تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

رجع إلى ذكر النار

ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر النار.

قال: والنار من الخصال المحمودة أنّ الطفل لا يناغي شيئا كما يناغي المصباح. وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس، وتهييج الهمة، والبعث على الخواطر، وفتق اللهاة، وتسديد اللسان، وفي السرور الذي له في النفس أكرم أثر.

قال: وكانت النار معظّمة عند بني إسرائيل، حيث جعلها الله تعالى تأكل القربان، وتدل على إخلاص المتقرّب، وفساد نية المدغل، وحيث قال الله لهم: «لا تطفئوا النّار من بيوتي». ولذلك لا تجد الكنائس والبيع أبدا إلا وفيها المصابيح تزهر، ليلا ونهارا، حتى نسخ الإسلام ذلك وأمرنا بإطفاء النيران، إلا بقدر الحاجة.

فذكر ابن جريح قال: أخبرني أبو الزّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول:

أمرني رسول الله ﷺ فقال: «إذا رقدت فأغلق بابك، وخمّر إناءك، وأوك سقاءك، وأطفئ مصباحك، فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يكشف إناء، ولا يحلّ وكاء. وإن الفأرة الفويسقة تحرق أهل البيت».

وفطر بن خليفة عن أبي الزبير؛ عن جابر بن عبد الله، قال: قال لنا رسول الله ﷺ: «أغلقوا أبوابكم، وأوكوا أسقيتكم وخمّروا آنيتكم، وأطفئوا سرجكم، فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحلّ وكاء، ولا يكشف غطاء. وإن

الفويسقة تضرّم البيت على أهله. وكفّوا مواشيكم وأهليكم حين تغرب الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء».

قال: ويدل على أنه ﷺ لم يأمر بحفظها إلا بقدر الحاجة إليها، ويأمر بإطفائها إلا عند الاستغناء عنها- ما حدّث به عباد بن كثير قال: حدّثني الحسن بن ذكوان عن شهر بن حوشب قال: «أمر رسول الله ﷺ أن تحبسوا صبيانكم عند فحمة العشاء، وأن تطفئوا المصابيح، وأن توكئوا الأسقية، وأن تخمّروا الآنية، وأن تغلّقوا الأبواب». قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله إنه لا بدّ لنا من المصابيح، للمرأة النّفساء، وللمريض، وللحاجة تكون. قال: فلا بأس إذا، فإن المصباح مطردة للشيطان، مذبّة للهوام، مدلّة على اللصوص.

قال: ونار أخرى، وهي التي تذكر الأعراب أن الغول توقدها بالليل، للعبث والتخليل، وإضلال السابلة.

قال أبو المطراب عبيد بن أيوب العنبريّ:

فلله درّ الغول أيّ رفيقةلصاحب قفر خائف متقتّر
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدتحواليّ نيرانا تبوخ وتزهر

قال: وجمرات العرب: عبس، وضبّة، ونمير. يقال لكلّ واحد منهم: جمرة.

وقد ذكر أبو حيّة النّميري قومه خاصّة فقال:

وهم جمرة لا يصطلي الناس نارهمتوقّد لا تطفا لريب النّوائب
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

ويروى: الدوابر.

ثم ذكر هذه القبائل فعمّهم بذلك، لأنها كلّها مضريّة، فقال:

لنا جمرات ليس للناس مثلهاثلاث فقد جرّبن كلّ التّجارب
نمير وعبس تتّقى صقراتهاوضبّة قوم بأسهم غير كاذب
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

يعني شدّتها.

إلى كلّ قوم قد دلفنا بجمرةلها عارض جون قويّ المناكب
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

وعلى ذلك المعنى قيل: «قد سقطت الجمرة»، إذا كان في استقبال زمان الدّفاء. ويقولون: قد سقطت الجمرة الأولى، والثانية، والثالثة.

والجمار: الحصى الذي يرمى به. والرّمي: التجمير، قال الشاعر:

ولم أر كالتجمير منظر ناظرولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى

والتجمير أيضا: أن يرمى بالجند في ثغر من الثّغور، ثم لا يؤذن لهم في الرجوع.

وقال حميد الأرقط:

فاليوم لا ظلم ولا تتبيرولا لغاز إن غزا تجمير

وقال بعض من جمّر من الشعراء في بعض الأجناد:

معاوي إمّا أن تجهّز أهلناإلينا، وإما أن نؤوب معاويا
أجمّرتنا تجمير كسرى جنودهومنّيتنا حتى مللنا الأمانيا

وقال الجعديّ:

كالخلايا أنشأن من أهل ساباط بجند مجمّر بأوال

ويقال قد أجمر الرجل: إذا أسرع أو أعجل مركبه.

وقال لبيد:

وإذا حرّكت غرزي أجمرتأو قرابي، عدو جون قد أبل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقال الراجز:

أجمر إجمارا له تطميم

التّطميم: الارتفاع والعلوّ. ويقال: أجمر ثوبه، إذا دخّنه.

والمجمرة والمجمر: الذي يكون فيه الدّخنة. وهو مأخوذ من الجمر.

ويقال: قد جمّرت المرأة شعرها إذا ضفرته. والضّفر يقال له الجمير. قال:

ويسمى الهلال قبل ليلة السّرار بليلة: «ابن جمير» قال أبو حردبة:

فهل الإله يشيّعني بفوارسلبني أميّة في سرار جمير
للشاعر أبو حَردَبَة، اقرأ القصيدة

وأنشدني الأصمعيّ:

مضفورها يطوى على جميرها

ويقال: قد تجمّر القوم، إذا هم اجتمعوا حتى يصير لهم بأس، ويكونوا كالنار على أعدائهم فكأنهم جمرة، أو كأنهم جمير من شعر مضفور، أو حبل مرصّع القوى.

وبه سمّيت تلك القبائل والبطون من تميم: الجمار.

والمجمّر مشدّد الميم: حيث يقع حصى الجمار. وقال الهذلي:

لأدركهم شعث النّواصي كأنهمسوابق حجّاج توافي المجمّرا

ويقال خفّ مجمّر: إذا كان مجتمعا شديدا.

ويقال: عدّ فلان إبله أو خيله أو رجاله جمارا: إذا كان ذلك جملة واحدة.

وقال الأعشى:

فمن مبلغ وائلا قومناوأعني بذلك بكرا جمارا

قال: ويقال في النار وما يسقط من الزّند: السّقط، والسّقط، والسّقط. ويقال:

هذا مسقط الرمل، أي منقطع الرمل، ويقال: أتانا مسقط النّجم، إذا جاء حين غاب.

ويقال رفع الطائر سقطيه. وقال الشاعر:

حتى إذا ما أضاء الصّبح وانبعثتعنه نعامة ذي سقطين معتكر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «يا أهل ما بال هذا الليل في صفر»

أراد ناحيتي الليل.

ويقال: شبّت النار والحرب تشبّ شبّا، وشببتها أنا أشبّها شبّا، وهو رجل شبوب للحرب.

ويقال: حسب ثاقب، أي مضيء متوقد. وكذلك يقال في العلم. ويقال: هب لي ثقوبا، وهو ما أثقبت به النار، من عطبة أو من غيرها. ويقال: أثقب النار إذا فتح عينها لتشتعل. وهو الثّقوب، ويقال: ثقب الزند ثقوبا، إذا ظهرت ناره. وكذلك النار. والزند الثاقب الذي إذا قدح ظهرت النار منه.

ويقال: ذكت النار تذكو ذكوّا، إذا اشتعلت. ويقال ذكّها إذا أريد اشتعالها.

وذكاء اسم للشمس، مضموم الذال المعجمة، وابن ذكاء: الصبح، ممدود مضموم الذال. وقال العجّاج:

وابن ذكاء كامن في كفر

وقال ثعلبة بن صعير المازني. وذكر ظليما ونعامة:

فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ماألقت ذكاء يمينها في كافر

وأما الذكاء مفتوح الذال ممدود فحدّة الفؤاد، وسرعة اللّقن.

وقالوا: أضرمت النار حتى اضطرمت وألهبتها حتى التهبت، وهما واحد.

والضّرام من الحطب: ما ضعف منه ولان. والجزل: ما غلظ واشتدّ. فالرّمث وما فوقه جزل. والعرفج وما دونه ضرام. والقصب وكل شيء ليس له جمر فهو ضرام. وكل ماله جمر فهو جزل.

ويقال: ما فيها نافخ ضرمة، أي ما فيها أحد ينفخ نارا.

ويقال: صليت الشاة فأنا أصليها صليا إذا شويتها، فهي مصليّة. ويقال: صلي الرجل النار يصلاها، وأصلاه الله حرّ النار إصلاء. وتقول: هو صال حرّ النار، في قوم صالين وصلّى.

ويقال: همدت النار تهمد همودا، وطفئت تطفأ طفوءا، إذا ماتت. وخمدت تخمد خمودا، إذا سكن لهبها وبقي جمرا حارّا.

وشبّت النار تشبّ شبوبا إذا هاجت والتهبت، وشبّ الفرس بيديه فهو يشبّ شبابا، وشبّ الصبيّ يشبّ شبابا. ويقال: ليس لك عضّاض ولا شبّاب.

ويقال: عشا إلى النار فهو يعشو إليها عشوا وعشوّا، وذلك يكون من أول الليل، يرى نارا فيعشو إليها يستضيء بها. قال الحطيئة:

متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقد
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «تزور امرءا يعطى على الحمد ماله»

وقال الأعشى:

وبات على النار الندى والمحلق

ويقال: عشي الرجل يعشى عشاوة، وهو رجل أعشى، وهو الذي لا بيبصر بالليل. وعشي الرجل على صاحبه يعشى عشا شديدا.

ويذكرون نارا أخرى، وهي على طريق المثل [والاستعارة]، لا على طريق الحقيقة، كقولهم في نار الحرب. قال ابن ميّادة:

يداه: يد تنهلّ بالخير والنّداوأخرى شديد بالأعادي ضريرها
وناراه: نار نار كلّ مدّفعوأخرى يصيب المجرمين سعيرها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال ابن كناسة:

خلفها عارض يمدّ على الآفاق ستريين من حديد ونار
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة
نار حرب يشبّها الحدّ والجدّ وتعشي نوافذ الأبصار
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة

وقال الرّاعي:

وغارتنا أودتم ببهراء، إنهاتصيب الصّريح مرّة والمواليا
وكانت لنا ناران: نار بجاسمونار بدمخ يحرقان الأعاديا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألم يسأل الركب الديار العوافيا»

جاسم: بالشام. ودمخ: جبل بالعالية.

ونار أخرى، وهي مذكورة على الحقيقة لا على المثل، وهي من أعظم مفاخر العرب، وهي النار التي ترفع للسّفر، ولمن يلتمس القرى. فكلما كان موضعها أرفع كان أفخر.

وقال أميّة بن أبي الصّلت:

لا الغيابات منتواك ولكنفي ذرى مشرف القصور ثواكا

وقال الكناني:

وبوّأت بيتك في معلمرفيع المباءة والمسرح
كفيت العفاة طلاب القرىونبح الكلاب لمستنبح
ترى دعس آثار تلك المطيّ أخاديد كاللّقم الأفيح
ولو كنت في نفق رائغلكنت على الشّرك الأوضح

وأنشدني أبو الزّبرقان:

له نار تشبّ بكلّ ريعإذا الظلماء جلّلت البقاعا
وما إن كان أكثرهم سواماولكن كان أرحبهم ذراعا

ويروى:

«ولم يك أكثر الفتيان مالا».

وفي نار القرى يقول الآخر:

على مثل همّام ولم أر مثلهتبكّي البواكي أو لبشر بن عامر
غلامان كان استوردا كلّ موردمن المجد ثمّ استوسعا في المصادر
كأنّ سنا ناريهما كلّ شتوةسنا الفجر يبدو للعيون النّواظر
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

وفي ذلك يقول عوف بن الأحوص:

ومستنبح يخشى القواء ودونهمن اللّيل بابا ظلمة وستورها
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة
رفعت له ناري فلمّا اهتدى بهازجرت كلابي أن يهرّ عقورها
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة
فلا تسأليني واسألي عن خليقتيإذا ردّ عافي القدر من يستعيرها
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة
ترى أنّ قدري لا تزال كأنّهالذي الفروة المقرور أمّ يزورها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا حي ميا إذ أجد بكورها»
مبرّزة لا يجعل السّتر دونهاإذا أخمد النيران لاح بشيرها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا حي ميا إذ أجد بكورها»
إذا الشّول راحت ثمّ لم تفد لحمهابألبانها ذاق السّنان عقيرها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألا حي ميا إذ أجد بكورها»

أما إن ذكرنا جملة من القول في الماء من طريق الكلام وما يدخل في الطب، فسنذكر من ذلك جملة في باب آخر:

قالوا: مدّ الشعبي يده وهو على مائدة قتيبة بن مسلم يلتمس الشراب، فلم يدر صاحب الشراب اللبن، أم العسل، أم بعض الأشربة؟ فقال له: أي الأشربة أحبّ إليك؟ قال: أعزّها مفقودا، وأهونها موجودا! قال قتيبة: اسقه ماء.

وكان أبو العتاهية في جماعة من الشعراء عند بعض الملوك، إذ شرب رجل منهم ماء، ثمّ قال: «برد الماء وطاب» ! فقال أبو العتاهية: اجعله شعرا. ثمّ قال: من يجيز هذا البيت؟ فأطرق القوم مفكرين، فقال أبو العتاهية: سبحان الله! وما هذا الإطراق؟! ثمّ قال:

برد الماء وطاباحبّذا الماء شرابا

وقال الله ﷿: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ

ثمّ لم يذكره بأكثر من السلامة من التغيّر، إذ كان الماء متى كان خالصا سالما لم يحتج إلى أن يشرب بشيء غير ما في خلقته من الصّفاء والعذوبة، والبرد والطّيب، والحسن، والسّلس في الحلق. وقد قال عديّ بن زيد:

لو بغير الماء حلقي شرقكنت كالغصّان بالماء اعتصاري
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

قال أبو المطراب عبيد بن أيّوب العنبريّ:

وأوّل خبث الماء خبث ترابهوأوّل خبث النّجل خبث الحلائل

وأوصى رجل من العرب ابنته ليلة زفافها بوصايا، فكان مما قال لها:

«احذري مواقع أنفه، واغتسلي بالماء القراح، حتى كأنك شنّ ممطور!» وأوصت امرأة ابنتها بوصايا، فكان منها: «وليكن أطيب طيبك الماء».

وزعموا أنها القائلة لبنتها:

بنيّتي إن نام نامي قبلهوأكرمي تابعه وأهله
ولا تكوني في الخصام مثلهفتخصميه فتكوني بعله

ومن الأمثال:

فأصبحت مما كان بيني وبينهاسوى ذكرها كالقابض الماء باليد
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «فوا ندمي إذ لم أعج إذ تقول لي»

وأخذ المسيح ﵇ في يده اليمنى ماء، وفي يده اليسرى خبزا فقال:

«هذا أبي، وهذا أمّي»، فجعل الماء أبا، لأن الماء من الأرض يقوم مقام النطفة من المرأة.

وإذا طبخ الماء ثمّ برد لم تلقح عليه الأشجار، وكذلك قضبان الشجر.

والحبوب والبذور لو طبخت طبخة ثمّ بذرت لم تعلق.

وقالوا في النظر إلى الماء الدائم الجريان ما قالوا.

وجاء في الأثر: من كان به برص قديم فليأخذ درهما حلالا، فليشتر به عسلا، ثمّ يشربه بماء سماء، فإنه يبرأ بإذن الله.

والنزيف هو الماء عند العرب.

وما ظنّكم بشراب خبث وملح فصار ملحا زعاقا، وبحرا أجاجا، ولّد العنبر الورد، وأنسل الدّرّ النفيس، فهل سمعت بنجل أكرم ممن نجله، ومن نتاج أشرف ممن نسله.

وما أحسن ما قال أبو عبّاد كاتب ابن أبي خالد حيث يقول: «ما جلس بين يديّ رجل قط، إلا تمثّل لي أنني سأجلس بين يديه. وما سرّني دهر قطّ، إلا شغلني عنه تذكر ما يليق بالدهور من الغير».

قال الله ﷿: يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها

. لأن الزجاج أكثر ما يمدح به أن يقال: كأنه الماء في الفيافي.

وقال الله ﷿: هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ

وقال القطاميّ:

وهنّ ينبذن من قول يصبن بهمواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي

وقال الله ﷿: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ

فيقال: إنه ليس شيء إلا وفيه ماء، أو قد أصابه ماء. أو خلق من ماء. والنّطفة ماء، والماء يسمى نطفة. وقال الله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ

. قال ابن عباس: موج مكفوف.

وقال ﷿: وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً

وحين اجتهدوا في تسمية امرأة بالجمال. والبركة، والحسن. والصّفاء، والبياض قالوا: ماء السماء. وقالوا: المنذر بن ماء السماء.

ويقال: صبغ له ماء، ولون له ماء، وفلان ليس في وجهه ماء، وردّني فلان ووجهي بمائه. قال الشاعر:

ماء الحياء يجول في وجناته

وقالت أمّ فروة في صفة الماء:

وما ماء مزن أيّ ماء تقولهتحدّر من غرّ طوال الذّوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدّبتعليه رياح المزن من كلّ جانب
نفى نسم الرّيح القذى عن متونهفما إن به عيب تراه لشارب
بأطيب ممن يقصر الطّرف دونهتقى الله واستحياء بعض العواقب
للشاعر عاتكة المرية، اقرأ القصيدة

والإبل لا تحبّ من الماء إلا الغليظ. والحوافر لا تحبّ العذوبة وتكره الماء الصافي، حتى ربّما ضرب الفرس بيده الشريعة ليثوّر الماء ثمّ يشربه.

والبقر تعاف الماء الكدر، ولا تشرب إلا الصافي.

والظباء تكرع في ماء البحر الأجاج، وتخضم الحنظل.

والأبيضان: الماء، واللبن. والأسودان: الماء، والتمر.

وسواد العراق: ماؤه الكثير. والماء إن كان له عمق اشتدّ سواده في العين.

وقال العكليّ في صفة الماء:

عاده من ذكر سلمى عوّدهوالليل داج مطلخمّ أسوده
فبتّ ليلي ساهرا ما أرقدهحتى إذا الليل تولى كبده
وانكبّ للغور انكبابا فرقدهوحثّه حاد كميش يطرده
أغرّ أجلى مغرب مجرّدهأصبح بالقلب جوى ما يبرده
ماء غمام في الرّصاف مقلدهزلّ به عن رأس نيق صدده
عن ظهر صفوان مزلّ مجسدهحتى إذا السّيل تناهى مدده
وشكّد الماء الذي يشكّدهبين نعامى ودبور تلهده
كلّ نسيم من صبا تستوردهكأنما يشهده أو يفقده

فهو شفاء الصاد مما يعمده

وقال آخر في الماء:

يا كأس ما ثغب برأس شظيّةنزل أصاب عراصها شؤبوب
ضحيان شاهقة يرفّ بشامهنديان، يقصر دونه اليعقوب
بألذّ منك مذاقة لمحلّاعطشان داغش ثم عاد يلوب

وقال جرير:

لو شئت قد نقع الفؤاد بشربةتدع الحوائم لا يجدن غليلا
للشاعر جرير، من قصيدة «لم أر مثلك يا أمام خليلا»
بالعذب من رصف القلات مقيلهقضّ الأباطح لا يزال ظليلا

قال: وفي الماء أنّ أطيب شراب عمل وركّب، مثل السّكنجبين، والجلّاب، والبنفسج وغير ذلك مما يشرب من الأشربة، فإن لذّ وطاب، فإنّ تمام لذّته إن يجرع شاربه بعد شربه له جرعا من الماء، يغسل بها فمه، ويطيّب بها نفسه، وهو في هذا الموضع كالخلّة والحمض جميعا وهو لتسويغ الطعام في المريء، والمركب والمعبر، والمتوصّل به إلى الأعضاء.

فالماء يشرب صرفا وممزوجا، والأشربة لا تشرب صرفا، ولا ينتفع بها إلا بممازجة الماء.

وهو بعد طهور الأبدان، وغسول الأدران.

وقالوا: هو كالماء الذي يطهر كلّ شيء، ولا ينجّسه شيء.

وقال النبي ﷺ في بئر رومة: «الماء لا ينجّسه شيء».

ومنه ما يكون منه الملح، والبرد، والثّلج، فيجتمع الحسن في العين، والكرم في البياض والصفاء، وحسن الموقع في النفس.

وبالماء يكون القسم، كقول الشاعر:

غضبى ولا والله يا أهلهالا أشرب البارد أو ترضى
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

ويقولون: لو علم فلان أنّ شرب البارد يضع من مروءته لما ذاقه.

وسمّى الله ﷿ أصل الماء غيثا بعد أن قال: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ

ومن الماء ماء زمزم، وهو لما شرب له. ومنه [ما] يكون دواء وشفاء بنفسه، كالماء للحمّى.

قد ذكرنا جملة من القول في النار، وإن كان ذلك لا يدخل في باب القول في أصناف الحيوان، فقد يرجع إليها من وجوه كريمة نافعة الذكر، باعثة على الفكر، وقد يعرض من القول ما عسى أن يكون أنفع لقارئ هذا الكتاب من باب القول في الفيل، والزّندبيل، وفي القرد والخنزير، وفي الدّب والذئب، والضّبّ والضّبع، وفي السّمع والعسبار.

وعلى أن الحكمة ربما كانت في الذّبابة مع لطافة شخصها، ونذالة قدرها،

وخساسة حالها- أظهر منها في الفرس الرّائع، وإن كان الفرس أنفع في باب الجهاد، وفي الجاموس مع عظم شخصه، وفي دودة القزّ، وفي العنكبوت- أظهر منها في الليث الهصور، والعقاب الشّغواء.

وربما كان ذكر العظيم الجثة الوثيق البدن، الذي يجمع حدّة الناب وصولة الخلق أكثر فائدة، وأظهر حكمة من الصّغير الحقير، ومن القليل القميّ. كالبعير والصّؤابة، والجاموس والثعلب والقملة.

وشأن الأرضة أعجب من شأن الببر مع مسالمة الأسد له، ومحاربته للنمر.

وشأن الكركيّ أعجب من شأن العندليب، فإن الكركيّ من أعظم الطّير، والعندليب أصغر من ابن تمرة.

ولذلك ذكر يونس بعض لاطة الرّواة فقال: «يضرب ما بين الكركيّ إلى العندليب». يقول: لا يدع رجلا ولا صبيّا إلّا عفجه.

ويشبه ذلك هجاء خلف الأحمر أبا عبيدة، حيث يقول:

ويضرب الكركي إلى القنبرلا عانسا يبقي ولا محتلم

والعانس من الرجال مثله من النساء.

فلسنا نطنب في ذكر العظيم الجثة لعظم جثّته، ولا نرغب عن ذكر الصّغير الجثة، لصغر جثّته، وإنما نلتمس ما كان أكثر أعجوبة، وأبلغ في الحكمة، وأدلّ عند العامة على حكمة الرّبّ. وعلى إنعام هذا السّيّد.

وربّ شيء الأعجوبة فيه إنما هي في صورته، وصنعته، وتركيب أعضائه، وتأليف أجزائه، كالطاووس في تعاريج ريشه، وتهاويل ألوانه، وكالزّرافة في عجيب

تركيبها، ومواضع أعضائها. والقول فيهما شبيه بالقول في التّدرج والنّعامة.

وقد يكون الحيوان عجيب صنعة البدن، ثم لا يذكر بعد حسن الخلق بخلق كريم، ولا حسّ ثاقب، ولا معرفة عجيبة، ولا صنعة لطيفة. ومنه ما يكون كالببغاء، والنحلة، والحمامة، والثعلب، والدّرّة، ولا تكون الأعجوبة في تصويره، وتركيب أعضائه، وتنضيد ألوان ريشه في وزن تلك الأشياء التي ذكرناها، أو يكون العجب فيما أعطى في حنجرته من الأغاني العجيبة، والأصوات الشجيّة المطربة، والمخارج الحسنة- مثل العجب فيما أعطي من الأخلاق الكريمة، أو في صنعة الكفّ اللطيفة، والهداية الغريبة، أو المرفق النافع، أو المضرّة التي تدعو إلى شدّة الاحتراس، ودقة الاحتيال، فيقدّم في الذكر لذلك.

وأيّ شيء أعجب من العقعق وصدق حسّه، وشدّة حذره، وحسن معرفته، ثم ليس في الأرض طائر أشدّ تضييعا لبيضه وفراخه منه. والحبارى مع أنها أحمق الطير، تحوط بيضها أو فراخها أشدّ الحياطة، وبأغمض معرفة، حتى قال عثمان بن عفان، ﵁: «كلّ شيء يحب ولده حتى الحبارى». يضرب بها المثل في الموق.

ثم العقعق مع حذقه بالاستلاب، وبسرعة الخطف، لا يستعمل ذلك إلا فيما لا ينتفع به، فكم من عقد ثمين خطير، ومن قرط شريف نفيس، قد اختطف من بين أيدي قوم، فإمّا رمى به بعد تحلّقه في الهواء، وإما أحرزه ولم يلتفت إليه أبدا.

وزعم الأصمعيّ أنّ عقعقا مرة استلب سخابا كريما لقوم، فأخذ أهل السّخاب أعرابيّة كانت عندهم، فبينما هي تضرب، وتسحب وتسبّ إذ مرّ العقعق

والسّخاب في منقاره، فصاحوا به فرمى به، فقالت الأعرابية وتذكَّرت السلامة بعد أن كانت قد ابتليت ببليّة أخرى فقالت:

ويوم السّخاب من تعاجيب ربّناكما أنه من بلدة السّوء نجّاني

تعني الذين كانت نزلت بهم من أهل الحاضرة.

ولا بأس بذكر ما يعرض. ما لم يكن من الأبواب الطّوال. التي ليس فيها إلا المقاييس المجرّدة، والكلامية المحضة، فإن ذلك مما لا يخفّ سماعه ولا تهشّ النفوس لقراءته. وقد يحتمل ذلك صاحب الصناعة، وملتمس الثواب والحسبة، إذا كان حليف فكر، أليف عبر، فمتى وجدنا من ذلك بابا يحتمل أن يوشّح بالأشعار الظريفة البليغة. والأخبار الطريفة العجيبة، تكلّفنا ذلك، ورأيناه أجمع لما ينتفع به القارئ.

ولذلك استجزنا أن نقول في باب النار ما قلنا.

وأنا كاتب لك بعد هذا؛ إذ كنت قد أمللتك بالتطويل، وحملتك على أصعب المراكب، وأوعر الطّرق، إذ قد ذكرنا فيه جملة صالحة من كلام المتكلمين، ولا أرى أن أزيد في سآمتك، وأحمّلك استفراغ طاقتك، بأن أبتدئ القول في الإبل، والبقر، والغنم، والأسد، والذئاب، والحمير، والظباء، وأشباه ذلك، مما أنا كاتبه لك.

ولكني أبدأ بصغار الأبواب وقصارها، ومحقّراتها، وملاحها، لئلا تخرج من الباب الأول، إلا وأنت نشيط للباب الثاني، وكذلك الثالث والرابع إلى آخر ما أنا كاتبه لك، إن شاء الله.

ونبدأ بذكر ما في العصفور، ثم نأخذ في ذكر ما في الفأر والعقرب، والذي بينهما من العداوة، مع سائر خصالهما.

ثم القول في العقرب والخنفساء، وفي الصداقة بينهما، مع سائر خصالهما.

ثم القول في السّنّور، وبعض القول في العقرب.

ثم القول في البعوض والبراغيث، ثم القول في القمل والصّئبان. ثم القول في الورل والضّبّ. ثم القول في اليربوع والقنفذ. ثم القول في النسور والرّخم.

ثم القول في العقاب، وفي الأرنب. ثم القول في القردان والضفادع. ثم القول في الحبارى وما أشبه ذلك. وإن كنا قد استعملنا في هذا الكتاب جملا من أخبار ما سمينا بذلك.

وسنذكر قبل ذكرنا لهذا الباب أبوابا من الشعر طريفة، تصلح للمذاكرة، وتبعث على النشاط معه وتستخفّ معه قراءة ما طال من الكتب الطوال.

ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويذكر اصطناع الكتب في هذا الدهر- لما احتجت في مداراتهم واستمالتهم، وترقيق نفوسهم وتشجيع قلوبهم، مع كثرة فوائد هذا الكتاب- إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا الاعتذار، حتى كأنّ الذي أفيده إياهم أستفيده منهم، وحتى كأنّ رغبتي في صلاحهم، رغبة من يرغب في دنياهم، ويتضرّع إلى ما حوته أيديهم.

هذا. ولم أذكر لك من الأبواب الطوال شيئا، ولو قد صرت إلى ذكر فرق ما بين الجنّ والإنس، وفرق ما بين الملائكة والأنبياء، وفرق ما بين الأنثى والذكر، وفرق ما بينهما وبين ما ليس بأنثى ولا ذكر، حتى يمتدّ بنا القول في فضيلة الإنسان على جميع أصناف الحيوان، وفي ذكر الأمم والأعصار، وفي ذكر القسم والأعمار، وفي ذكر مقادير العقول والعلوم والصناعات. ثم القول في طباع الإنسان منذ كان نطفة إلى أن يفنيه الهرم، وكيف حقيقة ذلك الردّ إلى أرذل العمر، فإن مللت الكتاب واستثقلت القراءة، فأنت حينئذ أعذر، ولحظّ نفسك أبخس. وما عندي لك من الحيلة إلا أن أصوّره لك في أحسن صورة، وأقلّبك منه في الفنون المختلفة، فأجعلك لا تخرج من الاحتجاج بالقرآن الحكيم إلا إلى الحديث المأثور، ولا تخرج من الحديث إلا إلى الشّعر الصحيح، ولا تخرج من الشّعر الصحيح الظريف إلا إلى المثل السائر الواقع، ولا تخرج من المثل السائر الواقع إلا إلى القول في طرف الفلسفة، والغرائب التي صحّحتها التجربة، وأبرزها الامتحان، وكشف قناعها البرهان، والأعاجيب التي للنفوس بها كلف شديد وللعقول الصحيحة إليها النزاع القويّ.

ولذلك كتبته لك، وسقته إليك، واحتسبت الأجر فيك.

فانظر فيه نظر المنصف من الأكفاء والعلماء، أو نظر المسترشد من المتعلّمين والأتباع. فإن وجدت الكتاب الذي كتبته لك يخالف ما وصفت فانقصني من نشاطك له على قدر ما نقصتك مما ينشطك لقراءته، وإن أنت وجدتني- إذا صحّ عقلك وإنصافك- قد وفّيتك ما ضمنت لك فوجدت نشاطك بعد ذلك مدخولا، وحدّك مفلولا فاعلم أنا لم نؤت إلا من فسولتك، ومن فساد طبعك، ومن إيثارك لما هو أضرّ بك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.