من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب آخر (٢)
إن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة، ومتى اشتدت الحمرة صارت سوادا، وكذلك الخضرة متى اشتدت صارت سوادا.
والسواد يضاد البياض مضادة تامة، وصارت الألوان الأخر فيما بينها تتضاد عادة، وصارت الطّعوم والأراييح والملامس تخالفها ولا تضادها.
وقد جعل بعض من يقول بالأجسام هذا المذهب دليلا على أن الألوان كلّها إنما هي من السواد والبياض، وإنما تختلفان على قدر المزاج. وزعموا أن اللون في الحقيقة إنما هو البياض والسواد، وحكموا في المقالة الأولى بالقوة للسواد على البياض؛ إذ كانت الألوان كلها كلما اشتدت قربت من السواد، وبعدت من البياض، فلا تزال كذلك إلى أن تصير سوادا.
وقد ذكرنا قبل هذا قول من جعل الضياء والبياض جنسين مختلفين، وزعم أن كلّ ضياء بياض وليس كلّ بياض ضياء.
وما كان أحوجنا وأحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطباء متكلمين، وإلى أن يكون المتكلمون علماء؛ فإن الطبّ لو كان من نتائج حذاق المتكلمين ومن تلقيحهم له، لم نجد في الأصول التي يبنون عليها من الخلل ما نجد.
وزعموا أن النار حمراء، وذهبوا إلى ما ترى العين، والنار في الحقيقة بيضاء.
ثم قاسوا على خلاف الحقيقة المرّة الحمراء، وشبّهوها بالنار. ثم زعموا أن المرة الحمراء مرّة. وأخلق بالدخان أن يكون مرّا. وليس الدخان من النار في شيء.
وكل نور وضياء هو أبيض، وإنما يحمرّ في العين بالعرض الذي يعرض للعين.
فإذا سلمت من ذلك، وأفضت إليه العين رأته أبيض، وكذلك نار العود تنفصل من العود، وكذلك انفصال النار من الدّهن ومعها الدخان ملابسا لأجزائها. فإذا وقعت الحاسة على سواد أو بياض في مكان واحد، كان نتاجهما في العين منظرة الحمرة.
ولو أنّ دخانا عرض بينك وبينه قرص الشمس أو القمر لرأيته أحمر. وكذلك قرص الشمس في المشرق أحمر وأصفر، للبخار والغبار المعترض بينك وبينه.
والبخار والدخان أخوان.
ومتى تحلّق القرص في كبد السماء، فصار على قمة رأسك؛ ولم يكن بين عينيك وبينه إلا بقدر ما تمكن البخار من الارتفاع في الهواء صعدا- وذلك يسير قليل- فلا تراه حينئذ إلا في غاية البياض.
وإذا انحطّ شرقا أو غربا صار كلّ شيء بين عينيك وبين قرصها من الهواء، ملابسا للغبار والدخان والبخار، وضروب الضّباب والأنداء فتراها إما صفراء، وإما حمراء.
ومن زعم أن النار حمراء فلم يكذب إن ذهب إلى ما ترى العين، ومن ذهب إلى الحقيقة والمعلوم في الجوهرية، فزعم أنها حمراء، ثم قاس على ذلك جهل وأخطأ.
وقد نجد النار تختلف على قدر اختلاف النّفط الأزرق، والأسود، والأبيض.
وذلك كله يدور في العين مع كثرة الدخان وقلته.
ونجد النار تتغير في ألوانها في العين، على قدر جفوف الحطب ورطوبته، وعلى قدر أجناس العيدان والأدهان، فنجدها شقراء، ونجدها خضراء إذا كان حطبها مثل الكبريت الأصفر.
ونجد لون السحاب مختلفا في الحمرة والبياض، على قدر المقابلات والأعراض، ونجد السحابة بيضاء، فإذا قابلت الشمس بعض المقابلة، فإن كانت السحابة غربية أفقيه والشمس منحطّة، رأيتها صفراء، ثم سوداء، تعرض للعين لبعض ما يدخل عليها.
وقال الصّلتان الفهميّ في النار:
وتوقدها شقراء في رأس هضبةليعشو إليها كلّ باغ وجازع
وقال مزرّد بن ضرار:
فأبصر ناري وهي شقراء أوقدتبعلياء نشز، للعيون النواظر
وقال آخر:
ونار كسحر العود يرفع ضوءهامع الليل هبّات الرياح الصّوارد
والغبار يناسب بعض الدخان. ولذلك قال طفيل الغنويّ:
إذا هبطت سهلا كأنّ غبارهبجانبها الأقصى دواخن تنضب
لأن دخانه يكون أبيض يشبه الغبار، وناره شقراء.
والعرب تجمع الدخان دواخن. وقال الأزرق الهمدانيّ:
ونوقدها شقراء من فرع تنضبوللكمت أروى للنّزال وأشبع
وذلك أن النار إذا ألقي عليها اللحم فصار لها دخان، اصهابّت بدخان ماء اللحم وسواد القتار. وهذا يدل أيضا على ما قلنا.
وفي ذلك يقول الهيّبان الفهميّ:
له فوق النّجاد جفان شيزىونار لا تضرّم للصّلاء
ولكن للطّبيخ، وقد عراهاطليح الهمّ مستلب الفراء
وما غذيت بغير لظى، فناريكمرتكم الغمامة ذي العفاء
وقال سحر العود:
له نار تشبّ على يفاعلكلّ مرعبل الأهدام بالي
ونار فوقها بجر رحابمبجّلة تقاذف بالمحال
ويدلّ أيضا على ما قلنا: أن النار يختلف لونها على قدر اختلاف جنس الدّهن والحطب والدخان، وعلى قدر كثرة ذلك وقلّته، وعلى قدر يبسه ورطوبته- قول الراعي حين أراد أن يصف لون ذئب فقال:
وقع الربيع وقد تقارب خطوهورأى بعقوته أزلّ نسولا
متوضّح الأقراب فيه شهبةهشّ اليدين تخاله مشكولا
كدخان مرتجل بأعلى تلعةغرثان ضرّم عرفجا مبلولا
المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد، فهو يشويه. وجعله غرثان لكون الغرث لا يختار الحطب اليابس على رطبه، فهو يشويه بما حضره. وأدار هذا الكلام، ليكون لون الدخان بلون الذئب الأطحل متفقين.
وزرادشت هو الذي عظم النار وأمر بإحيائها، ونهى عن إطفائها، ونهى الحيّض عن مسها والدنوّ منها. وزعم أن العقاب في الآخرة إنما هو بالبرد والزمهرير والدّمق.
وزعم أصحاب الكلام أن زرادشت- وهو صاحب المجوس- جاء من بلخ، وادعى أن الوحي نزل عليه على جبال سيلان، وأنه حين دعا سكان تلك الناحية الباردة، الذين لا يعرفون إلا الأذى بالبرد، ولا يضربون المثل إلا به؛ حتى يقول الرجل لعبده: لئن عدت إلى هذا لأنزعنّ ثيابك، ولأقيمنّك في الريح، ولأوقفنّك في الثلج! فلما رأى موقع البرد منهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعفه، وظنّ أنّ ذلك أزجر لهم عما يكره.
وزرادشت في توعده تلك الأمة بالثلج دون النار، مقرّ بأنه لم يبعث إلا إلى أهل تلك الجبال. وكأنه إذا قيل له: أنت رسول إلى من؟ قال لأهل البلاد الباردة، الذين لابدّ لهم من وعيد، ولا وعيد لهم إلا بالثلج.
وهذا جهل منه، ومن استجاب له أجهل منه.
والثلج لا يكمل لمضادّة النار، فكيف يبلغ مبلغها؟ والثلج يؤكل ويشرب،
ويقضم قضما، ويمزج بالأشربة، ويدفن فيه الماء وكثير من الفواكه.
وربما أخذ بعض المترفين القطعة منه كهامة الثور، فيضعها على رأسه ساعة من نهار، ويتبرّد بذلك.
ولو أقام إنسان على قطعة من الثلج مقدار صخرة في حمدان ريح ساعة من نهار، لما خيف عليه المرض قطّ.
فلو كان المبالغة في التنفير والزجر أراد، وإليه قصد؛ لذكر ما هو في الحقيقة عند الأمم أشدّ. والوعيد بما هو أشد، وبما يعم بالخوف سكان البلاد الباردة والحارة أشبه، إذا كان المبالغة يريد.
والثلج قد يداوى به بعض المرضى، ويتولد فيه الدود، وتخوضه الحوافر، والأظلاف، والأخفاف، والأقدام، بالليل والنهار، في الأسفار.
وفي أيام الصيد يهون على من شرب خمسة أرطال نبيذ أن يعدو عليه خمسة أشواط.
وقد عارضني بعض المجوس وقال: فلعلّ أيضا صاحبكم إنما توعّد أصحابه بالنار، لأن بلادهم ليست ببلاد ثلج ولا دمق، وإنما هي ناحية الحرور والوهج والسّموم، لأن ذلك المكروه أزجر لهم. فرأي هذا المجوسي أنه قد عارضني! فقلت له: إن أكثر بلاد العرب موصوفة بشدة الحر في الصيف. وشدة البرد في الشتاء؛ لأنها بلاد صخور وجبال، والصخر يقبل الحر والبرد ولذلك سمت الفرس بالفارسية، العرب والأعراب: «كهيان»، والكه بالفارسية هو الجبل. فمتى أحببت أن تعرف مقدار برد بلادهم في الشتاء وحرّها في الصيف، فانظر في أشعارهم، وكيف قسّموا ذلك، وكيف وضعوه لتعرف أن الحالتين سواء عندهم في الشدة.
والبلاد ليس يشتد بردها على كثرة الثلج، فقد تكون بلدة أبرد وثلجها أقل،
والماء ليس يجمد للبرد فقط، فيكون متى رأينا بلدة ثلجها أكثر، حكمنا أن نصيبها من البرد أوفر.
وقد تكون الليلة باردة جدا، وتكون صنّبرة فلا يجمد الماء، ويجمد فيما هو أقلّ منها بردا. وقد يختلف جمود الماء في الليلة ذات الريح، على خلاف ما يقدّرون ويظنون.
وقد خبرني من لا أرتاب بخبره، أنهم كانوا في موضع من الجبل، يستغشون به بلبس المبطّنات، ومتى صبوا ماء في إناء زجاج، ووضعوه تحت السماء، جمد من ساعته.
فليس جمود الماء بالبرد فقط، ولا بد من شروط ومقادير، واختلاف جواهر، ومقابلات أحوال، كسرعة البرد في بعض الأدهان، وإبطائه عن بعض وكاختلاف عمله في الماء المغلى، وفي الماء المتروك على حاله وكاختلاف عمله في الماء والنبيذ، وكما يعتري البول من الخثورة والجمود، على قدر طبائع الطعام والقلة.
والزّيت خاصة يصيبه المقدار القليل من النار، فيستحيل من الحرارة إلى مقدار لا يستحيل إليه ما هو أحرّ.
وحجة أخرى على المجوس. وذلك أن محمدا ﷺ، لو كان قال: لم أبعث إلا إلى أهل مكة- لكان له متعلق من جهة هذه المعارضة. فأما وأصل نبوّته، والذي عليه مخرج أمره وابتداء مبعثه إلى ساعة وفاته، أنه المبعوث إلى الأحمر والأسود، وإلى الناس كافة، وقد قال الله تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
وقد قال تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ
- فلم يبق أن يكون مع ذلك قولهم معارضة، وأن يعدّ في باب الموازنة.
ومما قالوا في البرد قول الكميت:
إذا التفّ دون الفتاة الضّجيعووحوح ذو الفروة المرمل
وراح الفنيق مع الرائحاتكإحدى أوائلها المرسل
وقال الكميت أيضا في مثل ذلك:
وجاءت الريح من تلقاء مغربهاوضنّ من قدره ذو القدر بالعقب
وكهكه المدلج المقرور في يدهواستدفأ الكلب في المأسور ذي الذّئب
وقال في مثله جران العود:
ومشبوح الأشاجع أريحيّبعيد السّمع، كالقمر المنير
رفيع الناظرين إلى المعاليعلى العلّات في الخلق اليسير
يكاد المجد ينضح من يديهإذا دفع اليتيم عن الجزور
وألجأت الكلاب صبا بليلوآل نباحهنّ إلى الهرير
وقد جعلت فتاة الحي تدنومع الهلّاك من عرن القدور
وقال في مثل ذلك ابن قميئة:
ليس طعمي طعم الأرامل إذ قلّص درّ اللّقاح في الصّنّبر
ورأيت الإماء كالجعثن البالي عكوفا على قرارة قدر
ورأيت الدخان كالودع الأهجن ينباع من وراء السّتر
حاضر شركم وخيركم درّ خروس من الأرانب بكر
وقال في مثل ذلك:
وإذا العذارى بالدّخان تقنّعتواستعجلت نصب القدور فملّت
درّت بأرزاق العيال مغالقبيديّ من قمع العشار الجلّة
وقال الهذليّ:
وليلة يصطلي بالفرث جازرهايختصّ بالنّقرى المثرين داعيها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدةمن الشّتاء ولا تسري أفاعيها
وفي الجمد والبرد والأزمات يقول الكميت:
وفي السنة الجماد يكون غيثاإذا لم تعط درّتها الغضوب
وروّحت اللّقاح مبهلاتولم تعطف على الرّبع السّلوب
وكان السّوف للفتيان قوتاتعيش به وهيّبت الرقوب
وفي هذه القصيدة يقول في شدة الحر:
وخرق تعزف الجنّان فيهلأفئدة الكماة لها وجيب
قطعت ظلام ليلته ويومايكاد حصى الإكام به يذوب
وقال آخر لمعشوقته:
وأنت التي كلفتني البرد شاتياوأوردتنيه فانظري أيّ مورد
فما ظنك ببرد يؤدّي هذا العاشق إلى أن يجعل شدّته عذرا له في تركه الإلمام بها. وذلك قوله في هذه القصيدة:
فيا حسنها إذ لم أعج أن يقال ليتروّح فشيعنا إلى ضحوة الغد
فأصبحت مما كان بيني وبينهاسوى ذكرها كالقابض الماء باليد
ومما يقع في الباب قبل هذا، ولم نجد له بابا قول مسكين الدّارميّ:
وإني لا أقوم على قناتيأسبّ الناس كالكلب العقور
وإني لا أحلّ ببطن وادولا آوي إلى البيت القصير
وإني لا أحاوص عقد نادولا أدعو دعائي بالصفير
ولست بقائل للعبد أوقدإذا أوقدت بالعود الصّغير
ولو تأملت دخان أتّون واحد، من ابتدائه إلى انقضائه، لرأيت فيه الأسود الفاحم، والأبيض الناصع.
والسواد والبياض، هما الغاية في المضادّة، وذلك على قدر البخار والرطوبات.
وفيما بينهما ضروب من الألوان.
وكذلك الرماد، منه الأسود، ومنه الأبيض، ومنه الأصهب، ومنه الخصيف.
وذلك كله على قدر اختلاف حالات المحترق وجواهره.
فهذا بعض ما قالوا في البرد.
وسنذكر بعض ما قالوا في صفة الحر. قال مضرّس بن زرارة بن لقيط:
ويوم من الشّعرى كأنّ ظباءهكواعب مقصور عليها ستورها
تدلّت عليها الشمس حتى كأنهمن الحر يرمى بالسكينة نورها
سجودا لدى الأرطى كأن رؤوسهاعلاها صداع أو فوال يصورها
وقال القطاميّ:
فهن معترضات والحصى رمضوالريح ساكنة والظلّ معتدل
حتى وردن ركيّات الغوير وقدكاد الملاء من الكتّان يشتعل
وقال الشماخ بن ضرار:
كأنّ قتودي فوق جأب مطرّدمن الحقب لاحته الجداد الغوارز
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدماجرت في عنان الشّعريين الأماعز
وظلّت بيمؤود كأن عيونهاإلى الشمس، هل تدنو، ركيّ نواكز
ولهذه الأبيات كان الحطيئة والفرزدق يقدّمان الشماخ بغاية التقديم.
وقال الراعي:
ونار وديقة في يوم هيجمن الشّعرى نصبت لها الجبينا
إذا معزاء هاجرة أرنّتجنادبها وكان العيس جونا
وقال مسكين الدارمي:
وهاجرة ظلّت كأنّ ظباءهاإذا ما اتّقتها بالقرون سجود
تلوذ لشؤبوب من الشّمس فوقهاكما لاذ من حرّ السّنان طريد
وقال جرير:
وهاجد موماة بعثت إلى السّرىوللنّوم أحلى عنده من جنى النّحل
يكون نزول الركب فيها كلا ولاغشاشا ولا يدنون رحلا إلى رحل
ليوم أتت دون الظلال سمومهوظلّ المها صورا جماجمها تغلي
وفيها يقول جرير:
تمنّى رجال من تميم لي الرّدىوما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي
وقال أبو إسحاق: أخطأ من زعم أن النار تصعد في أول العود، وتنحدر وتغوص فيه، وتظهر عليه، وتأخذ منه عرضا.
وقال: العود، النار في جميعه كامنة، وفيه سائحة، وهي أحد أخلاطه. والجزء الذي يرى منها في الطرف الأول، غير الجزء الذي في الوسط والجزء الذي في الوسط غير الجزء الذي في الطرف الآخر. فإذا احتكّ الطرف فحمي زال مانعه، وظهرت النار التي فيه. وإذا ظهرت حمي لشدة حرها الموضع الذي يليها، وتنحّى أيضا مانعه.
وكذلك الذي في الطرف الآخر ولكن الإنسان إذا رأى النار قد اتصلت في العود كله، وظهرت أولا فأوّلا، ظن أن الجزء الذي كان في المكان الأول قد سرى إلى المكان الثاني، ثم إلى المكان الثالث. فيخبر عن ظاهر ما يرى ولا يعرف حقيقة ما بطن من شأنها.
وقال أبو إسحاق: ولو كانت العيدان كلها لا نار فيها، لم يكن سرعة ظهورها من العراجين، ومن المرخ والعفار، أحقّ منها بعود العنّاب والبرديّ وما أشبه ذلك. لكنها لمّا كانت في بعض العيدان أكثر، وكان مانعها أضعف، كان ظهورها أسرع، وأجزاؤها إذا ظهرت أعظم. وكذلك ما كمن منها في الحجارة. ولو كانت أجناس الحجارة مستوية في الاستسرار فيها، لما كان حجر المرو أحقّ بالقدح إذا صكّ بالقدّاحة، من غيره من الحجارة، ولو طال مكثه في النار ونفخ عليه بالكير.
ولم صار لبعض العيدان جمر باق، ولبعضها جمر سريع الانحلال، وبعضها لا يصير جمرا؟ ولم صار البرديّ مع هشاشته ويبسه ورخاوته، لا تعمل فيه النيران؟
ولذلك إذا وقع الحريق في السّوق سلم كل مكان يكون بين أضعاف البردي. ولذلك ترى النار سريعة الانطفاء في أضعاف البرديّ، ومواضع جميع اللّيف.
وقال أبو إسحاق: فلم اختلفت في ذلك؟ إلا على قدر ما يكون فيها من النار، وعلى قدر قوة الموانع وضعفها.
ولم صارت تقدح على الاحتكاك حتى تلهبت، كالساج في السفن إذا اختلط بعضه ببعض عند تحريك الأمواج لها؟ ولذلك أعدّوا لها الرجال لتصبّ من الماء صبّا دائما. وتدوّم الريح فتحتك عيدان الأغصان في الغياض، فتلتهب نار فتحدث نيران.
ولم صار العود يحمى إذا احتكّ بغيره؟ ولم صار الطّلق لا يحمى؟ فإن قلت لطبيعة هناك، فهل دللتمونا إلا على اسم علّقتموه على غير معنى وجدتموه؟ أولسنا قد وجدنا عيون ماء حارة وعيون ماء بارد، بعضها يبرص وينفط الجلد، وبعضها يجمد الدم ويورث الكزاز ؟ أولسنا قد وجدنا عيون ريح وعيون نار ؟ فلم زعمتم أن الريح والماء كانا مختنقين في بطون الأرض ولم تجوّزوا لنا مثل ذلك في النار؟ وهل بين اختناق الريح والماء فرق؟ وهل الريح إلا هواء تحرّك؟ وهل بين المختنق والكامن فرق؟.
وزعم أبو إسحاق: أنه رمى بردائه في بئر النبي ﷺ التي من طريق مكة، فردّته الريح عليه.
وحدّثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة، من طريق مكة فرميت في بئرها ببعرة فرجعت إليّ، ثم أعدتها فرجعت، فرميت بحصاة فسمعت لها حريقا وحفيفا شديدا وشبيها بالجولان، إلى أن بلغت قرار الماء.
وزعم أبو إسحاق أنه رأى عين نار في بعض الجبال، يكون دخانها نهارا وليلا.
أو ليس الأصل الذي بني عليه أمرهم: أن جميع الأبدان من الأخلاط الأربعة: من النار، والماء، والأرض، والهواء؟ فإذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه ماء قلنا: هذا أحد الأركان؛ فما بالنا إذا رأينا موضعا من الأرض يخرج منه نار لم نقل مثل ذلك فيه؟.
ولم نقول في حجر النار إنه متى وجد أخف من مقدار جسمه من الذهب والرّصاص والزئبق، إنما هو لما خالطه من أجزاء الهواء الرّافعة له؟ وإذا وجدناه أعلك علوكة، وأمتن متانة، وأبعد من التهافت جعلنا ذلك لما خالطه من أجزاء الماء. وإذا وجدناه ينقض الشرر، ويظهر النار جعلنا لك للذي خالطه من الهواء؟ ولم جعلناه إذا خف عن شيء بمقدار جسمه، لما خالطه من أجزاء الهواء، ولا نجعله كذلك لما خالطه من أجزاء النار؟! ولا سيما إذا كانت العين تجده يقدح بالشرر، ولم تجر أجزاء الهواء فيه عندنا عيانا. فلم أنكروا ذلك، وهذه القصة توافق الأصل الذي بنوا عليه أمرهم؟.
قال: أو ليس من قوله أنه لولا النيران المتحركة في جوف الأرض، التي منها يكون البخار- الذي بعضه أرضيّ وبعضه مائيّ- لم يرتفع ضباب، ولم يكن صواعق ولا مطر ولا أنداء.
ومتى كان البخار حارّا يابسا قدح وقذف بالنار التي تسمى «الصاعقة»، إذا اجتمعت تلك القوى في موضع منه. فإن كانت القوى ريحا كان لها صوت، وإن كانت نارا كانت لها صواعق. حتى زعم كثير من الناس [أن بعض السيوف من خبث نيران الصواعق]، وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء. قال أبو الهول الحميري:
حاز صمصامة الزّبيديّ من بين جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو، وكان فيما سمعناخير ما أطبقت عليه الجفون
أوقدت فوقه الصواعق ناراثم ساطت به الزّعاف المنون
وقال منهم آخر:
يكفيك من قلع السماء عقيقةفوق الذّراع ودون بوع البائع
قال الأصمعيّ: الانعقاق: تشقّق البرق. ومنه وصف السيف بالعقيقة، وأنشد:
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي
وقال الأخطل:
وأرّقني من بعد ما نمت نومةوعضب إباطي كالعقيق يماني
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع