من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر وهو عندي أعجب من الأول
وهو ابتلاعه الجمر حتى ينفذ إلى جوفه، فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، ولا يكون الجمر هو العامل في إحراقه.
وأخبرني إبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النّظّام- وكنّا لا نرتاب بحديثه إذا حكى عن سماع أو عيان- أنّه شهد محمد بن عبد الله- يلقي الحجر في النّار، فإذا عاد كالجمر قذف به قدّامه، فإذا هو يبتلعه كما يبتلع الجمر. كنت قلت له: إنّ الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقي الرّطوبات، ومتى أطبق عيه شيء يحول بينه وبين النّسيم خمد، والحجر أشدّ إمساكا لما يتداخله من الحرارة، وأثقل ثقلا، وألزق لزوقا وأبطأ انطفاء، فلو أحميت الحجارة! فأحماها ثم قذف بها إليه، فابتلع الأولى فارتبت به، فلما ثنى وثلّث اشتدّ تعجبي له، فقلت له: لو أحميت أواقيّ الحديد، ما كان منها ربع رطل ونصف رطل! ففعل، فابتلعه، فقلت: هذا أعجب من الأوّل والثّاني، وقد بقيت علينا واحدة، وهو أن ننظر: أيستمري الحديد كما يستمري الحجارة؟ ولم يتركنا بعض السفهاء وأصحاب الخرق أن نتعرّف ذلك على الأيّام.
وكنت عزمت على ذبحه وتفتيش جوفه وقانصته، فلعلّ الحديد يكون قد بقي هناك لا ذائبا ولا خارجا فعمد بعض ندمائه إلى سكّين فأحمي، ثم ألقاه إليه فابتلعه، فلم يجاوز أعلى حلقه حتى طلع طرف السّكين من موضع مذبحه، ثمّ خرّ ميّتا. فمنعنا بخرقه من استقصاء ما أردنا.
وفي النّعامة أنّها لا طائر ولا بعير، وفيها من جهة المنسم والوظيف والخرمة، والشقّ الذي في أنفه، ما للبعير. وفيها من الرّيش والجناحين والذّنب والمنقار، ما للطائر. وما كان فيها من شكل الطّائر أخرجها ونقلها إلى البيض، وما كان فيها من شكل البعير لم يخرجها ولم ينقلها إلى الولد. وسماها أهل
فارس: «أشتر مرغ»، كأنّهم قالوا: هو طائر وبعير.
وقال يحيى بن نوفل:
فأنت كساقط بين الحشاياتصير إلى الخبيث من المصير
ومثل نعامة تدعى بعيراتعاظمها إذا ما قيل طيري
فإن قيل احملي قالت فإنّيمن الطّير المربّة بالوكور
ثمّ هجا خالدا فقال:
وكنت لدى المغيرة عير سوءتصول، من المخافة، للزّئير
لأعلاج ثمانية وعلجكبير السّنّ ذي بصر ضرير
هتفت بكلّ صوتك: أطعمونيشرابا، ثمّ بلت على السّرير
وإنما قيل ذلك في النّعامة؛ لأنّ النّاس يضربون بها المثل للرّجل إذا كان ممّن يعتلّ في كلّ شيء يكلفونه بعلة، وإن اختلف ذلك التكليف، وهو قولهم: «إنما أنت نعامة، إذا قيل لها احملي قالت: أنا طائر، وإذا قيل لها طيري قالت: أنا بعير»،
وتزعم الأعراب أنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين، فرجعت مقطوعة الأذنين؛ فلذلك يسمّونه الظليم، ويصفونه بذلك.
وقد ذكر أبو العيال الهذليّ ذلك، فقال:
وإخال أنّ أخاكم وعتابهإذ جاءكم بتعطّف وسكون
يمسي إذا يمسي ببطن جائعصفر ووجه ساهم مدهون
فغدا يمثّ ولا يرى في بطنهمثقال حبّة خردل موزون
أو كالنّعامة إذ غدت من بيتهاليصاغ قرناها بغير أذين
فاجتثّت الأذنان منها فانثنتصلماء ليست من ذوات قرون
ويقولون: ذهب الغراب يتعلم مشية العصفور، فلم يتعلّمها، ونسي مشيته، فلذلك صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور.
والبرغوث والجرادة ذات قفز، ولا تمشي مشية لدّيك والصّقر والبازي، ولكن تمشي مشية المقيّد أو المحجّل خلقه.
قال أبو عمران الأعمى، في تحوّل قضاعة إلى قحطان عن نزار:
كما استوحش الحيّ المقيم ففارقوا الخليط فلا عزّ الّذين تحمّلوا
كتارك يوما مشية من سجيّةلأخرى ففاتته فأصبح يحجل
ومن أعاجيبها أنّها مع عظم عظامها، وشدّة عدوها، لا مخّ فيها.
وفي ذلك يقول الأعلم الهذلي:
على حتّ البراية زمخريّ السواعد ظلّ في شري طوال
يعني ظليما شبّه به عدو فرسه. والحتّ: السريع. والشّري: الحنظل. وبرايته:
قوّته على ما يبريه من السّير. والسّواعد: مجاري مخّه في العظم وكذلك مجاري عروق الضّرع، يقال لها السّواعد.
قال: ونظنّ إنّما قيل لها ذلك لأنّ بعضها يسعد بعضا، كأنّه من التّعاون أو من المواساة.
قال: والزّمخريّ: الأجوف. ويقال: إنّ قصب عظم الظّليم لا مخّ له. وقال أبو النّجم:
هاو يظلّ المخّ في هوائه
وواحد السّواعد: ساعد.
وقال صاحب المنطق: ليس المخّ إلّا في المجوّفة، مثل عظم الأسد.
وفي بعض عظامه مخّ يسير. وكذلك المخّ قليل في عظام الخنازير، وليس في بعضها منه شيء البتّة.
ومن أعاجيبها أنّها مع عظم بيضها تكثّر عدد البيض، ثمّ تضع بيضها طولا، حتى لو مددت عليها خيطا لما وجدت لها منه خروجا عن الأخرى، تعطي كلّ بيضة من ذلك قسطه، ثمّ هي مع ذلك ربّما تركت بيضها وذهبت تلتمس الطّعام، فتجد بيض أخرى فتحضنه، وربّما حضنت هذه بيض تلك، وربّما ضاع البيض بينهما.
وأمّا عدد بيضها ورئالها فقد قال ذو الرّمّة:
أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعهأبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
وفي وضعها له طولا وعرضا على خطّ وسطر، يقول:
وما بيضات ذي لبد هجفّسقين بزاجل حتّى روينا
وضعن فكلّهنّ على غرارهجان اللّون لم تقرع جنينا
يبيت يحفهنّ بمرفقيهويلحفهنّ هفهافا ثخينا
وقال الآخر:
تهوي بها مكربات في مرافقهافتل صلاب مياسير معاجيل
يدا مهاة، ورجلا خاضب سنقكأنّه من جناه الشّري مخلول
هيق هجفّ وزفّانيّة مرطىزعراء، ريش جناحيها هراميل
كأنما منثنى أقماع ما هصرتمن العفاء بليتيها ثآليل
تروّحا من سنام العرق فالتبطاإلى القنان التي فيها المداحيل
إذا استهلّا بشؤبوب فقد فعلتبما أصابا من الأرض الأفاعيل
فصادفا البيض قد أبدت مناكبهامنها الرّئال، لها منها سرابيل
فنكّبا ينقفان البيض عن بشركأنها ورق البسباس مغسول
والشّعراء يشبّهون القدر الضّخمة التي تكون بمنزل العظيم وأشباهه من
الأجواد، بالنّعامة. قال الرّمّاح، ابن ميّادة:
وقلت لها لا تعجلي....كذلك تقري الشوك ما لم تردد
إلى جامع مثل النّعامة يلتقيعوازبه فوق
جامع: يعني القدر. وجعلها مثل النّعامة.
وقال ابن ميادة يمدح الوليد بن يزيد:
نتاج العشار المنقيات إذا شتتروابدها مثل النّعام العواطف
وقال الفرزدق:
وقدر كحيزوم النّعامة أحمشتبأجذال خشب زال عنها هشيمها
وضحك أبو كلدة حين أنشد شعر ابن النّطّاح، وهو قوله:
والذّئب يلعب بالنّعام الشّارد
قال: وكيف يلعب بالنّعام، والذّئب لا يعرض لبيض النّعام وفراخه حين لا يكونان حاضرين، أو يكون أحدهما، لأنّهما متى ناهضاه ركضه الذّكر فرماه إلى الأنثى، وأعجلته الأنثى فركضته ركضة تلقيه إلى الذّكر فلا يزالان كذلك حتى يقتلاه أو يعجزهما هربا، وإذا حاول ذلك منه أحدهما لم يقو عليه. قال: فكيف يقول:
والذّئب يلعب بالنّعام الشّارد
وهذه حاله مع النّعام؟!
وزعم أنّ نعامتين اعتورتا ذئبا فهزمتاه، وصعد شجرة، فجالدهما، فنقره أحدهما، فتناول الذّئب رأسه فقطعه، ثمّ نزل إلى الآخر فساوره فهزمه.
والظّليم يوصف بالجبن، ويوصف بالنّفار والتّوحّش وقال سهم بن حنظلة، في هجائه بني عامر:
إذا ما رأيت بني عامررأيت جفاء ونوكا كثيرا
نعام تجرّ بأعناقهاويمنعها نوكها أن تطيرا
والنّعامة تتخذها النّاس في الدّور، وضررها شديد، لأنّها ربّما رأت في أذن الجارية أو الصبيّة قرطا فيه حجر، أو حبّة لؤلؤ، فتخطفه لتأكله. فكم أذن قد خرقتها! وربّما رأت ذلك في لبّة الصبيّ أو الصبيّة، فتضربه بمنقارها، فربّما خرقت ذلك المكان.
وممّا يشبّه به الفرس ممّا في الظليم، قول امرئ القيس بن حجر:
وخدّ أسيل كالمسنّ وبركةكجؤجؤ هيق دفّه قد تموّرا
وقال عقبة بن سابق:
وله بركة كجؤجؤ هيقولبان مضرّج بالخضاب
وقال أبو داؤد الإيادي:
يمشي كمشي نعامتين يتابعان أشقّ شاخص
وقال آخر:
كأنّ حماته كردوس فحلمقلّصة على ساقي ظليم
وقال أبو داؤد الإياديّ:
كالسّيد ما استقبلته وإذاولّى تقول ململم ضرب
لأم إذا استقبلته ومشىمتتابعا ما خانه عقب
يمشي كمشي نعامة تبعتأخرى إذا ما راعها خطب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع