومرداس بن أبي عامر.
وقال جرير:
وإني لأستحيي أخي أن أرى لهعليّ من الفضل الذي لا يرى ليا
وقال امرؤ القيس:
وهل يعمن إلّا خليّ منعّمقليل الهموم ما يبيت بأوجال
وقال الأصمعي: هو كقولهم: «استراح من لا عقل له!» وقال ابن أبي ربيعة:
وأعجبها من عيشها ظلّ غرفةوريّان ملتفّ الحدائق أخضر
ووال كفاها كلّ شيء يهمّهافليست لشيء آخر اللّيل تسهر
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع