تجاوز إلى المحتوى

من «الآمل والمأمول» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب ذم التواني والتسويف

كان يقال: العجز وطيء أي لا تكره صعوبة الحزم وتختار وطأة العجز. ولبعضهم: نكح العجز التواني فولدت بينهما الندامة. وقال أكثم: لا أحب أن أكفى أمري كله.

قيل: ولم ذلك؟ قال: أخاف عادة العجز. وقال حكيم لولده: اياك والعجز والتواني في الأمور فتقذفك الرجال خلف أعقابها.

وكان الغريض مترفاً منعماً لنفسه. فسأله بعض إخوانه أن يمشي معه في حاجة فقال له: لولا أن يراني عدوتي - ولم ترني منذ حين لمشيت معك. قال: ومن عدوتك؟ اقل: الشمس. لا وحياتك ما وقعت علي منذ سنة. وكما أن الإبطاء عند القدرة مذموم فكذلك العجلة قبل الفكرة مذمومة.

وقد مدح رجل من العرب رجلاً سئل عنه، فقال: إنه والله ما يكفكف من عجلة ولا يدفع في ظهره من بطءٍ. وكان يقال للحاجة آفتان الاستعجال بها قبل وقتها والتأني فيها حتى تموت. وفي عهود بعض القضاة: وأمره أن يتجنب خصلتين هما آفتا القضاء وسبب تودير الحقوق: العجلة قبل إثبات الحجة، والانتظار بالفصل بعد وضوح الدلالة وقيام البينة. وانشدني محمد بن عيسى:

فلا تطمع لأمر إن تدانىولا تيأس من الأمر السحيق
ولا تعجل فتسبق ما يرجىولا تنظر فتقصر عن حقوق

وكان إياس بن معاوية يتمثل:

وأوقف عند الأمر ما لم يبن لهوأمضي إذا ما شك من كان ماضيا

وقيل لبزرجمهر: أمن الاجتهاد ما هو شر من التواني؟ قال: نعم. ما كان في غير حينه. قال بعض الحكماء: آفة الطلب في تيمم أوقاته. بلغنا أن رجلاً من العرب طلب الأدب حيناً فأعياه فتركه، فبينا هو في بعض الطريق يسير إذ مر بصخرة ملساء فتأملها فإذا الذر يدب عليها فمن كثرة دبيبه كان أثر في الصخرة. ففكر فقال في تفكره: مع صلابة هذا الصخر وخفة هذا الذر أثر فيه هذا الأثر فأنا حري أن أدوم على الطلب وأجد في الأدب فلعلي أصير فيه رأساً. فراجع الإكباب على الأدب فلم يلبث أن خرج فيه مبرزاً. ولأبي العتاهية في ذمسوف وما أشبهها:

لا يشغلنك لو وليت عن الذيأفنى القرون ولا لعل ولا عسى

وفي الحديث: أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلى الله عليه جالس. قال له: يا فلان أما جمعت؟ قال: أما رأيتني يا رسول الله جمعت معك. قال صلى الله عليه: رأيتك آذيت وآنيت أي أخرت المجيء.

لم تزل تسوق حاجتي حتى خرجت من آوانها إلى آواني لو أسعفتني بها فيه ما كان لها علي كثير أثر ولا من نفع، ولو أسعفتني بها في أول طلبتها لكان في ذلك صون لوجهي عن سؤال أحدٍ سواك. وسبق منك إلي بارع عرف وجميل اصطناع قل ما سبق السابقون إلى أفضل منه. فقد قطعت الآن لساني عن الاحتجاج عنك فجعلت ذنبك وقايةً له عن الاحتجاج عنك. وبحسبي ما لحقني من إساءتط بعد إحسانك. وزال عني عن معروفك ما قد كنت أعده لي عتاداً ومن محذوري حرزاً حريزاً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الآمل والمأمول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.