من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر في المجاز والتشبيه بالأكل
(باب آخر)
وهو قول الله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً
وقوله
تعالى، عزّ اسمه: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
. وقد يقال لهم ذلك وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، ولبسوا الحلل، وركبوا الدوابّ، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل.
وقد قال الله ﷿: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً
. وهذا مجاز آخر.
وقال الشاعر في أخذ السّنين من أجزاء الخمر:
أكل الدّهر ما تجسّم منهاوتبقّى مصاصها المكنونا
وقال الشاعر:
مرّت بنا تختال في أربعيأكل منها بعضها بعضا
وهل قوله: «وقد أكلت أظفاره الصّخر»، إلا كقوله:
كضبّ الكدى أفنى براثنه الحفر
وإذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف. وإذا قالوا: أكله الأسود، فإنما يعنون النّهش واللّدغ والعضّ فقط.
وقد قال الله ﷿: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
ويقال: هم لحوم الناس.
وقال قائل لإسماعيل بن حماد: أيّ اللّحمان أطيب؟ قال: لحوم الناس، هي والله أطيب من الدجاج، ومن الفراخ، والعنوز الحمر.
ويقولون في باب آخر: فلان يأكل الناس. وإن لم يأكل من طعامهم شيئا.
وأما قول أوس بن حجر:
وذو شطبات قدّه ابن مجدّعله رونق ذرّيّه يتأكّل
فهذا على خلاف الأول. وكذلك قول دهمان النهري:
سألتني عن أناس أكلواشرب الدّهر عليهم وأكل
فهذا كله مختلف، وهو كله مجاز.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع