من «الآمل والمأمول» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ذم العجلة
وفي الأمثال: رب عجلة تهب ريثاً، يقول: رب عجلة يراد بها صلاح الأمر فتفسده حتى لا يصلح إلا بعد مدةطويلة فكأنها كانت ريثاً. وهذا قريب من قول بزر جمهر: إن شراً من التواني الإجتهاد في غير حينه.
الخرق شؤم والأناة سعادةفاستأن حلمك في أمورك تسلم
والرفق يمن والأناة سعادةفتأن في رفقٍ تلاق نجاحا
وفي الأمثال: الرفق يمن والخرق شؤم. أنشدني عبد السلام:
ولا تعجل بأمر الشك حتىتبين والظهور لها بطون
ولا تعجل بأمرك قبل حينفعند الحين تنقطع الظنون
قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإنها خرق والخرق شؤم. وعليك بالأناة فإن يمن. وكان يقال: الزلل من العجل.
وإذا هممت بأمر شر فاتئدوإذا هممت بأمر خير فاعجل
وليس من هذا الباب ولكنه ظريف.
قد يدرك المبطئ من حقهوالنجح قد يسبق جهد الحريص
وهذا المعنى من باب المقادير وقد ذكرناه فيه. وكان يقال فيه: إن من الحزم والأناة التثبت، وإن العجلة لا تزال تورث أهلها حسرةً وندامة. قال: وأنشدت:
اصبر على مضض الإدلاج بالسحروبالرواح على الحاجات والبكر
السائر في هذا المعنى قول الشاعر:
تأمل ولا تعجل بأمرٍ تريدهفإن للفتى من أمره ما تأملا
ولعبيد الله: من عجلت إلى مدحه فلما كشفته اضطررت إلى مقته. ابن جدعان:
ربما عاجل يخالف نجحاًوبطيء يصيب يوماً نجاحا
قال بعض البلغاء: العجول مخطئ وإن أصاب. فكيف إذا أخفق؟ وقال: العجلة من الشيطان. لا تغرنك إصابتك مع العجلة، ولا يسوءنك إخطاؤك من التأني والرفق. فإنك إذا عجلت فأصبت وافقت إصابتك قدراً لا محيص عنه. ولو لم تعجل لبلغت المراد كما بلغته لما عجلت، وغن كان ما أردت متعذراً في حال الرفق فهو مع العجلة اشد تعذراً، لأن العجلة رهق والتؤدة تأمل وبصيرة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع