من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
القول فيما اشتقّ له من البيض اسم
قال العدبّس الكنانيّ: باضت البهمى: أي سقطت نصالها وباض الصّيف، وباض القيظ: اشتدّ الحرّ وخرج كلّ ما فيه- من ذلك.
وقال الأسديّ:
فجئنا وقد باض الكرى في عيوننافتى من عيوب المقرفين مسلّما
وقال أميّة بن أبي الصّلت:
ركبت بيضة البيات عليهملم يحسّوا منها سواها نذيرا
وقال الرّاعي، يهجو ابن الرّقاع:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكميا ابن الرّقاع، ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة لم تقبل لكم نسباوابنا نزار فأنتم بيضة البلد
وفي المديح قول عليّ بن أبي طالب ﵁: «أنا بيضة البلد»، ومنه «بيضة الإسلام». وبيضة القبّة: أعلاها، وكذلك الصّومعة، والبيض: قلانس الحديد.
وقال أبو حيّة النّميريّ:
وصدّ الغانيات البيض عنّيوما إن كان ذلك عن تقالي
رأين الشّيب باض على لداتيوأفسد ما عليّ من الجمال
وبيض الجرح والخراج والحبن: الوعاء الذي يجمع فيه الصّديد، إذا خرج برئ وصلح.
وقد يسمّون ما في بطون إناث السّمك بيضا، وما في بطون الجراد بيضا، وإن كانوا لا يرون قشرا يشتمل عليه، ولا قيضا يكون لما فيه حضنا.
والخرشاء: قشرة البيض إذا خرج ما فيه. وسلخ الحيّة يقال له الخرشاء.
وقال الأعشى في تشبيه اللّفاء الحسناء بالبيضة:
أو بيضة في الدّعص مكنونةأو درّة سيقت إلى تاجر
وقال في بيض الحديد:
كأنّ نعام الدّوّ باض عليهمإذا شام يوما للصّريخ المندّد
وقال الأعشى:
أتتنا من البطحاء يبرق بيضهاوقد رفعت نيرانها فاستقلّت
وقال زيد الخيل:
كأنّ نعام الدّوّباض عليهمفأحداقهم تحت الحديد خوازر
قال: ويقال تقيّضت البيضة، والإناء، والقارورة، تقيّضا: إذا انكسرت فلقا.
فإذا هي لم تتفلّق فلقا وهي متلازقة، فهي منقاضة انقياضا. وقيض البيضة: قشرتها اليابسة. وغرقئها: القشرة الرّقيقة التي بين اللّحم وبين الصّميم. قال: والصّميم:
الجلدة.
قال: ويقال غرقأت البيضة: إذا خرجت وليس لها قشر ظاهر غير الغرقئة.
قال الرّدّاد: غرقأت الدّجاجة بيضها، فالبيضة مغرقأة. والخرشاء: القشرة الغليظة من البيضة، بعد أن تثقب فيخرج ما فيها من البلل؛ وجماعها الخراشيّ، غير مهموز.
قال: وقال ردّاد: خرشاء الحيّة: سلخها حين تنسلخ.
قال: وتغدّى أعرابيّ عند بعض الملوك، فدبّت على حلقه قملة، فتناولها فقصعها بإبهامه وسبّابته، ثمّ قتلها، فقالوا له: ويلك! ما صنعت؟! فقال: بأبي أنتم وأمي، ما بقي إلا خرشاؤها! وقال المرقّش:
إن تغضبوا نغضب لذاكم كماينسلّ من خرشائه الأرقم
وقال دريد بن الصّمّة في بيض الحديد:
قال: ويقال في الحافر نزا ينزو. وأمّا الظّليم فيقال: قعا يقعو، مثل البعير.
يقال: قاع يقوع قوعا وقياعا، وقعا يقعو قعوا. فهذا ما يسوّون فيه بينه وبين البعير.
ويقال: خفّ البعير، والجمع أخفاف. ومنسم البعير، والجمع مناسم؛ وكذلك يقال للنّعامة.
وقال الرّاعي:
ورجل كرجل الأخدريّ يشيلهاوظيف على خفّ النّعامة أروح
وقال جران العود:
لها مثل أظفار العقاب ومنسمأزجّ كظنبوب النّعامة أروح
قال: والزّاجل: ماء الظّليم؛ وهو كالكراض من ماء الفحل. وأنشد لابن أحمر:
وما بيضات ذي لبد هجفّسقين بزاجل حتّى روينا
وقال الطّرمّاح:
سوف تدنيك من لميس سبنداة أمارت بالبول ماء الكراض
وربّما استعاروا المناسم. قال الشاعر:
توعدني بالسّجن والآداتإذا عدت تأظبت أدات
تربط بالحبل أكيرعات
قال: ويقال لولد النّعام: الرّأل، والجمع رئال ورئلان؛ وحفّان. وحفّانة
للواحدة، والجمع حفّان؛ وحسكل. ويقال: هذا خيط نعام وخيطان. وقال الأسود بن يعفر:
وكأنّ مرجعهم مناقف حنظللعب الرّئال بها وخيط نعام
ويقال: قطيع من نعام، ورعلة من نعام.
وقال الأصمعيّ: الرّعلة: القطعة من النّعام. والسّرب من الظّباء والقطا. والإجل من الظّلف.
وقال طفيل الغنويّ في بيضة الحيّ وما أشبه ذلك:
ضوابع تنوي بيضة الحيّ بعدماأذاعت بريعان السّوام المعزّب
قال: ويقال: للظليم إذا رعى في هذا النّبات ساعة وفي هذا ساعة قد عقّب يعقّب تعقيبا. وأنشدني لذي الرّمّة:
ألهاه آء وتنّوم وعقبتهمن لائح المرو والمرعى له عقب
قال: ويقال للرجل، إذا كان صغير الأذنين لاصقتين بالرّأس: أصمع؛ وامرأة صمعاء. ويقال: خرج السهم متصمّعا: إذا ابتلّت قذذه من الدّم وانضمّت. وقال أبو ذؤيب:
سهما فخرّ وريشه متصمّع
ويقال: أتانا بثريدة مصمّعة: إذا دقّقها وحدّد رأسها. وصومعة الرّاهب منه؛ لأنها دقيقة الرأس. وفلان أصمع القلب: إذا كان ذكيا حديدا ماضيا. وقال طرفة:
لعمري لقد مرّت عواطس جمّةومرّ قبيل الصّبح ظبي مصمّع
أراد: ماضيا.
وقال الشاعر في بيضة البلد:
أقبلت توضع بكرا لا خطام لهاحسبت رهطك عندي بيضة البلد
ويشبّه عظام جماجم الرؤوس ببيض النّعام. وقال الأعرج القينيّ:
بكينا بالرّماح غداة طرقعلى قتلى بناصفة كرام
جماجم غودرت بحمام عرقكأنّ فراشها بيض النّعام
وقال مقاتل بن طلبة:
رأيت سحيما فاقد الله بينهاتنيك بأيديها وتأبى أيورها
وقال السّحيمي يردّ عليه:
مقاتل، بشّرها ببيض نعامةوإن لم تبشّرها فأنت أميرها
وقال أبو الشّيص الخزاعي في بيضة الخدر:
وأبرز الخدر من ثنييه بيضتهوأعجل الرّوع نصل السّيف يخترط
فثمّ تفديك منّا كلّ غانيةوالشّيخ يفديك والولدان والشّمط
وقال جحش بن نصيب:
كأنّ فلاق الهام تحت سيوفناخذاريف بيض عجّل النّقف طائره
وقال مهلهل في بيضة الخدر:
وتجول بيضات الخدور حواسرايمسحن فضل ذوائب الأيتام
وهو وما قبله يدلان على أنهم لا يشبّهون ببيض النّعام إلّا الأبكار.
قال الشاعر: [ممن الطويل]
وبيض أفقنا بالضّحى من متونهاسماوة بيض كالخباء المقوّض
هجوم عليها نفسه، غير أنّهمتى يرم في عينيه بالشّخص ينهض
يعني بالبيض بيض النّعام. وسماوة الشيء: شخصه. لأنّ الظّليم لما رآهم فزع ونهض. وهذا البيت أيضا يدلّ على أنّه فروقة.
وقال ذو الرّمّة في بيض النّعام:
تراه إذا هبّ الصّبا درجت بهغرابيب من بيض هجائن دردق
قال: والصّبا والجنوب تهبّان في أيام يبس البقل، وهو الوقت الذي يثقب النّعام فيه البيض. يقول: درجت به رئلان سود غرابيب، وهي من بيض هجائن: أي بيض.
والدّردق: الصّغار، وهو من صغر الرّئلان.
قال طفيل بن عوف الغنويّ، وذكر كيف يأخذون بيض النّعام:
عوازب لم تسمع نبوح مقامةولم تر نارا تمّ حول مجرّم
سوى نار بيض أو غزال معفّرأغنّ من الخنس المناخر توءم
هذه إبل راع معزب صاحب بواد وبدوة لا يأتي المحاضر والمياه حيث تكون النّيران. وهو صاحب لبن وليس صاحب بقل، فإبله لا ترى نارا سوى نار بيض أو غزال.
وهذه النّار هي النّار التي يصطاد بها الظّباء والرّئلان وبيض النّعام لأنّ هذه كلّها تعشى إذا رأت نارا، ويحدث لها فكرة فيها ونظر. والصبيّ الصغير كذلك.
وأوّل ما يعابث الرّضيع، أوّل ما يناغي، المصباح.
وقد يعتري مثل ذلك الأسد، ويعتري الضّفدع؛ لأنّ الضّفدع ينقّ، فإذا رأى نارا سكت. وهذه الأجناس قد تغترّ بالنّار، ويحتال لها بها.
وتوصف الغيوم المتراكمة بأنّ عليها نعاما. قال الشّاعر:
كأنّ الرّباب دوين السّحاب نعام تعلّق بالأرجل
وقال آخر:
خليليّ لا تستسلما وادعوا الّذيله كلّ أمر أن يصوب ربيع
حيا لبلاد أبعد المحل أهلهاوفي العظم شيء في شظاه صدوع
بمستنضد غرّ النّشاص كأنهاجبال عليهنّ النّسور وقوع
وقال آخر:
وضع النّعامات الرّجال بريدهامن بين مخفوض وبين مظلّل
والنعائم في السماء، والنعائم والنّعامتان من آلات البئر. والنعامة: بيت الصائد.
وقال في مثل ذلك عروة بن مرّة الهذليّ:
وذات ريد كزنق الفأس مشرفةطريقها سرب بالنّاس مجبوب
لم يبق من عرشها إلّا نعامتهاحالان منهزم منها ومنصوب
وفي المثل: «ما يجمع بين الأروى والنّعام» لأنّ الأروى تسكن الجبال ولا تسهل، والنّعام تسكن السهل ولا ترقى في الجبال. ولذلك قال الشاعر:
وخيل تكردس بالدّارعينكمشي الوعول على الظّاهره
وقال كثيّر:
يهدي مطايا كالحنيّ ضوامرابنياط أغبر شاخص الأميال
فكأنّه إذ يغتدي متسنّماوهدا فوهدا ناعق برئال
وقال الأعشى، في تشبيه النّعام بما يتدلّى من السّحاب من قطع الرّباب:
يا هل ترى برقا على الجبلين يعجبني انجيابه
من ساقط الأكناف ذيزجل أربّ به سحابه
مثل النّعام معلّقالمّا زقا ودنا ربابه
وقال وشبّه ناقته بالظّليم:
وإذا أطاف لبابه بسديسهومسافرا ولجا به وتزيّدا
شبّهته هقلا يباري هقلةربداء في خيط نقانق أربدا
وذكر زهير الظّليم وأولاده، حتّى شبّه ناقته بالظّليم:
كأنّي وردفي والقراب ونمرقيعلى خاضب السّاقين أزعر نقنق
تراخى به حبّ الضّحاء وقد رأىسماوة قشراء الوظيفين عوهق
تحنّ إلى ميل الحبابير جثّملدى سكن من بيضها المتفلّق
تحطّم عنها عن خراطم أسيحوعن حدق كالسّبج لم يتفلّق
السّبج: الخرز
وكان اسم فرس خالد بن نضلة: «النّعامة». قال:
تدارك إرخاء النّعامة حنثراودودان أدّته إليّ مكبّلا
وقال عروة بن الورد:
أليس ورائي أن أدبّ على العصافيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كلّ عشيّةيطيف بي الولدان أهدج كالرّأل
شبّه هدجان الشّيخ الضّعيف في مشيته بهدجان الرّأل.
وقال أبو الزّحف:
أشكو إليك وجعا بركبتيوهدجانا لم يكن في مشيتي
كهدجان الرّأل حول الهيقت
وقال آخر، ولست أدري أيّهما حمل على صاحبه:
أشكو إليك وجعا بمرفقيوهدجانا لم يكن في خلقي
كهدجان الرّأل حول النّقنق
ولم يفضحه إلّا قوله:
أشكو إليك وجعا بمرفقي
لأنّ الأوّل حكى أنّ وجعه في المكان الذي يصيب الشّيوخ، ووجع المرفق مثل وجع الأذن، وضربان الضّرس ليس من أوجاع الكبر في شيء.
وقال ابن ميّادة، وذكر بني نعامة من بني أسد- وقد كان قطريّ بن الفجاءة يكنى أبا نعامة-:
فهل يمنعنّي أن أسير ببلدةنعامة، مفتاح المخازي وبابها
وهجا دريد بن الصّمّة رجلا فجعل البيضة الفاسدة مثلا له، ثمّ ألحق النّسر بأحرار الطّير وكرامها- وما رأيتهم يعرفون ذلك لنسر- فقال:
فإنّي على رغم العذول لنازلبحيث التقى عيط وبيض بني بدر
أيا حكم السّوءات لا تهج واضطجعفهل أنت إن هاجيت إلّا من الخضر
وهل أنت إلّا بيضة مات فرخهاثوت في سلوخ الطير في بلد قفر
حواها بغاث: شرّ طير علمتهاوسلّاء ليست من عقاب ولا نسر
ويقال للأنثى من ولد النّعامة: قلوص؛ على التشبيه بالنّعام من الإبل. وهذا الجمع إلى ما جعلوه له من اسم البعير، وإلى ما جعلوا له من الخفّ والمنسم، والخرمة، وغير ذلك.
قال عنترة:
تأوي له قلص النّعام كما أوتحزق يمانية لأعجم طمطم
وقال شماخ بن ضرار:
قلوص نعام زفّها قد تموّرا
ووصف لبيد الرّئال فقال:
فأضحت قد خلت إلّا عراراوعزفا، بعد أحياء حلال
وخيطا من خواضب مزلفاتكأنّ رئالها ورق الإفال
وقال حسان بن ثابت، ﵁:
لعمرك إنّ إلّك في قريشكإلّ السّقب من رأل النّعام
وقد عاب عليه هذا البيت ناس، وظنّوا أنّه أراد التبعيد، فذكر شيئين قد يتشابهان من وجوه. وحسان لم يرد هذا، وإنما أراد ضعف نسبه في قريش، وأنّه حين وجد أدنى نسب انتحل ذلك النّسب.
وقال الفرزدق- وذكر الفرس الذي يقال له: «النّعامة» وهو فرس الحارث بن
عباد، التي يقول فيها:
قرّبا مربط النّعامة منّيلقحت حرب وائل عن حيال
وقول الفرزدق:
ترييك نجوم اللّيل والشّمس حيّةكرام بنات الحارث بن عباد
نساء أبوهنّ الأغرّ، ولم تكنمن الحتّ في أجبالها وهداد
أبوها الذي آوى النّعامة بعدماأبت وائل في الحرب غير تماد
وقد مدحوا بنات الحارث بن عباد هذا، فمن ذلك قوله:
جاؤوا بحارشة الضّباب كأنّهمجاؤوا ببنت الحارث بن عباد
ويلحق هذا البيت بموضعه، من قولهم. باض الصّيف، وباض القيظ.
وقال مضرّس:
بلمّاعة قد باكر الصّيف ماءهاوباضت عليها شمسه وحرائره
وابن النّعامة: فرس خزز بن لوذان. وهو الذي يقول لامرأته حين أنكرت عليه إيثاره فرسه باللبن:
كذب العتيق وماء شنّ باردإن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي
إنّي لأخشى أن تقول خليلتيهذا غبار ساطع فتلبّب
إنّ العدوّ لهم إليك وسيلةإن يأخذوك تكحّلي وتخضبي
ويكون مركبك القعود وحدجهوابن النّعامة يوم ذلك مركبي
وقال أبو بكر الهذليّ:
وضع النّعامات الرّجال بريدهايرفعن بين مشعشع ومهلّل
وقال ذو الإصبع العدوانيّ:
ولي ابن عمّ على ما كان من خلقمخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أنّنا شالت نعامتنافخالني دونه بل خلته دوني
وقال أبو داؤد الإياديّ في ذكر الصّيد، وذكر فرسه:
وأخذنا به الصّرار وقلنالحقير بنانه أضمار
وأتى يبتغي تفرّس أمّ البيض شدّا وقد تعالى النهار
غير جعف أوابد ونعامونعام خلالها أثوار
في حوال العقارب العمر فيهاحين ينهضن بالصّباح عذار
ثم قال:
يتكشّفن عن صرائع ستّقسّمت بينهنّ كأس عقار
بين ربداء كالمظلّة أفقوظليم مع الظّليم حمار
ومهاتين حرس ورئالوشبوب كأنّه أوثار
ووصف علقمة بن عبدة ناقته، وشبّهها بأشياء منها، ثمّ أطنب في تشبيهه إيّاها بالظّليم:
تلاحظ السّوط شزرا وهي ضامزةكما توجسّ طاوي الكشح موشوم
كأنّها خاضب زعر قوائمهأجني له باللّوى شري وتنّوم
يظلّ في الحنظل الخطبان ينقفهوما استطفّ من التّنّوم مخذوم
فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنهأسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم
يكاد منسمه يختلّ مقلتهكأنّه حاذر للنّخس مشهوم
حتى تذكّر بيضات وهيّجهيوم رذاذ، عليه الرّيح مغيوم
فلا تزيّده في مشيه نفقولا الزّفيف دوين الشّدّ مسؤوم
يأوي إلى حسكل زعر حواصلهاكأنّهنّ إذا برّكن جرثوم
وضّاعة كعصيّ الشّرع جؤجؤهكأنّه بتناهي الرّوض علجوم
حتى تلافى وقرن الشّمس مرتفعأدحيّ عرسين فيه البيض مركوم
يوحى إليها بإنقاض ونقنقةكما تراطن في أفدانها الرّوم
صعل، كأنّ جناحيه وجؤجؤهبيت أطافت به خرقاء مهجوم
تحفّه هقلة سطعاء خاضبةتجيبه بزمار فيه ترنيم
الأصمعيّ قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: أرسل شيخ من ثقيف ابنه فلانا- ولم يحفظ اسمه- إلى ابن سيرين، فكلمه بكلام، وأمّ ابنه هذا قاعدة، ولا يظنّ أنّها تفطن، فقال له: يا بنيّ اذهب إلى ابن سيرين، فقل له: رجل رأى أنّ له نعامة تطحن. قال: فقلت له؛ فقال: هذا رجل اشترى جارية فخبّأها في بني حنيفة.
قال: فجئت أبي فأخبرته، فنافرته أمّي، وما زالت به حتى اعترف أنّ له جارية في بني حنيفة.
وما أعرف هذا التأويل. ولولا أنّه من حديث الأصمعي مشهور ما ذكرته في كتابي.
وأمّا قول الشاعر الهذليّ في مسيلمة الكذاب، في احتياله وتمويهه وتشبيه ما يحتال به من أعلام الأنبياء، بقوله
ببيضة قارور وراية شادنوتوصيل مقصوص من الطير جادف
قال: هذا شعر أنشدناه أبو الزّرقاء سهم الخثعمي، هذا منذ أكثر من أربعين سنة. والبيت من قصيدة قد كان أنشدنيها فلم أحفظ منها إلّا هذا البيت.
فذكر أنّ مسيلمة طاف قبل التنبّي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوّق والبياعات، كنحو سوق الأبلّة، وسوق لقه، وسوق الأنبار، وسوق الحيرة.
قال: وكان يلتمس تعلّم الحيل والنّيرجات، واختيارات النّجوم والمتنبئين.
وقد كان أحكم حيل السّدنة والحوّاء وأصحاب الزّجر والخطّ ومذهب الكاهن والعيّاف والسّاحر، وصاحب الجنّ الذي يزعم أنّ معه تابعه.
قال: فخرج وقد أحكم من ذلك أمورا. فمن ذلك أنّه صبّ على بيضة من خلّ قاطع- والبيض إذا أطيل إنقاعه في الخلّ لان قشره الأعلى، حتّى إذا مددته استطال واستدقّ وامتدّ كما يمتدّ العلك، أو على قريب من ذلك- قال: فلمّا تمّ له فيها ما طاول وأمّل، طوّلها ثمّ أدخلها قارورة ضيّقة الرّأس، وتركها حتّى جفّت ويبست. فلمّا جفّت انضمّت، وكلما انضمّت استدارت، حتى عادت كهيئتها الأولى. فأخرجها إلى مجّاعة، وأهل بيته، وهم أعراب، وادّعى بها أعجوبة، وأنّها جعلت له آية. فآمن به في ذلك المجلس مجّاعة. وكان قد حمل معه ريشا في لون ريش أزواج حمام، وقد كان يراهنّ في منزل مجّاعة مقاصيص. فالتفت، بعد أن أراهم الآية في البيض، إلى الحمام فقال لمجّاعة: إلى كم تعذّب خلق الله بالقصّ؟! ولو أراد الله للطّير خلاف الطّيران لما خلق لها أجنحة، وقد حرّمت عليكم قصّ أجنحة الحمام! فقال له مجّاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطائر الذّكر السّاعة! فقلت لسهم: أما كان أجود من هذا وأشبه أن يقول: فسل الذي أدخل لك هذه البيضة فم هذه القارورة أن يخرجها كما أدخلها. قال. فقال: كأنّ القوم كانوا
أعرابا، ومثل هذا الامتحان من مجّاعة كثير، ولعمري إنّ المتنبئ ليخدع ألفا مثل قيس ابن زهير، قبل أن يخدع واحدا من آخر المتكلمين، وإن كان ذلك المتكلم لا يشقّ غبار قيس فيما قيس بسبيله.
قال مسيلمة: فإن أنا سألت الله ذلك، فانتبه له حتى يطير وأنتم ترونه، أتعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: نعم. قال: فإني أريد أن أناجي ربّي، وللمناجاة خلوة، فانهضوا عنّي، وإن شئتم فادخلوه هذا البيت وأدخلوني معه، حتى أخرجه إليكم السّاعة في الجناحين يطير، وأنتم ترونه. ولم يكن القوم سمعوا بتغريز الحمام، ولا كان عندهم باب الاحتياط في أمر المحتالين. وذلك أن عبيدا الكيّس، فإنّه المقدّم في هذه الصناعة، لو منعوه السّتر والاختفاء، لما وصل إلى شيء من عمله جلّ ولا دقّ؛ ولكان واحدا من النّاس.
فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيّأه، فأدخل طرف كلّ ريشة ممّا كان معه، في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع والقصّ. وقصب الرّيش أجوف، وأكثر الأصول حداد وصلاب. فلما وفّى الطّائر ريشه صار في العين كأنّه برذون موصول الذّنب، لا يعرف ذلك إلّا من ارتاب به. والحمام بنفسه قد كان له أصول ريش، فلما غرّزت تمت فلما أرسله من يده طار. وينبغي ألّا يكون فعل ذلك بطائر قد كانوا قطوه بعد أن ثبت عندهم. فلما فعل ذلك ازداد من كان آمن به بصيرة، وآمن به آخرون لم يكونوا آمنوا به، ونزع منهم في أمره كلّ من كان مستبصرا في تكذيبه.
قال: ثمّ إنّه قال لهم- وذلك في مثل ليلة منكرة الرّياح مظلمة، في بعض زمان البوارح - إنّ الملك على أن ينزل إليّ، والملائكة تطير، وهي ذوات أجنحة، ولمجيء الملك زجل وخشخشة وقعقعة، فمن كان منكم ظاهرا فليدخل منزله؛ فإنّ من تأمّل اختطف بصره! ثمّ صنع راية من رايات الصّبيان التي تعمل من الورق الصّينيّ، ومن الكاغد، وتجعل لها الأذناب والأجنحة، وتعلّق في صدورها الجلاجل، وترسل يوم الرّيح بالخيوط الطّوال الصّلاب.
قال: فبات القوم يتوقّعون نزول الملك، ويلاحظون السّماء، وأبطأ عنهم حتّى قام جلّ أهل اليمامة؛ وأطنبت الرّيح وقويت، فأرسلها، وهم لا يرون الخيوط، واللّيل لا يبين عن صورة الرّقّ، وعن دقّة الكاغد. وقد توهّموا قبل ذلك الملائكة.
فلمّا سمعوا ذلك ورأوه تصارخوا وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن! فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدّفع عنه. فهو قوله:
ببيضة قارور وراية شادنوتوصيل مقصوص من الطير جادف
فقلت لسهم: يكون مثل هذا الأمر العجيب، فلا يقول فيه شاعر، ولا يشيع به خبر؟! قال: أو كلما كان في الأرض عجب، أو شيء غريب، فقد وجب أن يشيع ذكره، ويقال فيه الشّعر، ويجعل زمانه تاريخا! ألسنا معشر العرب نزعم أنّ كسرى أبرويز، وهو من أحرار فارس، من الملوك الأعاظم، وسليل ملوك، وأبو ملوك، مع حزمه ورأيه وكماله، خطب إلى النّعمان بن المنذر، وإلى رجل يرضى أن تكون امرأته ظئرا لبعض ولد كسرى، وهو عامله، ويسمّيه كسرى عبدا، وهو مع ذلك أحيمر أقيشر، إمّا من أشلاء قصيّ بن معد، وإما من عرض لخم. وهو الذي قالوا: تزوّج مومسة- وهي الفاجرة؛ ولا يقال لها مومسة إلّا وهي بذلك مشهورة- وعرفها بذلك، وأقام عليها، وهجي بها ولم يحفل بهجائهم. وممّا زاد في شهرتها قصّة المرقش. وناكها قرّة بن هبيرة حين سباها. فعلم بذلك وأقام عليها، ثمّ لم يرض حتّى قال لها: هل مسّك؟ قالت: وأنت والله لو قدر عليك لمسّك! فلم يرض بها حتى قال لها: صفيه لي. فوصفته حتّى قالت: كأنّ شعر خدّيه حلق الدّرع! وبال على رأسه خلف ابن نوالة الكناني عام حجّ، ونصّره عديّ بن زيد بأحمق سبب. وخطب أخوه المنذر إلى عبيدة بن همام، فردّه أقبح الرّدّ، وقال:
أتوني ولم أرض ما بيّتواوقد طرقوني بأمر نكر
لأنكح أيّمهم منذراوهل ينكح العبد حرّ لحر
ثمّ مع ذلك خطب إليه كسرى بعض بناته فرغب بها عنه، حتّى كان ذلك سبب هربه وعلّة لقتله- فهل رأيت شاعرا في ذلك الزّمان مع كثرة الشعراء فيه، ومع افتخارهم بالذي كان منهم في يوم جلولى ويوم ذي قار، وفي وقائع المثنّى بن حارثة وسعد بن أبي وقّاص- فهل سمعت في ذلك بشعر صحيح طريف المخرج، كما سمعته في جميع مفاخرهم ممّا لا يداني هذا المفخر؟! ولقد خطب بعض إخوته إلى رجال من نزار، من غير أهل البيوتات، فرغبوا عنهم.
وأمّ النعمان سلمى بنت الصّائغ: يهوديّ من أنباط الشام، ثمّ كان نجله لفعل غير محمود.
وقد قال جبلة بن الأيهم، لحسّان بن ثابت: قد دخلت عليّ ورأيتني، فأين أنا من النّعمان؟ قال: والله .......
فالنّعمان مع هذه المثالب كلّها قد رغب بنفسه عن مصاهرة كسرى، وهو من أنبه الأكاسرة. وكما كان أبرويز أعظم خطرا، كانت أنفته أفخر للعرب، وأدلّ على ما يدّعون من العلوّ في النسب وكان الأمر مشهودا ظاهرا، ومردّدا على الأسماع مستفيضا. فإذ قد تهيّأ أن يكون مثل هذا الأمر الجليل، والمفخر العظيم، والعرب أفخر الأمم، ومع ذلك قد أغفلوه- فشأن مسيلمة أحقّ بأن يجوز ذلك عليه.
وأنشدني يوسف لبعض شعراء بني حنيفة، وكان يسمّى مسيلمة ويكنى أبا ثمامة:
لهفي عليك أبا ثمامهلهفي على ركني شمامه
كم آية لأبيهمكالشّمس تطلع من غمامه
وقد كتبنا قصّته وقصّة ابن النّوّاحة (في كتابنا الذي ذكرنا فيه فصل ما بين النبيّ والمتنبي) وذكرنا جميع المتنبئين، وشأن كلّ واحد منهم على حدته، وبأيّ ضرب كان يحتال، وذكرنا جملة احتيالاتهم، والأبواب التي تدور عليها مخاريقهم.
فإن أردت أن تعرف هذا الباب فاطلب هذا الكتاب؛ فإنّه موجود.
وقد هجا عبد القيس بن خفاف البرجميّ، النّعمان بن المنذر، في الجاهليّة، وذكر ولادة الصّائغ له فقال:
لعن الله ثمّ ثنّى بلعنابن ذا الصّائغ، الظلوم الجهولا
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزوثمّ لا يرزأ العدوّ فتيلا
وكان سهم الحنفيّ يلي طبرستان، لمعن بن زائدة، مع حداثة سنه يومئذ، وكان له مروءة وقدر في نفسه.
وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدّة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم على دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها- ومع ذلك لم نر قبيلة قطّ أقلّ شعرا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء ورجّازون. وليس ذلك لمكان الخصب وأنّهم أهل مدر، وأكّالو تمر؛ لأنّ الأوس والخزرج كذلك، وهم في الشعر كما قد علمت. وكذلك عبد
القيس النّازلة قرى البحرين، فقد تعرف أنّ طعامهم أطيب من طعام أهل اليمامة.
وثقيف أهل دار ناهيك بها خصبا وطيبا، وهم وإن كان شعرهم أقلّ، فإنّ ذلك القليل يدلّ على طبع في الشعر عجيب. وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من قلّة الخصب الشّاغل والغنى عن النّاس؛ وإنّما ذلك عن قدر ما قسم الله لهم من الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها.
وبنو الحارث بن كعب قبيل شريف، يجزون مجاري ملوك اليمن، ومجاري سادات أعراب أهل نجد ولم يكن لهم في الجاهليّة كبير حظّ في الشعر. ولهم في الإسلام شعراء مفلقون.
وبنو بدر كانوا مفحمين، وكان ما أطلق الله به ألسنة العرب خيرا لهم من تصيير الشعر في أنفسهم.
وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. ولم تمدح قبيلة في الجاهليّة، من قريش، كما مدحت مخزوم. ولم يتهيّأ من الشّاهد والمثل لمادح في أحد من العرب، ما تهيّأ لبني بدر.
وقد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط وحاجب وغيرهما من ولده. ولم يكن لحذيفة ولا حصن، ولا عيينة بن حصن، ولا لحمل بن بدر. شعر مذكور.
وقد كان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم. ولم يكن أحد من أصحابنا، من خلفائنا وأئمتنا، أحظى في الشعر من الرّشيد. وقد كان يزيد ابن مزيد وعمّه، ممّن أحظاه الشّعر.
وما أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله، أعظم من أن يكون الرّجل ممدوحا.
تقول العرب: ضربان من الحيوان لا يسمعان الأصوات. وذلك عامّ في الأفاعي والنّعام.
واعتدّ من ادّعى للنّعام الصّمم بقول علقمة:
فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنهأسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم
قال: ولا يصلح أن تكون «ما» في الموضع الذي ذكر؛ لأنّ ذلك يصير كقول القائل: التمر حلو، والثّلج بارد، والنّار حارّة. ولا يحتاج إلى أن يخبر أنّ الذي يسمع هذا الصّوت؛ لأنه لا مسموع إلّا الصّوت.
قال خصمه: فقد قال علقمة بن عبدة:
حتّى تلافى وقرن الشّمس مرتفعأدحيّ عرسين فيه البيض مركوم
يوحي إليها بإنقاض ونقنقةكما تراطن في أفدانها الرّوم
ثم قال:
تحفّه هقلة سفعاء خاذلةتجيبه بزمار فيه ترنيم
واحتجّ من زعم أنها تسمع، بقوله:
وصحم صيام بين صمد ورجلةوبيض تؤام بين ميث ومذنب
متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرةيجيب زمارا كاليراع المثقب
وقال الطّرمّاح:
يدعو العرار بها الزّمار كأنّهألم تجاوبه النّساء العوّد
قال: وصوت النعامة الذّكر: العرار. وصوت الأنثى: الزّمار.
وأنشد الذي زعم أنّها لا تسمع، قول أسامة بن الحارث الهذليّ:
تذكّرت إخواني فبتّ مسهّداكما ذكرت بوّا من اللّيل فاقد
لعمري لقد أمهلت في نهي خالدعن الشّام إمّا يعصينّك خالد
وأمهلت في إخوانه فكأنّماتسمّع بالنّهي النّعام المشرّد
وقال الذي زعم أنّها تسمع: فقد قال الله ﷿: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
ولو عنى أنّ عماهم كعمى العميان، وصممهم كصمم الصّمّان، لما قال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
وإنّما ذلك كقوله: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
وكيف تسمع المدبر عنك! ولذلك يقال: «إنّ الحبّ يعمي ويصمّ». وقد قال الهذليّ:
تسمّع بالنّهي النّعام المشرّد
والشارد النافر عنك لا يوصف بالفهم. ولو قال: تسمع بالنّهي، وسكت- كان أبلغ فيما يريد. وهو كما قال الله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
. قال الرّاجز:
ردي ردي ورد قطاة صمّاكدريّة أعجبها برد الما
أي لأنها لا تسمع صوتا يثنيها ويردّها.
وأنشد قول الشاعر:
دعوت خليدا دعوة فكأنمادعوت به ابن الطّود أو هو أسرع
والطّود: الجبل. وابنه: الحجر الذي يتدهده منه، كقوله:
كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
وقال الرّاجز:
ومنهل أعور إحدى العينينبصير أخرى وأصمّ الأذنين
كأنّه كان في ذلك المنهل بيران، والآبار أعين، فغوّرت إحدى البيرين وتركت الأخرى وقوله: «أصمّ الأذنين» لما أن كان عنده في الأرض فضاء وخلاء، حيث لا يسمع فيه صوت. جعله أن كان لا يسمع صوتا أصمّ؛ وإن كان ذلك لفقد الأصوات.
قال: وقد قال الحارث بن حلّزة قولا يدلّ على أنّها تسمع، حيث قال:
ولقد أستعين يوما على الهمّ إذا خفّ بالثّويّ الثّواء
بزفوف كأنها هقلة أمّ رئال دوّيّة سفعاء
ثم قال:
آنست نبأة وأفزعها القناص عصرا وقد دنا الإمساء
فترى خلفهنّ من سرعة المشي منينا كأنّه أهباء
ولو قال: «أفزعها القنّاص» ولم يقل: «آنست نبأة» - والنّبأة الصّوت- لكان لكم في ذلك مقال.
وقال امرؤ القيس:
وصمّ صلاب ما يقين من الوجىكأنّ مكان الرّدف منه على رال
وإنما يعني أنها مصمتة غير جوفاء. وقال الآخر:
قل ما بدا لك من زور ومن كذبحلمي أصمّ وأذني غير صمّاء
(علا)، والتاج (فرر)، والجمهرة، والعين /، والخزانة /، /،، والمقاصد النحوية /، وبلا نسبة في اللسان والتاج (حطط).
يريد أنّ حلمه ليس بسخيف متخلخل، وليس بخفيف سار، ولكنّه مصمت.
قال الشاعر:
وأسأل من صمّاء ذات صليل
وإنّما يريد أرضا يابسة، ورملة نشّافة، تسأل الماء: أي تريده وتبتلعه؛ وهي في ذلك صمّاء.
وقد قال الله لناس يسمعون: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
ذلك على المثل. وقال: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
. وذلك كلّه على ما فسّرنا. وقال: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً
وقال أيضا: إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ
وقال عنترة:
ظللنا نكرّ المشرفيّة فيهموخرصان صمّ السّمهريّ المثقف
وقال العجير السّلوليّ:
وقد جذب القوم العصائب مؤخراففيهنّ عن صلع الرّجال حسور
فظلّ رداء العصب ملقى كأنّهسلى فرس تحت الرّجال عقور
لو ان الصّخور الصّمّ يسمعن صلقنالرحن وفي أعراضهنّ فطور
وقال زهير:
ليتني خلقت للأبدصخرة صمّاء في كبد
لا تشكّي شرّ جارتهاخلقت غليظة الكبد
وقالت جمل بنت جعفر:
بني جعفر لا سلم حتّى نزوركمبكلّ ردينيّ وأبيض ذي أثر
وحتّى تروا وسط البيوت مغيرةتصمّكم بالضّرب حاشية الذّعر
تبين لذي الشّكّ الذي لم يكن درىويبصرها الأعمى ويسمع ذو الوقر
وقال دريد:
متى كان الملوك قطيناعليّ ولاية صمّاء منّي
ومن الأمثال قولهم: «صمّت حصاة بدم» قال: فأصله أن يكثر القتل وسفك الدّماء، حتّى لو وقعت حصاة على الأرض لم يسمع لها صوت؛ لأنّها لا تلقى صلابة الأرض.
وقد جاء في بعض الحديث: «إذا كانت تلك الملاحم بلغت الدّماء الثّنن» يعني ثنن الخيل، وهو الشّعر الذي خلف الحافر.
وقال الزّبير بن عبد المطّلب:
وينبي نخوة المختال عنّيجراز الحدّ ضربته صموت
لأنّ السّيف إذا مرّ في العظم مرّا سريعا فلم يكن له صوت- كان في معنى الصامت.
وقال ابن ميّادة:
متى أدع في قيس بن عيلان خائفاإلى فزع تركب إليّ خيولها
بملمومة كالطّود شهباء فيلقرداح يصمّ السّامعين صليلها
لأنّ الصّوت إذا اشتدّ جدّا لم يفهم معناه، إن كان صاحبه أراد أن يخبر عن شيء. ومتى كثرت الأصوات صارت وغى، ومنع بعضها بعضا من الفهم. فإذا لم يفهمها صار في معنى الأصمّ، فجاز أن يسمّى باسم الأصمّ.
وعلى ذلك قال الأضبط بن قريع، حين آذوه بنو سعد فتحوّل من جوارهم في آخرين فآذوه، فقال: «بكلّ واد بنو سعد».
وقال جران العود:
وقالت لنا والعيس صعر من البرىوأخفافها بالجندل الصّمّ تقذف
وقال الذي ينكر صمم شيء من الخلق: اعتللتم في صمم النّعام بقول زهير:
[أصكّ مصلّم الأذنين أجنىله بالسّيّ تنّوم وآء]
وبقول أوس بن حجر:
وينهى ذوي الأحلام عنّي حلومهموأرفع صوتي للنّعام المخزّم
يريد خرق أنفه، وهو في موضع الخرمة من البعير.
وأمّا قوله: «وأرفع صوتي للنّعام» فإنما خصّ بذلك النّعام لأنّها تجمع الشّرود والنّفار، إلى الموق وسوء الفهم. ولو قال: «وأرفع صوتي للحمير والدّوابّ» لكان كذلك. والمصلّمة: السّكّ التي ليس لآذانها حجم.
قال: قول الذي زعم أنها ليست بصماء لا يجوز؛ لأنّ الدواب تسمع وتفهم الزّجر، وتجيب الدّعاء. بل لو قال: وأرفع صوتي للصخور والحجارة، كان صوابا، وكان لرفع صوته معنى؛ إذ كان الرّفع والوضع عند الصّخور سواء. وليس كذلك الدوابّ. ولو كان إنما جعله مصلّما، وجعل آذان النّعام مصلومة، لأنه ليس لآذانها حجم فالطير كله كذلك إلّا الخفّاش. وكلّ شيء يبيض من الحيوان فليس لها حجم آذان. ففي قصدهم بهذه الكلمة إلى النّعام، بين جميع ما ليس لأذنيه حجم، دليل على أنّ تأويلكم خطأ. قال علقمة بن عبدة:
فوه كشقّ العصا لأيا تبيّنهأسكّ ما يسمع الأصوات مصلوم
وقالت كبشة بنت معد يكرب:
وأرسل عبد الله إذ حان يومهإلى قومه ألّا تغلّوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكراوأترك في بيت بصعدة مظلم
جدعتم بعبد الله آنف قومكمبني مازن أن سبّ راعي المخزّم
فإن أنتم لم تثأروا لأخيكمفمشّوا بآذان النّعام المصلّم
فلو كانت إنّما تريد أنّه ليس لمسامعها حجم، كانت الدّنيا لها معرضة. وقال عنترة:
وكأنّما أقص إلإكام عشيّةبقريب بين المنسمين مصلّم
تأوي له حزق النّعام كما أوتحزق يمانية لأعجم طمطم
ولو كان عنترة إنّما أراد عدم الحجم، لقد كانت الدّنيا له معرضة.
وقال زهير:
بآرزة الفقارة لم يخنهاقطاف في الرّكاب ولا خلاء
كأنّ الرحل منها فوق صعلمن الظلمان جؤجؤه هواء
أصكّ مصلّم الأذنين، أجنىله بالسّيّ تنّوم وآء
قال القوم: فإنّا لا نقول ذلك، ولكنّ العرب في أمثالها تقول: إنّ النّعامة ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها. ليجعلوها مثلا في الموق وسوء التدبير. فإذا ذكر الشّاعر الظّليم، وذكر أنّه مصلّم الأذنين، فإنما يريد هذا المعنى. فكثر ذلك حتى صار قولهم: مصلم الأذنين، مثل قولهم صكّاء. وسواء قال صكّاء، أو قال نعامة، كما أنّه سواء قال خنساء أو قال مهاة ونعجة وبقرة وظبية؛ لأنّ الظّباء والبقر كلها فطس خنس وإذا سمّوا امرأة خنساء فليس الخنس والفطس يريدون، بل كأنهم قالوا: مهاة وظبية. ولذلك قال المسيّب بن علس، في صفة النّاقة:
صكّاء ذعلبة إذا استقبلتهاحرج إذا استدبرتها هلواع
فتفهّم هذا البيت، فإنه قد أحسن فيه جدّا.
والصّكك في الناس، والاصطكاك في رجلي الناقة عيب. فهو لم يكن ليصفها بما فيه عيب، ولكنّه لا يفرق بين قوله صكّاء، وبين قوله نعامة، وكذلك لا يفرّقون بين قولهم أعلم، وبين قولهم: بعير. قال الراجز:
إني لمن أنكر أو توسّماأخو خناثير يقود الأعلما
كأنه يقول: يقود بعيرا. وهو كقول عنترة:
وحليل غانية تركت مجدّلاتمكو فريصته كشدق الأعلم
فقال من ادّعى للنّعام الصّمم: أمّا قولكم: من الدّليل على أن النّعامة تسمع قول الشاعر:
تدعو النّعام به العرار
وقوله:
متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرةيجيب زمارا كاليراع المثقّب
وقوله: آنست نبأة وأفزعها القنّاص عصرا وقد دنا الإمساء فليس ذلك أراد. وقد يراك الأخرس من النّاس- والأخرس أصمّ- فيعرف ما تقول، بما يرى من صورة حركتك، كما يعرف معانيك من إشارتك، ويدعوك ويطلب إليك بصوت؛ وهو لم يسمع صوتك قط فيقصد إليه، ولكنه يريد تلك الحركة، وتلك الحركة تولد الصّوت، أراده هو أو لم يرده. ويضرب فيصيح، وهو لم يقصد إلى الصّياح، ولكنّه متى أدار لسانه في جوبة الفم بالهواء الذي فيه، والنّفس الذي يحضره جمّاع الفم، حدث الصّوت. وهذا إنما غايته الحركة فيعرف صورة تلك الحركة.
والأخرس يرى النّاس يصفّقون بأيديهم، عند دعاء إنسان، أو عند الغضب والحدّ، فيعرف صورة تلك الحركة؛ لطول تردادها على عينيه، كما يعرف سائر الإشارات. وإذا تعجّب ضرب بيديه كما يضربون.
فالنّعامة تعرف صورة إشارة الرّئلان وإرادتها، فتعقل ذلك، وتجاوبها بما تعقل عنها من الإشارة والحركة، وغدت لحركتها أصوات. ولو كانا يسمعان لم تزد حالهما في التّفاهم على ذلك.
والعرب تقول: «أشمّ من نعامة» و: «أشمّ من ذرّة». قال الرّاجز:
أشمّ من هيق وأهدى من جمل
وقال الحرمازيّ، في أرجوزته:
وهو يشتمّ اشتمام الهيق
قال: وأخبرنا ابن الأعرابيّ أنّ أعرابيّا كلم صاحبه، فرآه لا يفهم عنه ولا يسمع فقال: «أصلخ كصلخ النّعامة!».
وقد يكون الفرس في الموكب وخلفه، على قاب غلوتين، حجر أو رمكة، فيتحصّن تحت راكبه، من غير أن تكون صهلت.
والذّئب يشتمّ ويستروح من ميل، والذّرّة تشتمّ ما ليس له ريح، ممّا لو وضعته على أنفك ما وجدت له رائحة وإن أجدت التشمّم، كرجل الجرادة تنبذها من يدك في موضع لم تر فيه ذرّة قطّ، فلا تلبث أن ترى الذّرّ إليها كالخيط الأسود الممدود.
وقال الشّاعر، وهو يصف استرواح الناس:
وجاء كمثل الرّأل يتبع أنفهلعقبيه من وقع الصّخور قعاقع
فإنّ الرّأل يشتم رائحة أبيه وأمّه والسّبع والإنسان من مكان بعيد. وشبّه به رجلا جاء يتّبع الرّيح فيشتمّ.
وقال الآخر:
والمرء لم يغضب لمطلب أنفهأو عرسه لكريهة لم يغضب
ومطلب أنفه: فرج أمّه؛ لأنّ الولد إذا تمّت أيّامه في الرّحم، قلا مكانه وكرهه، وضاق به موضعه، فطلب بأنفه موضع المخرج ممّا هو فيه من الكرب، حتّى يصير أنفه ورأسه على فم الرّحم، تلقاء فم المخرج. فالأناء والمكان يرفعانه في تلك الجهة، والولد يلتمس تلك الجهة بأنفه، ولولا أنّه يطلب الهواء من ذاته، ويكره مكانه من ذاته، ثمّ خرج إلى عالم آخر خلاف عالمه الذي ربّي فيه، لمات؛ كما يموت السّمك إذا فارقه الماء. ولكنّ الماء لمّا كان قابلا لطباع السمك غاذيا لها، والسّمك مريدا له، كان في مفارقته له عطبه. وكان في مفارقة الولد لجوف البطن واغتذائه فضلات الدّم، ما لا ينقص شيئا من طباعه وطباع المكان الذي كان له مرّة مسكنا. فلذلك قال الشّاعر الجاهلي:
والمرء لم يغضب لمطلب أنفهأو عرسه لكريهة لم يغضب
يقول: متى لم يحم فرج أمّه وامرأته، فليس ممّن يغضب من شيء يؤول إليه.
وزعم المتكلّمون أنّ الأخرس أصمّ، وأنّه لم يوت من العجز عن المنطق لشيء في لسانه، ولكنّه إنّما أتي في ذلك؛ لأنّه حين لم يسمع صوتا قطّ، مؤلّفا أو غير مؤلّف، لم يعرف كيفيّته فيقصد إليه. وأنّ جميع الصّمّ ليس فيهم مصمت، وإنما يتفاوتون في الشّدّة واللّين؛ فبعضهم يسمع الهدّة والصّاعقة، ونهيق الحمار إذا كان قريبا منه، والرّعد الشّديد، لا يسمع غير ذلك. ومنهم من يسمع السّرار، وإذا رفعت له الصّوت لم يسمع. ومتى كلّمته وقرّت الشّكاية في أذنه، فهم عنك كلّ الفهم. وإن
تكلّمت على ذلك المقدار في الهواء، ولم يكن ينفذ في قناة تحصره وتجمعه، حتّى تؤدّيه إلى دماغه- لم يفهمه.
فالأصمّ في الحقيقة إنّما هو الأخرس، والأخرس إنّما سمّي بذلك على التشبيه والقرابة. ومتى ضرب الأصمّ من النّاس إنسانا أو شيئا غيره، ظنّ أنّه لم يبالغ، حتّى يسمع صوت الضربة. قال الشّاعر:
أشار بهم لمع الأصمّ فأقبلواعرانين، لا يأتيه للنّصر محلب
وقال الأسديّ:
وأوصيكم بطعان الكماةفقد تعلمون بأن لا خلودا
وضرب الجماجم ضرب الأصمّحنظل شابة يجنى الهبيدا
وقال الهذلي:
فالطعن شغشغة والضّرب معمعةضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا
وإنما جعله تحت الدّيمة؛ لأنّ الأغصان والأشجار تصير ألدن وأعلك، فيحتاج
الذي يضرب تلك الأصول قبل المطر، إلى عشر ضربات حتّى يقطع ذلك المضروب؛ فإذا أصابه المطر احتاج إلى أكثر من ذلك.
وأنشدني يحيى الأغر: كضرب القيون سبيك الحديد يوم الجنائب ضربا وكيدا فلم أعرفه؛ فسألت بعض الصّياقلة فقال: نعم، هذا بيّن معروف. إذا أخرجنا الحديدة من الكير في يوم شمال، واحتاجت في القطع إلى مائة ضربة، احتاجت في قطعها يوم الجنوب إلى أكثر من ذلك، وإلى أشدّ من ذلك الضّرب؛ لأنّ الشمال ييبّس ويقصف، والجنوب يرطّب ويلدّن.
والإنسان أبدا أخرس، إذا كان لا يسمع ولا يتبيّن الأصوات التي تخرج من فيه، على معناه. ويقال في غير الإنسان، على غير ذلك. قال كثيّر:
ألم تسألي يا أمّ عمرو فتخبريسلمت وأسقاك السّحاب البوارق
بكيا لصوت الرّعد خرس روائحونعق ولم يسمع لهن صواعق
وتقول العرب: «مازلت تحت عين خرساء». والعين: السحابة تبقى أيّاما تمطر. وإذا كثر ماؤها وكثف، ولم يكن فيها مخارق تمدح ببرق.
ومتى رأيت البرق سمعت الرّعد بعد. والرّعد يكون في الأصل قبله، ولكنّ الصّوت لا يصل إليك في سرعة البرق؛ لأنّ البارق والبصر أشدّ تقاربا من الصّوت والسّمع. وقد ترى الإنسان، وبينك وبينه رحله فيضرب بعصا إمّا حجرا، وإمّا دابّة، وإمّا ثوبا، فترى الضّرب، ثمّ تمكث وقتا إلى أن يأتيك الصّوت.
فإذا لم تصوّت السّحابة لم تبشّر بشيء، وإذا لم يكن لها رزّ سمّيت خرساء.
وإذا كانت الصّخرة في هذه الصّفة سمّيت صماء. قال الأعشى:
وإذا تجيء كتيبة ملمومةمكروهة يخشى الكماة نزالها
وعلى غير هذا المعنى قال كثيّر:
كأني أنادي صخرة، حين أعرضتمن الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت
ومن هذا الشّكل قول زهير:
وتنوفة عمياء لا يجتازهاإلا المشيّع ذو الفؤاد الهادي
قفر هجعت بها، ولست بنائم،وذراع يلقية الجران وسادي
ووقعت بين قتود عنس ضامرلحّاظة طفل العشيّ سناد
فجعل التّنوفة عمياء، حين لم تكن بها أمارات.
ودابّة يقال لها الزّبابة، عمياء صمّاء، تشبه الفأرة؛ وليست بالخلد؛ لأنّ الخلد أعمى وليس بأصمّ. والزباب يكون في الرّمل. وقال الشاعر:
وهم زباب حائرلا تسمع الآذان رعدا
وكلّ مولود في الأرض يولد أعمى، إن كان تأويل العمى أنّه لا يبصر إلّا بعد أيام. فمنه ما يفتح عينيه بعد أيّام كالجرو؛ إلّا أولاد الدّجاج؛ فإنّ فراريجها تخرج كاسية كاسبة.
وقال أبو الشمقمق- وجعل الأير أعمى أصمّ على التشبيه- فقال:
فسلّم عليه فاتر الطرف ضاحكاوصوّت له بالحارث بن عباد
بأصلع مثل الجرو جهم غضنفرمعاود طعن جائف وسناد
أصمّ وأعمى ينغض الدّهر رأسهيسير على ميل بغير قياد
وقال من زعم أنّ النّعامة تسمع: يدلّ على ذلك قول طرفة:
هل بالدّيار الغداة من خرسأم هل بربع الجميع من أنس
سوى مهاة تقرو أسرّتهوجؤذر يرتعي على كنس
أو خضاب يرتعي بهقلتهمتى ترعه الأصوات يهتجس
فقد قال طرفة كما ترى:
متى ترعه الأصوات يهتجس
وقال الآخر: جوابنا في هذا هو جوابنا فيما قبله.
وروى الهيثم بن عديّ، وسمعه بعض أصحابنا من أبي عبيدة، قال: تضارط أعرابيّان عند خالد بن عبد الله، أحدهما تميميّ والآخر أزديّ فضرط الأزديّ ضرطة ضئيلة، فقال التميميّ:
حبقت عجيفا محثلا ولو انّنيحبقت لأسمعت النّعام المشرّدا
فمرّ كمّر المنجنيق وصوتهيبذّ هزيم الرّعد، بدءا عمرّدا
وزعم أبو عمرو الشّيبانيّ عن بعض العرب، أنّ كلّ عربيّ وأعرابيّ كان يلقّب نعامة، فإنما يلقّب بذلك لشدّة صممه. وأنّه سأله عن الظليم: هل يسمع؟ فقال:
يعرف بأنفه وعينه، ولا يحتاج معهما إلى سمع. وأنشدني:
فجئتك مثل الهقل يشتمّ رألهولا عرف إلّا سوفها وشميمها
وزعم أنّ لقب بيهس نعامة، وأنه لقّب بذلك لأنّه كان في خلق نعامة، وكان
شديد الصّمم مائقا. فأنشد لعديّ بن زيد:
ومن حذر الأيّام ما حزّ أنفهقصير وخاض الموت بالسّيف بيهس
نعامة لمّا صرّع القوم رهطهتبيّن في أثوابه كيف يلبس
وقال المتنخّل الهذليّ وذكر سيفا:
منتخب اللّبّ له ضربةخدباء كالعطّ من الخذعل
يقول: هذا السّيف أهوج لا عقل له. والخدب في هذا الموضوع: الهوج.
وتهاوي الشيء لا يتمالك. ويقال للسّيف لا يبالي ما لقي.
وقال الأعشى في غير هذا الباب:
كحوصلة الرّال في جريهاإذا جليت بعد إقعادها
«كحوصلة الرّأل» يصف الخمر بالحمرة. جليت: أخرجت؛ وهو مأخوذ من جلوة العروس القاعدة، إذا قعدت عن الطّلب. ومثله في غير الخمر قول علقمة:
تأوي إلى حسكل حمر حواصلهكأنّهنّ إذا برّكن جرثوم
وقال الأخنس بن شهاب:
تظلّ بها ربد النّعام كأنّهاإماء تزجّي بالمساء حواطب
تزجّي: تدفع؛ وذلك أنّه يثقل حملها فتمشي مشية النّعامة. وقال الرّاجز:
وإذا الرّياح تروّحت بعشيّةرتك النّعام إلى كثيف العرفج
والرّتك: مشي سريع. يقول تبادر إلى الكثيف تستتر به من البرد. وقال:
رتك النّعامة في طريق حام
وليس لقول من زعم أنّ الظليم إذا عدا استقبل الرّيح، وإنّما ذلك مخافة أن تكون الرّيح من خلفه فتكبته- معنى؛ لأنّا نجدهم يصفون جميع ما يستدعونه باستقبال الرّيح. قال عبدة بن الطّبيب، يصف الثّور:
مستقبل الرّيح يهفو وهو مبتركلسانه عن شمال الشّدق معدول
ووصف الذّيب طفيل الغنويّ، فقال:
كسيد الغضا العادي أضلّ جراءهعلى شرف مستقبل الرّيح يلحب
ويلحق بموضع ذكر الضّرب الشديد، قولهم في المثل: «ضربناهم ضرب غرائب الإبل». قال أبو حيّة:
جديرون يوم الرّوع أن يخضبوا القناوأن يتركوا الكبش المدجّج ثاويا
ضربناهم ضرب الجنابى على جبىغرائب تغشاه حرارا ضواريا
وإذا جاءت عطاشا قد بلغ منها العطش واليبس، قيل: جاءت تصلّ أجوافها صليلا. قال الرّاعي:
فسقوا صوادي يسمعون عشيّةللماء في أجوافهنّ صليلا
قال: وأنشدنا أبو مهديّة، لمزاحم العقيليّ:
غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤهاتصلّ، وعن قيض بزيزاء مجهل
قال الزّيزاء: المكان الغليظ.
وقال آخر:
ألم تعلمي يا أمّ حسّان أنّنيإذا عبرة نهنهتها فتجلّت
رجعت إلى صدر كجرّة حنتمإذا قرعت صفرا من الماء صلّت
وزعم ابن أبي العجوز الحوّاء، أنّ الأفاعي صمّ، فلذلك لا تجيب الرّقى، ثمّ زعم لي في ذلك المجلس أنّ أمير المؤمنين المنصور، أراد امتحان رقى حيّة وأن يتعرّف صحّتها من سقمها، وأنّه أمر فصاغوا له أفعى من رصاص، فجاءت ولا يشكّ النّاظر فيها؛ وأنّه أمر بإلزاقها في موضع من السّقف؛ وأنّه أحضره وقال له: إنّ هذه الأفعى قد صارت في هذه الدّار، وقد كرهتها لمكانها؛ فإن احتلت لي برقية، أو بما أحببت أحسنت إليك. قال: إن أردت أن آخذها هربت، ولكن أرقيها حتى تنزل! فرقاها فلما رآها لا تتحرّك زاد في رفع صوته وألقى قناعه، فلما رآها لا تتحرّك نزع عمامته وزاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع قلنسوته وزاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرّك نزع ثيابه، وزاد في رفع صوته، حتّى أزبد، وتمرّغ في الأرض، فلما فعل ذلك سال ذلك الرّصاص وذاب، حتى صار بين أيديهم، فأقرّ عند ذلك المنصور بجودة رقيته.
فقلت له: ويلك! زعمت قبيل أنّ الأفاعي لا تجيب الرّقى؛ لأنها لا تسمع، وهي حيوان، ثمّ زعمت أنّها أجابت، وهي جماد!!
وقال الشّاعر:
وربداء يكفيها الشّميم وما لهاسوى الرّبد من أنس بتلك المجاهل
يخبر أنّ النّعامة لا تستأنس بشيء من الوحش، وأنّ الشّمّ يغنيها في فهم ما تحتاج إليه.
وهي مع ذلك إذا صارت إلى دور النّاس، فليس معها من الوحشة منهم، على قدر ما يذكرون.
وفي الوحش ما يأنس، وفيها ما لا يأنس. وقال كثيّر:
فأقسمت لا أنساك ما عشت ليلةوإن شحطت دار وشطّ مزارها
وما استنّ رقراق السّراب وما جرتببيض الرّبا أنسيّها ونوارها
ووصف بلادا قفارا غير مأنوسة فقال:
ما ترى العين حولها من أنيسقربها غير رابدات الرّئال
خصّها بالذّكر؛ لأنها أنفر وأشرد، وأقلّ أنسا من جميع الوحش.
وقال الأحيمر: كنت آتي الظّبي حتى آخذ بذارعيه؛ وما كان شيء من بهائم الوحش ينكرني إلّا النّعام. وأنشد قول ذي الرّمّة:
وكلّ أحمّ المقلتين كأنّهأخو الإنس من طول الخلاء المغفّل
يدلّ على ذلك في قدر ما شاهدنا أنّهم يخرجون إلى الصّحارى الأغفال، التي لم يذعر صيدها، ولا يطؤها النّاس، فيأتون الوحش فوضى هملا، ومعهم كلابهم وفهودهم تتلوى بأيديهم، فيتقدّمون إلى المواضع التي لو كانوا ابتدؤوا الصّيد من جهتها لأخذوا ما أخذوا فإذا نفرت وحوش هذه الأرض، ومرّت بالأرض المجاورة لها، نفرت سكّان تلك الأرض مع هذه النّوافر، ولا تعود تلك الصحارى إلى مثل ما كانت عليه، من كثرة الوحش حينا.
ومتى لم تنفّرها الأعراب بالكلاب والقسيّ، ونصب الحبائل، رتعت بقربهم، ثمّ دنت منهم أوّلا فأوّلا، حتى تطأ أكناف بيوتهم. وهي اليوم في حير المعتصم بالله والواثق بالله على هذه الصّفة.
وخبّرني إبراهيم بن السّنديّ قال خبرني عبد الملك بن صالح، وإسحاق بن عيسى، وصالح صاحب الموصل، أنّ خالد بن برمك، بينا هو على سطح من سطوح القرى مع قحطبة، وهم يتغدّون، وذلك في بعض منازلهم، حين فصلوا من خراسان إلى الجبل. قال: وبين قحطبة وبين الأعداء مسيرة أيّام وليال. قال: فبينا خالد يتغدّى معه وذلك حين نزلوا وبهم كلال السّير، وحين علّقوا على دوابّهم، ونصبوا قدورهم، وقرّبوا سفرهم.
قال فنظر خالد إلى الصّحراء، فرأى أقاطيع الظّباء قد أقبلت من جهة الصّحارى، حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيّها الأمير! ناد في النّاس: «يا خيل الله اركبي»؛ فإنّ العدوّ قد حثّ إليك السّير، وغاية أصحابك أن يسرجوا ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل. فقام قحطبة مذعورا، فلما لم ير شيئا يروعه، ولم ير غبارا قال لخالد: ما هذا الرّأي! قال: أيّها الأمير! لا تتشاغل بي وبكلامي، وناد في النّاس.
أما ترى أقاطيع الوحش قد أقبلت، فارقت مواضعها حتّى خالطت الناس؟! إنّ وراءها
جمعا عظيما!. قال: فو الله ما ألجموا وأسرجوا حتى رأوا ساطع الغبار، ولا تلبّسوا وتسلّحوا حتّى رأوا الطليعة. فما التأموا حتى استوى أصحاب قحطبة على ظهور خيولهم. ولولا نظرة خالد بن برمك وفراسته، لقد كان ذلك الجيش اصطلم.
وكان إبراهيم بن السّنديّ يحدّثنا من صدق حسّ أبيه في الشّمّ، بشيء ما يحكى مثله إلّا عن السّباع والذّرّ والنّعام. وزعم أنّ أباه قال ذات يوم: أجد ريح بول فأرة! ثمّ تشمّم وأجال أنفه في المجلس، فقال: هو في تلك الزّاوية! فنظروا فإذا على طرف البساط من البلل بقدر الدّرهم، أو أوسع شيئا، فقضوا أنّه بول فأرة.
قال: وشهدته مرّة وأشراطه قيام على رأسه في السّماطين، فقال: أجد ريح جورب عفن منتن! فتشمّمنا بأجمعنا، فلم نجد شيئا، ثمّ تشمّم وقال: انزعوا خفّ ذاك. فنزعوا خفّه، فكلّما مدّ النازع له شيئا بدا من لفافته. فما زال النّتن يكثف ويزداد، حتى خلع خفّه ونزعه من رجله، فظهر من نتن لفافته ما عرف به صدق حسّه. ثمّ قال: انزعوا الآن أخفافكم بأجمعكم، فلا بدّ من ألّا يكون في جميع اللّفائف منتن غير لفافته، أو تكون لفافته أنتنها؛ فنزعوا، فلم يجدوا في جميعها لفافة منتنة غيرها.
وأنشدوا:
غزا ابن عمير غزوة تركت لناثناء كنتن الجورب المتخرّق
وليس الذي يحكى من صدق الحسّ في الشّم- عن بعض النّاس، وعن النّعام والسّباع، والفأر والذّرّ، وضروب من الحشرات- من شكل ما نطق به القرآن العظيم،
من شأن يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسّلام حين يقول تعالى: قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
. وكان هذا من يعقوب بعد أن قال يوسف اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
. ولذلك قال: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ
ثمّ قال: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً
وإنّما هذا علامة ظهرت له خاصة؛ إذ كان النّاس لا يشتمّون أرواح أولادهم إذا تباعدوا عن أنوفهم، وما في طاقة الحصان الذي يجد ريح الحجر ممّا يجوز الغلوتين والثّلاث. فكيف يجد الإنسان وهو بالشّام ريح ابنه في قميصه، ساعة فصل من أرض مصر؟! ولذلك قال: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
وقد غبر موسى وهو يسير أربعين عاما، لا يذوق ذواقا. وجاع أهل المدينة في تلك الحطمة، حتى كان أصحاب رسول الله ﷺ يشدّون الحجر على بطونهم، من الجوع والجهد. وكان النبيّ ﷺ، وعلى آله الطّيبين الطاهرين
يقول: «إنّي لست كأحدكم، إنّي أبيت عند ربّي، يطعمني ويسقيني».
ورجال ممّن ينتحل الإسلام، يظهرون التقذّر من الصّيد، ويرون أنّ ذلك من القسوة، وأنّ أصحاب الصّيد لتؤدّيهم الضّراوة التي اعترتهم من طروق الطّير في الأوكار، ونصب الحبائل للظّباء، التي تنقطع عن الخشفان حتى تموت هزلا وجوعا، وإشلاء السّباع على بهائم الوحش وستسلم أهلها إلى القسوة، وإلى التهاون بدماء النّاس.
والرّحمة شكل واحد. ومن لم يرحم الكلب لم يرحم الظّبي، ومن لم يرحم الظّبي لم يرحم الجدي، ومن لم يرحم العصفور لم يرحم الصّبيّ. وصغار الأمور تؤدّي إلى كبارها.
وليس ينبغي لأحد أن يتهاون بشيء ممّا يؤدي إلى القسوة يوما ما. وأكثر ما سمعت هذا الباب، من ناس من الصّوفيّة، ومن النّصارى؛ لمضاهاة النّصارى سبيل الزّنادقة، في رفض الذبائح، والبغض لإراقة الدّماء، والزّهد في أكل اللّحمان.
وقد- كان يرحمك الله- على الزّنديق ألّا يأتي ذلك في سباع الطّير، وذوات الأربع من السّباع. فأما قتل الحيّة والعقرب، فما كان ينبغي لهم البتّة أن يقفوا في قتلهما طرفة عين؛ لأنّ هذه الأمور لا تخلو من أن تكون شرّا صرفا، أو يكون ما فيها من الخير مغمورا بما فيها من الشرّ. والشّرّ شيطان، والظّلمة عدوّ النّور. فاستحياء الظلمة وأنت قادر على إماتتها، لا يكون من عمل النّور. بل قد ينبغي أن تكون رحمة النّور لجميع الخلائق والنّاس، إلى استنقاذهما من شرور الظّلمة.
وكما ينبغي أن يكون حسنا في العقل استحياء النّور والعمل في تخليصه والدّفع عنه- فكذلك ينبغي أن يكون قتل الظّلمة وإماتتها، والعون على إهلاكها، وتوهين أمرها- حسنا.
والبهيمة التي يرون أن يدفعوا عنها أيضا ممزوجة، إلّا أنّ شرّها أقلّ. فهم إذا استبقوها فقد استبقوا الشّرور المخالطة لها.
فإن زعموا أنّ ذلك إنّما جاز لهم؛ لأنّ الأغلب على طباعها النّور فليغتفروا في هذا الموضع إدخال الأذى على قليل ما فيها من أجزاء الشّرّ كما اغتفروا ما في إدخال الروح والسّرور على ما في البهيمة من أجزاء الظّلمة لدفعهم عن البهيمة؛ إذ كان أكثر أجزائها من النّور.
وإنّما ذكرت ما ذكرت؛ لأنّهم قالوا: الدّليل على أنّ الذي أنتم فيه، من أكل الحيوان كلّ يوم من الذبائح، مكروه عند الله، أنّكم لم تروا قطّ ذبّاحي الحيوان ولا قتّالي الإنسان، ولا الذين لا يقتاتون إلّا اللّحمان يفلحون أبدا. ويستغنون؛ كنحو صيّادي السّمك وصيّادي الوحش وأصناف الجزّارين والقصّابين، والشّوّائين والطهّائين والفهّادين والبيازرة والصّقّارين والكلابين؛ لا ترى أحدا منهم صار إلى غنى ويسر، ولا تراه أبدا إلا فقيرا محارفا، وعلى حال مشبهة بحاله الأولى.
وكذلك الجلادون، ومن يضرب الأعناق بين يدي الملوك. وكذلك أصحاب الاستخراج والعذاب، وإن أصابوا الإصابات، وجميع أهل هذه الأصناف.
نعم؛ وحتّى ترى بعضهم وإن خرج نادرا خارجيّا، ونال منهم ثروة وجاها وسلطانا، فإمّا أن يقتل، وإمّا يغتصب نفسه بميتة عاجلة، عند سروره بالثّروة، أو يبعث الله عليه المحق فلا ينمو له شيء، وإما ألّا يجعل من نسلهم عقبا مذكورا، ولا ذكرا نبيها وذرّيّة طيبة، مثل الحجّاج بن يوسف، وأبي مسلم، ويزيد بن أبي مسلم ومثل أبي الوعد، ومثل رجال ذكروهم لا نحبّ أن نسميهم.
قال: فإنّ هؤلاء، مع كثرة الطّروقة وظهور القدرة، ومع كثرة الإنسال، قد قبح الله أمرهم، وأخمل أولادهم. فهم بين من لم يعقب، أو بين من هو في معنى من لم يعقب.
فقلت للنّصارى بديّا: كيف كان النّاس أيّام الحكم بما في التّوراة أيّام موسى وداود، وهما صاحبا حروب وقتل، وسباء وذبائح؟! نعم حتى كان القربان كله أو عامّته حيوانا مذبوحا، لذلك سمّيتم بيت المذبح.
ولسنا نسألكم عن سيرة النّصارى اليوم، ولكنّا نسألكم عن دين موسى وحكم التّوراة، وحكم صاحب الزّبور. وما زالوا عندكم إلى أن أنكروا ربوبيّة المسيح، على أكثر من حالنا اليوم في الذبائح. وأنتم في كثير من حالاتكم تغلون علينا السّمك، حتى نتوخّى أيّاما بأعيانها، فلا نشتري السّمك إلا فيها؛ طلبا للإمكان والاسترخاص، وهي يوم الخميس، ويوم السّبت، ويوم الثّلاثاء؛ لأنّ شراءكم في ذلك اليوم يقلّ. على أنّكم تكثرون من الذّبائح في أيّام الفصح، وهل تدعون أكل الحيوان إلّا أيّاما معدودة، وساعات معلومة؟!.
فإذا كانت الحرفة والمحن إنّما لزما القصّابين والجزّارين والشّوّائين، وأصناف الصّيّادين، من جهة العقوبة- فأنتم شركاء صيّادي السّمك خاصّة؛ لأنّكم آكل الخلق له، وأنتم أيضا شركاء القصّابين في عامّة الدّهر. فلا أنتم تدينون للإسلام فتعرفوا ما عليكم ولكم، وفصل ما بين الرّحمة والقسوة، وما الرّحمة، وفي أيّ موضع يكون ذلك القتل رحمة؟ فقد أجمعوا على أنّ قتل البعض إحياء للجميع، وأنّ إصلاح النّاس. في إقامة جزاء الحسنة والسيئة. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
والقود حياة. وهذا شيء تعمل به الأمم كلها، غير الزّنادقة. والزّنادقة لم تكن قطّ أمّة، ولا كان لها ملك ومملكة، ولم تزل بين مقتول وهارب ومنافق. فلا أنتم زنادقة. ولا ينكر لمن كان ذلك مذهبه أن يقول هذا القول.
فأنتم لا دهريّة، ولا زنادقة، ولا مسلمون؛ ولا أنتم راضون بحكم الله أيّام التّوراة.
فإن كان هذا الحكم قد أمر الله به- وهو عدل- فليس بين الزّمانين فرق.
وبعد فإنّا نجدكم تأكلون السّمك أكلا ذريعا، وتتقذرون من اللّحمان! أفلأنّ السّمك لا يألم القتل، أم لأنّ السّمك لمّا قتلتموه بلاسكّين لم يحسّ قتله؟! فالجميع حيوان، وكلّ مقتول يألم، وكلّ يحسّ. فكيف صار أكل اللّحم قسوة، وأكل السّمك ليس بقسوة؟!. وكيف صار ذبح البهائم قسوة ولا تكون تفرقة ما بين
السّمك والماء حتّى تموت قسوة! وكيف صار ذبح الشّاة قسوة وصيد السمك بالسّنانير المذرّبة المعقّفة ليس لها شعائر تخالف العقاف المنصوص في جهاتها.
وكيف وهي وإن لم تنشب في أجوافها، وتقبض على مجامع أرواحها، لم تقدر على أخذها؟!.
وكيف صار وجء اللّبّة من الجزور أقسى من ضرب النبائل؟! أم كيف صار طعن العير بالرّمح، ونصب الحبائل للظّباء، وإرسال الكلاب عليها أشدّ من وقع النّبائل في ظهر السّمك؟! ولأنّكم تكثرون قولكم: لا نأكل شيئا فيه دم أيّام صومنا، فللسّمك دم، ولا بدّ لجميع الحيوان من دم أو شيء يشاكل الدّم، فما وجه اعتلالكم بالدّم؟! ألأنّ كلّ شيء فيه دم فهو أشدّ ألما؟ فكيف نعلم ذلك؟ وما الدّليل عليه؟
فإن زعمتم أنّ ذلك داخل في باب التعبّد والمصلحة، لا في باب القياس والرّحمة والقسوة، فهذا باب آخر. إلّا أن تدّعوا أنّ ذوات الدّماء أقوى للأبدان، وآشر للنّفوس، فأردتم بذلك قلّة الأشر وضعف البدن. فإن كان ذلك كذلك فقد ينبغي أن يكون هذا المعنى مستبينا في آكلي السّمك من البحريين.
وأمّا ما ذكرتم من ملازمة الحرفة لهؤلاء الأصناف، فإنّ كلّ من نزلت صناعته، ودقّ خطر تجارته، كذلك سبيله.
وأحلّ الكسب كلّه وأطيبه عند جميع النّاس سقي الماء، إمّا على الظّهر، وإمّا على دابّة. ولم أر سقّاء قطّ بلغ حال اليسار والثّروة وكذلك ضرّاب اللّبن، والطّيّان، والحرّاث. وكذلك ما صغر من التّجارات والصّناعات.
ألا ترون أنّ الأموال كثيرا ما تكون عند الكتّاب، وعند أصحاب الجوهر، وعند أصحاب الوشي والأنماط، وعند الصّيارفة والحنّاطين، وعند البحريّين
والبصريين. والجلّاب أبدا، والبيازرة أيسر ممّن يبتاع منهم.
وجمل الأموال حقّ بأن تربح الجمل من تفاريق الأموال. وكذلك سبيل القصّاب والجزّار، والشّوّاء، والبازيار، والفهّاد.
وأمّا ما ذكرتم من انقطاع نسل القساة، وخمول أولادهم، كانقطاع نسل فرعون، وهامان، ونمرود، وبخت نصّر، وأشباههم، فإنّ الله يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
وإن شئتم أن تعدّوا من المذكورين بالصّلاح أكثر من هؤلاء ممّن كان عقيما أو كان ميناثا، أو يكون ممّن نبت لهم أولاد سوء عقّوهم في حياتهم، وعرّضوهم للسّبّ بعد موتهم- لوجدتموهم.
وعلى أني لم أنصب نفسي حربا للحجّاج بن يوسف، ويزيد بن أبي مسلم، أتحرى بهما، وهما عندي من أهل النّار. ولكنّي عرفت مغزاكم.
وعلى أنّكم ليس القصّابين أردتم، ولكنّكم أردتم دين المسلمين.
وقد خرج الحجّاج من الدّنيا سليما في بدنه، وظاهر نعمته، وعليّ مرتبته من الملك، ومكانه من جواز الأمر والنّهي.
فإن كان الله عندكم سلّمه وعاقب أولاده، وكان ذلك دينكم فإنّ هذا قول إن خاطبتم به الجبريّة فعسى أن تتعلّقوا منهم بسبب فأمّا من صحّح القول بالعدل فإنّ هذا القول عنده من الخطإ الفاحش الذي لا شبهة فيه.
وكان ممّا أنشدوا من الدّليل على أنّ القانص لا يزال فقيرا- قول ذي الرّمة:
حتّى إذا ما لها في الجدر واتّخذتشمس النّهار شعاعا بينها طبب
ولاح أزهر مشهور بنقبتهكأنّه حين يعلو عاقرا لهب
هاجت به جوّع طلس مخصّرةشوازب لاحها التّغريث والجنب
جرد مهرّتة الأشداق ضاريةمثل السّراحين في أعناقها العذب
ومطعم الصّيد هبّال لبغيتهألفى أباه بذاك الكسب يكتسب
مقزّع أطلس الأطمار ليس لهإلّا الضّراء وإلّا صيدها نشب
فانصاع جانبه الوحشيّ وانكدرتيلحبن لا يأتلي المطلوب والطّلب
قال: فجعله كما ترى مقزّعا أطلس الأطمار، وخبّر أنّ كلابه نشبه، وأنّه ألفى أباه كذلك.
وأنشدوا في ذلك قول الآخر:
وأعصم أنسته المنيّة نفسهرعى النبع والظّيّان في شاهق وعر
موارده قلت تصفّقه الصّبابنيق مزلّ، غير كدر ولا نزر
قرته السّحاب ماءها، وتهدّلتعليه غصون دانيات من السّمر
أتيح له طلح إزاه بكفّه:هتوف وأشباه تخيّرن من حجر
أبو صبية لا يستدرّ إذا شتالقوحا، ولا عنزا، وليس بذي وفر
له زوجة شمطاء يدرج حولهافطيم تناجيه، وآخر في الحجر
مشوّهة لم تعب طيبا ولم تبتتقتّر هنديّا بليل على جمر
محدّدة العرقوب ثلّم نابهاتعرّقها الأوذار من فقر الحمر
مسفّعة الخدّين، سوّد درعهاتقدّرها باللّيل، والأخذ بالقدر
كغول الفلاة لم تخضّب بنانهاولم تدر ما زيّ الخرائد بالمصر
فأرسل سهما أرهف القين حدّهفأنفذ حضنيه فخرّ على النّحر
كان أبو إسحاق يسأل المنانيّة، عن مسألة قريبة المأخذ قاطعة، وكان يزعم أنّها ليست له.
وذلك أنّ المنانيّة تزعم أنّ العالم بما فيه، من عشرة أجناس: خمسة منها خير ونور، وخمسة منها شرّ وظلمة. وكلّها حاسّة وحارّة.
وأنّ الإنسان مركّب من جميعها على قدر ما يكون في كلّ إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشّرّ، ورجحان أجناس الشّرّ على أجناس الخير.
وأنّ الإنسان وإن كان ذا حواسّ خمسة، فإنّ في كلّ حاسّة متونا من ضدّه من الأجناس الخمسة. فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النّظرة من النّور، ومن الخير.
ومتى نظر نظرة وعيد، فتلك النّظرة من الظلمة. وكذلك جميع الحواسّ.
وأنّ حاسّة السّمع جنس على حدة، وأنّ الذي في حاسّة البصر من الخير والنّور، لا يعين الذي في حاسّة السّمع من الخير ولكنه لا يضادّه، ولا يفاسده، ولا يمنعه. فهو لا يعينه لمكان الخلاف والجنس، ولا يعين عليه؛ لأنّه ليس ضدّا.
وأنّ أجناس الشّرّ خلاف لأجناس الشّرّ، ضدّ لأجناس الخير. وأجناس الخير يخالف بعضها بعضا ولا يضادّ. وأنّ التّعاون والتآدي لا يقع بين مختلفها، ولا بين متضادّها، وإنما يقع بين متفقها.
قال: فيقال للمنانيّ: ما تقول في رجل قال لرجل: يا فلان، هل رأيت فلانا؟
فقال المسؤول: نعم قد رأيته. أليس السّامع قد أدّى إلى النّاظر، والنّاظر قد أدّى إلى الذّائق؟! وإلّا فلم قال اللّسان: نعم! إلّا وقد سمع الصّوت صاحب اللّسان؟! وهذه المسألة قصيرة كما ترى، ولا حيلة له بأن يدفع قوله.
ومسألة أخرى، سأل عنها أمير المؤمنين الزّنديق الذي كان يكنى بأبي عليّ،
وذلك عند ما رأى من تطويل محمّد بن الجهم وعجز العتبي وسوء فهم القاسم بن سيّار، فقال له المأمون: أسألك عن حرفين فقط. خبّرني: هل ندم مسيء قطّ على إساءته، أو نكون نحن لم نندم على شيء كان منّا قط؟! قال: بل ندم كثير من المسيئين على إساءتهم. قال: فخبّرني عن النّدم على الإساءة، إساءة أو إحسان؟ قال:
إحسان. قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟ قال: الذي ندم هو الذي أساء. قال:
فأري صاحب الخير هو صاحب الشّرّ، وقد بطل قولكم: إنّ الذي ينظر نظر الوعيد غير الذي ينظر نظر الرحمة. قال: فإني أزعم أنّ الذي أساء غير الذي ندم. قال: فندم على شيء كان منه أو على شيء كان من غيره؟ فقطعه بمسألته، ولم يتب ولم يرجع، حتى مات، وأصلاه الله نار جهنّم.
وقد ذكر حمّاد عجرد ناسا في هجائه لبشار، فقال:
لو كنت زنديقا، عمار، حبوتنيأو كنت أعبد غير ربّ محمّد
أو كنت عندك أو تراك عرفتنيكالنّضر أو ألفيت كابن المقعد
أو كابن حمّاد ربيئة دينكمجبل وما جبل الغويّ بمرشد
لكنّني وحّدت ربّي مخلصافجفوتني بغضا لكلّ موحّد
وحبوت من زعم السّماء تكوّنت،والأرض خالقها لها لم يمهد
والنّسم مثل الزّرع آن حصادهمنه الحصيد ومنه ما لم يحصد
وحمّاد هذا أشهر بالزّندقة من عمارة بن حربية، الذي هجاه بهذه الأبيات.
وأمّا قوله:
وحبوت من زعم السّماء تكوّنت
فليس يقول أحد: إنّ الفلك بما فيه من التّدبير، تكوّن بنفسه ومن نفسه!
فجهل حمّاد بهذا المقدار من مقالة القوم، كأنّه عندي ممّا يعرفه من براءته الساحة.
فإن كان قد أجابهم فإنما هو من مقلّديهم.
وهجا حمّاد بن الزّبرقان، حمادا الراوية فقال:
نعم الفتى لو كان يعرف ربّهويقيم وقت صلاته حمّاد
هدلت مشافره الدّنان فأنفهمثل القدوم يسنّها الحدّاد
وابيضّ من شرب المدامة وجههفبياضه يوم الحساب سواد
فقد كان كما ترى:
هدلت مشافره الدنان فأنفهمثل القدوم
(البيت) فقد رأيت جماعة ممّن يعاقرون الشّراب، قد عظمت آنفهم. وصارت لهم خراطيم، منهم روح الصّائغ، وعبد الواحد صاحب اللؤلويّ وجماعة من ندمان حمّاد بن الصّباح، وعبد الله أخو نهر ابن عسكر وناس كثير.
ويدلّ على ذلك من المنافرة قول جرير للأخطل:
وشربت بعد أبي ظهير وابنهسكر الدّنان كأنّ أنفك دمّل
وكان منهم يونس بن فروة. وفي يونس يقول حمّاد عجرد:
أما ابن فروة يونس فكأنّهمن كبره أير الحمار القائم
ما النّاس عندك غير نفسك وحدهاوالخلق عندك ما خلاك بهائم
إنّ الذي أصبحت مفتونا بهسيزول عنك وأنف جارك راغم
فتعضّ من ندم يديك على الذىفرّطت فيه، كما يعض النّادم
فلقد رضيت بعصبة آخيتهموإخاهم لك بالمعرّة لازم
فعلمت حين جعلتهم لك دخلةأني لعرضك في إخائك ظالم
وكان حمّاد عجرد، وحمّاد الرّاوية، وحمّاد بن الزّبرقان، ويونس بن هارون، وعلي بن الخليل، ويزيد بن الفيض، وعبادة وجميل بن محفوظ، وقاسم، ومطيع، ووالبة بن الحباب، وأبان بن عبد الحميد، وعمارة بن حربية، يتواصلون، وكأنهم نفس واحدة وكان بشّار ينكر عليهم.
ويونس الذي زعم حماد عجرد أنّه قد غرّ نفسه بهؤلاء، كان أشهر بهذا الرّأي منهم، وقد كان كتب كتابا لملك الرّوم في مثالب العرب، وعيوب الإسلام، بزعمه.
وذكر أبو نواس أبان بن عبد الحميد اللّاحقي، وبعض هؤلاء، ذكر إنسان يرى لهم قدرا وخطرا، في هجائيّة لأبان، وهو قوله:
جالست يوما أبانالا درّ درّ أبان
ونحن حضر رواق الأمير بالنهروان
حتّى إذا ما صلاة الأأولى أتت لأذان
فقام ثمّ بها ذوفصاحة وبيان
فكلّ ما قال قلناإلى انقضاء الأذان
فقال: كيف شهدتمبذا، بغير عيان؟!
لا أشهد الدّهر حتّىتعاين العينان!
فقلت: سبحان ربّي!فقال: سبحان ماني !
فقلت: عيسى رسولفقال: من شيطان!
فقلت: موسى كليم المهيمن المنّان
فقال: ربّك ذو مقلة إذا ولسان!
فنفسه خلقتهأم من؟! فقمت مكاني
عن كافر يتمرّىبالكفر بالرّحمن
يريد أن يتسوّىبالعصبة المجّان
بعجرد وعبادوالوالبيّ الهجان
وقاسم ومطيعريحانة النّدمان
وتعجّبي من أبي نواس، وقد كان جالس المتكلمين أشدّ من تعجّبي من حمّاد، حين يحكي عن قوم من هؤلاء قولا لا يقوله أحد. وهذه قرّة عين المهجوّ.
والذي يقول: سبحان ماني يعظم أمر عيسى تعظيما شديدا فكيف يقول: إنّه من قبل شيطان؟! وأما قوله: «فنفسه خلقته أم من» فإنّ هذه مسألة نجدها ظاهرة على ألسن العوامّ. والمتكلمون لا يحكون هذا عن أحد.
وفي قوله: «والوالبيّ الهجان» دليل على أنّه من شكلهم.
والعجب أنّه يقول في أبان: إنّه ممّن يتشبه بعجرد ومطيع، ووالبة بن الحباب، وعليّ بن الخليل، وأصبغ - وأبان فوق ملء الأرض من هؤلاء، ولقد كان أبان، وهو سكران، أصحّ عقلا من هؤلاء وهم صحاة. فأمّا اعتقاده فلا أدري ما أقول لك فيه: لأنّ النّاس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوف، من جهة النظر.
ولكن للنّاس تأسّ وعادات، وتقليد للآباء والكبراء، ويعملون على الهوى، وعلى ما يسبق إلى القلوب، ويستثقلون التّحصيل، ويهملون النّظر، حتى يصيروا في حال متى عاودوه وأرادوه، نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة، ومع سوء عادة. والنّفس لا تجيب وهي مستكرهة. وكان يقال: «العقل إذا أكره عمي». ومتى عمي الطّباع وجسا وغلط وأهمل، حتّى يألف الجهل، لم يكد يفهم ما عليه وله. فلهذا وأشباهه قاموا على الإلف، والسّابق إلى القلب.
وقال حمّاد عجرد:
اعلموا أنّ لودّيثمنا عندي ثمينا
ليت شعري أيّ حكمقد أراكم تحكمونا
أن تكونوا غير معطين وأنتم تأخذونا
ابن لقمان بن عادفي است هذا الدّين دينا
وما رأيت أحدا وضع لقمان بن عاد في هذا الموضع، غيره! وقال حمّاد عجرد في بشار:
يا ابن الخبيثة إنّ أمّك لم تكن ذات اكتتام
وتبدّلت ثوبان ذا الأير المضبّر والعرام
ثوبان دقّاق الأززبأرواث حسام
عرد كقائمة السّرير يبيلها عند الرّطام
وأتت سميعة بعدهابالمصملّات العظام
أخت لهم كانت تكابرأن تسافح من قيام
وقال حمّاد يذكر بشارا:
غزالة الرجسة أو بنتهاسميعة الناعية الفهرا
وقال وذكر أمّه:
أبني غزالة يا بني جشم استهاليحقكم أن تفرحوا لا تجزعوا
وما كان ينبغي لبشّار أن يناظر حمادا من جهة الشعر وما يتعلّق بالشّعر، لأنّ حمّادا في الحضيض، وبشّارا مع العيّوق. وليس في الأرض مولّد قرويّ يعدّ شعره في المحدث إلّا وبشّار أشعر منه.
وقال أبو الشمقمق في جميل بن محفوظ:
وهذا جميل على بغلهوقد كان يعدو على رجله
يروح ويغدو كأير الحمارويرجع صفرا إلى أهله
وقد زعموا أنّه كافروأنّ التّزندق من شكله
كأني به قد دعاه الإماموآذن ربّك في قتله
وأمّا أبو نواس فقد كان يتعرّض للقتل بجهده. وقد كانوا يعجبون من قوله:
كيف لا يدنيك من أملمن رسول الله من نفره
فلما قال:
فاحبب قريشا لحبّ أحمدهاواشكر لها الجزل من مواهبها
جاء بشيء غطّى على الأوّل.
وأنكروا عليه قوله:
لو أكثر التّسبيح ما نجّاه
فلما قال:
يا أحمد المرتجى في كلّ نائبةقم سيّدي نعص جبّار السّموات
غطّى هذا على الأوّل. وهذا البيت مع كفره مقيت جدا. وكان يكثر في هذا الباب.
وأما سوى هذا الفنّ فلم يعرفوا له من الخطإ إلا قولّه:
أمستخبر الدّار هل تنطقأنا مكان الدار لا أنطق
كأنها إذ خرست جارمبين ذوي تفنيده مطرق
فعابوه بذلك، وقالوا: لا يقول أحد: لقد سكت هذا الحجر، كأنّه إنسان ساكت، وإنما يوصف خرس الإنسان بخرس الدّار، ويشبّه صممه بصمم الصّخر.
وعابوه بقوله، حين وصف عين الأسد بالجحوظ، فقال:
كأنّ عينه إذا التهبتبارزة الجفن عين مخنوق
وهم يصفون عين الأسد بالغؤور. قال الرّاجز:
كأنما ينظر من جوف حجر
وقال أبو زبيد:
كأنّ عينيه في وقبين من حجرقيضا اقتياضا بأطراف المناقير
ومع هذا فإنّا لا نعرف بعد بشّار أشعر منه.
وقال أبو زبيد:
وعينان كالوقبين في ملء صخرةترى فيهما كالجمرتين تسعّر
وحدّثني أبو شعيب القلّال، وهو صفريّ، قال: رهبان الزّنادقة سيّاحون؛ كأنهم جعلوا السّياحة بدل تعلق النّسطوري في المطامير.
ومقام الملكانيّ في الصّوامع، ومقام النّسطوريّ في المطامير.
قال: ولا يسيحون إلا أزواجا. ومتى رأيت منهم واحدا فالتفتّ رأيت صاحبه، والسّياحة عندهم ألّا يبيت أحدهم في منزل ليلتين. قال: ويسيحون على أربع خصال: على القدس، والطّهر، والصّدق، والمسكنة. فأمّا المسكنة، فأن يأكل من المسألة، وممّا طابت به أنفس النّاس له حتّى لا يأكل إلّا من كسب غيره الذي عليه غرمه ومأثمه، وأمّا الطهر فترك الجماع، وأمّا الصّدق فعلى ألّا يكذب. وأما القدس فعلى أن يكتم ذنبه، وإن سئل عنه.
قال: فدخل الأهواز منهم رجلان، فمضى أحدهما نحو المقابر للغائط، وجلس الآخر بقرب حانوت صائغ، وخرجت امرأة من بعض تلك القصور ومعها حقّ فيه أحجار نفيسة، فلما صعدت من الطّريق إلى دكان الصّائغ زلقت فسقط الحقّ من يدها، وظليم لبعض أهل تلك الدّور يتردّد فلما سقط الحقّ وباينه الطّبق، تبدّد ما
فيه من الأحجار، فالتقم ذلك الظّليم أعظم حجر فيه وأنفسه، وذلك بعين السّائح؛ ووثب الصّائغ وغلمانه فجمعوا تلك الأحجار، ونحّوا النّاس وصاحوا بهم فلم يدن منهم أحد، وفقدوا ذلك الحجر، فصرخت المرأة، فكشف القوم وتناحوا، فلم يصيبوا الحجر، فقال بعضهم: والله ما كان بقربنا إلّا هذا الرّاهب الجالس، وما ينبغي أن يكون إلّا معه! فسألوه عن الحجر؛ فكره أن يخبرهم أنه في جوف الظليم فيذبح الظليم، فيكون قد شارك في دم بعض الحيوان، فقال ما أخذت شيئا! وبحثوه وفتّشوا كلّ شيء معه وألحّوا عليه بالضّرب، وأقبل صاحبه وقال: اتّقوا الله! فأخذوه وقالوا:
دفعته إلى هذا حتّى غيّبه! فقال: ما دفعت إليه شيئا! فضربوهما ليموتا. فبينما هما كذلك إذ مرّ رجل يعقل، ففهم عنهم القصّة، ورأى ظليما يتردّد فقال لهم: أكان هذا الظليم يتردّد في الطريق حين سقط الحجر؟ قالوا: نعم. قال: فهو صاحبكم.
فعوّضوا أصحاب الظليم، وذبحوه وشقّوا عن قانصته، فوجدوا الحجر وقد نقص في ذلك المقدار من الزّمان شبيها بشطره، إلّا أنها أعطته لونا صار الذي استفادوه من جهة اللّون أربح لهم من وزن ذلك الشّطر أن لو كان لم يذهب.
ونار القانصة غير نار الحجر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع