تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب في الذّرّة والنملة

قد علمنا أنّ ليس عند الذّرّة غناء الفرس في الحرب، والدّفع عن الحريم. ولكنّا إذا أردنا موضع العجب والتّعجيب، والتّنبيه على التدبير، ذكرنا الخسيس القليل، والسّخيف المهين، فأريناك ما عنده من الحسّ اللطيف، والتّقدير الغريب، ومن النظر في العواقب، ومشاكلة الإنسان ومزاحمته.

والإنسان هو الذي سخّر له هذا الفلك بما يشتمل عليه.

وقد علمنا أنّ الذّرّة تدّخر للشتاء في الصّيف، وتتقدّم في حال المهلة، ولا تضيع أوقات إمكان الحزم. ثم يبلغ من تفقّدها وحسن خبرها، والنظر في عواقب أمرها، أنّها تخاف على الحبوب التي ادّخرتها للشّتاء في الصيف، أن تعفن وتسوّس، [فتنقلها من] بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها، لتيبّسها وتعيد إليها جفوفها، وليضربها النّسيم، وينفى عنها اللّخن والفساد.

ثمّ ربّما كان- بل يكون أكثر- مكانها نديّا. وخافت أن تنبت نقرت موضع القطمير من وسط الحبّة، وتعلم أنّها من ذلك الموضع تبتدئ وتنبت وتنقلب، فهي تفلق الحبّ كلّه أنصافا. فأمّا إذا كان الحب من حبّ الكزبرة، فلقته أرباعا، لأنّ

أنصاف حبّ الكزبرة ينبت من بين جميع الحبوب. فهي على هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوان، حتّى ربّما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس.

ولها، مع لطافة شخصها وخفّة وزنها، وفي الشمّ والاستراوح ما ليس لشيء.

وربّما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة أو صدر الواحدة، وليس يرى بقربه ذرّة ولا له بالذّرّ عهد في ذلك المنزل، فلا يلبث أن تقبل ذرّة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول قلبها ونقلها، وسحبها وجرّها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود الممدود، حتى يتعاونّ عليها فيحملنها.

فأوّل ذلك صدق الشّمّ لما لا يشمّه الإنسان الجائع. ثمّ بعد الهمّة، والجراءة على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرّة، وأكثر من مائة مرّة.

وليس شيء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غيرها.

وعلى أنها لا ترضى بأضعاف الأضعاف، إلّا بعد انقطاع الأنفاس.

فإن قلت: وما علّم الرّجل أنّ الّتي حاولت نقل الجرادة فعجزت، هي التي أخبرت صويحباتها من الذّرّ، وأنها كانت على مقدّمتهن؟ قلنا: لطول التّجربة، ولأنّا لم نر ذرّة قط حاولت نقل جرادة فعجزت عنها، ثمّ رأيناها راجعة، إلّا رأينا معها مثل ذلك، وإن كنّا لا نفصل في العين بينها وبين أخواتها، فإنّه ليس يقع في القلب غير الذي قلنا. وعلى أنّنا لم نر ذرّة قطّ حملت شيئا أو مضت إلى جحرها فارغة، فتلقاها ذرّة، إلّا واقفتها ساعة وخبّرتها بشيء. فدلّ ذلك على أنّها في رجوعها عن الجرادة، إنّما كانت لأشباهها كالرّائد لا يكذب أهله.

ومن العجب أنّك تنكر أنّها توحي إلى أختها بشيء، والقرآن قد نطق بما هو أكثر من ذلك أضعافا. وقال رؤبة بن العجّاج:

لو كنت علّمت كلام الحكلعلم سليمان كلام النّمل

وقال الله ﷿: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَ

فقد أخبر القرآن أنها قد عرفت سليمان وأثبتت عينه، وأنّ علم منطقها عنده، وأنها أمرت صويحباتها بما هو أحزم وأسلم. ثمّ أخبر أنها تعرف الجنود من غير الجنود، وقد قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ

. ونخالك أيها المنكر تبسّمه بحالهنّ، أنّك لم تعرف قبل ذلك الوقت وبعده، شيئا من هذا الشكل من الكلام، ولا تدبيرا في هذا المقدار. وأمّا ما فوق ذلك فليس لك أن تدّعيه. ولكن، ما تنكر من أمثاله وأشباهه وما دون ذلك، والقرآن يدلّ على أنّ لها بيانا، وقولا، ومنطقا يفصل بين المعاني التي هي بسبيلها؟! فلعلها مكلّفة، ومأمورة منهيّة، ومطيعة عاصية. فأوّل ذلك أن المسألة من مسائل الجهالات.

وإنّ من دخلت عليه الشّبهة من هذا المكان لناقص الرّويّة رديّ الفكرة.

وقد علمنا، وهم ناس ولهم بذلك فضيلة في الغريزة وفي الجنس والطّبيعة. وهم ناس إلى أن ينتهوا إلى وقت البلوغ ونزول الفرض حتى لو وردت ذرّة لشربت من أعلاه.

وقال أبو دهبل:

آب هذا اللّيل فاكتنعاوأمرّ النّوم فامتنعا
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
في قباب وسط دسكرةحولها الزّيتون قد ينعا
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
ولها بالماطرون إذاأكل النمل الذي جمعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «آب هذا الهم فاكتنعا»
خرفة، حتى إذا ارتبعتسكنت من جلّق بيعا
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
عند غيري فالتمس رجلايأكل التّنّوم والسّلعا
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة
ذاك شيء لست آكلهوأراه مأكلا فظعا
للشاعر أبو دهبل الجمحي، اقرأ القصيدة

وقال أبو النّجم في مثل ذلك:

وكان نشّاب الرّياح سنبلهواخضرّ نبتا سدره وحرمله
وابيضّ إلّا قاعه وجدولهوأصبح الرّوض لويّا حوصله
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
واصفرّ من تلع فليج بقلهوانحتّ من حرشاء فلج خردله
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
وانشقّ عن فصح سواء عنصلهوانتفض البروق سودا فلفله
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة
واختلف النّمل قطارا ينقلهطار عن المهر نسيل ينسله
للشاعر أبو النجم العجلي، اقرأ القصيدة

قال أبو زيد: الحمكة القملة، وجمعه حمك. وقد ينقاس ذلك في الذّرّة.

قال أبو عبيدة: قرية النمل من التّراب، وهي أيضا جرثومة النمل.

وقال غيره: قرية النمل ذلك التراب والجحر بما فيه من الذرّ والحبّ والمازن.

والمازن هو البيض، وبه سمّوا مازن.

قال أبو عمرو: الزّبال ما حملت النملة بفيها، وهو قول ابن مقبل:

كريم النّجار حمى ظهرهفلم يرتزأ بركوب زبالا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «كريم النجار حمى ظهره»

وأنشد ابن نجيم:

هلكوا بالرّعاف والنمل طوراثمّ بالنّحس والضّباب الذّكور

وقال الأصمعيّ في تسليط الله الذّرّ على بعض الأمم:

لحقوا بالزّهويين فأمسوالا ترى عقر دارهم بالمبين
سلّط الله فازرا وعقيفان فجازاهم بدار شطون
يتبع القارّ والمسافر منهمتحت ظلّ الهدى بذات الغصون

فازر، وعقيفان: صنفان من الذّرّ. وكذلك ذكروه عن دغفل بن حنظلة الناسب. ويقال: إنّ أهل تهامة هلكوا بالرّعاف مرتين. قال: وكان آخر من مات بالرّعاف من سادة قريش، هشام بن المغيرة.

قال أميّة بن أبي الصّلت في ذلك:

نزع الذّكر في الحياة وغناوأراه العذاب والتّدميرا
أرسل الذّرّ والجراد عليهموسنينا فأهلكتهم ومورا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «مجدوا الله فهو للمجد أهل»
ذكر الذّرّ إنّه يفعل الشررّ وإن الجراد كان ثبورا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «مجدوا الله فهو للمجد أهل»

وقرأ أبو إسحاق قوله ﷿: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ

، فقال: كان ذلك الوادي معروفا بوادي النمل، فكأنّه كان حمى. وكيف ننكر أن يكون حمى؟! والنّمل ربّما أجلت أمّة من الأمم عن بلادهم.

ولقد سألت أهل كسكر فقلت: شعيركم عجب، وأرزكم عجب، وسمككم عجب، وجداؤكم عجب، وبطّكم عجب، ودجاجكم عجب، فلو كانت لكم أعناب! فقالوا: كلّ أرض كثيرة النّمل لا تصلح فيها الأعناب. ثمّ قرأ: قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ

فجعل تلك الجحرة مساكن. والعرب تسميها كذلك ثمّ قال: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ

فجمعت من اسمه وعينه، وعرفت الجند من قائد الجند، ثم قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ

فكانوا معذورين، وكنتم ملومين، وكان أشدّ عليكم. فلذلك قال: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها

لما رأى من بعد غورها وتسديدها، ومعرفتها. فعند ذلك قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ

قال: ويقال: «ألطف من ذرّة» و: «أضبط من نملة».

قال: والنملة أيضا: قرحة تعرض للسّاق، وهي معروفة في جزيرة العرب.

قال: ويقال: «أنسب من ذرّة».

فأمّا قوله:

لو يدبّ الحوليّ من ولد الذّرّ عليها لأندبتها الكلوم
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «لو يدب الحولي من ولد»

فإنّ الحوليّ منها لا يعرف من مسانّها، وإنما هو كما قال الشاعر:

تلقّط حوليّ الحصى: في منازلمن الحيّ أمست بالحبيبين بلقعا

قال: وحوليّ الحصى: صغارها. فشبّهه بالحوليّ من ذوات الأربع.

ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من الدّوابّ أربع لا يقتلن: النّملة، والنّحلة، والصّرد، والهدهد».

وحدّثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: حدّثنا الحسن بن سعد، مولى علي بن عبد الرحمن بن عبد الله قال: «نزل رسول الله ﷺ منزلا فانطلق لحاجته، فجاء وقد أوقد رجل على قرية نمل، إمّا في شجرة وإمّا في أرض، فقال رسول الله ﷺ: من فعل هذا؟! أطفئها أطفئها!».

ويحيى بن أيوب، عن أبي زرعة بن جرير، قال أنبأنا أبو زرعة عن أبي هريرة قال: «نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فعضّته نملة، فقام إلى نمل كثير تحت شجرة فقتلهنّ، فقيل له: أفلا نملة واحدة؟!».

وعبد الله بن زياد المدنيّ، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثمّ أمر بقرية النّمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمّة من الأمم يسبّحون الله تعالى؟! فهلّا نملة واحدة!».

يحيى بن كثير، قال: حدّثنا عمر بن المغيرة بن الحارث الزّمّاني، عن هشام

الدّستوائي قال: إنّ النّمل والذّرّ إذا كانا في الصّيف كلّه ينقلن الحبّ، فإذا كان الشتاء وخفن أن ينبت فلقنه.

هشام بن حسّان، أنّ أهل الأحنف بن قيس لقوا من النّمل أذى، فأمر الأحنف بكرسيّ فوضع عند جحرهنّ، فجلس عليه ثمّ تشهّد فقال: لتنتهنّ أو لنحرّقنّ عليكنّ، أو لنفعلنّ أو لنفعلنّ! قال: فذهبن.

وعوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال: قال أبو موسى الأشعريّ: إنّ لكلّ شيء سادة، حتّى إنّ للنمل سادة.

عبد الله بن زياد المدنيّ، قال: أنبأنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: خرج نبيّ من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة رأسها إلى السماء، فقال ذلك النبيّ: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذا النّمل!».

مسعر بن كدام، قال حدّثنا زيد القمّيّ، عن أبي الصّدّيق النّاجي قال: «خرج سليمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهمّ إنّا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقيك، فإمّا أن تسقينا وترزقنا، وإمّا أن تميتنا وتهلكنا! فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم!».

وحدثني أبو الجهجاه قال: سأل أبو عمرو المكفوف عن قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها

فقلت له: إن نذيرا يعجب منه نبيّ من الأنبياء ثمّ يعظم خطره حتى يضحكه لعجيب! قال: فقال: ليس التأويل ما ذهبت إليه. قال: فإنّه قد يضحك النبيّ، ﵇، من الأنبياء من كلام الصبيّ، ومن نادرة غريبة. وكلّ شيء يظهر من غير معدنه، كالنّادرة تسمع من المجنون، فهو يضحك، فتبسّم سليمان عندي على أنّه استظرف ذلك المقدار من النّملة. فهذا هو التأويل.

وقال أبو الجهجاه: سألته عن قول أبي موسى: إنّ لكلّ شيء سادة حتى الذّرّ.

قال: يقولون: إنّ سادتها اللّواتي يخرجن من الجحر، يرتدن بجماعتها، ويستبقن إلى شمّ الذي هو من طعامهنّ.

وقال زهير:

وقال سأقضي حاجتي ثمّ أتّقيعدوّي بألف من ورائي ملجّم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»
فشدّ ولم تفزع بيوت كثيرةلدى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

قال بعض العلماء: قرية النمل.

قال: ويقال في لسانه حبسة: إذا كان في لسانه ثقل يمنعه من البيان. فإذا كان الثّقل الذي في لسانه من قبل العجمة قيل: في لسانه حكلة. والحكل من الحيوان كلّه ما لم يكن له صوت يستبان باختلاف مخارجه، عند حرجه وضجره، وطلبه ما يغذوه، أو عند هياجه إذا أراد السّفاد، أو عند وعيد لقتال، وغير ذلك من أمره.

وتزعم الهند أنّ سبب ما له كثر كلام الناس واختلفت صور ألفاظهم، ومخارج كلامهم، ومقادير أصواتهم في اللّين والشّدّة، وفي المدّ والقطع- كثرة حاجاتهم.

ولكثرة حاجاتهم كثرت خواطرهم وتصاريف ألفاظهم، واتّسعت على قدر اتّساع معرفتهم.

قالوا: فحوائج السّنانير لا تعدو خمسة أوجه: منها صياحها إذا ضربت، ولذلك صورة. وصياحها إذا دعت أخواتها وآلافها، ولذلك صورة. وصياحها إذا دعت أولادها للطّعم، ولذلك صورة. وصياحها إذا جاعت، ولذلك صورة. فلما قلّت وجوه المعرفة ووجوه الحاجات، قلّت وجوه مخارج الأصوات. وأصواتها تلك فيما بينها هو كلامها.

وقالوا: ثمّ من الأشياء ما يكون صوتها خفيّا فلا يفهمه عنها إلا ما كان من

شكلها. ومنها ما يفهم صاحبه بضروب الحركات والإشارات والشمائل. وحاجاتها ظاهرة جليّة، وقليلة العدد يسيرة. ومعها من المعرفة ما لا يقصّر عن ذلك المقدار، ولا يجوزه.

وراضة الإبل، والرّعاء، وروّاض الدّوابّ في المروج، والسّوّاس، وأصحاب القنص بالكلاب والفهود، يعرفون باختلاف الأصوات والهيئات والتشوّف، واستحالة البصر، والاضطراب، ضروبا من هذه الأصناف، ما لا يعرف مثله من هو أعقل منهم، إذا لم يكن له من معاينة أصناف الحيوان ما لهم. فالحكل من الحيوان من هذا الشكل.

وقد ذكرناه مرّة قال رؤبة:

لو أنّني عمّرت عمر الحسلأو أنّني أوتيت علم الحكل

علم سليمان كلام النّمل

وقال أبو العباس محمّد بن ذؤيب الفقيميّ، وهو الذي يقال له العمانيّ في بعض قصائده في عبد الملك بن صالح. والعمانيّ ممن يعدّ ممن جمع الرّجز والقصيد، كعمر بن لجإ، وجرير بن الخطفي، وأبي النّجم وغيرهم.

قال العمانيّ:

ويعلم قول الحكل لو أنّ ذرّةتساود أخرى لم يفته سوادها

يقول: الذّرّ الذي لا يسمع لمناجاته صوت، لو كان بينها سواد لفهمه.

والسّواد هو السّرار. قال النبيّ ﷺ لابن مسعود: «أذنك حتى أساودك» أي تسمع سوادي. وقالت ابنة الخسّ: قرب الوساد وطول السّواد.

قال أبو كبير الهذليّ:

ساودت عنها الطّالبين فلم أنمحتى نظرت إلى السّماك الأعزل

وقال النمر بن تولب:

ولقد شهدت إذا القداح توحّدتوشهدت عند اللّيل موقد نارها
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
عن ذات أولية أساود ربّهاوكأنّ لون الملح تحت شفارها

وقد فسّرنا شأن الحكل.

وقال التيميّ الشاعر المتكلم- وأنشد لنفسه وهو يهجو ناسا من بني تغلب معروفين-:

عجم وحكل لا تبين، ودينهاعبادة أعلاج عليها البرانس

ففصل بين الحكل والعجم مثل ذوات الحافر والظّلف والخفّ، وجعل الحكل كالذّرّ والنّمل والخنافس، والأشكال التي ليست تصيح من أفواهها. فقال لي يومئذ حفص الفرد: أشهد أنّ الذي يقال فيه حقّ، كان والله نصرانيّا، ثمّ صار يخبر عن النصارى كما يخبر عن الأعراب!

وقال الأصمعيّ للمفضّل، لما أنشد المفضّل جعفر بن سليمان قول أوس بن حجر:

وذات هدم عار نواشرهاتصمت بالماء تولبا جدعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

فجعل الذّال معجمة، وفتحها، وصحّف، وذهب إلى الأجذاع. قال الأصمعيّ:

إنما هي: «تولبا جدعا» الدّال مكسورة. وفي الجدع يقول أبو زبيد:

ثمّ استقاها فلم يقطع نظائمهاعن التضبّب لا عبل ولا جدع

وإنما ذلك كقول ابن حبناء الأشجعي:

وأرسل مهملا جدعا وخفّاولا جدع النّبات ولا جديب

فنفخ المفضّل، ورفع بها صوته، وتكلّم وهو يصيح. فقال الأصمعي: لو نفخت بالشّبّور لم ينفعك! تكلّم بكلام النّمل وأصب! والشّبّور: شيء مثل البوق، والكلمة بالفارسية. وهو شيء يكون لليهود، إذا أراد رأس الجالوت أن يحرّم كلام رجل منهم نفخوا عليه بالشّبّور.

وليس تحريم الكلام من الحدود القائمة في كتبهم، ولكنّ الجاثليق ورأس الجالوت، لا يمكنهما في دار الإسلام حبس ولا ضرب، فليس عندهما إلّا أن يغرّما المال، ويحرّما الكلام. على أنّ الجاثليق كثيرا ما يتغافل عن الرّجل العظيم القدر، الذي له من السّلطان ناحية.

وكان طيمانو رئيس الجاثليق، قد همّ بتحريم كلام عون العباديّ، عندما بلغه من اتخاذ السّراري، فتوعّده وحلف: لئن فعل ليسلمنّ! وكما ترك الأشقيل وميخاييل وتوفيل، سمل عين منويل- وفي حكمهم أنّ من أعان المسلمين على الرّوم يقتل؛ وإن كان ذا رأي سملوا عينيه ولم يقتلوه- فتركوا سنّتهم فيه.

وقد ذكرنا شأنهم في غير ذلك، في كتابنا على النّصارى فإن أردته فاطلبه هنالك.

وقال عمر بن أبي ربيعة:

لو دبّ ذرّ فوق ضاحي جلدهالأبان من آثارهنّ حدور
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لمن الديار كأنهن سطور»

والحدر: الورم والأثر يكون عن الضّرب.

وقد يسمّى بنملة ونميلة، ويكتنون بها. وتسمّوا بذرّ، واكتنوا بأبي ذرّ.

ويقال: سيف في متنه ذرّ، وهو ذرّيّ السّيف.

وقال ابن ضبّة:

وقد أغدو مع الفتيان بالمنجرد التّرّ
وذى البركة كالتّابوت والمحزم كالقرّ
معي قاضبة كالملح في متنيه كالذّرّ
وقد أعتسر الضّربة تثني شثن الشّتر

وقال الآخر:

تكاد الرّيح ترميها صراراوترجف إن يلثّمها خمار
وتحسب كلّ شيء قيل حقّاويرعب قلبها الذّرّ الصّغار

وقال أوس بن حجر، في صفة السّيف:

كأن مدبّ النّمل يتّبع الرّباومدرج ذرّ خاف بردا فأسهلا
على صفحتيه بعد حين جلائهكفى بالّذي أبلى وأنعت منصلا

قال: وخطب إلى عقيل بن علّفة بعض بناته رجل من الحرقة من جهينة، فأخذه فشدّه قماطا، ودهن استه بربّ وقمطه وقرّبه من قرية النّمل، فأكل النمل حشوة بطنه.

وقال ذو الرّمّة:

وقرية لا جنّ ولا أنسيّةمداخلة أبوابها بنيت شزرا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد جشأت نفسي عشية مشرف»
نزلنا بها ما نبتغي عندها القرىولكنّها كانت لمنزلنا قدرا

وقال أبو العتاهية:

أخبث بدار همّها أشبجثل الفروع كثيرة شعبه
إنّ استهانتها بمن صرعتلبقدر ما تعلو به رتبه
وإذا استوت للنّمل أجنحةحتى يطير فقد دنا عطبه

وقال البعيث:

ومولى كبيت النمل لا خير عندهلمولاه إلّا سعيه بنميم
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

قال: وقد سمعت بعض الأعراب يقول: إنّه لنمام نمليّ. على قولهم: «كذب عليّ نمل» إذا أرادوا أن يخبروا أنه نمام. وقال حميد بن ثور، في تهوين قوّة الذّرّ:

منعّمة، لو يصبح الذّرّ سارياعلى جلدها بضّت مدارجه دما
للشاعر حميد بن ثور الهلالي، اقرأ القصيدة

وقال الله ﷿: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

قال: وقيل لعائشة- رضي الله تعالى عنها، وقد تصدّقت بحبّة عنب-:

أتصدّقين بحبّة عنب؟! قالت: «إن فيها لمثاقيل ذرّ».

وممّا قيل في الشّعر من اللّغز:

فما ذو جناح له حافروليس يضرّ ولا ينفع

يعني النّمل. فزعم أنّ للنّمل حافرا، وإنّما يحفر جحره، وليس يحفره بفمه.

وعذّب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ بأنواع العذاب فقيل له: إن أردت ألّا يفلح أبدا فمرهم أن ينفخوا في دبره النّمل. ففعلوا فلم يفلح بعدها.

قالوا: وأجناس من الحيوان تدّخر، وتشبّه في ذلك بالإنسان ذي العقل والرّويّة، وصاحب النّظر في العواقب، والتفكير في الأمور: مثل الذّرّ، والنّمل، والفأر، والجرذان، والعنكبوت، والنّحل. إلّا أنّ النحل لا يدّخر من الطعام إلّا جنسا واحدا، وهو العسل.

وزعم اليقطريّ أنّك لو أدخلت نملة في جحر ذرّ لأكلتها، حتى تأتي على عامّتها. وذكر أنّه قد جرّب ذلك.

وقال صاحب المنطق: إنّ الضّباع تأكل النمل أكلا ذريعا، وذلك أن الضّباع تأتي قرية النّمل في وقت اجتماع النّمل، فتلحس ذلك النّمل بلسانها، بشهوة شديدة، وإرادة قويّة.

قالوا: وربّما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم، وأكلت كلّ شيء لهم.

ولا تزال كذلك حتى ينشو في تلك القرى النّمل، فيسلّط الله ذلك النّمل على تلك الأرضة، حتى تأتي على آخرها. وعلى أنّ النّمل بعد ذلك سيكون له أذى، إلّا أنّه دون الأرضة تعدّيا. وما أكثر ما يذهب النّمل أيضا من تلك القرى، حتى تتمّ لأهلها السّلامة من النّوعين جميعا.

وزعم بعضهم أنّ تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا، وليس فناؤها لأكل النّمل لها، ولكنّ الأرضة نفسها تستحيل نملا. فعلى قدر ما يستحيل منها يرى النقص في عددها. ومضرّتها على الأيام.

قال: وبالنّمل يضرب المثل؛ يقال: «جاؤوا مثل النّمل».

والزّنج نوعان: أحدهما يفخر بالعدد، وهم يسمّون النّمل، والآخر يفخر بالصّبر وعظم الأبدان، وهم يسمّون الكلاب. وأحدهما يكبو والآخر ينبو. فالكلاب تكبو، والنّمل تنبو.

قال: ومن أسباب هلاك النّمل نبات الأجنحة له. وقد قال الشاعر:

وإذا استوت للنّمل أجنحةحتى يطير فقد دنا عطبه

وإذا صار النّمل كذلك أخصبت العصافير؛ لأنها تصطادها في حال طيرانها.

قالوا: وتقتل بأن يصبّ في أفواه بيوتها القطران والكبريت الأصفر، ويدسّ في أفواهها الشّعر. وقد جرّبنا ذلك فوجدناه باطلا. انتهى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.