من «ميزان الذهب في صناعة شعر العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
(٩) المقدمة التاسعة: في ضرورات الشعر
ينبغي لطالب الشعر أن يكون خَبِيرًا بقواعد اللغة العربية من صَرْف، ونحو، ومعانٍ، وبيان، وبديع، ولغة، واشتقاق، وتاريخ، وعَرُوض، وقوافٍ، وإنشاء … إلخ؛ لأن النَّظْم أربعة أنواع: نظمٌ خالٍ من العيب والضرورة، ونظم فيه عيب فيُضرَب به عُرْض الحائط، ونظم فيه ضرورة قبيحة، وهذا مُبتذَل، ونظم فيه ضرورة مقبولة يجوز للشاعر ارتكابها بدون مُؤاخَذة عليه.
(١) صَرْفُ ما لا ينصرف؛ كقول الشاعر وقد صرف «أندلس»:
فِي أَرْضِ أَنْدَلُسٍ تُلْتَذُّ نَعْمَاءُوَلَا يُفَارِقُ فِيهَا الْقَلْبَ سَرَّاءُ
أما منعُ المُنصرِف عن الصرف فهو غير مأنوس؛ كقول مقري الوحش في زهريَّته، فمنع «جامع» من الصرف:
وَالرَّوْضُ جَامِعُ وَالْأَزَاهِرُ بُسْطُهُوَقَنَادِلُ الْأُتْرُنج لَاحَتْ فِي الْغَدِ
(٢) قصر الممدود ومد المقصور؛ كقول أبي تمام في مدح محمد بن خالد، فقد قَصَرَ «الفضاء»، ومدَّ «الهدى»:
وَرِثَ النَّدَى وَحَوَى النُّهَى وَبَنَى الْعُلَاورَجَا الدُّجَى وَرَمَى الْفَضَا بِهُدَاءِ
(٣) إبدال همزة القطع وصلًا؛ كقول الشاعر وقد وصل همزة «أم»:
وَمَنْ يَصْنَعِ الْمَعْرُوفَ مَعْ غَيْرِ أَهْلِهِيُلَاقِ الَّذِي لَاقَى مُجِيرُ امِّ عَامِرِ
(٤) وبالعكس (قطع همزة الوصل)؛ كقول أبي العتاهية وقد قطع همزة الأمر من «ابن»، فقال «إبن» وهي همزة وصل:
أَيُّهَا الْبَانِي لِهَدْمِ اللَّيَالِيإِبْنِ مَا شِئْتَ سَتَلْقَى خَرَابَا
(٥) تخفيف المشدد، وقد كثر وقوعه في القوافي المقيدة المختومة بحرف صحيح ساكن، ولا يسوغ في غيره؛ كقول محمد بن البشير حين خفَّف شدَّة «تجفُّ»:
لِيَ بُسْتَانٌ أَنِيقٌ زَاهِرٌغَدِقٌ تُرْبَتُهُ لَيْسَتْ تَجِفْ
ويلحق بهذا الباب تخفيف الهمزة؛ كقول أمية بن أبي الصلت وقد خفَّف همزة «البارئ»:
هُوَ اللهُ بَارِي الْخَلْقِ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْإِمَاءٌ لَهُ طَوْعًا جَمِيعًا وَأَعْبُدُ
(٦) تثقيل المُخفَّف؛ كقول الشاعر وقد شدَّد الميم في «دم»:
أَهَانَ دَمَّكَ فِرْغًا بَعْدَ عِزَّتِهِيَا عَمْرُو بَغْيُكَ إِصْرَارًا عَلَى الْحَسَدِ
(٧) تسكين المتحرك وتحريك الساكن؛ كقول أبي العلاء المعري وقد أسكن جيم «رجُل»:
وَقَدْ يُقَالُ عِثَارُ الرِّجْلِ إِنْ عَثَرَتْوَلَا يُقَالُ عِثَارُ الرَّجْلِ إِنْ عَثَرَا
وهذا كثير في ضمير الغائب والغائبة؛ كقول الشاعر وقد أسكن الهاء في «هو»:
فَالدُّرُّ وَهْوَ أَجَلُّ شَيْءٍ يُقْتَنَىمَا حَطَّ قِيمَتَهُ هَوَانُ الْغَائِصِ
وكقوله وقد حرك الهاء الساكنة في «الزهْر»:
تَبْقَى صَنَائِعُهُمْ فِي الْأَرْضِ بَعْدَهُمُوَالْغَيْثُ إِنْ سَارَ أَبْقَى بَعْدَهُ الزَّهَرَا
وكقول ابن الجوزي وقد حرك لام «حُلْم»:
تَبًّا لِطَالِبِ دُنْيَا لَا بَقَاءَ لَهَاكَأَنَّمَا هِيَ فِي تَصْرِيفِهَا حُلُمُ
(٨) تنوين العَلَم المنادَى؛ كقول الشاعر وقد نوَّن «مطر»:
سَلَامُ اللهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَاوَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلَامُ
(٩) وقد أشبعوا الحركة حتى يتولَّد منها حرف مدٍّ؛ كقول امرئ القيس وقد أشبع الكسرة بكسرة فتولَّدت ياء في «انجلِ»:
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِبِصُبْحٍ وَمَا الْإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
وكقول الخوارزمي وقد أشبع فتحة «أقام» بالألف:
فَمَا أَنْتَ إِلَّا الْبَدْرُ إِنْ قَلَّ ضَوْءُهُأَغَبَّ وَإِنْ زَادَ الضِّيَاءُ أَقَامَا
والإشباع كثير في الضمائر؛ كقول الشاعر وقد أشبع الخاء في «أخ» فصيَّرها «أخا»، وفي «له» فصيَّرها «لهو»:
أَخَاكَ أَخَاكَ إِنَّ مَنْ لَا أَخَا لَهُكَسَاعٍ إِلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ
(١٠) ويجوز تحريك ميم الجمع؛ كقول أبي أذَيْنة وقد حرَّك الميم في «هُمْ» و«مجدهُمْ»:
هُمُ أَهِلَّةُ غَسَّانٍ وَمَجْدُهُمُعَالٍ فَإِنْ حَاوَلُوا مُلْكًا فَلَا عَجَبَا
(١١) وكذلك كسر آخر الكلمة إن كان ساكنًا، كقول عنترة وقد كسر ميم «أقْدِمْ»:
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ سُقْمَهَاقِيلُ الْفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَر أَقْدِمِ
تنبيه
اعلم أنَّ ما ورد في بعض قصائد العرب من مَنْع صرف المنصرف، ومدِّ المقصور، وتذكير المؤنث، وتأنيث المذكر، وفك الإدغام، وغير ذلك من المسوغات الغريبة، قد أتت على سبيل الشذوذ، ولا يحق للشاعر أن يلتجئ إليها مهما دعت الأسباب.
أسئلة تُطلَب أَجْوِبتها
(١) ما الذي يلزم الشاعر أن يعرفه قبل الدخول في علم العروض؟
(٢) ما هي الجائزات التي يجوز للشاعر استعمالها في حالة الاضطرار؟
(٣) بيِّن في الأشعار الآتية ما فيه ضرورة وما ليس فيه:
وَمَا نُبَالِي إِذَا مَا كُنْتِ جَارَتَنَاأَلَّا يُجَاوِرَنَا إِلَّاكِ دَيَّارُ
وَيَوْمَ دَخَلْتُ الْخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍفَقَالَتْ لَكَ الْوَيْلَاتُ إِنَّكَ مُرْجِلِي
دَامَنَّ سَعْدُكِ لَوْ رَحِمْتِ مُتُيَّمًالَوْلَاكِ لَمْ يَكُ لِلصَّبَابَةِ جَانِحَا
وَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَاوَإِذَا تُرَدُّ إِلَى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع