تجاوز إلى المحتوى

من «الآمل والمأمول» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب الحث على الطلب

قال بعض الحكماء: عليكم بالرحل والإرتحال ونصب البدن واحتياض الغمرات واستهال الوعور، واجتراء أودية الرغبة لارتياد المنفعة وطلب المعيشة، فان الحازم لا يدع لدعة نفسه ومصلحة شأنه مصعداً الا صعده، ولا موطأ الا ألتمسه، ولا مرجماً الا رجمه، ولا مضيقاً الا سلكه. وأنشدني بعضهم:

زحزح همومك بالمهرية النجبواقذف بنفسك في الآفاق واغترب
حتى تنال غنى من وجه مطلبهوتستريح من الترداد والطلب

وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس المال بكل مكان. فان الكريم محتال والدني عيال. وكان يقال: اتعب يومك لراحة غدك. قال الله تعالى حثاً على الطلب: فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله. ومدح قوماً بالطلب. فقال: وآخرون يضربون في الأرص يبتغون من فضل الله. وقال عمر بن الخطاب: اقبلوا على ما يصلحكم من أمر دنياكم فإنه قوام وجوهكم وبلاغ إلى آخرتكم.

فسر في بلاد الله والتمس الغنىتعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه»
ولا ترض من عيش بدونٍ ولا تنموكيف ينام الليل من كان معسرا
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة

وفي الأمثال: أطلب تظفر. وفيها قال شاعر:

ولا تقعدن بمضيعة ذلولاًولكن ألق دلواً في الدلاء
تجيء بملئها ماءً وطوراًتجيء بحمأة وقليل ماءٍ

وفيها: كلب جوال خير من أسد رابض. وكان يقال: من غلا دماغه صائفاً غلت قدره شاتياً. ولبعض الأعراب:

ألا خلني أمضي لشأني ولا أكنعلى الدهر كلا إن ذا لشديد
أرى السير في البلدان يغني معاشراًولم أر من يجدي عليه قعود
إذ ما الفتى لم يبغ إلا لباسهومطعمه فالخير منه بعيد

آخر:

الوكر من آلة الفراخ ولايوكر سبط الجناح هدار
أجدل ذو مخلبين مندمجيدمى له منسر وأظفار
فبالسرى والدجى وهاجرةوالعيس تحت الظلام أوطار
ومهمهٍ لا يرام جانبهعسكره بالمنون جرار
إذا تجاوزت منه مسبعةًلاقتك مجهولة وأوعار
لا يألف الدهر وهو آيتهحر أبي نمته أحرار

آخر:

رأتني قليل النوم غير مسهدأخا أملٍ عالٍ وهم مخالف
وقد سمعت لي منطقاً ذا أصالةوقد حمدتني في الأمور العواسف
وقد راعها مني جمال وبهجةوعلم بأنباء القرون السوالف
وقد عجبت أن لا تراني مومراًولا ذي تلاد مستهل الطرائف
لأكسب مالاً أو يقال: ابن حرةٍسقته صروف الدهر كأس المتالف

وقع عبد الله بن طاهرٍ: من سعى رعى ومن نام رأى الأحلام. قال الكسروي: أخذه من توقيع لأنوشروان:

ليس للحاجات إلامن له وجه وقاح
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
ولسان ذا فضولٍوغدو ورواح
للشاعر علي بن مهدي الكسروي، اقرأ القصيدة

قال بعض الحكماء: إني لأسعى في الحاجات، وإني لا أيأس منها. وذلك الإعذار لئلا أرجع على نفسي بلوم. قال عمرو بن عتبة: من لم يقدمه الحزم أخره العجز. وقال بعض الحكماء: الروح في الحركة وهي مفتاح الدرك، وداعية النجح. والكسل مغلاق الدرك وداعية الحرمان. وقيل لبزرجمهر: بم ادركت ما أدركت؟ قال: ببكورٍ كبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار وحرص كحرص الخنزير. وقيل لد غفل: بم بلغت ما بلغت؟ قال: بقلب عقول ولسان سؤول. عروة بن الورد:

ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراًمن المال يطرح نفسه كل مطرح
للشاعر عروة بن الورد، من قصيدة «قلت لقوم في الكنيف تروحوا»
ليبلغ عذراً أو يصيب غنيمةًومبلغ نفس عذرها مثل منجح

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه عن ربه ﷿: (يا ابن آدم احدث سفراً أحدث لك رزقاً. عبيد الله في الحديث: سافروا تصحوا وتغنموا:

ولن يريح هموم النفس إذ حضرتحاجات مثلك إلا الرحل والجمل

وقيل لأبي الأسود: مالك كثير الجولان وأنت كبينر السن؟ قال: لئلاً أكون جليس المرأة وجليس البيت: لا تشاء العنز تبول علي إلا بالت.

فصل لعبيد الله: ليس فضل السعي بزائد في مقسوم الرزق ولكن الله جعل له سبيلاً إلى إزالة العتب عن النفس ودركا في الاستسلام لغلبة القضاء والقدر، إذ كان على المرء ألا يقبل على نفسه ذلا.

وليس عليه أن يزيل عنها قدراً حتماً. وهذا شبيه بقول الشاعر:

على المرء ألا يرام الضيم أنفهوليس عليه أن يساعده القدر

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الآمل والمأمول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.