تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

جملة القول في الظليم

فممّا فيه من الأعاجيب أنّه يغتذي الصّخر، ويبتلع الحجارة، ويعمد إلى المرو، والمرو من الحجارة التي توصف بالملاسة، ويبتلع الحصى، والحصى أصلب من الصّخر، ثمّ يميعه ويذيبه في قانصته، حتّى يجعله كالماء الجاري، ويقصد إليه وهو واثق باستمرائه وهضمه، وأنّه له غذاء وقوام.

وفي ذلك أعجوبتان: إحداهما التّغذّي بما لا يتغذّي به. والأخرى استمراؤه وهضمه للشيء الذي لو ألقي في شيء ثم طبخ أبدا ما انحلّ ولا لان، والحجارة هو المثل المضروب في الشدّة. قال الشاعر:

حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

وقال آخر:

ما أطيب العيش لو أنّ الفتى حجرتنبو الحوادث عنه وهو ملموم
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

ووصف الله قلوب قوم بالشدّة والقسوة، فقال: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً

، وقال في التشديد: ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ

. لأنه حين حذر

النّاس أعلمهم أنّه يلقي العصاة في نار تأكل الحجارة.

ومن الحجارة ما يتّخذه الصفّارون علاة دون الحديد؛ لأنّه أصبر على دقّ عظام المطارق والفطّيسات.

فجوف النعامة يذيب هذا الجوهر الذي هذه صفته.

وقال ذو الرّمّة:

أذاك أم خاضب بالسّيّ مرتعهأبو ثلاثين أمسى وهو منقلب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»
شخت الجزارة مثل البيت سائرهمن المسوح خدبّ شوقب خشب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»
كأنّ رجليه مسماكان من عشرصقبان لم يتقشّر عنهما النّجب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»
الهاه آء وتنّوم، وعقبتهمن لائح المرو، والمرعى له عقب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقال أبو النّجم:

والمرو يلقيه إلى أمعائهفي سرطم ماد على التوائه
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
يمور في الحلق على علبائهتمعّج الحيّة في غشائه
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

هاد ولو حار بحوصلائه

ومن زعم أنّ جوف الظّليم إنما يذيب الحجارة بقيظ الحرارة فقد أخطأ. ولكن

لابدّ من مقدار للحرارة ونحو غرائز أخر، وخاصّيّات أخر، ألا ترى أنّ القدور التي يوقد تحتها الأيّام واللّيالي، لا تذوب.

وسأدلك على أنّ القول في الخاصّيّات والمقابلات والغرائز حقّ. ألا ترى أنّ جوف الكلب والذّيب يذيبان العظام ولا يذيبان نوى التمر، ونوى التمر أرخى وألين وأضعف من العظام المصمتة. وما أكثر ما يهضم العظم. وقد يهضم العظم جوف الأسد وجوف الحيّة. إذا ازدردت بضع اللحم بالشّره والنّهم، وفيها بعض العظام.

والبراذين التي يحيل أجوافها القتّ والتّبن روثا، لا تستمري الشعير.

والإبل تقبض بأسنانها على أغصان أمّ غيلان، وله شوك كصياصي البقر، والقضبان علكة يابسة جرد، وصلاب متينة، فتستمرئها وتجعلها ثلطا، ولا تقوى على هضم الشّعير المنقع، وليس ذلك إلّا بالخصائص والمقابلات.

وقد قدّر كلّ شيء لشيء. ولولا ذلك لما نفذ خرطوم البعوضة والجرجسة في جلد الفيل والجاموس، ولما رأيت الجاموس يهرب إلى الانغماس في الماء مرّة، ومرّة يتلطّخ بالطّين، ومرّة يجعله أهله على ربيث الدكان. ولو دفعوا إليك مسلّة شديدة المتن، لما أدخلتها في جلد الجاموس إلّا بعد التكلّف، وإلّا ببعض الاعتماد.

والذي سخّر جلد الجاموس حتّى انفرى وانصدع لطعنة البعوضة، وسخّر جلد الحمار لطعنة الذّباب، وسخّر الحجارة لجوف الظليم، والعظم لجوف الكلب- هو الذي سخّر الصّخر الصّلب لأذناب الجراد، إذا أرادت أن تلقي بيضها؛ فإنّها في تلك الحال متى عقدت ذنبها في ضاحي صخرة انصدعت لها. ولو كان انصداعها من جهة الأسر، ومن قوّة الآلة، ومن الصّدم وقوّة الغمز، لا نصدعت لما هو في الحسّ أشدّ وأقوى، ولكنّه على جهة التّسخير، والمقابلات، والخصائص.

وكذلك عود الحلفاء، مع دقّته ورخاوته ولين انعطافه، إذا نبت في عمق الأرض، وتلقّاه الآجرّ والخزف الغليظ، ثقب ذلك، عند نباته وشبابه، وهو في ذلك عبقر نضير.

وزعم لي ناس من أهل الأردنّ، أنّهم وجدوا الحلفاء قد خرق جوف القار.

وزعم لي أبو عتّاب الجرّار، أنّه سمع الأكرة يخبرون أنّهم وجدوه قد خرق فلسا بصريّا.

وليس ذلك لشدّة الغمز وحدّة الرأس، ولكنه يكون على قدر ملاقاة الطباع.

ويزعمون أنّ الصّاعقة تسقط في حانوت الصّيقل فتذيب السّيوف بطبعها، وتدع الأغماد على شبيه بحالها، وتسقط على الرّجل ومعه الدراهم فتسبك الدّراهم، ولا يصيب الرجل أكثر من الموت.

والبحريّون عندنا بالبصرة والأبلّة التي تكون فيها الصّواعق. لا يدعون في صحون دورهم وأعالي سطوحهم، شيئا من الصّفر إلّا رفعوه؛ لأنّها عندهم تنقضّ من أصل مخارجها، على مقدار من محاذاة الأرض، ومقابلة المكان. فإذا كان الصّفر لها ضاحيا، عدلت إليه عن سننها.

وما أنكر ما قالوا. وقد رأيتهم يستعملون ذلك.

وقد يسقط النّوى في تراب المتوضّإ، فإذا صهرج نبت، فإذا انتهى إلى الصّاروج أمسك. وإن كان الصّاروج رقيقا فإن قيّر، وجعل غلظه بقدر طول الإبهام، نبت ذلك النّوى حتّى يخرق ذلك القار.

ولو رام رجل خرقه بمسمار أو سكّة، لما بلغ إرادته حتى يشقّ على نفسه.

والذي سخّر هذه الأمور القويّة في مذهب الرّأي وإحساس النّاس، هو الذي سخّر القمقم، والطّيجن، والمرجل، والطّست، لإبرة العقرب. فما أحصي عدد من أخبرني من الحوّائين، من أهل التّجارب، أنّها ربّما خرجت من جحرها في اللّيل لطلب الطّعم. ولها نشاط وعرام، فتضرب كلّ ما لقيت ولقيها: من حيوان، أو نبات، أو جماد.

وزعم لي خاقان بن صبيح- واستشهد المثنّى بن بشر، وما كان يحتاج خبره إلى شاهد؛ لصدقه- أنّه سمع في داره نقرة وقعت على قمقم- وقد كان سمع بهذا

الحديث- فنهض نحو الصّوت، فإذا هو بعقرب فتعاورها هو والمثني بنعالهما حتى قتلاها، ثمّ دعوا بماء فصبّاه في القمقم في عشيّتهما، وهو صحيح لا يسيل منه شيء.

فمن تعجّب من ذلك فليصرف بديّا تعجّبه إلى الشيء الذي تقذفه بذنبها العقرب في بدن الإنسان والحمير والبغال، فليفكّر في مقدار ذلك من القلة والكثرة.

فقد زعم لي ناس من أهل العسكر أنّهم وزنوا جرّارة بعد أن ألسعوها فوجدوا وزنها على تحقيق الوزن على مقدار واحد، فإن كان الشيء المقذوف من شكل الشيء الحارّ، فلم قصّرت النّار عن مبلغ عمله؟! وإن كان من شكل الشيء البارد فلم قصّر الثلج عن مبلغ عمله؟! فقد وجب الآن أنّ السمّ ليس يقتل بالحرارة، ولا بالبرودة إذا كان باردا. ولو وجدنا فيما أردنا شيئا بلغ مبلغ الثّلج والنار لذكرناه.

فقد دلّ ما ذكرنا على أنّ جوف النّعامة ليس يذيب الصّخر الأملس بالحرارة، ولكنّه لا بدّ على كلّ حال من مقدار من الحرارة، مع خاصيّات أخر، ليست بذات أسماء، ولا تعرف إلّا بالوهم في الجملة.

والسمّ يقتل بالكمّ والكيف والجنس، والكمّ المقدار، والكيف: الحدّ.

والجنس: عين الجوهر وذاته.

وتزعم الهند أنّ السمّ إنما يقتل بالغرابة، وأنّ كلّ شيء غريب خالط جوف حيوان قتله. وقد أبى ذلك ناس فقالوا: وما باله يكون غريبا إذا لاقى العصب واللّحم، وربّما كان عاملا فيهما جميعا. بل ليس يقتل إلّا بالجنس، وليس تحسّ النّفس إلّا بالجنس، ولو كان الذي يميت حسّهما إنّما يميته لأنّه غريب. جاز أيضا أن يكون الحسّاس إنما حسّ لأنه غريب، ولو كان هذا جائزا لقيل في كلّ شيء.

وقال ابن الجهم: لولا أنّ الذهب المائع، والفضّة المائعة، يجمدان إذا صارا في جوف الإنسان. وإذا جمدا لم يجاوزا مكانهما- لكانا من القواتل بالغرابة.

وهذا القول دعوى في النّفس، والنّفس تضيق جدّا. وما قرأت للقدماء في النفس الأجلاد الكثيرة. وإنما يستدلّ ببقاء تلك الكتب على وجه الدّهر إلى يومنا هذا، ونسخ الرّجال لها أمّة بعد أمّة، وعمرا بعد عمر، على جهل أكثر النّاس بالكلام. والمتكلمون يريدون أن يعلموا كلّ شيء، ويأبى الله ذلك. فهذا باب من أعاجيب الظليم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.