من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب في النّيران وأقسامها
(القول في النّيران وأقسامها) ونحن ذاكرون جملا من القول في النّيران وأجناسها، ومواضعها، وأيّ شيء منها يضاف إلى العجم، وأيّ شيء منها يضاف إلى العرب، ونخبر عن نيران الدّيانات، وغير الدّيانات، وعمّن عظّمها وعمّن استهان بها، وعمّن أفرط في تعظيمها حتّى عبدها. ونخبر عن المواضع التي عظّم فيها من شأن النّار.
فمن مواضعها التي عظّمت بها أنّ الله ﷿ جعلها لبني إسرائيل في موضع امتحان إخلاصهم، وتعرّف صدق نياتهم، فكانوا يتقرّبون بالقربان. فمن كان منهم مخلصا نزلت نار من قبل السّماء حتّى تحيط به فتأكله، فإذا فعلت ذلك كان صاحب القربان مخلصا في تقرّبه. ومتى لم يروها وبقي القربان على حاله، قضوا بأنّه كان مدخول القلب فاسد النّية. ولذلك قال الله تعالى في كتابه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
والدّليل على أنّ ذلك قد كان معلوما، قول الله ﷿: قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
ثمّ إنّ الله ستر على عباده، وجعل بيان ذلك في الآخرة. وكان ذلك التّدبير مصلحة ذلك الزّمان، ووفق طبائهم وعللهم، وقد كان القوم من المعاندة والغباوة على مقدار لم يكن لينجع فيهم ويكمل لمصلحتهم إلا ما كان في هذا الوزن، فهذا باب من عظم شأن النّار في صدور النّاس.
وممّا زاد في تعظيم شأن النّار في صدور النّاس قول الله ﷿: وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى. إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً. فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً
، وقال ﷿: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
وكان ذلك مما زاد في قدر النّار في صدور النّاس.
ومن ذلك نار إبراهيم ﷺ، وقال الله ﷿: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ. قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ
ثم قال: قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
فلما قال الله ﷿:
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
كان ذلك ممّا زاد في نباهة النّار وقدرها في صدور النّاس.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع