تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب من ضرب المثل للرّجل الداهية وللحيّ الممتنع بالحيّة

قال ذو الإصبع العدوانيّ:

عذير الحيّ من عدوان كانوا حيّة الأرض
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
بغى بعضهم ظلمافلم يرع على بعض
وفيهم كانت السّادات والموفون بالقرض

يقال: «فلان حيّة الوادي»، و: «ما هو إلّا صلّ أصلال». والصّلّ: الداهية والحيّة. قال النّابغة:

ماذا رزئنا به من حيّة ذكرنضناضة بالرّزايا، صلّ أصلال
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «ماذا رزئنا به من حية ذكر»

وقال آخر:

صلّ صفا تنطف أنيابهسمام ذيفان مجيرات

وقال آخر:

مطرق يرشح سمّا، كماأطرق أفعى ينفث السمّ صلّ
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة

ومن أمثالهم: «صمّي صمام»، و: «صمّي ابنة الجبل»، وهي الحيّة.

قال الكميت:

إذا لقي السّفير لها ونادىبها: صمّي ابنة الجبل، السّفير

ومن أمثالهم: «جاء بأمّ الرّبيق على أريق»، أمّ الرّبيق: إحدى الحيات. وأريق:

أمّ الطّبق. ضربوا به مثلا في الدواهي. وأصلها من الحيّات قال:

إذا وجدت بواد حيّة ذكرافاذهب ودعني أمارس حية الوادي

وفي المثل: «أدرك القويّمة لا تأكلها الهويّمة» يعني الصبي الذي يدرج ويتناول كلّ شيء سنح له، ويهوي به إلى فيه. كأنه قال لأمّه: أدركيه لا تأكله الهامّة! وهي الحيّة. وهو قوله في التعويذ: «ومن كلّ شيطان وهامّة، ونفس وعين لامّة».

وقال الأخطل، في جعلهم الرّجل الشّجاع وذا الرّأي الدّاهية حية- وكذلك يجعلون إذا أرادوا تعظيم شأنها. وإذا أرادوا ذلك فما أكثر ما يجعلون الحيّة ذكرا. قال الأخطل:

أنبئت كلبا تمنّى أن يسافهناوطالما سافهونا ثمّ ما ظفروا
كلفتمونا رجالا قاطعي قرنمستلحقين كما يستلحق اليسر
ليست عليهم إذا عدّت خصالهمخصل وليس لهم إيجاب ما قمروا
قد أنذروا حيّة في رأس هضبتهوقد أتتهم به الأنباء والنذر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «نبئت كلبا تمنى أن تسافهنا»
باتوا رقودا على الأمهاد ليلهموليلهم ساهر فيها، وما شعروا
ثمّت قالوا أمات الماء حيّتهوما يكاد ينام الحية الذّكر

وما أكثر ما يذكرون حيّة الماء؛ لأنّ حيّات الماء فيها تفاوت. إمّا أن تكون لا تضرّ كبير ضرر، وإمّا أن تكون أقتل من الحيّات والأفاعي.

ويقال إنّ الهنديّات إنّما تصير في البيوت والدّور، والإصطبلات، والخرابات؛ لأنّها تحمل في القضب وفي أشباه ذلك.

والحيّات تأكل الجراد أكلا شديدا، فربّما فتح رأس كرزه وجرابه وجوالقه، الذي يأتي الجراد، وقد ضربه برد السّحر، وقد تراكم بعضه على بعض؛ لأنّها موصوفة بالصّرد.

والحيّات توصف بالصّرد، كذلك الحمير، والماعز من الغنم. ولذلك قال الشاعر:

بليت كما يبلى الوكاء ولا أرىجنابا ولا أكناف ذروة تخلق
ألوّي حيازيمي بهنّ صبابةكما تتلوّى الحيّة المتشرّق

وإنما تشرّق إذا أدركها برد السّحر ولم تصر بعد إلى صلاحها، وإذا خرجت بالليل تكتسب الطعم كما يفعل ذلك سائر السّباع. فربما اجترف صاحب الكرز الجراد، فأدخله كرزه، وفيه الأفعى وأسود سالخ، حتى ينقل ذلك إلى الدّور، فرّبما لقى النّاس منها جهدا.

وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج:

يا عجبا والدّهر ذو عجائبمن شاهد وقلبه كالغائب
للشاعر بشر بن المعتمر، اقرأ القصيدة
وحاطب يحطب في بجادهفي ظلمة الليل وفي سواده
للشاعر بشر بن المعتمر، اقرأ القصيدة
يحطب في بجاده الأيم الذكروالأسود السّالخ مكروه النّظر
للشاعر بشر بن المعتمر، اقرأ القصيدة

فممن ذكر حيّة الماء، عبد الله بن همّام السلوليّ فقال:

كحيّة الماء لا تنحاش من أحدصلب المراس إذا ما حلّت النّطق

وقال الشّمّاخ بن ضرار:

خوص العيون تبارى في أزمّتهاإذا تفصّدن من حرّ الصّياخيد
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «طالَ الثواءُ على رسمٍ بيمؤودِ»
وكلّهن تباري ثني مطّردكحية الماء ولّى غير مطرود

وقال الأخطل:

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبتفدل عليها صوتها حيّة البحر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

وقال أيضا:

هلمّ ابن صفّار فإنّ قتالناجهارا وما منّا ملاوذة العذر
فإنّك في قيس لتال مذبذبوغيرك منهم ذو الثّناء وذو الفخر
ونحن منعنا ماء دجلة منكمونمنع ما بين العراق إلى البشر
ألا يا ابن صفّار فلا ترم العلىولا تذكرن حيّات قومك في الشّعر
فما تركت حيّاتنا لك حيّةتحرّك في أرض براح ولا بحر

وقال نفيع يعيّره بالكحيل:

فإن تك قتلاكم بدجلة غرّقتفما أشبهت قتلى حنين ولا بدر
ثووا إذ لقونا بالكحيل كما ثوىشمام إلى يوم القيامة والحشر
بدجلة حالت حربنا دون قومناوأوطاننا ما بين دجلة فالحضر
ولو كنتم حيّات بحر لكنتمغداة الكحيل إذ تقومون في الغمر

فالأيم الحيّة الذكر يشبهون به الزّمام، وربّما شبّهوا الجارية المجدولة الخميصة

الخواصر، في مشيها، بالأيم؛ لأنّ الحيّة الذّكر ليس له غبب، وموضع بطنه مجدول غير متراخ. وقال ابن ميّادة:

قعدت على السّعلاة تنفض مسحهاوتجذب مثل الأيم في بلد قفر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
تيمّم خير النّاس من آل حاضروتحمل حاجات تضمّنها صدري

وقال الآخر في حمرة عين الأفعى:

لولا الهراوة والكفّات أوردنيحوض المنيّة قتّال لمن علقا
أصمّ منهرت الشّدقين ملتبدلم يغذ إلّا المنايا من لدن خلقا
كأنّ عينيه مسماران من ذهبجلاهما مدوس التّألاق فائتلقا

وقال في حمرة عيون النّاس في الحرب وفي الغضب، ابن ميّادة:

وعند الفزاري العراقي عارضكأنّ عيون القوم في نبضة الجمر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وفي حمرة العين من جهة الخلقة، يقول أبو قردودة، في ابن عمار حين قتله النّعمان:

إنّي نهيت ابن عمّار وقلت له:لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إنّ الملوك متى تنزل بساحتهمتطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمتومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره

وأكثر ما يذكرون من الحيات بأسمائها دون صفاتها: الأفعى، والأسود، والشجاع، والأرقم. قال عمر بن لجأ:

يلزق بالصّخر لزوق الأرقم

وقال آخر:

ورفّع أولى القوم وقع خرادلووقع نبال مثل وقع الأساود

وفي بعض كتب الأنبياء، أنّ الله ﵎ قال لبني إسرائيل: «يا أولاد الأفاعي».

ويقال: «رماه الله بأفعى حارية» وهي التي تحري، وكلما كبرت في السن صغرت في الجسم. وأنشد الأصمعيّ في شدّة اسوداد أسود سالخ:

مهرّت الأشداق عود قد كملكأنما قيّظ من ليط جعل

وقال جرير في صفة عروق بطن الشّبعان:

وأعور من نبهان أمّا نهارهفأعمى، وأمّا ليله فبصير
للشاعر جرير، من قصيدة «عفا ذو حمام بعدنا وحفير»
رفعت له مشبوبة يلتوي بهايكاد سناها في السماء يطير
فلما استوى جنباه لاعب ظلّهعريض أفاعي الحالبين ضرير

قال: ويقال: «أبصر من حيّة»، كما يقال: «أسمع من فرس»، و «أسمع من عقاب». وقال الراجز:

أسمع من فرخ العقاب الأشجع

وقال آخر:

أسود شرى لاقت أسود خفيّةتساقوا على حرد دماء الأساود
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

ضرب المثل بجنسين من الأسود، إذ كانا عنده الغاية في الشدّة والهول، فلم يقنع بذلك حتى ردّ ذلك كلّه إلى سموم الحيّات.

وفي هول منظر الأسود يقول الشاعر:

من دون سيبك لون ليل مظلموحفيف نافجة وكلب موسد
والضّيف عندك مثل أسود سالخلا بل أحبّهما إليك الأسود

ويصفون ذوائب الناس، فإذا بلغوا الغاية شبهوها بالأساود. قال جران العود:

ألا لا تغرّنّ امرأ نوفليّةعلى الرّأس منها، والترائب وضّح
ولا فاحم يسقى الدّهان كأنّهأساود يزهاها لعينك أبطح
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة

قال: والخرشاء: القشرة الغليظة بعد أن تنقب فيخرج ما فيها، وجماعه الخراشيّ، غير مهموز. قال: وخرشاء الحيّة: سلخها حين تسلخ. وقال: هذا أسود سالخ، وهذان أسودان سالخان، وأساود سالخة. وقال مرقّش:

إن يغضبوا يغضب لذاكم كماينسلّ عن خرشائه الأرقم

وكانوا يرون أنّ تعليق الحلي، وخشخشة الخلاخيل على السّليم، ممّا لا يفيق ولا يبرأ إلّا به. وقال زيد الخيل:

أيم يكون النعل منه ضجيعةكما علّقت فوق السليم الخلاخل

وخبّرني خالد بن عقبة، من بني سلمة بن الأكوع، وهو من بني المسبع، أنّ رجلا من حزن، من بني عذرة، يسمّى أسباط، قال في تعليقهم الحلي على السّليم:

أرقت فلم تطعم لي العين مهجعاوبتّ كما بات السليم مقرّعا
كأني سليم ناله كلم حيّةترى حوله حلي النّساء مرصّعا

وقال الذّبيانيّ:

فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلةمن الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»
يسهّد من ليل التّمام سليمهالحلي النّساء في يديه قعاقع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

قال: ويقال لسان طلق ذلق. يقال للسليم إذا لدغ: قد طلّق، وذلك حين ترجع إليه نفسه. وهو قول النابغة:

تناذرها الرّاقون من سوء سمّهاتطلّقه طورا وطورا تراجع
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «عفا ذو حساً من فرتنى فالفوارع»

وقال العبدي - إن كان قاله-:

تبيت الهموم الطّارقات يعدننيكما تعتري الأهوال رأس المطلّق
للشاعر الممزق العبدي، من قصيدة «أرقت فلم تخدع بعيني وسنة»

وأنشد:

تلاقي من تذكّر آل ليلىكما يلقى السّليم من العداد

والعداد: الوقت. يقال: إنّ تلك اللّسعة لتعادّه: إذا عاده الوجع في الوقت الذي لسع فيه.

وذكر النبيّ ﷺ السّمّ الذي كان في الحمل المصليّ، الذي كانت اليهوديّة قدّمته إليه فنال منه، فقال: «إنّ تلك الأكلة لتعادّني».

وفي الحيّة قشرها، وهو أحسن من كلّ ورقة وثوب، وجناح، وطائر؛ وأعجب من ستر العنكبوت، وغرقئ البيض.

ويقال في مثل، إذا مدحوا الخفّ اللّطيف، والقدم اللّطيفة قالوا: كأنّه لسان حيّة.

وبالحيّة يتداوى من سمّ الحيّة. وللدغ الأفاعي يؤخذ التّرياق الذي لا يوجد إلّا بمتون الأفاعي. قال كثيّر:

وما زالت رقاك تسلّ ضغنيوتخرج من مكامنها ضبابي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
وترقيني لك الحاوون حتّىأجابك حيّة تحت الحجاب

جويبر بن إسماعيل، عن عمّه، قال: حججت فإنّا لفي وقعة مع قوم نزلوا منزلنا، ومعنا امرأة، فنامت فانتبهت وحيّة منطوية عليها، قد جمعت رأسها مع ذنبها بين ثدييها، فهالها ذلك وأزعجنا، فلم تزل منطوية عليها لا تضرّها بشيء، حتّى دخلنا أنصاب الحرم، فانسابت فدخلت مكّة، فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتّى إذ كنّا بالمكان الذي انطوت عليها فيه الحيّة، وهو المنزل الذي نزلناه، نزلت فنامت واستيقظت، فإذا الحيّة منطوية عليها، ثمّ صفرت الحيّة فإذا الوادي يسيل حيّات عليها، فنهشتها حتّى نقت عظامها، فقلت لجارية كانت لها: ويحك: أخبرينا عن هذه المرأة. قالت: بغت ثلاث مرّات، كلّ مرّة تأتي بولد، فإذا وضعته سجرت التّنّور، ثمّ ألقته فيه.

قال ونظرت امرأة إلى عليّ، والزّبير، وطلحة، رضي الله تعالى عنهم، وقد اختلفت أعناق دوابّهم حين التقوا، فقالت: من هذا الذي كأنه أرقم يتلمّظ؟ قيل لها: الزّبير. قالت: فمن هذا الذي كأنّه كسر ثمّ جبر؟ قيل لها: عليّ. قالت: فمن هذا الذي كأنّ وجهه دينار هرقليّ؟ قيل لها: طلحة.

وقال أبو زيد: نهشت أنهش نهشا. والنّهش: هو تناولك الشّيء بفيك، فتمضغه فتؤثّر فيه ولا تجرحه. وكذلك نهش الحيّة. وأمّا نهش السّبع فتناوله من الدّابّة بفيه، ثمّ يقطع ما أخذ منه فوه. ويقال نهشت اللحم أنهشه نهشا، وهو انتزاع اللّحم بالثّنايا؛ للأكل. ويقال نشطت العقد نشطا: إذا عقدته بأنشوطة. ونشطت الإبل تنشط نشطا: إذا ذهبت على هدى أو غير هدى، نزعا أو غير نزع. ونشطته الحيّة فهي تنشطه نشطا، وهو أن تعضّه عضّا. ونكزته الحيّة تنكزه نكزا، وهو طعنها الإنسان بأنفها. فالنّكز من كلّ دابّة سوى الحيّة العضّ. ويقال: نشطته شعوب نشطا وهي المنيّة.

قال: وتقول العرب. نشطته الشّعوب، فتدخل عليها التعريف.

ويسمون النهيش سليما على الطيرة. قال ابن ميّادة:

كأنّي بها لما عرفت رسومهاقتيل لدى أيدي الرّقاة سليم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وممّا يضربون به المثل بالحيّات في دواهي الأمر، كقول الأقيبل القينيّ:

لقد علمت وخير القول أنفعهأنّ انطلاقي إلى الحجّاج تغرير
لئن ذهبت إلى الحجّاج يقتلنيإنّي لأحمق من تحدى به العير
مستحقبا صحفا تدمى طوابعهاوفي الصّحائف حيّات مناكير
للشاعر الأُقَيْبل بن شِهاب، اقرأ القصيدة

وقال الأصمعيّ: يقال للحيّة الذّكر أيّم وأيم، مثقّل ومخفف، نحو ليّن ولين، وهيّن وهين. قال الشاعر:

هينون لينون أيسار ذوو يسرسوّاس مكرمة أبناء أيسار
للشاعر عبيد بن العرندس الكلابي، اقرأ القصيدة

وأنشد في تخفيف الأيم وتشديده:

ولقد وردت الماء لم تشرب بهزمن الرّبيع إلى شهور الصّيّف
إلّا عواسر كالمراط معيدةباللّيل مورد أيّم متغضّف

الصّيّف، يعني مطر الصّيف. والعواسر: يعني ذئابا رافعة أذنابها.

والمراط: السهام التي قد تمرّط ريشها. ومعيدة: يعني معاودة للورد. يقول هو مكان لخلائه يكون فيه الحيّات، وترده الذّئاب. ومتغضّف يريد بعضه على بعض، يريد تثني الحيّة.

وأنشد لابن هند:

أودى بأمّ سليمى لاطئ لبدكحيّة منطو من بين أحجار

وقال محمد بن سعيد:

قريحة لم تدنّيها السّياط ولمتورد عراكا ولم تعصر على كدر
كمنطوى الحيّة النّضناض مكمنهافي الصّدر ما لم يهيّجها على زور
الليث للّيث منسوب أظافرهوالحيّة الصّلّ نجل الحيّة الذّكر

وقال ذو الرّمّة:

وأحوى كأيم الضّال أطرق بعدماحبا تحت فينان من الظّلّ وارف
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أللأربع الدهم اللواتي كأنها»

قال: ويقال انبسّت الحيّات: إذا تفرّقت وكثرت. وذلك عند إقبال الصّيف. قال أبو النّجم:

وانبس حيّات الكثيب الأهيل

وقال الطّرمّاح:

وتجرّد الأسروع واطّرد السّفاوجرت بجاليها الحداب القردد
وانساب حيّات الكثيب وأقبلتورق الفراش لما يشبّ الموقد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

قال: ويقال جبأ عليه الأسود من حجره: إذا فاجأه. وهو يجبأ جبأ وجبوا.

وقال رجل من بني شيبان:

وما أنا من ريب المنون بجبّإوما أنا من سيب الإله بيائس

قال: ويقال: اللّبن محتضر فغطّ إناءك. كأنّهم يرون أنّ الجنّ تشرع فيه، على

تصديق الحديث في قول المفقود لعمر، حين سأله وقد استهوته الجانّ: ما كان طعامهم؟ قال الرّمّة. يريد العظم البالي. قال: فما شرابهم؟ قال: الجدف. قال: وهو كلّ شراب لا يخمّر.

وتقول الأعراب: ليس ذلك إلّا في اللّبن. وأمّا النّاس فيذهبون إلى أنّ الحيّات تشرع في اللّبن، وكذلك سامّ أبرص، كذلك الحيّات تشرع في كثير من المرق.

وجاء في الحديث: «لا تبيتوا في المعصفر؛ فإنها محتضرة» أي يحضرها الجنّ والعمّار.

وقال الشاعر فيما يمجنون به، من ذكر الأفعى:

رماك الله من أير بأفعىولا عافاك من جهد البلاء
أجبنا في الكريهة حين تلقىونعظا ما تفتّر في الخلاء!!
فلولا الله ما أمسى رفيقيولولا البول عوجل بالخصاء

وقال أبو النّجم:

نظرت فأعجبها الذي في درعهامن حسنها ونظرت في سرباليا
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
فرأت لها كفلا ينوء بخصرهاوعثا روادفه وأخثم ناتيا
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
ورأيت منتشر العجان مقبّضارخوا حمائله وجلدا باليا
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
أدني له الرّكب الحليق كأنّماأدني إليه عقاربا وأفاعيا
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

مريضة أثناء التّهادي كأنّماتخاف على أحشائها أن تقطّعا
تسيب انسياب الأيم أخصره النّدىيرفّع من أطرافه ما ترفّعا

وقال إياس بن الأرتّ:

كأنّ مرعى أمّكم سوءةعقربة يكومها عقربان
إكليلها زول وفي شولهاوخز حديد مثل وخز السنان
كلّ امرئ قد يتّقى مقبلاوأمّكم قد تتّقى بالعجان

وقال آخر لمضيفه:

تبيت تدهده القذّان حوليكأنّك عند رأسي عقربان
فلو أطعمتني حملا سميناشكرتك؛ والطّعام له مكان

وقال النّابغة:

فلو يستطيعون دبّت لنامذاكي الأفاعي وأطفالها

وقال رجل من قريش:

ما زال أمر ولاة السّوء منتشراحتّى أظلّ عليهم حيّة ذكر
ذو مرّة تفرق الحيّات صولتهعفّ الشّمائل قد شدّت له المرر
لم يأتهم خبر عنه يلين لهحتّى أتاهم به عن نفسه الخبر

وقال بشار:

تزلّ القوافي عن لساني كأنّهاحمات الأفاعي ريقهنّ قضاء
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أجارتنا ما بالهوان خفاء»

وقال:

فكم من أخ قد كان يأمل نفعكمشجاع له ناب حديد ومخلب
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «تزل القوافي عن لساني كأنها»
أخ لو شكرتم فعله لو عضضتمرؤوس الأفاعي عضّ لا يتهيّب

وقال الحارث دعيّ الوليد، في ذكر الأسود بالسمّ من بين الحيّات:

فإن أنت أقررت الغداة بنسبتيعرفت وإلّا كنت فقعا بقردد
ويشمت أعداء ويجذل كاشحعمرت لهم سمّا على رأس أسود

وقال آخر:

ومعشر منقع لي في صدورهمسمّ الأساود يغلي في المواعيد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا رام قومي اصبحينا غير تصريد»
وسمتهم بالقوافي فوق أعينهموسم المعيديّ أعناق المقاحيد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «يا رام قومي اصبحينا غير تصريد»

وقال أبو الأسود:

ليتك آذنتني بواحدةجعلتها منك آخر الأبد
تحلف ألّا تبرّني أبدافإنّ فيها بردا على كبدي
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ليتك آذنتني بواحدة»
إن كان رزقي إليك فارم بهفي ناظري حيّة على رصد
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ليتك آذنتني بواحدة»

وقال أبو السّفّاح يرثي أخاه يحيى بن عميرة ويسمّيه بالشجاع:

يعدو فلا تكذب شدّاتهكما عدا اللّيث بوادي السّباع
يجمع عزما وأناة معاثمّت ينباع انبياع الشجاع

وقال المتلمّس:

فأطرق إطراق الشجاع، ولو يرىمساغا لنابيه الشّجاع لصمّما
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يعيرني أمي رجال لا أرى»

وقال معمر بن لقيط أو ابن ذي القروح:

شموس يظلّ القوم معتصما بهوإن كان ذا حزم من القوم عاديا
أبيت كما بات الشجاع إلى الذّرىوأغدو على همّي وإن بتّ طاويا
وإنّي أهضّ الضّيم منّي بصارمرهيف وشيخ ماجد قد بنى ليا

وهكذا صفة الأفعى؛ لأنها أبدا نابتة مستوية، فإن أنكرت شيئا فنشطتها كالبرق الخاطف.

ووصف آخر أفعى، فقال:

وقد أراني بطويّ الحسّوذات قرنين طحون الضّرس
نضناضة مثل انثناء المرستدير عينا كشهاب القبس
لمّا التقينا بمضيق شكسحتى قنصت قرنها بخمس

وهم يتهاجون بأكل الأفاعي والحيّات. قال الشاعر:

فإياكم والرّيف لا تقربنّهفإن لديه الموت والحتم قاضيا
هم طردوكم عن بلاد أبيكموأنتم حلول تشتوون الأفاعيا

وقال عمر بن أبي ربيعة:

ولمّا فقدت الصّوت منهم وأطفئتمصابيح شبّت بالعشاء وأنؤر
وغاب قمير كنت أرجو مغيبهوروّح رعيان وهوّم سمّر
ونفّضت عنّي اللّيل أقبلت مشية الحباب، وركني خيفة القوم أزور

وضرب كلثوم بن عمرو، المثل بسمّ الأساود، فقال:

تلوم على ترك الغنى باهليّةطوى الدّهر عنها كلّ طرف وتالد
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
رأت حولها النّسوان يرفلن في الكسامقلّدة أجيادها بالقلائد
يسرّك أنّي نلت ما نال جعفرمن الملك، أو ما نال يحيى بن خالد
وأنّ أمير المؤمنين أعضّنيمعضّهما بالمرهفات البوارد!
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
ذريني تجئني ميتتي مطمئنّةولم أتقحّم هول تلك الموارد
للشاعر العتابي، اقرأ القصيدة
فإن كريمات المعالي مشوبةبمستودعات في بطون الأساود

وفي التشنيع لحيّات الجبل، يقول اللّعين المنقريّ، لرؤبة بن العجّاج:

إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفنييا رؤب، والحيّة الصّماء في الجبل
للشاعر اللعين المنقري، من قصيدة «إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني»
أبا الأراجيز يا ابن اللؤم توعدنيوفي الأراجيز جلب اللؤم والكسل
للشاعر اللعين المنقري، من قصيدة «إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني»

الأصمعيّ، قال: حدّثني ابن أبي طرفة. قال مرّ قوم حجّاج من أهل اليمن مع المساء، برجل من هذيل، يقال له أبو خراش، فسألوه القرى، فقال لهم: هذه قدر، وهذه مسقاة، وبذلك الشّعب ماء! فقالوا: ما وفّيتنا حقّ قرانا! فأخذ القربة فتقلّدها يسقيهم، فنهشته حيّة.

قال أبو إسحاق: بلغني وأنا حدث، أن النبي ﷺ «نهى عن اختناث فم القربة، والشرب منه». قال: فكنت أقول إنّ لهذا الحديث لشأنا، وما في الشرب من فم قربة حتّى يجيء فيها هذا النهي؟! حتّى قيل: إنّ رجلا شرب من فم قربة، فوكعته حيّة فمات، وإنّ الحيّات تدخل في أفواه القرب، فعلمت أنّ كلّ شيء لا أعرف تأويله من الحديث، أنّ له مذهبا وإن جهلته.

وقال الشاعر في سلخ الحيّة:

حتّى إذا تابع بين سلخينوعاد كالميسم أحماه القين
أقبل وهو واثق بثنتين:بسمّه الرّأس ونهش الرّجلين

قال: كأنه ذهب إلى أنّ سمّه لا يكون قاتلا مجهزا حتّى تأتي عليه سنتان.

وزعم بعضهم أنّ السّلخ للحيّة مثل البزول والقروح للخف والحافر. قال: وليس ينسلخ إلّا بعد سنين كثيرة، ولم يقفوا من السّنين على حدّ.

وزعم بعضهم أنّ الحيّة تسلخ في كلّ عام مرّتين، والسلخ في الحيات كالتّحسير من الطير، وأنّ الطير لا تجتمع قويّة إلّا بعد التحسير وتمام نبات الرّيش.

وكذلك الحيّة، تضعف في أيام السّلخ ثمّ تشتدّ بعد.

قال الأصمعيّ: أخبرني أبو رفاعة، شيخ من أهل البادية، قال: رأيت في المنام كأني أتخطّى حيّات. فمطرت السماء، فجعلت أتخطى سيولا.

وحكى الأصمعيّ أنّ رجلا رأى في المنام في بيوته حيّات، فسأل عن ذلك ابن سيرين أو غيره، فقال: هذا رجل يدخل منزله أعداء المسلمين. وكانت الخوارج تجتمع في بيته.

قال العرجيّ، في دبيب السمّ في المنهوش:

وأشرب جلدي حبّها ومشى بهكمشي حميّا الكأس في جلد شارب
للشاعر العرجي، من قصيدة «تأوبني طيف بعيد التأوب»
يدبّ هواها في عظامي وحبها،كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب
للشاعر العرجي، من قصيدة «تأوبني طيف بعيد التأوب»

وقال العرجيّ في العرماء من الأفاعي، وكونها في صدوع الصّخر، فقال:

تأتي بليل ذو سعاة فسلّهابها حافظ هاد ولم أرق سلما
كمثل شهاب النّار في كفّ قابسإذا الرّيح هبت من مكان تضرّما
أبرّ على الحوّاء حتى تناذرواحماه محاماة من الناس، فاحتمى
يظلّ مشيحا سامعا، ثمّ إنهاإذا بعثت لم تأل إلّا تقدّما

قال: ويقال: تطوّت الحيّة. وأنشد العرجيّ:

ذكرتني إذ حيّة قد تطوّتفرقا عند عرسه في الثياب

وقال الشّماخ، أو البعيث:

وأطرق إطراق الشجاع وقد جرىعلى حدّ نابيه الذّعاف المسمّم
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «وأطرق إطراق الشجاع وقد جرى»

والأجناس التي تذكر بالنّباح: الكلب، والحيّة، والظّبي إذا أسنّ، والهدهد.

وقد كتبنا ذلك مرة ثمّ.

قال أبو النّجم:

والأسد قد تسمع من زئيرهاوباتت الأفعى على محفورها
تأسيرها يحتكّ في تأسيرهامرّ الرّحى تجري على شعيرها
كرعدة الجراء أو هديرهاتضرّم القصباء في تنّورها
توقّر النّفس على توقيرهاتعلّم الأشياء في تنقيرها

في عاجل النفس وفي تأخيرها

وسنذكر مسألة وجوابها. وذلك أنّ ناسا زعموا أنّ جميع الحيوان على أربعة أقسام. شيء يطير، وشيء يمشي، وشيء يعوم، وشيء ينساح.

وقد قال الله ﷿: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ، يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ

وقد وضع الكلام على قسمة أجناس الحيوان، وعلى تصنيف ضروب الخلق، ثمّ قصّر عن الشيء الذي وضع عليه كلامه، فلم يذكر ما يطير وما يعوم، ثمّ جعل ما ينساح، مثل الحيّات والدّيدان، ممّا يمشي؛ والمشي لا يكون إلّا برجل، كما أنّ العضّ لا يكون إلا بفم، والرّمح لا يكون إلّا بحافر؛ وذكر ما يمشي على أربع، وهاهنا

دوابّ كثيرة تمشي على ثمان قوائم، وعلى ستّ، وعلى أكثر من ثمان. ومن تفقّد قوائم السّرطان وبنات وردان، وأصناف العناكب- عرف ذلك.

قلنا: قد أخطأتم في جميع هذا التّأويل وحدّه. فما الدّليل على أنّه وضع كلامه في استقصاء أصناف القوائم؟ وبأيّ حجة جزمتم على ذلك؟ وقد قال الله ﷿:

وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ

وترك ذكر الشّياطين والنّار لهم آكل، وعذابهم بها أشدّ. فترك ذكرهم من غير نسيان، وعلى أنّ ذلك معلوم عند المخاطب. وقد قال الله ﷿: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً

أخرج من هذا العموم عيسى ابن مريم، وقد قصد في مخرج هذا الكلام إلى جميع ولد آدم. وقال:

هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً

أدخل فيها آدم وحوّاء. ثمّ قال على صلة الكلام: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ

أخرج منها آدم وحوّاء وعيسى ابن مريم.

وحسن ذلك إذ كان الكلام لم يوضع على جميع ما تعرفه النّفوس من جهة استقصاء اللّفظ. فقوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ

كان على هذا المثال الذي ذكرنا. وعلى أنّ كلّ شيء يمشي على أربع فهو مما يمشي على رجلين، والذي يمشي على ثمان هو مما يمشي على أربع، وعلى رجلين وإذا قلت: لي على فلان عشرة آلاف درهم، فقد خبّرت أنّ لك عليه ما بين درهم إلى عشرة آلاف.

وأمّا قولكم: إنّ المشي لا يكون إلّا بالأرجل، فينبغي أيضا أن تقولوا فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى

: إنّ ذلك خطأ؛ لأنّ السّعي لا يكون إلّا بالأرجل.

وفي هذا الذي جهلتموه ضروب من الجواب:

- أمّا وجه منه: فهو قول القائل وقول الشّاعر: «ما هو إلّا كأنه حيّة» و: «كأنّ مشيته مشية حيّة» يصفون ذلك، ويذكرون عنده مشية الأيم والحباب، وذكور

الحيّات. ومن جعل للحيّات مشيا من الشعراء، أكثر من أن نقف عليهم. ولو كانوا لا يسمّون انسيابها وانسياحها مشيا وسعيا، لكان ذلك مما يجوز على التشبيه والبدل، وأن قام الشيء مقام الشيء أو مقام صاحبه؛ فمن عادة العرب أن تشبّه به في حالات كثيرة. وقال الله تعالى: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ

والعذاب لا يكون نزلا، ولكنّه أجراه مجرى كلامهم، كقول حاتم حين أمروه بفصد بعير، وطعنه في سنامه، وقال:

«هذا فصده!».

وقال الآخر:

فقلت يا عمرو اطعمنّي تمرافكان تمري كهرة وزبرا

وذمّ بعضهم الفأر، وذكر سوء أثرها في بيته، فقال:

يا عجّل الرّحمن بالعقابلعامرات البيت بالخراب

يقول: هذا هو عمارتها. كما يقول الرّجل، «ما نرى من خيرك ورفدك إلّا ما يبلغنا من حطبك علينا، وفتّك في أعضادنا!».

وقال النّابغة في شبيه بهذا، وليس به:

ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهمبهنّ فلول من قراع الكتائب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

- ووجه آخر: أنّ الأعراب تزعم- وكذلك قال ناس من الحوّائين والرّقائين- إنّ للحيّة حزوزا في بطنه، فإذا مشى قامت حزوزه، وإذا ترك المشي تراجعت إلى مكانها، وعادت تلك المواضع ملسا. ولم توجد بعين ولا لمس، ولا يبلغها إلّا كلّ حوّاء دقيق الحسّ.

وليس ذلك بأعجب من شقشقة الجمل العربيّ؛ فإنّه يظهرها كالدّلو، فإذا هو أعادها إلى لهاته تراجع ذلك الجلد إلى موضعه، فلا يقدر أحد عليه بلمس ولا عين.

وكذلك عروق الكلى إلى المثانة التي يجري فيها الحصى المتولّد في الكلية إذا قذفته تلك العروق إلى المثانة، فإذا بال الإنسان انضمّت العروق واتّصلت بأماكنها، والتحمت حتى كان موضعها كسائر ما جاوز تلك الأماكن.

- ووجه آخر: وهو أنّ هذا الكلام عربيّ فصيح؛ إذ كان الذي جاء به عربيّا فصيحا، ولو لم يكن قرآنا من عند الله ﵎، ثمّ كان كلام الذي جاء به، وكان ممّن يجهل اللّحن ولا يعرف مواضع الأسماء في لغته، لكان هذا- خاصّة- ممّا لا يجهله.

فلو أنّنا لم نجعل لمحمّد ﷺ، فضيلة في نبوّة، ولا مزيّة في البيان والفصاحة، لكنّا لا نجد بدّا من أن نعلم أنّه كواحد من الفصحاء. فهل يجوز عندكم أن يخطئ أحد منهم في مثل هذا في حديث، أو وصف أو خطبة، أو رسالة، فيزعم أن كذا وكذا يمشي أو يسعى أو يطير، وذلك الذي قال ليس من لغته ولا من لغة أهله؟! فمعلوم عند هذا الجواب، وعند ما قبله، أنّ تأويلكم هذا خطأ.

وقال الله ﷿: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ

وأصحاب الجنّة لا يوصفون بالشّغل، وإنما ذلك جواب لقول القائل: خبّرني عن أهل الجنّة، بأيّ شيء يتشاغلون؟ أم لهم فراغ أبدا؟ فيقول المجيب: لا، ما شغلهم إلّا في افتضاض الأبكار، وأكل فواكه الجنّة، وزيارة الإخوان على نجائب الياقوت! وهذا على مثال جواب عامر بن عبد قيس، حين قيل له وقد أقبل من جهة الحلبة، وهو بالشام: من سبق؟ قال: رسول الله ﷺ! قيل: فمن صلّى؟ قال: أبو بكر! قال: إنّما أسألك عن الخيل! قال: وأنا أجيبك عن الخير! وهو كقول المفسّر حين سئل عن قوله: لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا

فقال: ليس فيها بكرة وعشيّ. وقد صدق القرآن، وصدق المفسّر، ولم يتناكرا، ولم يتنافيا؛ لأنّ القرآن ذهب إلى المقادير، والمفسّر ذهب إلى الموجود، من دوران ذلك مع غروب الشّمس وطلوعها.

وعلى ذلك المعنى روي عن عمر أنّه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ، أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما».

قد كان المسلمون يتكلمون في الصّلاة ويطبّقون إذا ركعوا، فنهى عن ذلك إمام من الأئمّة، وضرب عليه، بعد أن أظهر النّسخ، وعرّفهم أن ذلك من المنسوخ، فكأنّ قائلا قال: أتنهانا عن شيء، وقد كان على عهد النبيّ ﷺ؟ فيقول: نعم. وقد قدّم الاحتجاج في النّاسخ والمنسوخ.

ومن العجب أنّ ناسا جعلوا هذا القول على المنبر من عيوبه. فإن لم يكن المعنى فيه على ما وصفنا، فما في الأرض أجهل من عمر حين يظهر الكفر في الإسلام على منبر الجماعة، وهو إنّما علاه بالإسلام. ثمّ في شيء ليس له حجّة فيه ولا علة. وأعجب منه تلك الأمّة، وتلك الجماعة التي لم تنكر تلك الكلمة في حياته، ولا بعد موته؛ ثمّ ترك ذلك جميع التّابعين وأتباع التّابعين، حتّى أفضى الأمر إلى أهل دهرنا هذا.

وتلك الجماعة هم الذين قتلوا عثمان على أن سيّر رجلا، وهذا لا يقوله إلّا جاهل أو معاند.

وعلى تأويل قوله: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ

قال: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ

وقال تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا، قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ

فجعل للنّار خزائن، وجعل لها خزنة، كما جعل في الجنّة خزائن وجعل لها خزنة.

ولو أنّ جهنّم فتحت أبوابها، ونحّي عنها الخزنة، ثمّ قيل لكلّ لصّ في الأرض، ولكلّ خائن في الأرض: دونك؛ فقد أبيحت لك! لما دنا منها، وقد جعل لها خزائن وخزنة. وإنّما هذا على مثال ما ذكرنا. وهذا كثير في كلام العرب.

والآي التي ذكرنا في صدق هذا الجواب، كلها حجج على الخوارج في إنكارهم المنزلة بين المنزلتين.

وقال خلف الأحمر في ذكر الحيّات:

يرون الموت دوني إن رأونيوصلّ صفا لنابيه ذباب
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
من المتحرّمات بكهف طودحرام ما يرام له جناب
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
أبى الحاوون أن يطؤوا حماهولا تسري بعقوته الذّئاب
كأنّ دما أمير على قراهوقطرانا أمير به كباب
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
إذا ما استجرس الأصوات أبدىلسانا دونه الموت الضباب
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
إذا ما الليل ألبسه دحاهسرى أصمى تصيح له الشّعاب

فقلت لحيّان بن عتبي: لم قال موسى بن جابر الحنفيّ:

طرد الأروى فما تقربهونفى الحيّات عن بيض الحجله
للشاعر موسى بن جابر الحنفي، من قصيدة «طَرَدَ الأرْوَى فما تقرَبُهُ»

قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. قلت: فلم قال خلف الأحمر:

ولا تسري بعقوته الذئاب؟

قال: لأنّ الذّئاب تأكل الحيّات. فظننت أنّه حدس ولم يقل بعلم.

وقال الزّياديّ في يحيى بن أبي حفصة:

إني ويحيى وما يبغي كملتمسصيدا وما نال منه الرّيّ والشّبعا
أهوى إلى باب جحر في مقدّمهمثل العسيب ترى في رأسه قزعا
اللّون أربد والأنياب شابكةعصل ترى السّمّ يجري بينها قطعا
يهوي إلى الصّوت والظلماء عاكفةتعرد السّيل لاقى الحيد فاطّلعا
لو نال كفّك آبت منه مخضبةبيضاء قد جللت أنيابها قزعا
بيعت بوكس قليل فاستقلّ بهامن الهزال أبوها بعد ما ركعا

فردّ عليه يحيى فقال:

كم حيّة ترهب الحيّات صولتهيحمى لريديه قد غادرته قطعا
يلقين حيّة قفّ ذا مساورةيسقى به القرن من كأس الرّدى جرعا
تكاد تسقط منهنّ الجلود؛ لمايعلمن منه إذا عاينّه، قزعا
أصمّ ما شمّ من خضراء أيبسهاأو مسّ من حجر أوهاه فانصدعا

وقال آخر:

وكم طوت من حنش راصدللسّفر في أعلى الثّنيّات
أصمّ أعمى لا يجيب الرّقىيفترّ عن عصل حديدات
منهرت الشدق رقود الضحىسار طمور في الدّجنّات
ذي هامة رقطاء مفطوحةمن الدّواهي الجبليّات
صلّ صفا، تنطف أنيابهسمام ذيفان مجيرات
مطلن في اللّحيين مطلا إلىرأس وأشداق رحيبات
قدّمن عن ضرسين واستأخراإلى سماخين ولهوات
يسبته الصّبح وطورا لهنفخ ونفث في المغارات
وتارة تحسبه ميّتامن طول إطراق وإخبات

وقال آخر، وهو جاهليّ:

لا همّ إن كان أبو عمرو ظلموخانني في علمه وقد علم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
فابعث له في بعض أعراض اللّمملميمة من حنش أعمى أصم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
أسمر زحّافا من الرّقط العرمقد عاش حتى هو لا يمشي بدم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
فكلّما أقصد منه الجوع شمحتى إذا أمسى أبو عمرو ولم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
يمسّ منه مضض ولا سقمقام وودّ بعدها أن لم يقم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
ولم يقم لإبل ولا غنمولا لخوف راعه ولا لهم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
حتّى دنا من رأس نضناض أصمفخاضه بين الشّراك والقدم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
بمذرب أخرجه من جوف كمكأنّ وخز نابه إذا انتظم
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة

وخزة إشفى في عطوف من أدم

ومخالب الأسد وأشباه الأسد من السّباع، تكون في غلف، إذا وطئت على بطون أكفها ترفّعت المخالب ودخلت في أكمام لها، وهو قول أبي زبيد:

بحجن كالمحاجن في فتوخيقيها فضّة الأرض الدّخيس

وكذلك أنياب الأفاعي، هي ما لم تعضّ فمصونة في أكمام، ألا تراه يقول:

فخاضه بين الشّراك والقدمبمذرب أخرجه من جوف كم

وقال آخر:

أنعت نضناضا كثير الصّقرمولده كمولد ابن الدّهر
كانا جميعا ولدا في شهريظلّ في مرأى بعيد القعر

بين حوافي سدر وصخر

وقال:

وكيف وقد أسهرت عينك تبتغيعنادا لنابي حيّة قد تربّدا
من الصّمّ يكفي مرّة من لعابهوما عاد إلّا كان في العود أحمدا

وقال خلف الأحمر- وهي مخلوطة فيها شيء، وله شيء، من الغبرة وما علمت أنّ وصف عين الأفعى على معرفة واختبار غيره- وهو قوله:

أفعى رخوف العين مطراق البكرداهية قد صغرت من الكبر
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
صلّ صفا ما ينطوي من القصرطويلة الإطراق من غير حسر
للشاعر خلف الأحمر، اقرأ القصيدة
كأنّما قد ذهبت به الفكرشقّت له العينان طولا في شتر
مهروتة الشدقين حولاء النظرجاء بها الطّوفان أيام زخر
كأنّ صوت جلدها إذا استدرّنشيش جمر عند طاه مقتدر

هشام بن عروة قال: أخبرني أبي أنّ عائشة أمّ المؤمنين ﵂ كانت تقتل الأوزاغ.

يحيى بن أبي أنيسة، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول للوزغ: فويسق».

قالت: «ولم أسمع رسول الله ﷺ أمر بقتله».

قال: قالت عائشة ﵂: «سمعت سعدا يقول: أمر رسول الله ﷺ بقتله».

عبد الرحمن بن زياد قال: أخبرني هشام عن عروة عن عائشة «أنّ رسول الله ﷺ قال للوزغ: الفويسق».

أبو بكر الهذليّ، عن معاذ عن عائشة قالت: «دخل رسول الله ﷺ عليّ وفي يدي عكّاز فيه زجّ، فقال: يا عائشة ما تصنعين بهذا؟ قلت: أقتل به الوزغ في بيتي. قال: إن تفعلي فإنّ الدّوابّ كلها، حين ألقي إبراهيم ﷺ في النّار، كانت تطفئ عنه، وإنّ هذا كان ينفخ عليه، فصمّ وبرص».

وهذه الأحاديث كلها يحتجّ بها أصحاب الجهالات، ومن زعم أنّ الأشياء كلها كانت ناطقة، وأنها أمم مجراها مجرى الناس.

وتأوّلوا قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ

، وقالوا: قال الله ﷿: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا

وقال تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ

وقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ

فذهبت الجهمية ومن أنكر إيجاد الطّبائع مذهبا، وذهب ابن حائط ومن لفّ لفّه من أصحاب الجهالات مذهبا، وذهب ناس من غير المتكلمين، واتّبعوا ظاهر الحديث وظاهر الأشعار، وزعموا أنّ الحجارة كانت تعقل وتنطق، وإنما سلبت المنطق فقط. فأمّا الطير والسّباع فعلى ما كانت عليه.

قالوا: والوطواط، والصّرد، والضفدع، مطيعات ومثابات والعقرب، والحيّة والحدأة، والغراب، والوزغ، والكلب، وأشباه ذلك، عاصيات معاقبات.

ولم أقف على واحد منهم فأقول له: إنّ الوزغة التي تقتلها على أنّها كانت تضرم النّار على إبراهيم أهي هذه أم هي من أولادها فمأخوذة هي بذنب غيرها؟ أم تزعم أنّه في المعلوم أن تكون تلك الوزغ لا تلد ولا تبيض ولا تفرخ إلّا من يدين بدينها، ويذهب مذهبها؟! وليس هؤلاء ممّن يفهم تأويل الأحاديث، وأيّ ضرب منها، يكون مردودا، وأيّ ضرب منها يكون متأوّلا، وأيّ ضرب منها يقال إنّ ذلك إنّما هو حكاية عن بعض القبائل.

ولذلك أقول: لولا مكان المتكلمين لهلكت العوامّ، واختطفت واسترقت، ولولا المعتزلة لهلك المتكلمون.

شريك عن التّخميّ، عن ليث، عن نافع، أنّ ابن عمر كان يقتل الوزغ في بيته ويقول هو شيطان! هشام بن حسّان، عن خالد الرّبعيّ، قال: لم يكن شيء من خشاش الأرض إلّا كان يطفئ النّار عن إبراهيم، إلّا الوزغ، فإنّه كان ينفخ عليه.

حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت القاسم بن محمّد يقول إنّ الأوازغ كانت يوم حرق بيت المقدس تنفخه والوطاوط بأجنحتها.

شريك عن النّخعيّ، عن جابر، عن ابن عباس، قال: الوزغ شريك الشيطان.

أبو داود الواسطيّ قال: أخبرنا أبو هاشم، قال: من قتل وزغة حطّ الله عنه سبعين خطيئة، ومن قتل سبعا كان كعتق رقبة.

هشام بن حسّان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عقيل، عن يحيى بن يعمر، قال: لأن أقتل مائة من الوزغ أحبّ إليّ من أن أعتق مائة رقبة.

وهذا الحديث ليس من شكل الأوّل، لأنّ يحيى بن يعمر لم يزعم أنّه يقتله لكفره أو لكفر أبيه، ولكنها دابّة تطاعم الحيّات وتزاقّها وتقاربها، وربّما قتلت بعضّتها، وتكرع في المرق واللّبن ثمّ تمجّه في الأناء فينال النّاس بذلك مكروه كبير، من حيث لا يعلمون. وقتله في سبيل قتل الحيّات والعقارب.

وأهل السّجن يعملون منها سموما أنفذ من سم البيش، ومن ريق الأفاعي، وذلك أنّهم يدخلون الوزغ قارورة، ثمّ يصبّون فيها من الزّيت ما يغمرها، ويضعونها في الشّمس أربعين يوما، حتّى تختلط بالزّيت وتصير شيئا واحدا، فإن مسح السّجين منه على رغيف مسحة يسيرة فأكل منه عشرة أنفس ماتوا. ولا أدري لم توخّوا من مواضع الدّفن عتب الأبواب.

يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بأربع ونهانا عن أربع، أمرنا أن نجيف أبوابنا، وأن نخمّر آنيتنا، وأن نوكي أسقيتنا، وأن نطفئ سرجنا. فإنّ الشّيطان إذا وجد بابا مجافا لم يفتحه، وإناء مخمّرا لم يكشفه، وسقاء موكى لم يحلّه. وإنّ الفويسقة تأتي المصباح فتضرمه على أهل البيت. ونهانا عن أربع: نهانا عن اشتمال الصّمّاء، وأن يمشي أحدنا في النّعل الواحدة أو الخفّ الواحد، وأن يحتبي الرّجل منّا في الثّوب الواحد ليس عليه غيره، وأن يستلقي أحدنا على ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى».

وهذا الحديث ليس هذا موضعه، وهو يقع في باب جملة القول في النّار، وهو يقع بعد هذا الذي يلي القول في النعام.

شعبة أبو بسطام، قال أخبرني أبو قيس، قال: جلست إلى علقمة بن قيس، وربيع بن خثيم فقال ربيع: قولوا وافعلوا خيرا تجزوا خيرا، وقال علقمة: من استطاع منكم ألّا يرى الحيّة، إلّا قتلها إلّا التي مثل الميل؛ فإنّها جانّ. وإنّه لا يضرّه قتل حيّة أو كافر.

إسماعيل المكي، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود:

من قتل حيّة فقتل كافرا.

ثم سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: من قتل حيّة أو عقربا قتل كافرا.

وهذا ممّا يتعلق به أصحاب ابن حائط، وتأويله في الحديث الآخر.

عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن، يقول: قال عبد الله: من قتل حيّة أو عقربا فكأنّما قتل كافرا. فعلى هذا المعنى يكون تأليف الحديث.

سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ».

سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قالت عائشة: «من ترك قتل حيّة مخافة أثآرها فعليه لعنة الله والملائكة».

الرّبيع بن صبيح عن عطاء الخراسانيّ قال: كان فيما أخذ على الحيّات ألّا يظهرن. فمن ظهر منهنّ حلّ قتله. وقتالهنّ كقتال الكفّار، ولا يترك قتلهنّ إلا شاكّ.

وهذا ممّا يتعلّق به أصحاب ابن حائط.

محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدّث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما سالمناهنّ مذ حاربناهنّ».

ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أخبرني أبو الطفيل أنّه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: «اقتلوا من الحيّات ذا الطفيتين، والكلب الأسود البهيم ذا الغرّتين».

قال: والغرّة: حوّة تكون بعينيه.

قال صاحب المنطق: الطير على ضربين: أوابد وقواطع، ومنه ما يأكل اللحم لا يأكل غيره وإن لم يكن ذا سلاح. فأمّا ذو السّلاح فواجب أن يكون طعامه اللّحم.

ومن الطّير ما يأكل الحبوب لا يعدوها، ومنه المشترك الطّباع، كالعصفور والدّجاج والغراب. فإنها تأكل النوعين جميعا، وكطير الماء، يأكل السّمك ويلقط الحبّ.

ومنه ما يأكل شيئا خاصّا، مثل جنس النّحل المعسّل الذي غذاؤه شيء واحد، وجنس العنكبوت، فإن طعم النحل المعسّل العسل، والعنكبوت يعيش من صيد الذباب.

ومن الحيوان ما له مسكن ومأوى، كالخلد، والفأر، والنّمل، والنّحل، والضّبّ. ومنه ما لا يتّخذ شيئا يرجع إليه كالحيّات لأنّ ذكورة الحيّات سيّارة، وإناثها إنّما تقيم في المكان إلى تمام خروج الفراخ من البيض، واستغناء الفراخ بأنفسها.

ومنها ما يكون يأوي إلى شقوق الصّخور والحيطان، والمداخل الضّيّقة، مثل سامّ أبرص.

قال: والحيّات تألفها كما تألف العقارب الخنافس. والعظايا تألف المزابل والخرابات. والوزغ قريبة من النّاس.

وزعم زرادشت أنّ العظايا ليست من ذوات السّموم، وأنّ سامّ أبرص من ذوات السّموم، وأنّ أهرمن لما قعد ليقسم السّموم. كان الحظ الأوفر لكلّ شيء سبق إلى طلبه، كالأفاعي، والثّعابين والجرّارات، وأنّ نصيب الوزغ نصيب وسط قصد، لا يكمل أن يقتل، ولكنّه يزاقّ الحيّة، فتميره ممّا عندها. ومتى دبر الوزغ جاء منه السمّ القاتل، أسرع من سمّ البيش، ومن لعاب الأفاعي، فأمّا العظاية فإنّها احتبست عن الطّلب حتى نفذ السمّ، وأخذ كلّ شيء قسطه، على قدر السّبق والبكور، فلما جاءت العظاية وقد فني السمّ، دخلها من الحسرة، وممّا علاها من الكرب، حتى جعلت وجهها إلى الخرابات والمزابل، فإذا رأيت العظاية تمشي مشيا

سريعا ثمّ تقف، فإنّ تلك الوقفة إنّما هي لما يعرض لها من التذكّر والحسرة على ما فاتها من نصيبها من السمّ.

ولا أعلم العظاية في هذا القياس إلّا أكثر شرورا من الوزغ؛ لأنها لولا إفراط طباعها في الشّرارة، لم يدخلها من قوّة الهمّ مثل الذي دخلها ولم يستبن للنّاس من اغتباط الوزغ بنصيبه من السمّ، بقدر ما استبان من ثكل العظاية، وتسلّلها وإحضارها وبكائها وحزنها، وأسفها على ما فاتها من السّمّ.

ويزعم زرادشت، وهو مذهب المجوس، أنّ الفأرة من خلق الله، وأنّ السّنّور من خلق الشّيطان، وهو إبليس، وهو أهرمن. فإذا قيل له: كيف تقول ذلك والفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت والقبائل الكثيرة، والمدن العظام، والأرباض الواسعة، بما فيها من النّاس والحيوان والأموال، وتقرض دفاتر العلم، وكتب الله، ودقائق الحساب، والصّكاك، والشّروط؛ وتقرض الثّياب، وربّما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللّحاف غربالا، وتقرض الجرب، وأوكية الأسقية والأزقاق والقرب فتخرج جميع ما فيها؛ وتقع في الآنية وفي البئر، فتموت فيه وتحوج النّاس إلى مؤن عظام؛ وربّما عضّت رجل النّائم، وربّما قتلت الإنسان بعضّتها. والفأر بخراسان ربّما قطعت أذن الرّجل. وجرذان أنطاكية تعجز عنها السّنانير، وقد جلا عنها قوم وكرهها آخرون لمكان جرذانها، وهي التي فجرت المسنّاة، حتى كان ذلك سبب الحسر بأرض سبأ؛ وهي المضروب بها المثل، وسيل العرم ممّا تؤرخ بزمانه العرب. والعرم: المسنّاة. وإنما كان جرذا.

وتقتل النّخل والفسيل، وتخرّب الضّيعة، وتأتي على أزمّة الركاب والخطم، وغير ذلك من الأموال.

والنّاس ربما اجتلبوا السّنانير ليدفعوا بها بوائق الفأر- فكيف صار خلق الضّارّ المفسد من الله، وخلق النّافع من الضّرر من خلق الشيطان؟! والسّنّور يعدى به على كلّ شيء خلقه الشّيطان من الحيّات، والعقارب، والجعلان، وبنات وردان، والفأرة لا نفع لها، ومؤنها عظيمة.

قال: لأنّ السّنّور لو بال في البحر لقتل عشرة آلاف سمكة! فهل سمعت بحجّة قطّ، أو بحيلة، أو بأضحوكة، أو بكلام ظهر على تلقيح هرة، يبلغ مؤن هذا الاعتلال؟! فالحمد لله الذي كان هذا مقدار عقولهم واختيارهم.

وأنشد أبو زيد:

والله لو كنت لهذا خالصالكنت عبدا آكل الأبارصا

يعني جماع سامّ أبرص: أبارص.

وسامّ أبرص ربّما قتل أكله، وليس يؤكل إلّا من الجوع الشّديد. وربما قتل السّنانير وبنات عرس، والشّاهمرك، وجميع اللّقاطات.

وقال آخر:

كأنّ القوم عشّوا لحم ضأنفهم نعجون قد مالت طلاهم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «كأن القوم عشوا لحم ضأن»

وهو شيء يعرض عن أكل دسم الضّأن، وهو أيضا يلقى على دسمه النّعاس.

وقد يفعل ذلك الحيق. والخشخاش.

والخشخاش يسمّى بالفارسيّة «أناركبو» وتأويله رمّان الخسّ. وإنما اشتقّ له ذلك إذ كان يورث النّعاس، كما يورثه الخس.

وأكل الطّعام الذي فيه سمان يورث الدّوار. وزعموا أنّ صبيّا من الأعراب فيما

مضى من الدّهر، صاد هامة على قبر، فظنها سمان، فأكلها فغثت نفسه، فقال:

نفسي تمقّس من سمانى الأقبر

ويقال: غثت نفسه غثيانا وغثيا، ولقست تلقس لقسا، وتمقّست تتمقّس تمقسا: إذا غثيت.

وأخبرني صباح بن خاقان، قال: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار فسألت عنهم، فقالوا: قد صادوا حيات فهم يشوونها ويأكلونها؛ إذ نظرت إلى رجل منهم ينهش حية قد أخرجها من الجمر، فرأيته إذا امتنعت عليه يمدّها كما يمدّ عصب لم ينضج. فما صرفت بصري عنه حتّى لبط به، فما لبث أن مات، فسألت عن شأنه، فقيل لي: عجّل عليها قبل أن تنضج وتعمل النّار في متنها.

وقد كان قد بغداد وفي البصرة جماعة من الحوّائين، يأكل أحدهم أيّ حيّة أشرت إليها في جونته، غير مشويّة. وربّما أخذ المرارة وسط راحته، فلطعها بلسانه، ويأكل عشرين عقربانة نيّة بدرهم. وأما المشويّ فإنّ ذلك عنده عرس.

وقال كثيّر:

وما زالت رقاك تسلّ ضغنيفتخرج من مكامنها ضبابي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
وترقيني لك الحاوون حتّىأجابت حيّة خلف الحجاب

وقال أبو عدنان، وذكر ابن ثروان الخارجيّ، حين كان صار إلى ظهر البصرة، وخرج إليه من خرج من بني نمير:

حسبت نميرا يا ابن ثروان كالألىلقيتهم بالأمس: ذهلا ويشكرا
كما ظنّ صيّاد العصافير أنّ فيجميع الكوى، جهلا، فراخا وأطيرا
فأدخل يوما كفّه جحر أسودفشرشره بالنّهش حتى تشرشرا

أراد قول رؤبة:

كنتم كمن أدخل في حجر يدافأخطأ افعى ولاقى الأسودا
لو مسّ حرفي حجر تقصّدابالشّمّ لا بالسمّ منه قصدا

فقدّم الأسود على الأفعى، وهذا لا يقوله من يعرف مقدار سمّ الحيات، وقال عنترة:

حلفنا لهم والخيل تردي بنا معانزايلكم حتّى تهرّوا العواليا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا قاتل الله الطلول البوالي»
عوالي سمر من رماح ردينةهرير الكلاب يتّقين الأفاعيا

وقال النبي ﷺ: «اتقوا ذا الطّفيتين والأبتر».

شبّه الخيطين على ظهره بخوص المقل. وأنشدت لأبي ذؤيب:

عفت غير نؤي الدّار لأيا أبينهوأقطاع طفي قد عفت في المعاقل

والطّفي: خوص المقل.

وهم يصفون بطن المرأة الهيفاء الخميصة البطن، ببطن الحيّة. وهي الأيم.

وقال العجّاج:

وبطن أيم وقواما عسلجا

وقال أدهم بن أبي الزّعراء، وشبّه نفسه بحيّة:

وما أسود بالبأس ترتاح نفسهإذا حلبة جاءت ويطرق للحسّ
به نقط حمر وسود كأنماتنضّح نضحا بالكحيل وبالورس
أصمّ قطاريّ يكون خروجهقبيل غروب الشّمس مختلط الدّمس
له منزل، أنف ابن قترة يغتذيبه السمّ، لم يظهر نهارا إلى الشّمس
يقيل إذا ما قال بين شواهقتزلّ العقاب عن نفانفها الملس
بأجرأ منّي يا ابنة القوم مقدماإذا الحرب دبّت أو لبست لها لبسي

فأجابه عنترة الطائي، فقال:

عساك تمنى من أراقم أرضنابأرقم يسقى السمّ من كلّ منطف

وقال عنترة:

أترجو حياة يا ابن بشر بن مسهروقد علقت رجلاك في ناب أسودا
أصمّ جباليّ إذا عضّ عضّةتزايل عنه جلده فتبدّدا
بسلع صفا لم يبد للشّمس قبلهاإذا ما رآه صاحب اليمّ أرعدا
له ربقة في عنقه من قميصهوسائره عن متنه قد تقدّدا
رقود ضحيّات، كأن لسانهإذا سمع الأجراس مكحال أرمدا
يفيت النّفوس قبل أن يقع الرّقىوإن أبرق الحاوي عليه وأرعدا

وقال آخر:

لا ينبت العشب في واد تكون بهولا يجاورها وحش ولا شجر
ربداء شابكة الأنياب ذابلةينبو، من اليبس، عن يافوخها الحجر
لو سرّحت بالنّدى ما مسّها بللولو تكنّفها الحاوون ما قدروا
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
قد حاوروها فما قام الرّقاة لهاوخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا
تقصر الورل العادي بضربتهانكزا، ويهرب عنها الحيّة الذّكر
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.