تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

جملة من القول في الماء

(ونذكر بعون الله وتأييده جملة من القول في الماء ثمّ نصير إلى ذكر ما ابتدأنا به، من القول في النار) ذكروا أن الماء لا يغذو، وإنما هو مركب ومعبر وموصل للغذاء. واستدلّوا لذلك بأن كلّ رقيق سيّال فإنك متى طبخته انعقد، إلا الماء. وقالوا في القياس: إنه لا ينعقد في الجوف عند طبخ الكبد له، فإذا لم ينعقد لم يجئ منه لحم ولا عظم.

ولأننا لم نر إنسانا قطّ اغتذاه وثبت عليه روحه، وإن السمك الذي يموت عند فقده ليغذوه سواه مما يكون فيه دونه.

قال خصمهم: إنما صار الماء لا ينعقد؛ لأنه ليس فيه قوى مستفادة مأخوذة من قوى الجواهر. والماء هو الجوهر القابل لجميع القوى. فبضرب من القوى والقبول يصير دهنا، وبضرب آخر يصير خلّا، وبضرب آخر يصير دما، وبضرب آخر يصير لبنا.

وهذه الأمور كلها إنّما اختلفت بالقوى العارضة فيها. فالجوهر المنقلب في جميع الأجرام السّيّالة، إنما هو الماء. فيصير عند ضرب من القبول دهنا، وعند ضرب من القبول لبنا.

وعصير كل شيء ماؤه والقابل لقوى ما فيه. فإذا طبخت الماء صرفا، سالما على وجهه، ولا قوى فيه، لم ينعقد وانحلّ بخارا حتى يتفانى؛ وإنما ينعقد الكامن من الملابس له. فإذا صار الماء في البدن وحده ولم يكن فيه قوى لم ينعقد. وانعقاده إنما هو انعقاد ما فيه.

والماء لا يخلو من بعض القبول ولكنّ البعض لا ينعقد ما لم يكثر.

وزعم أصحاب الأعراض أن الهواء سريع الاستحالة إلى الماء، وكذلك الماء إلى الهواء، للمناسبة التي بينهما من الرطوبة والرقة. وإنما هما غير سيّارين. ويدل على ذلك اجتذاب الهواء للماء وملابسته له، عند مصّ الإنسان بفيه فم الشّرابة.

ولذلك سرى الماء وجرى في جوف قصب الخيزران، إذا وضعت طرفه في الماء.

وكذلك الهواء، فيه ظلام الليل وضياء النهار وما كان فيه من الأشباح. والحدقة لا ترى من الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها.

والماء يرقّ فيكون له لون، ويكون عمقه مقدارا عدلا فيكون له لون، فإن بعد غوره وأفرط عمقه رأيته أسود.

وكذلك يحكون عن الدّردور.

ويزعمون أن عين حوارا ترمى بمثل الزنوج.

فتجد الماء جنسا واحدا، ثم تجد ذلك الجنس أبيض إذا قلّ عمقه، وأخضر إذا كان وسطا، وأسود إذا بعد غوره.

ويختلف منظره على قدر اختلاف إنائه وأرضه، وما يقابله. فدلّ ذلك على أنه ليس بذي لون، وإنما يعتريه في التخييل لون ما يقابله ويحيط به. ولعلّ هذه الأمور إذا تقابلت أن تصنع في العين أمورا، فيظنّ الإنسان مع قرب المجاورة والالتباس، أن هذه الألوان المختلفة إنما هي لهذا الماء الرائق الخالص، الذي لم ينقلب في نفسه، ولا عرض له ما يقلبه. وكيف يعرض له ويقلبه وعين كل واحد منهما غير عين صاحبه؟ وهو يرى الماء أسود كالبحر، متى أخذ منه أحد غرفة رآه كهيئته إذا رآه قليل العمق.

ويتشابهان أيضا لسرعة قبولهما للحر والبرد، والطّيب والنّتن؛ والفساد والصلاح.

قال أبو إسحاق: قال الله ﷿ عند ذكر إنعامه على عباده وامتنانه على خلقه، فذكر ما أعانهم به من الماعون: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ

، وكيف قال «شجرتها» وليس في تلك الشجرة

شيء. وجوفها وجوف الطّلق في ذلك سواء. وقدرة الله على أن يخلق النار عند مسّ الطّلق، كقدرته على أن يخلقها عند حكّ العود وهو، تعالى وعز، لم يرد في هذا الموضع إلا التعجيب من اجتماع النار والماء.

وهل بين قولكم في ذلك وبين من زعم أن البذر الجيّد والرديء والماء العذب والملح، والسّبخة والخبرة الرّخوة، والزمان المخالف والموافق، سواء، وليس بينها من الفرق إلا أن الله شاء أن يخلق عند اجتماع هذه حَبًّا. وَعِنَباً وَقَضْباً.

وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا

دون تلك الأضداد.

ومن قال بذلك وقاسه في جميع ما يلزم من ذلك، قال كقول الجهميّة في جميع المقالات، وصار إلى الجهالات، وقال بإنكار الطبائع والحقائق.

وقال الله ﷿: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ

ولو كان الأمر في ذلك على أن يخلقها ابتداء لم يكن بين خلقها عند أخضر الشجر وعند اليابس الهشيم فرق، ولم يكن لذكر الخضرة الدّالة على الرطوبة معنى.

وقد ذكرنا جملة من قولهم في النار. وفي ذلك بلاغ لمن أراد معرفة هذا الباب. وهو مقدار قصد، لا طويل ولا قصير.

فأما القول في نار جهنم، وفي شواظها ودوامها وتسعّرها وخبوّها والقول في خلق السماء من دخان والجانّ من نار السّموم، وفي مفخر النار على الطين، وفي احتجاج إبليس بذلك- فإنا سنذكر من ذلك جملة في موضعه إن شاء الله تعالى.

ونحن راجعون في القول في النار إلى مثل ما كنا ابتدأنا به القول في صدر هذا

الكلام، حتى نأتي من أصناف النيران على ما يحضرنا، إن شاء الله تعالى.

قالوا: وليس في العالم جسم صرف غير ممزوج، ومرسل غير مركب، ومطلق القوى، غير محصور ولا مقصور، أحسن من النار.

قال: والنار سماوية علوية؛ لأن النار فوق الأرض، والهواء فوق الماء، والنار فوق الهواء.

ويقولون: «شراب كأنه النار»، و «كأن لون وجهها النار». وإذا وصفوا بالذكاء قالوا: «ما هو إلا نار» وإذا وصفوا حمرة القرمز وحمرة الذهب قالوا: «ما هو إلا نار».

قال: وقالت هند: «كنت والله في أيام شبابي أحسن من النار الموقدة!».

وأنا أقول: لم يكن بها حاجة إلى ذكر «الموقدة» وكان قولها: «أحسن من النار» يكفيها. وكذلك اتهمت هذه الرواية.

وقال قدامة حكيم المشرق في وصف الذّهن: «شعاع مركوم، ونسم معقود، ونور بصّاص. وهو النار الخامدة، والكبريت الأحمر».

ومما قال العتّابي: «وجمال كل مجلس بأن يكون سقفه أحمر، وبساطه أحمر».

وقال بشّار بن برد:

هجان عليها حمرة في بياضهاتروق بها العينين والحسن أحمر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وشاب المعذر»

وقال أعرابيّ:

هجان عليها حمرة في بياضهاولا لون أدنى للهجان من الحمر

قال: ومما عظم الله به شأن النار أنها تنتقم في الآخرة من جميع أعدائه.

وليس يستوجبها بشريّ من بشريّ، ولا جنيّ من جنيّ بضغينة ولا ظلم، ولا جناية ولا عدوان، ولا يستوجب النار إلا بعداوة الله ﷿ وحده، وبها يشفي صدور أوليائه من أعدائهم في الآخرة.

وكل شيء أضافه الله إلى نفسه فقد عظّم شأنه، وشدّد أمره. وقد فعل ذلك بالنار، فقالوا بأجمعهم: دعه في نار الله وسقره، وفي غضب الله ولعنته، وسخط الله وغضبه. هما ناره أو الوعيد بناره، كما يقال: بيت الله، وزوّار الله، وسماء الله، وعرش الله.

ثم ذكرها فامتنّ بها على أهل الأرض من وجهين: أحدهما قوله ﷿:

الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ

فجعلها من أعظم الماعون معونة، وأخفها مؤونة.

والماعون الأكبر: الماء والنار، ثم الكلأ والملح.

قال الشاعر في الماعون بيتا جامعا، أحسن فيه التأدية حيث قال:

لا تعدلنّ أتاويّين قد نزلواوسط الفلاة بأصحاب المحلّات

والمحلّات هي الأشياء التي إذا كانت مع المسافرين حلّوا حيث شاؤوا، وهي القدّاحة، والقربة، والمسحاة. فقال: إياك أن تعدل، إذا أردت النّزول، من معه أصناف

الماعون بأتاويّين، يعني واحدا أتى من هاهنا، وآخر أتى من هاهنا. كأنهم جماعة التقوا من غير تعريف بنسب ولا بلد.

وإذا تجمعوا أفذاذا لم يكمل كلّ واحد منهم خصال المحلّات.

قال أبو النجم:

يضعن بالفقر أتاويّاتمعترضات غير عرضيّات

وقالت امرأة من الكفار، وهي تحرّض الأوس والخزرج، حين نزل فيهم النبي ﷺ وعلى آله وصحبه:

أطعتم أتاويّ من غيركمفلا من مراد ولا مذحج

ولم ترد أنهما أشرف من قريش، ومن الحيّين كعب وعامر، ولكنها أرادت أن تؤلّب وتذكي العصبيّة.

وقالوا: لا تبتنى المدن إلا على الماء والكلإ والمحتطب. فدخلت النار في المحتطب؛ إذ كان كلّ عود يوري.

وأما الوجه الآخر من الامتنان بها، فكقوله تعالى: يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ

ثم قال على صلة الكلام: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ

. وليس يريد أنّ إحراق الله ﷿ العبد بالنار من آلائه ونعمائه.

ولكنه رأى أن الوعيد الصادق إذا كان في غاية الزجر عما يطغيه ويرديه فهو من النعم السابغة والآلاء العظام.

وكذلك نقول في خلق جهنم: إنها نعمة عظيمة، ومنّة جليلة، إذا كان زاجرا عن نفسه ناهيا، وإلى الجنة داعيا. فأما الوقوع فيها فما يشكّ أنه البلاء العظيم.

وكيف تكون النقم نعما! ولو كانت النقمة نعمة لكانت رحمة، ولكان السّخط رضا وليس يهلك على البينة إلا هالك. وقال الله ﷿: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ

وقال الحسن: «والله يا ابن آدم، ما توبقك إلا خطاياك! قد أريد بك النجاة فأبيت إلا أن توقع نفسك» !.

وشهد الحسن بعض الأمراء، وقد تعدّى إقامة الحدّ، وزاد في عدد الضرب، فكلمه في ذلك، فلما رآه لا يقبل النصح قال: أما إنك لا تضرب إلا نفسك، فإن شئت فقلّل، وإن شئت فكثّر.

وكان كثيرا ما يتلو عند ذلك: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ

والعقاب عقابان: فعقاب آخرة، وعقاب دنيا. فجميع عقاب الدنيا بليّة من وجه، ونعمة من وجه. إذ كان يؤدّي إلى النعمة وإن كان مؤلما. فهو عن المعاصي زاجر، وإن كان داخلا في باب الامتحان والتعبّد، مع دخوله في باب العقاب والنعمة؛ إذ كان زجرا، وتنكيلا لغيره. وقد كلّفنا الصبر عليه، والرضا به، والتسليم لأمر الله فيه.

وعقاب الآخرة بلاء صرف، وخزي بحت. لأنه ليس بمخرج منه، ولا يحتمل وجهين.

وقال أبو إسحاق: الجمر في الشمس أصهب، وفي الفيء أشكل، وفي ظلّ

الأرض- الذي هو الليل- أحمر. وأيّ صوت خالطته النار فهو أشد الأصوات، كالصاعقة، والإعصار الذي يخرج من شقّ البحر، وكصوت الموم، والجذوة من العود إذا كان في طرفه نار ثم غمسته في إناء فيه ماء نوى منقع.

ثم بالنار يعيش أهل الأرض من وجوه: فمن ذلك صنيع الشمس في برد الماء والأرض؛ لأنها صلاء جميع الحيوان، عند حاجتها إلى دفع عادية البرد. ثمّ سراجهم الذي يستصبحون به، والذي يميزون بضيائه بين الأمور.

وكلّ بخار يرتفع من البحار والمياه وأصول الجبال، وكل ضباب يعلو، وندى يرتفع ثم يعود بركة ممدودة على جميع النبات والحيوان- فالماء الذي يحلّه ويلطّفه، ويفتح له الأبواب، ويأخذ بضبعه من قعر البحر والأرض النار المخالطة لهما من تحت، والشمس من فوق.

وفي الأرض عيون نار، وعيون قطران، وعيون نفط وكباريت وأصناف جميع الفلزّ من الذهب والفضة والرّصاص والنّحاس. فلولا ما في بطونها من أجزاء النار لما ذاب في قعرها جامد، ولما انسبك في أضعافها شيء من الجواهر، ولما كان لمتقاربها جامع، ولمختلفها مفرّق.

قال: وتقول العرب «الشمس أرحم بنا».

وقيل لبعض العرب: أيّ يوم أنفع؟ قال: يوم شمال وشمس.

وقال بعضهم لامرأته:

تمنّين الطّلاق وأنت عنديبعيش مثل مشرقة الشّمال

وقال عمر: «الشمس صلاء العرب». وقال عمر: «العربيّ كالبعير، حيثما دارت الشمس استقبلها بهامته».

ووصف الرّاجز إبلا فقال:

تستقبل الشمس بجمجماتها

وقال قطران العبسيّ:

بمستأسد القريان حوّ تلاعهفنوّاره ميل إلى الشمس زاهرة
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «عَفَا مُسْحَلانُ عن سُلَيْمَى فَحَامِرُهْ»

والخيريّ ينضم ورقه بالليل، وينفتح بالنهار.

ولإسماعيل بن غزوان في هذا نادرة. وهو أن سائلا سألنا من غير أهل الكلام، فقال: ما بال ورق الخيريّ ينضم بالليل وينتشر بالنهار؟ فانبرى له إسماعيل بن غزوان فقال: لأن برد الليل وثقله، من طباعهما الضمّ والقبض والتّنويم، وحرّ شمس النهار من طباعه الإذابة، والنشر، والبسط، والخفّة، والإيقاظ. قال السائل: فيما قلت دليل، ولكنه! قال إسماعيل: وما عليك أن يكون هذا في يدك، إلى أن تصيب شيئا هو خير منه.

وكان إسماعيل أحمر حليما، وكذلك كان الحراميّ. وكنت أظن بالحمر الألوان التسرع والحدّة، فوجدت الحلم فيهم أعمّ. وكنت أظن بالسمان الخدال العظام أنّ الفالج إليهم أسرع، فوجدته في الذين يخالفون هذه الصّفة أعمّ.

وقال إياس بن معاوية: «صحّة الأبدان مع الشمس». ذهب إلى أهل العمد والوبر.

وقال مثنّى بن بشير: «الحركة خير من الظل والسّكون».

وقد رأينا لمن مدح خلاف ذلك كلاما، وهو قليل.

وقيل لابنة الخسّ: أيّما أشدّ: الشتاء أم الصيف؟ قالت: ومن يجعل الأذى كالزمانة ؟!.

وقال أعرابيّ: لا تسبّوا الشّمال فإنها تضع أنف الأفعى، وترفع أنف الرّفقة.

وقال خاقان بن صبيح، وذكر نبل الشتاء وفضله على نبل الصيف فقال:

«تغيب فيه الهوام، وتنجحر فيه الحشرات، وتظهر الفرشة والبزّة، ويكثر فيه الدّجن؛ وتطيب فيه خمرة البيت، ويموت فيه الذّبان والبعوض، ويبرد الماء، ويسخن الجوف، ويطيب فيه العناق».

وإذا ذكرت العرب برد الماء وسخونة الجوف قالت: «حرّة تحت قرّة».

ويجود فيه الاستمراء؛ لطول الليل، ولتفصّي الحرّ.

وقال بعضهم: لا تسرّنّ بكثرة الإخوان، ما لم يكونوا أخيارا؛ فإن الإخوان غير الخيار بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها بوار.

قال: ومن النيران «نار الزّحفتين»، وهي نار أبي سريع، وأبو سريع هو العرفج.

وقال قتيبة بن مسلم، لعمر بن عبّاد بن حصين: والله للسّؤدد أسرع إليك من النار في يبيس العرفج !.

وإنما قيل لنار العرفج: نار الزحفتين؛ لأن العرفج إذا التهبت فيه النار أسرعت فيه وعظمت، وشاعت واستفاضت، في أسرع من كل شيء. فمن كان في قربها يزحف عنها، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها، في مثل تلك السرعة؛ فيحتاج الذي يزحف عنها أن يزحف إليها من ساعته؛ فلا تزال للمصطلي كذلك، ولا يزال المصطلي بها كذلك. فمن أجل ذلك قيل: «نار الزّحفتين».

قال: وقيل لبعض الأعراب: ما بال نسائكم رسحا ؟ قال: أرسحهنّ عرفج الهلباء.

وهذا شرط الراعي فيما بينه وبين من استرعاه ماشيته في القارّ والحارّ، وذلك أن شرطهم عليه أن يقول المسترعي للراعي: «إن عليك أن تردّ ضالّتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها. ويدك مبسوطة في الرّسل ما لم تنهك حلبا، أو تضرّ بنسل».

قال: فيقول عند ذلك الراعي لرب الماشية، بعد هذا الشرط: «ليس لك أن تذكر أمّي بخير ولا شرّ ولك حذفة بالعصا عند غضبك، أخطأت أو أصبت، ولي مقعدي من النار وموضع يدي من الحارّ [والقارّ] »

قال: ووصف بعض الأوائل شبه ما بين النار والإنسان، فجعل ذلك قرابة ومشاكلة، قال: وليس بين الأرض وبين الإنسان، ولا بين الإنسان، والماء، ولا بين الهواء والإنسان، مثل قرابة ما بينه وبين النار؛ لأن الأرض إنما هي أمّ للنبات، [وليس للماء] إلا أنه مركب. وهو لا يغذو؛ إلّا ما يعقده الطبخ وليس للهواء فيه إلا النسيم والمتقلّب. وهذه الأمور وإن كانت زائدة، وكانت النفوس تتلف مع فقد بعضها، فطريق المشاكلة والقرابة غير طريق إدخال المرفق وجرّ المنفعة، ودفع المضرّة.

قال: وإنما قضيت لها بالقرابة، لأني وجدت الإنسان يحيا ويعيش في حيث تحيا النار وتعيش، وتموت وتتلف حيث يموت الإنسان ويتلف.

وقد تدخل نار في بعض المطامير والجباب، والمغارات، والمعادن، فتجدها متى ماتت هناك علمنا أن الإنسان متى صار في ذلك الموضع مات. ولذلك لا يدخلها أحد ما دامت النار إذا صارت فيها ماتت. ولذلك يعمد أصحاب المعادن والحفاير إذا هجموا على فتق في بطن الإرض أو مغارة في أعماقها أو أضعافها، قدّموا شمعة في طرفها أو في رأسها نار، فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب الجواهر من الذهب وغير ذلك. وإلا لم يتعرّضوا له. وإنما يكون دخولهم بحياة النار، وامتناعهم بموت النار.

وكذلك إذا وقعوا على رأس الجبّ الذي فيه الطعام، لم يجسروا على النزول

فيه، حتى يرسلوا في ذلك الجبّ قنديلا فيه مصباح أو شيئا يقوم مقام القنديل، فإن مات لم يتعرّضوا له، وحرّكوا في جوفه أكسية وغيرها من أجزاء الهواء.

قال: وممّا يشبّه النار فيه بالإنسان، أنك ترى للمصباح قبل انطفائه ونفاد دهنه، اضطراما وضياء ساطعا، وشعاعا طائرا، وحركة سريعة وتنقضا شديدا، وصوتا متداركا. فعندها يخمد المصباح.

وكذلك الإنسان، له قبل حال الموت، ودوين انقضاء مدّته بأقرب الحالات، حال مطمعة تزيد في القوة على حاله قبل ذلك أضعافا، وهي التي يسمونها «راحة الموت»، وليس له بعد تلك الحال لبث.

وكان رئيس من المتكلمين، وأحد الجلّة المتقدمين، يقول في النفس قولا بليغا عجيبا، لولا شنعته لأظهرت اسمه، وكان يقول: الهواء اسم لكل فتق، وكذلك الحيّز. والفتق لا يكون إلا بين الأجرام الغلاظ، وإلا فإنما هو الذي يسميه أصحاب الفلك «اللّجّ». وإذا هم سألوهم عن خضرة الماء قالوا: هذا لجّ الهواء، وقالوا: لولا أنك في ذلك المكان لرأيت في اللّجّ الذي فوق ذلك مثل هذه الخضرة. وليس شيء إلا وهو أرق من كتيفه أو من الأجرام الحاصرة له. وهو اسم لكل متحرّك ومتقلّب لكل شيء فيه من الأجرام المركبة. ولا يستقيم أن يكون من جنس النسيم، حتى يكون محصورا، إما بحصر كتيفي كالسفينة لما فيها من الهواء الذي به حملت مثل وزن جرمها الأضعاف الكثيرة، وإما أن يكون محصورا في شيء كهيئة البيضة المشتملة على ما فيها، كالذي يقولون في الفلك الذي هو عندنا: سماء.

قال: وللنسيم الذي هو فيه معنى آخر، وهو الذي يجعله بعض الناس ترويحا عن النفس، يعطيها البرد والرّقّة والطّيب، ويدفع النّفس، ويخرج إليه البخار والغلظ، والحرارات الفاضلة، وكلّ ما لا تقوى النّفس على نفيه واطّراده.

قال: وليس الأمر كذلك. بل أزعم أنّ النفس من جنس النسيم وهذه النفس القائمة في الهواء المحصور، عرض لهذه النفس المتفرّقة في أجرام جميع الحيوان، وهذه الأجزاء التي في هذه الأبدان، هي من النسيم في موضع الشعاع والأكثاف، والفروع التي تكون من الأصول.

قال: وضياء النفس كضياء دخل من كوّة فلما سدّت الكوّة انقطع بالطّفرة إلى عنصره من قرص الشمس وشعاعها المشرق فيها، ولم يقم في البيت مع خلاف شكله من الجروم. ومتى عمّ السّدّ لم تقم النفس في الجرم فوق لا.

وحكم النفس عند السّدّ- إذ كنا لا نجدها بعد ذلك- كحكم الضياء بعد السدّ، إذ كنا لا نجده بعد ذلك.

فالنفس من جنس النسيم، وبفساده تفسد الأبدان، وبصلاحه تصلح. وكان يعتمد على أن الهواء نفسه هو النفس والنسيم، وأن الحرّ واللدونة وغير ذلك من الخلاف، إنما هو من الفساد العارض.

قيل له: فقد يفسد الماء فتفسد الأجرام من الحيوان بفساده، ويصلح فتصلح بصلاحه، وتمنع الماء وهي تنازع إليه فلا تحلّ بعد المنازعة إذا تمّ المنع، وتوصل بجرم الماء فتقيم في مكانها. فلعل النفس عند بطلانها في جسمها قد انقطعت إلى عنصر الماء بالطّفرة.

وبعد فما علّمك؟ لعلّ الخنق هيّج على النفس أضدادا لها كثيرة، غمرتها حتى غرقت فيها، وصارت مغمورة بها.

وكان هذا الرئيس يقول: لولا أن تحت كلّ شعرة وزغبة مجرى نفس لكان المخنوق يموت مع أوّل حالات الخنق، ولكن النفس قد كان لها اتصال بالنسيم من تلك المجاري على قدر [من] الأقدار، فكان نوطها جوف الإنسان. فالرّيح والبخار لمّا طلب المنفذ فلم يجده، دار وكثف وقوي؛ فامتدّ له الجلد فسدّ له

المجاري. فعند ذلك ينقطع النفس. ولولا اعتصامها بهذا السبب لقد كانت انقطعت إلى أصلها من القرص، مع أول حالات الخنق.

وكان يقول: إن لم تكن النفس غمرت بما هيّج عليها من الآفات، ولم تنقطع للطّفر إلى أصلها جاز أن يكون الضياء الساقط على أرض البيت عند سدّ الكوّة أن يكون لم ينقطع إلى أصله. ولكن السدّ هيّج عليه من الظلام القائم في الهواء ما غمره، وقطعه عن أصله. ولا فرق بين هذين.

وكان يعظّم شأن الهواء، ويخبر عن إحاطته بالأمور ودخوله فيها، وتفضّل قوّته عليها.

وكان يزعم أن الذي في الزّقّ من الهواء، لو لم يكن له مجار ومنافس، ومنع من كل وجهة- لأقلّ الجمل الضخم.

وكان يقول: وما ظنّك بالرّطل من الحديد أو بالزّبرة منه، أنه متى أرسل في الماء خرقه، كما يخرق الهواء! قال: والحديد يسرع إلى الأرض إذا أرسلته في الهواء، بطبعه وقوّته، ولطلبه الأرض المشاكلة له، ودفع الهواء له، وتبرّيه منه، ونفيه له بالمضادة، واطّراده له بالعداوة.

قال: ثمّ تأخذ تلك الزّبرة فتبسطها بالمطارق، فتنزل نزولا دون ذلك؛ لأنها كلما اجتمعت فكان الذي يلاقيها من الماء أصغر جرما، كانت أقوى عليه.

ومتى ما أشخصت هذه الزّبرة المفطوحة المبسوطة المسطوحة، بنتق الحيطان في مقدار غلظ الإصبع، حمل مثل زنته المرار الكثيرة وليس إلا لما حصرت تلك الإصبع من الهواء. وكلما كان نتوّ الحيطان أرفع كان للأثقال أحمل، وكان الهواء أشدّ انحصارا.

قال: ولولا أن ذلك الهواء المحصور متّصل بالهواء المحصور في جرم الحديد، وفي جرم الخشب والقار، فرفع بذلك الاتصال السفينة علوّا- لما كان يبلغ من حصر ارتفاع إصبع للهواء ما يحمله البغل.

ويدلّ على ذلك شأن السكّابة؛ فإنّك تضع رأس السكّابة الذي يلي الماء في الماء، ثم تمصه من الطرف الآخر، فلو كان الهواء المحصور في تلك الأنبوبة إنما هو مجاور لوجه الماء، ولم يكن متصلا بما لابس جرم الماء من الهواء، ثم مصصته بأضعاف ذلك الجذب إلى ما لا يتناهى لما ارتفع إليك من الماء شيء رأسا.

وكان يقول في السّبيكة التي تطيل عليها الإيقاد، كيف لا تتلوّى، فما هو إلا أن ينفخ عليها بالكير حتى تدخل النيران في تلك المداخل، وتعاونها الأجزاء التي فيها من الهواء.

وبمثل ذلك قام الماء في جوف كوز المسقاة المنكس. ولعلمهم بصنيع الهواء إذا احتصر وإذا حصر، جعلوا سمك الصّينية مثل طولها. أعني المركب الصّينيّ.

وكان يخبر عن صنيع الهواء بأعاجيب.

وكان يزعم أنّ الرّجل إذا ضربت عنقه سقط على وجهه، فإذا انتفخ انتفخ غرموله وقام وعظم. فقلبه عند ذلك على القفا. فإذا جاءت الضّبع لتأكله فرأته على تلك الحال، ورأت غرموله على تلك الهيئة، استدخلته وقضت وطرها من تلك الجهة، ثم أكلت الرّجل، بعد أن يقوم ذلك عندها أكثر من سفاد الذّيخ.

والذّيخ: ذكر الضّباع العرقاء.

وذكر بعض الأعراب أنه عاينها عند ذلك، وعند سفاد الضّبع لها، فوجد لها عند تلك الحال حركة وصياحا، لم يجده عندها في وقت سفاد الذّيخ لها.

ولذلك قال أبو إسحاق لإسماعيل بن غزوان: «أشهد بالله إنك لضبع». لأن إسماعيل شدّ جارية له على سلّم وحلف ليضربنّها مائة سوط دون الإزار- ليلتزق جلد السّوط بجلدها، فيكون أوجع لها- فلما كشف عنها رطبة بضّة خدلة، وقع عليها، فلما قضى حاجته منها وفرغ، ضربها مائة سوط. فعند ذلك قال أبو إسحاق ما قال.

وإذا غرقت المرأة رسبت. فإذا انتفخت وصارت في بطنها ريح وصارت في معنى الزقّ، طفا بدنها وارتفع، إلا أنها تكون منكبّة، ويكون الرّجل مستلقيا.

وإذا ضربت عنق الرّجل وألقي في الماء لم يرسب، وقام في جوف الماء وانتصب، ولم يغرق، ولم يلزم القعر، ولم يظهر. كذلك يكون إذا كان مضروب العنق، كان الماء جاريا أو كان ساكنا. حتى إذا خفّ وصار فيه الهواء، وصار كالزّقّ المنفوخ، انقلب وظهر بدنه كله، وصار مستلقيا، كان الماء جاريا أو كان قائما.

فوقوفه وهو مضروب العنق، شبيه بالذي عليه طباع العقرب التي فيها الحياة، إذا ألقيتها في ماء غمر، لم تطف ولم ترسب، وبقيت في وسط عمق الماء، لا يتحرّك منها شيء.

والعقرب من الحيوان الذي لا يسبح. فأما الحيّة فإنها تكون جيّدة السباحة، إذا كانت من اللواتي تنساب وتزحف. فأمّا أجناس الأفاعي التي تسير على جنب فليس عندها في السباحة طائل.

والسّباحة المنعوتة، إنما هي للإوزّة والبقرة والكلب. فأمّا السمكة فهي الأصل في السباحة، وهي المثل، وإليها جميع النسبة.

والمضروب العنق يكون في عمق الماء قائما. والعقرب يكون على خلاف ذلك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.