من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر
وهو قوله ﷿: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
والنّار من أكبر الماعون، وأعظم [المنافع] المرافق [في هذه الدنيا على عباده]. ولو لم يكن فيها إلّا أنّ الله ﷿ قد جعلها الزاجرة عن المعاصي، لكان ذلك ممّا يزيد في قدرها، وفي نباهة ذكرها.
وقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
، ثم قال: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
. فقف عند قوله: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً
فإن كنت بهذا القول مؤمنا فتذكّر ما فيها من النعمة أولا ثم آخرا، ثم توهّم مقادير النعم وتصاريفها.
وقد علمنا أنّ الله عذّب الأمم بالغرق، والرّياح، وبالحاصب، والرّجم، وبالصّواعق، وبالخسف، والمسخ، وبالجوع، وبالنقص من الثمرات، ولم يبعث عليهم نارا، كما بعث عليهم ماء وريحا وحجارة. [وإنما] جعلها من عقاب الآخرة [وعذاب العقبى]، ونهى أن يحرق بها شيء من الهوامّ، وقال [رسول الله ﷺ]: «لا تعذّبوا بعذاب الله». فقد عظّمها كما ترى.
فتفهّم- رحمك الله- فقد أراد الله إفهامك.
وقال الله تعالى للثّقلين: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
، فجعل الشّواظ والنّحاس، وهما النّار والدّخان، من الآية. ولذلك قال على نسق الكلام: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
ولم يعن أن التّعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة، ولكنه أراد التّحذير بالخوف والوعيد بها، غير إدخال النّاس فيها، وإحراقهم بها.
وقال المرّار بن منقذ:
وكأنّ أرحلنا بجوّ محصببلوى عنيزة من مقيل التّرمس
في حيث خالطت الخزامى عرفجايأتيك قابس أهلها لم يقبس
أراد خصب الوادي ورطوبته. وإذا كان كذلك لم تقدح عيدانه، فإن دخلها مستقبس لم يور نارا.
وقال كثيّر:
له حسب في الحيّ، وار زنادهعفار ومرخ حثّه الوري عاجل
والعفار والمرخ، من بين جميع العيدان التي تقدح، أكثرها في ذلك وأسرعها.
قال: ومن أمثالهم: «في كلّ الشّجر نار، واستمجد المرخ والعفار».
ونار أخرى، وهي النّار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهليّة الأولى؛ فإنهم
كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات وركد عليهم البلاء، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، استجمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثمّ عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها، السّلع والعشر، ثمّ صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النّيران، وضجّوا بالدّعاء والتضرّع. فكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب الشّقيا. ولذلك قال أميّة:
سنة أزمة تخيّل بالنّاس ترى للعضاه فيها صريرا
إذ يسفّون بالدّقيق وكانواقبل لا يأكلون شيئا فطيرا
ويسوقون باقرا يطرد السّهل مهازيل خشية أن يبورا
عاقدين النّيران في شكر الأذناب عمدا كيما تهيج البحورا
فاشتوت كلها فهاج عليهمثمّ هاجت إلى صبير صبيرا
فرآها الإله ترشم بالقطر وأمسى جنابهم ممطورا
فسقاها نشاصه واكف الغىث منهّ إذ رادعوه الكبيرا
سلع ما ومثله عشر ماعائل ما وعالت البنقورا
هكذا كان الأصمعيّ ينشد هذه الكلمة، فقال له علماء بغداد: صحفت، إنما هي البيقور، مأخوذة من البقر.
وأنشد القحذمي للورل الطائيّ:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعةذريعة لك بين الله والمطر
قال: ويقال بقر، وبقير، وبيقور، وباقر. ويقال للجماعة منها قطيع، وإجل، وكور، وأنشد:
فسكّنتهم بالقول حتى كأنّهمبواقر جلح أسكنتها المراتع
وأنشد:
ولا شبوب من الثيران أفردهعن كوره كثرة الإغراء والطّرد
ونار أخرى، هي التي توقد عند التّحالف؛ فلا يعقدون حلفهم إلّا عندها.
فيذكرون عند ذلك منافعها، ويدعون إلى الله ﷿، بالحرمان والمنع من منافعها، على الذي ينقض عهد الحلف، ويخيس بالعهد.
ويقولون في الحلف: الدّم الدّم، والهدم الهدم، يحرّكون الدّال في هذا الموضع؛ لا يزيده طلوع الشمس إلا شدّا، وطول اللّيالي إلّا مدّا، ما بلّ البحر صوفة، وما أقام رضوى في مكانه، (إن كان جبلهم رضوى).
وكلّ قوم يذكرون جبلهم، والمشهور من جبالهم.
وربّما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم.
ويهوّلون على من يخاف عليه الغدر، بحقوقها ومنافعها، والتّخويف من حرمان منفعتها. وقال الكميت:
كهولة ما أوقد المحلفون للحالفين وما هوّلوا
وأصل الحلف والتّحالف، إنما هو من الحلف والأيمان. ولقد تحالفت قبائل من قبائل مرّة بن عوف، فتحالفوا عند نار فدنوا منها، وعشوا بها، حتّى محشتهم. فسمّوا: المحاش.
وكان سيدهم والمطاع فيهم، أبو ضمرة يزيد بن سنان بن أبي حارثة. ولذلك يقول النّابغة:
جمّع محاشك يا يزيد فإنّنيجمّعت يربوعا لكم وتميما
ولحقت بالنّسب الذي عيّرتنيوتركت أصلا يا يزيد ذميما
وقوله: «تميم» يريد: تميمة. فحذف الهاء.
وربّما تحالفوا وتعاقدوا على الملح. والملح شيئان: أحدهما المرقة، والأخرى اللّبن. وأنشدوا لشتيم بن خويلد الفزاري:
لا يبعد الله ربّ العبادوالملح ما ولدت خالده
وأنشدوا فيه قول أبي الطّمحان:
وإني لأرجو ملحها في بطونكموما بسطت من جلد أشعث أغبرا
وذلك أنّه كان جاورهم، فكان يسقيهم اللّبن؛ فقال: أرجو أن تشكروا لي ردّ إبلي، على ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلد أشعث أغبر. كأنّه يقول: كنتم مهازيل- والمهزول يتقشّف جلده وينقبض- فبسط ذلك من جلودكم.
ونار أخرى، وهي النّار التي كانوا ربّما أوقدوها خلف المسافر، وخلف الزّائر
الذي لا يحبّون رجوعه. وكانوا يقولون في الدّعاء: أبعده الله وأسحقه، وأوقد نارا خلفه، وفي إثره! وهو معنى قول بشار - وضربه مثلا:
صحوت وأوقدت للجهل ناراوردّ عليك الصّبا ما استعارا
وأنشدوا:
وجمّة أقوام حملت ولم تكنلتوقد نارا إثرهم للتندّم
والجمّة: الجماعة يمشون في الصلح. وقال الراجز في إبله:
تقسم في الحقّ وتعطى في الجمم
يقول: لا تندم على ما أعطيت في الحمالة، عند كلام الجماعة فتوقد خلفهم نارا كي لا يعودوا.
ونار أخرى وهي النّار التي كانوا إذا أرادوا حربا، وتوقّعوا جيشا عظيما، وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلا على جبلهم نارا؛ ليبلغ الخبر أصحابهم.
وقد قال عمرو بن كلثوم:
ونحن غداة أوقد في خزازرفدنا فوق رفد الرّافدينا
وإذا جدّوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين. وهو قول الفرزدق:
لولا فوارس تغلب ابنة وائلسدّ العدوّ عليك كلّ مكان
ضربوا الصّنائع والملوك وأوقدوانارين أشرفتا على النّيران
ونار أخرى، وهي «نار الحرّتين»، وهي نار خالد بن سنان، أحد بني مخزوم، من بني قطيعة بن عبس. ولم يكن في بني إسماعيل نبيّ قبله. وهو الذي أطفأ الله به نار الحرّتين. وكانت ببلاد بني عبس، فإذا كان اللّيل فهي نار تسطع في السّماء، وكانت طيّئ تنفش بها إبلها من مسيرة ثلاث، وربّما ندرت منها العنق فتأتي على كلّ شيء فتحرقه. وإذا كان النهار فإنما هي دخان يفور. فبعث الله خالد بن سنان فاحتفر لها بئرا، ثمّ أدخلها فيها، والنّاس ينظرون؛ ثمّ اقتحم فيها حتى غيّبها.
وسمع بعض القوم وهو يقول: [هلك الرّجل! فقال خالد بن سنان]: كذب ابن راعية المعز، لأخرجنّ منها وجبيني يندى! فلمّا حضرته الوفاة، قال لقومه: إذا أنا متّ ثمّ دفنتموني، فاحضروني بعد ثلاث؛ فإنّكم ترون عيرا أبتر يطوف بقبري، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني؛ فإني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فاجتمعوا لذلك في اليوم الثالث، فلما رأوا العير وذهبوا ينبشونه، اختلفوا، فصاروا فرقتين، وابنه عبد الله في الفرقة التي أبت أن تنبشه، وهو يقول: لا أفعل! إني إذا أدعى ابن المنبوش! فتركوه.
وقد قدمت ابنته على النبيّ ﷺ، فبسط لها رداءه وقال: هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه.
قال: وسمعت سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فقالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة.
والمتكلّمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أنّ خالدا هذا كان أعرابيّا وبريّا، من أهل شرج وناظرة، ولم يبعث الله نبيّا قطّ من الأعراب ولا من الفدّادين أهل
الوبر، وإنما بعثهم من أهل القرى، وسكّان المدن.
وقال خليد عينين:
وأي نبيّ كان في غير قومهوهل كان حكم الله إلّا مع النّخل
وأنشدوا:
كنار الحرّتين لها زفيريصمّ مسامع الرّجل السّميع
وما زال النّاس كافّة، والأمم قاطبة- حتى جاء الله بالحقّ- مولعين بتعظيم النّار؛ حتى ضلّ كثير من النّاس لإفراطهم فيها، أنهم يعبدونها.
فأما النار العلويّة، كالشمس والكواكب، فقد عبدت البتّة. قال الله تعالى:
وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وقد يجيء في الأثر وفي سنّة بعض الأنبياء، تعظيمها على جهة التعبّد والمحنة، وعلى إيجاب الشكر على النّعمة بها وفيها. فيغلط لذلك كثير من النّاس، فيجوزون الحدّ، ويزعم أهل الكتاب أنّ الله تعالى أوصاهم بها، وقال: «لا تطفئوا النّيران من بيوتي». فلذلك لا تجد الكنائس والبيع، وبيوت العبادات، إلّا وهي لا تخلو من نار أبدا، ليلا ولا نهارا؛ حتّى اتّخذت للنّيران البيوت والسّدنة. ووقفوا عليها الغلّات الكثيرة.
أبو الحسن عن مسلمة وقحدم، أنّ زيادا بعث عبد الله بن أبي بكرة، وأمره أن
يطفئ النيران، فأراد عبد الله أن يبدأ بنار جور فيطفئها، فقيل له: ليست للمجوس نار أعظم من نار الكاريان من دار الحارث. فإن أطفأتها لم يمتنع عليك أحد، وإن أطفأت سافلتها استعدّوا للحرب وامتنعوا. فابدأ بها. فخرج إلى الكاريان فتحصّن أهلها في القلعة. وكان رجل من الفرس من أهل تلك البلاد معروف بالشدّة. لا يقدر عليه أحد، وكان يمرّ كلّ عشيّة بباب منزله استخفافا وإذلالا بنفسه، فغمّ ذلك عبد الله، فقال: أما لهذا أحد؟! وكان مع عبد الله بن أبي بكرة رجل من عبد القيس، من أشدّ النّاس بطشا، وكان جبانا، فقالوا له: هذا العبدي، هو شديد جبان. وإن أمرته به خاف القتال فلم يعرض له. فاحتل له حيلة. فقال: نعم.
قال: فبينا هو في مجلسه إذ مرّ الفارسيّ، فقال عبد الله: ما رأيت مثل خلق هذا، وما في الأرض- كما زعموا- أشدّ منه بطشا! ما يقوى عليه أحد! فقال العبدي:
ما تجعلون لي إن احتملته حتّى أدخله الدّار وأكتفه؟ فقال له عبد الله: لك أربعة آلاف درهم. فقال: تفون لي بألف؟ قال: نعم! فلمّا كان الغد مرّ الفارسيّ، فقام إليه العبديّ فاحتمله فيما امتنع ولا قدر أن يتحرّك، حتّى أدخله الدّار وضرب به الأرض ووثب عليه النّاس فقتلوه، وغشي على العبدي حين قتلوه. فلما قتل أعطى أهل القلعة بأيديهم. فقتل ابن أبي بكرة الهرابذة، وأطفأ النّار، ومضى يطفئ النّيران حتّى بلغ سجستان.
والمجوس تقدّم النّار في التّعظيم على الماء، وتقدّم الماء في التّعظيم على الأرض. ولا تكاد تذكر الهواء.
ونار أخرى، التي يحكونها من نيران السّعالي والجنّ وهي غير نار الغيلان.
وأنشد أبو زيد لسهم بن الحارث:
ونار قد حضأت بعيد هدءبدار لا أريد بها مقاما
سوى تحليل راحلة وعينأكالئها مخافة أن تناما
أتوا ناري، فقلت منون أنتمفقالوا: الجنّ! قلت: عموا ظلاما
فقلت: إلى الطّعام، فقال منهمزعيم: نحسد الإنس الطعاما
وهذا غلط وليس من هذا الباب، وسنضعه في موضعه إن شاء الله تعالى. بل الذي يقع ههنا قول أبي المطراب عبيد بن أيّوب:
فلله درّ الغول أيّ رفيقةلصاحب قفر خائف متقفّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدتحواليّ نيرانا تبوخ وتزهر
وما زالت السّدنة تحتال للنّاس جهة النّيران بأنواع الحيل، كاحتيال رهبان كنيسة القمامة ببيت المقدس بمصابيحها، وأنّ زيت قناديلها يستوقد لهم من غير نار، في بعض ليالي أعيادهم قال: وبمثل احتيال السّادن لخالد بن الوليد، حين رماه بالشّرر؛ ليوهمه أنّ ذلك من الأوثان، أو عقوبة على ترك عبادتها وإنكارها، والتعرّض لها؛ حتى قال:
يا عزّ كفرانك لا سبحانكإنّي وجدت الله قد أهانك
حتى كشف الله ذلك الغطاء، من رسول الله ﷺ.
ونار أخرى، وهي النّار التي توقد للظباء وصيدها، لتعشى إذا أدامت النّظر،
وتختل من ورائها، ويطلب بها بيض النعام في أفاحيصها ومكناتها.
ولذلك قال طفيل الغنوي:
عوازب لم تسمع نبوح مقامةولم تر نارا تمّ حول مجرّم
سوى نار بيض أو غزال بقفرةأغنّ من الخنس المناخر توءم
وقد يوقدون النّيران يهوّلون بها على الأسد إذا خافوها، والأسد إذا عاين النّار حدق إليها وتأمّلها، فما أكثر ما تشغله عن السابلة، ومرّ أبو ثعلب الأعرج. على وادي السّباع، فعرض له سبع، فقال له المكاري:
لو أمرت غلمانك فأوقدوا نارا، وضربوا على الطّساس [الذي معهم] ففعلوا فأحجم عنها، فأنشدني له ابن أبي كريمة، في حبّه بعد ذلك للنّار، ومدحه لها وللصوت الشّديد، بعد بغضه لهما وهو قوله:
فأحببتها حبّا هويت خلاطهاولو في صميم النّار نار جهنّم
وصرت ألذّ الصّوت لو كان صاعقاوأطرب من صوت الحمار المرقّم
وروي أنّ أعرابيّا اشتدّ عليه البرد، فأصاب نارا، فدنا منها ليصطلي بها، وهو يقول: اللهم لا تحرمنيها في الدّنيا ولا في الآخرة!.
وممّا إذا أبصر النّار اعترته الحيرة، الضّفدع؛ فإنّه لا يزال ينقّ فإذا أبصر النّار سكت.
ومن النّيران «نار الحباحب» وهي أيضا «نار أبي الحباحب». وقال أبو حيّة:
يعشّر في تقريبه فإذا انحنىعليهنّ في قفّ أرنّت جنادله
وأوقدن نيران الحباحب والتقىغضا تتراقى بينهنّ ولاوله
وقال القطاميّ في نار أبي الحباحب:
تخوّد تخويد النّعامة بعدماتصوّبت الجوزاء قصد المغارب
ألا إنما نيران قيس إذا اشتوتلطارق ليل مثل نار الحباحب
ويصفون نارا أخرى، وهي قريبة من نار أبي الحباحب، وكلّ نار تراها العين ولا حقيقة لها عند التماسها، فهي نار أبي الحباحب. ولم أسمع في أبي حباحب نفسه شيئا.
وقال الأعرابيّ، وذكر البرق:
نار تعود به للعود جدّتهوالنّار تشعل نيرانا فتحترق
يقول: كلّ نار في الدّنيا فهي تحرق العيدان وتبطلها وتهلكها، إلّا «نار البرق»،
فإنّها تجيء بالغيث. وإذا غيثت الأرض ومطرت أحدث الله للعيدان جدّة. وللأشجار أغصانا لم تكن.
ونار أخرى، وهي شبيهة بنار البرق، ونار أبي حباحب، وهي «نار اليراعة»، واليراعة: طائر صغير، إن طار بالنّهار كان كبعض الطّير، وإن طار باللّيل كان كأنّه شهاب قذف أو مصباح يطير.
وفي الأحاديث السّائرة المذكورة في الكتب، أنّ رجلا ألقي في ماء راكد في شتاء بارد، في ليلة من الحنادس، لا قمر ولا ساهور - وإنما ذكر ذلك، لأنّ ليلة العشر والبدر والطّوق الذي يستدير حول القمر، يكون كاسرا من برد تلك الليلة- قالوا: فما زال الرجل حيّا وهو في ذلك تارز جامد، ما دام ينظر إلى نار، كانت تجاه وجهه في القرية، أو مصباح، فلما طفئت انتفض.
وقال الشّاعر:
ونار قبيل الصّبح بادرت قدحهاحيا النّار قد أوقدتها للمسافر
يقول: بادرت اللّيل، لأنّ النّار لا ترى بالنهار، كأنه كان خليعا أو مطلوبا.
وقال آخر:
ودوّيّة لا يثقب النّار سفرهاوتضحي بها الوجناء وهي لهيد
كأنّهم كانوا هرّابا، فمن حثهم السّير لا يوقدون لبرمة ولا ملّة؛ لأنّ ذلك لا يكون إلّا بالنزول والتمكث، وإنما يجتازون بالبسيسة، أو بأدنى علقة. وقال بعض اللّصوص:
ملسا بذود الحدسيّ ملسانبّهت عنهن غلاما غسّا
لمّا تغشّى فروة وحلسامن غدوة حتّى كأنّ الشّمسا
بالأفق الغربيّ تكسى ورسالا تخبزا خبزا وبسّا بسّا
ولا تطيلا بمناخ حبساوجنّباها أسدا وعبسا
قال: والبسيسة: أن يبلّ الدّقيق بشيء حتى يجتمع ويؤكل.
ونار أخرى، وهي «نار الوشم والميسم» يقال للرجل: ما نار إبلك؟ فيقول:
علاط، أو خباط، أو حلقة أو كذا وكذا.
وقرّب بعض اللّصوص إبلا من الهواشة، وقد أغار عليها من كلّ جانب،
وجمعها من قبائل شتى، فقرّبها إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التّجار: ما نارك؟
وإنما يسأله عن ذلك؛ لأنهم يعرفون بميسم كلّ قوم كرم إبلهم من لؤمها. فقال:
تسألني الباعة ما نجارهاإذ زعزعوها فسمت أبصارها
فكلّ دار لأناس دارهاوكلّ نار العالمين نارها
وقال الكردوس المرادي:
تسائلني عن نارها ونتاجهاوذلك علم لا يحيط به الطّمش
والطّمش: الخلق. والورى: النّاس خاصّة تمّ المصحف الرابع من كتاب الحيوان، ويليه إن شاء الله تعالى المصحف الخامس.
وأوله: نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العجم والعرب، ونيران الدّيانة، ومبلغ أقدارها.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع