تجاوز إلى المحتوى

من «الآمل والمأمول» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ذم الفقر

قال أكثم بن صيفي: الفاقة تمنه الشرف وتخمل الذكر، وتوجب المذلة:

كم من كريم سيد ماجدٍشيمته خلف واجمال
أخمله الفقر فأزرى بهوناقصٍ سوده المال
لا تحمد الناس وإن عظموافانما تكرمك الحال
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «لا تحمد الناس وإن عظموا»
ذو المال معبود وإن لم يكنله على الإخوان إفضال
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «لا تحمد الناس وإن عظموا»

وما عال الفقر على أحد ولا عدل عليه الارد عن الحجة وقورن بالخيبة، وانتكثت دونه الحيل، وضاق عليه الزين، واتسع فيه الشين، وسيم خسفاً وجشم افراطاً وحمل هضيمة وألزم في كل أحواله عاراً ومذمة، وكان ضرعاً مستجدياً. روي في بعض الأحاديث: كاد الفقر يكون كفراً. وأنشد:

المال فيه مجلة ومهابةوالفقر فيه مذلة وقبوح

آخر:

سميت الدهر حين رأيت دهراًيكلفني التنصف للرجال

آخر:

لعمرك ان المال قد يجعل الفتىسنياً وان الفقر بالمرء قد يرزى
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

آخر:

ذريني للغنى أسعى فانيرأيت الناس شرهم الفقير
وأصغرهم وأهونهم عليهموإن أمسى له كرم وخير
يباعد في الندي وتزدريهحليلته وينهره الصغير
ولتلقى ذا الغنى وله جلاليكاد فؤاد صاحبه يطير
له فضل عليهم غير عرفسوى أن ماله مال كثير
قليل عيبه والعيب جمولكن الغنى رب غفور

وقال بعض الحكماء: المال يسود غير السيد ويقوي غير الأيد.

الفقر يرزي بأقوام ذوي حسبوقد يسود غير السيد المال

آخر:

كم سود المال قوماً لا قديم لهموأخمل الفقر سادات من العرب

وفي كتاب كليلة ودمنة: الفقر داعية الى أصحابه مقت الناس، وهو مسلبة للعقل وللمروءة، ومذهبة للعلم والأدب، ومعدن للتهمة ومجمعة للبلايا. من نزل به الفقر والفاقة لم يجد بداً من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره مقت وأوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله واستنكر حفظه وفهمه، ومن أصيب بفهمه وعقله وحفظه كان أكثر قوله وععمله قيمةً عليه لا له. فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمناً وأساء به الظن من كان يظنبه حسناً، وإن أذنب غيره ظنوه وكان للتهمة وسوء الظن موضعاً، وليس من خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب، فإن كانه شجاعاً سمي أهوج، وإن كان جواداً سمي مفسداً، وإن كان حليماً سمي ضعيفاً، وإن كان وقوراً سمي بليداً. فالموت أهون من الفاقة التي يضطر صاحبها الى المسألة لا سيما من البخيل.

قال: وكان احيحة بن الجلاح ينزل بالمدينة، فافتقر فجفاه اخوانه وأحباؤه وجفته زوجته، ثم أنه اثرى فاستفاد نيفاً وتسعين ببراً للنخل بالمدينة وكان له نخلة على ثلاث منها. فكان يأتيها بنفسه ويسقيها ويتعهدها. فقال في ذلك:

استغن أو مت ولا يغررك ذو حسبمن ابن عم ولا عمٍ ولا خال
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «استغن أو مت ولا يغررك ذو نشبٍ»
إني اكب على الزوراء اعمرهاان الكريم على الإخوان ذو المال
والمال يغشى أناساً لا طباخ بهمكالسيل يغشى أصول الدندن البالي
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «كم للمنازل من شهر وأحوال»

الدندن من النبات: ما قد بليت. لا طباخ لا فائدة. وله أيضاً:

أطعت العرس في الشهوات حتىأصارتني عسيفاً عند عبدي
اذا ما جئتها قد بعت عذقاًتقبل أو تعانق أو تفدي

والسائر في هذا المعنى قول أوس بن حجر:

وإني رأيت الناس إلا أقلهمخفاف العهود يكثرون التنقلا
بني أم ذي المال الكثير يرونهوإن كان عبداً سيد الأمر جحفلا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «صحا قلبه عن سُكره فتأملا»
وهم لمقل المال أولاد علةوإن كان محضاً في العشيرة مخولا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «صحا قلبه عن سُكره فتأملا»

آخر:

إذا قل مال الرجل قل صديقهوأومت إليه بالعيوب الأصابع

آخر:

إذا قل مال المرء قل حياؤهوضاقت عليه أرضه وسماؤه
للشاعر يحيى بن أكثم، اقرأ القصيدة
وأصبح لا يدري وإن كان حازماًأقدامه خير له أم وراؤه
للشاعر يحيى بن أكثم، اقرأ القصيدة

وقال بعض الفرس: الموت شديد وأشد منه الغربة، وأشد الشدة الفقر، فإن الرجل إذا افتقر كان ضرع اللسان لا يزال يضرع فلا يقبل منه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الآمل والمأمول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.