من «البيزرة» لبازيار العزيز بالله (ت ق ٤هـ)
باب كلاب سلوق
وخصائصها وصيدها وعللها ودوائها وما قيل فيها من الشعر
أعلم أن كلاب سلوق تنسب إلى سلوق قرية باليمن، والعرب تنسبها كما تنسب الخيل، وقد ذكرها أبو بكر الوقيشي للشماخ، ووصف مزرّد بن ضرار الفقعسي عدة منها بأسمائها وأنسابها فقال:
سخام ومقلاء القنيص وسلهبوحدلاء والسرحان والمتناوِل
بنات سلوقيين كانا حياتهفماتا فأدوى شخصه فهو وحائل
وأيقن إذ ماتا بجوعٍ وخيبةوقال له الشيطان أنك عائل
يطوّف في أصحابه يستثيبهمفآب وقد أكّدت عليه الوسائل
وسأل زيد الخيل حين وفد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسماه زيد الخيل فقال: فينا رجلان يقال لاحدهما زرع والآخر أبو جداية لهما أكلب خمسة تصيد الظباء فما ترى في صيدهن؟ فأنزل الله ﷿ في لك: يسألونك ماذا أحلَّ لهم.
وروى هشام عن ابن عباس أن أسماء تلك الكلاب المخْتَلِسُ وغلابُ، والقنيص وسلهب وسرحان والمتعاطس، وإناثها أسرع تعلماً من الذكور وأطول أعماراً، وتعيش عشرين سنة، وليس كذلك غيرها من الكلاب، وأكثر ما تضع ثمانية أجْرٍ، وربما وضعت واحداً وحَملها ستون يوماً وإذا وضعت الجِرْوَ كان أعمى اثني عشر يوماً ومنه قول الشاعر:
كمثل جرو الكلب لم يفقّحِأقبحْ به من ولدٍ وأشقحِ
وتسفد بعد وضعها في اليوم الثاني ولا تسفد قبل ذلك، وتحيض في كل أسبوع، وعلامة ذلك ورم ثفرها، ولا تقبل السفاد في حيضها ويعتريها هزال عند وضعها، ويظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوماً، ويكون أول ما تضع غليظاً والأنثى تبول مقعية، ومنها ما يشغَر، والشُغور رفع الرِجل للبول، يقال قَزَح ببوله وشَغَر، والأنثى تكون أول نتاجها أصغر جثة، وكذلك الحِجْر والمرأة والبَيض إذا كانا بكراً، والذكور تهيج قبل الاناث في السنة وهي صارف إذا هاجت ومستحرمة إذا منعت، ومعاظّلةُ الكلاب سِفادُها والكلب يطرح مقاديم اسنانه ويخلفها، ويخفي ذلك عن كثير من الناس، لأنه لا يلقي منها شيئاً قبل أن ينبت في مكانه آخر، وكذلك سائر السباع إلا الأنياب فأن كل ذي ناب ومخلب من الضواري يلقيها إلقاء بَيّناً متعالماً، وسبيل الغريب منها
أن يؤنّس حتى يوثَق به فمما يؤنّسه أن يُطعم كسرة بعسل، وما دام ذنبه ذاهباً بين فخذيه إلى بطنه فهو غير مستأنس، فإذا شاله فقد أنس وإذا مضغ له صاحبه وتفل في فيه أنس أيضاً.
ومن خصائصه أن رأسه كله من عظم واحدٍ وإذا عاين الظباء، بعيدة كانت أو قريبة، عرف المعتلّ وغير المعتلّ منها، وعرف العنز من التي، وإذا أبصر القطيع لم يقصد إلا التيس، وأن علم أنه أشد حُضراً، وأبعد وثبة، ويدع العنز وهو يرى ما فيها من نقصان حضرها وقصر خطوها، ولكنه يعلم أن التيس إذا عدا شوطاً أو شوطين حَقِب ببوله، وكل حيوان يعرض له مع شدة الفزع إما سلس البول والتقطير، وإما اليسر والحُقب، وإذا حقب التيس لم يستطع البول مع شدة الحضر، ووضع القوائم معاً ورفعهما معاً، فيثقل عدوه ويقصر مدى خطوه، ويعتريه البُهر حتى يلحقه الكلب. والعنز إذا اعتراها البول لم تجمعه، وحذفت به لسعة المسيل يُعرف ذلك في الكلب طبعاً لا بتجربة، ولا يحتاج فيه إلى معاناة، ولا يعلَم ولا يدرب، وتخرجه إلى الصيد في يوم الجليد والثلج وهما متراكمان على الأرض حتى لا يثبت عليها قدم ولا خف ولا حافر ولا ظلف فيمضي الكلب، ومعه الإنسان العاقل، والصياد المجرّب، فلا يدري أين موضع الأرنب من جميع بسيط الأرض، ولا موضع كناس ظبي ولا مكو ثعلب ولا غير ذلك من موالج وحوش الأرض فيتلفَّت الكلب بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله، ويتنسم ويتبصَّر
حتى يقف على أفواه تلك الجِحرة فيثير ما فيها، وذلك أن أنفاس الوحش المستكنَّة فيها، وبخار أجوافها وأبدانها، وما يخرج من الحرارة المستكنة فيها في عمق الأرض، تذيب ما لاقاها من فم الجحر من الثلج، حتى يرقّ ذلك، وهو خفي غامض لا يقع عليه قانص ولا راعٍ ولا قائف ولا فلاح، وله أيضاً في ملبح (كذا) الدراج والإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق من الرفق وحسن الاهتداء ما لا خفاء به، ومن دهائه أنه لا يخفى عليه الميت والمتماوت في تشممه، ويقال أن المجوس لا يدفنون ميتاً لهم حتى يدنوا منه كلباً فيتشمَّمه وتظهر لهم منه في تشممه (إياه) علامة يستدلُّون بها على حياته أو موته، وكذلك لا تجوز (عليه) حيلة الثعلب المتماوت، وأن كان لا يفعل الثعلب ذلك مع الكلب، بل يتماوت للغراب وغيره، وينفخ بطنه فإذا دنا منه قبض عليه. ومن خصائصه أن الأنثى تؤدي في جرائها لون الذكر لا تخرم منه شيئاً.
وقال أبو بكر الوقيشي إن القاسم بن مجمع سأله عن المعنى في اعتبار الناس المسير على الأنهار الجامدة بالكلب، فذكر أنه لصلابة وطأته وثقلها، فقال: لا إنما هو لقوة حسه وسمعه وبصره، وأنه أن سمع للماء خريراً من تحت لم يجُز منه، وأنشدت في قوة بصر الكلب لعبد ربه:
وأشرف بالقُور اليَفاع علنيأرى نار ليلى أو يراني بصيرها
أي كلبها. وكل الجوارح تعمل لأنفسها غير الكلاب فإنها تجري على خلق في الاكتساب لأصحابها.
ما يعرف به هرم الكلب من فنائه
إذا كانت أسنانه سواداً كليلة دلّ ذلك على الكبر، وإذا كانت بيضاً حادة دلّ لك على الشباب، وأسنان الذكر أكبر، وهو شديد المضغ والخطم والاستمراء، وإذا ألقيت إليه بضعة اللحم وتوخى أكلها حيث لا يُرى، ويًكثر التلفت، ويعض على العظم ليرضَّه، فإذا امتنع عليه وكان مما يسيغه أبتلعه واثقاً بأنه يستمريه وليس في الأرض من جميع أجناس الحيوان ما بِذَكَرِه حجم ظاهر إلا الإنسان والكلب، ولا متسافدان أشدّ ملاءمة في طباع بعضهما لبعض من الكلبين.
ما يعرف به فراهته
من ذلك طول ما بين اليدين والرجلين، وقصر الظهر وصغر الرأس، وطول العنق، وغضف الأذنين، وبعد ما بينهما كأنما انضمَّتا على العنق، وزرقة العينين، وضخامة المقلتين، ونتوء الحدقة، وطول الخضم ودقته، وسعة الشدق، ونتوء الجبهة وعرضها، وشدة المنازعة للمقود والسلسلة.
ومن أمارات النجابة أن يكون تحت حنكه طاقة شعر واحدة غليظة وكذلك الشعر الذي على خدّيه ويستحب فيه قصر اليدين، وطول الرجلين لأن ذلك صالح له في الصعود، ومشاكل للأرنب في هذه الصفة، ولا يلحقها في الجبال إلا ما كان كذلك، وطول الصدر وغلظه، وقربه من الأرض، ونتوء الزّور، وغلظ العضدين، واستقامة اليدين، وانضمام الأظفار، حتى لا يدخل بينها تراب ولا طين، وعرض ما بين مفاصل
الأعطاف، وعرض ما بين (عطفي) أصل الفخذ (وطولهما وشدة لحمهما ورزانة المحمل ودقة الوسط وطول الجلدة التي بين أصل الفخذين) والصدر، واستقامة الرجلين من غير أن تنحني الركبتان، وقصر الساقين وقصر الذّنَب ودقته، حتى يكون كأنه خشبة من صلابته. وليس يكره أن يطول ذنب الأنثى، ولين الشعر، وهو يستحب على الجملة في ذوات الجناح والقوائم.
وقال المأمون لبعض أصحابه: أمض إلى بادية كذا وكذا فأبتع منها خيلاً تستجيدها، فقال: يا أمير المؤمنين، لست بصيراً بالخيل، قال أفَلست بصيراً بالكلاب؟ قال: نعم، قال: فأبصر كل ما تتوخاه في الكلب الفاره المنجب، فالتمس مثله في الفرس وصفة النجابة فهي بمخلب تكون على رأس الذنب أو الساق والصواب فيه أن تقطع. والسود أقل صبراً على الحر والبرد، والبيض أفره إذا كنّ سودَ العيون، وقد قال قوم أن السود تصبر على البرد، وزعموا أنها أقوى وأن كل اسود من الحيوان أقوى من غيره. فأما تخُّير الجراء والفراسة فيها، فإذا ولدت الكلبة واحداً، كان افره من أبويه، وأن ولدت أثنين، فالذكر افره من الأنثى، وأن ولدت ثلاثة فيها أنثى في شية الأم فهي افره من الثلاثة وأن كان في الثلاثة ذكر واحد فهو افرهها، وتؤخذ الجراء كلها وهي صغار لم تقم قوائمها فتلقى في مكان ندٍ فأيها مشى على أربع ولم يكثر سقوطه فهو الأفره.
أدوائها وصفة دوائها
فمن ذلك الكَلَب والذُبْحَةُ والجرب والنقْرس والفلج. فأما الكلب فيقال فيه على مذهب من المذاهب أنه جنون، ويقول فيه أصحاب الطبائع أنه كيموسٌ سوداوي يفعل في الاعداء والمخالطة للَحم المعضوض فعل السِمّام، وهو موجود عياناً، يُحيل مزاجَ الإنسان إلى مزاج الكلب حتى يحيل الذكَرَ فيخرج من إحليله مثال اكلبٍ صغار وقلما رأيت هذا الداء يعتري كلاب سلوق، وإذا عَضّ برأ هو، وانتقل الداء إلى المعضوض. وللمعضوض ضروب من الأدوية في أوقاتٍ، فأن فاتت لم ينجع الدواء.
وزعمت العرب أن دماء الملوك تشفي من الكلب، وقد أكثرت من ذلك في أشعارها، واختلف الناس في معناه فذهب قوم إلى أن الشعراء إنما خبَّرت بذلك على سفك دماء الملوك. وقال قوم: إنما المعنى أن قتل الملوك يشفى من التأثر، لأن الإنسان إذا كان له في قوم ثأر لم يكن يشفي صدره أن يقتل به إلا الأكفاء، أو من هو أعلى من قبيله ومنه قول زهير:
وإن يُقتلوا فيشتفي بدمائهموكانوا قديماً من مناياهم القتل
وهذا الوجه أشبه بالمعنى في هذا الداء. واخبر رجل لا أشك في ثقته وصدقه أن رجلاً اعترضه كَلْب كَلْب فأومى ليعضَّه فتلقَّى فمه بكمّه، فأصابه من أسنانه ولعابه. ومضى لشأنه وشمّر كمّه وأقام مشمّراً له ساعات، ثم أنه نشره فتساقط منه جراءٌ صغار.
وأما الذّبحة فقد زعمت الأطباء أن من أجود ما يُستعمل للذبحة
العارضة للإنسان أن يُنفخ في خلقه من سحيق ما جفّ من رجيع الكلب الأبيض، أو يَتَغَرغَر به وهو أبلغ، وربما طلي به جسد المحموم، وأجوده ما أشتد بياضه. ودواؤها دواء الجرب. ودواء الجرب كبريت أبيض يُسحق ويُخلط بزيت ويُغلى على النار ويُطلى به موضع الجرب.
وأما النقرس فهو يعرض لها من الحفا لأن الأعضاء بالحفا تضعف فتنصب إليها الموادّ، ودواؤه دواء الحفا هو أن تلطخ يداه ورجلاه وعجانه بدهن خلّ وزيت. وله أيضاً أن يُجعل على يديه ورجليه قطران. وله أيضاً أن يؤخذ عفص وزاج أخضر من كل واحد منهما جزء فيُدقا ويصبّ عليهما من الخمر ما يغمرهما، ويُجعلا في الشمس أو على نار لينةٍ حتى يغلظا، ثم تُغمس كفّ الكلب في ذلك وهو فاتر.
وأما الفلج فأمارته أن يعدو الكلب يوماً ويقصّر في آخر، فيُستدل بذلك على داء في جوفه. ودواؤه ماء الشبِتّ يُعجن بدقيق الدُّخْن ويُطعَمُه الكلب سخناً. أو يُطعم كسرة خبزٍ مع صوفِ شاه معجونٍ بسمنٍ فأنه يلقي ما في جوفه من الداء. ويقال لنصيبه من صيده الحرجُ (؟).
قال الطرمّاح:
نوازرة حرصى على الصيد همّهاتفارط احراج الضراء الرواجز (؟
يمرّ إذا ما حل مَرّ مقزّعٍعتيقٍ حداه ابهر القوس جارز (؟
الجارز الّيِن الأملس، وهو يصف سهماً شبَّه الكلب به في مضائه وسرعته. وقال أبو بكر: الجارز الخشن ويقال لما يُطعم في غير الصيد
لُحْمة الكلب وطُعمة الكلب، وكذلك يقال للفهد والبازي وكل جارح وضارٍ. فأما في الثوب فيقال لَحْمة.
صيد الكلب
إذا كسر الكلب مفرداً الأرنبَ فهو نهاية، وهو يطيق ما فوق ذلك، والفُره منها تكسر الظباء، وقد ذكرنا من حال الظباء ما فيه كفاية، وتتجاوز الظباء إلى اليحمور فتكسره، فأن زادت تعلّقت بالأيّل، ولا يطيقه منها إلا ذو الخَلق الشديد، والبنية الوثيقة والفخامة، وبعد أن يجتمع عليه الاثنان والثلاثة من كلابٍ هذه صفتها، وليس يفوتها ويقهرها بحُضره، ولكنه ذو سلاحٍ وهي ترهب قرونه يُنحي عليها إنحاءً شديداً.
وأما الأرنب والثعلب فالواحد من الكلاب يصيدهما كثيراً ما لم يتعلق الأرنب بالجبل، وعلى أن الثعلب روّاغ مَكِرٌ، وإذا صار إلى المجاودة ولم يستتر بخَمَر ولا غيره فهو في يده، وربما التفت إلى الكلب وقد أخرج لسانه من شدة الحضر فعضَّه فيرجع عنه. وقد يصيد الكلب الدرّاجَ كما أن الصقر والبازي يصيدان الأرنب، وقال بعض الأدباء:
ومصدّرين بكل مجلس حكمةمتقدّمين بكلّ يومِ برازِ
سبقوا إلى غُرر الفخار وأحرزواخَصْل الفضائل أيما إحراز
لا تستفيق من الطراد جيادُهمفتراهمُ أبداً على أوفاز
فبزاتهم تصطاد صيد كلابهموكلابهم تصطاد صيد البازي
ألفوا الوغي فتعلّلوا بمصايدعن شنّ غارات وبُعد مغازِ
ونحن نذكر من الشعر في طرد الكلب، ونوفي بما وعدنا به من شرح حال الطريدة باباً باباً، ونبدأ بالأيل لأنه أعظم ما يصيده الكلب.
قال بعض المحدثين في ذلك:
أنعت كلباً للقلوب مُجَذلاًآلى إذا أمسك ألاّ يقتلا
مؤمّلاً لأهله مموّلايزيد ذا الوفر ويُغني المُرمِلا
ذا همَّةٍ في الصيد في أعلى العلايستصغر الظبي فيبغي الأيّلا
لا يجد الأيّل منه موئلاتخاله من خوفه معقّلا
يعول من كان عليه عوّلا
ولم نثبت صفات الكلب إلى أن لعبنا منها بما لا يُحصى كثرة من الشرق والغرب، وأفره ما رأيناه منها ما يجيء من المغرب، وخير ما فيها البُلق وهي حِسان فره على كل ما أرسلت عليه من الطرائد. وخير كلاب الشرق ما جاء من عند الأكراد. وقد ذكرنا من ذلك ما شاهدناه واختبرناه.
ولقد ركب مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين المنتخبين ذات مرة فأصاب من البقر ما لم يُحص كثرة، ورجع من الصيد ومعه عشرون جملاً عليها محامل فيها كلها كلاب الصيد، فرؤيت بمصر ظاهرة.
وقال الحسن بن هانيء يصف الكلب:
أنعت كلباً أهله في كدّهقد سعدت جدودهم بجدّه
فكل خير عندهم من عندهيظلّ مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحبٍ من مهدهوإن عدا جلَّله ببرده
ذا غُرّةٍ محجلاً بزندهتلذّ منه العينُ حسنَ قدّه
تأخير شدقيه وطول خدّهتلقى الظباء عنتاً من طرده
تشرب كأس حتفها من شدّهيصيدنا عشرين في مُرْقدّه
يا لك من كلب نسيجٍ وحده
وقال فيه أيضاً:
أنعت كلباً للطراد سَلْطامقلَدّاً قلائداً ومَقْطا
فهو الجميل والحسيب رهطاترى له شدقين خُطّا خَطّا
وملطماً سهلاً ولحياً سبطاذاك ومتنين إذا تمطى
قلت شرا كان أُجيدا قَطايَمري إذا كان الجراء عَبطا
براثناً سحمَ الأثافي مُلطاينشط أذنيه بهن نشطا
تخال ما دُمّين منه شرطاما أن يقعن الأرض إلا فرطا
كأنما يعجل شيئاً لَقطاأسرع من قول قطاةٍ قطّا
تخاله الصقر إذا ما انحطاأو لهب النار أعيرت نفطا
يعتاج خزان الصحارى الرقطايلقين منه حاكماً مشتطا
للعظم حطماً والأديم عَطّا
وقال فيه:
يا رب بيت بفضاء سبسبِبعيدِ بين السَّمك والمطنّبِ
لفتيةٍ قد بكَّروا بأكلُبِقد أدبوها أحسن التأدبِ
من كل أدفى مستبان المنكِبِيشُبُّ في القَوْد شُبوب المِقرب
يُلجق أذنيه بحدّ المخلبفما ثنى وشيقة من أرنَبِ
عندهم أو تيس رمل علهبوعينِ عانات وأمّ تولب
وجلدة مسلوبة من ثعلبمقلوبة الفروة أو لم تُقلب
ومِرجلٍ يهدر هدر المغضبيقذف حالاه بجوز القَرْهَب
وقال فيه:
قد أغتدي والطير في مثواتهالم تعرِب الأفواهُ عن لغاتها
بأكلبٍ تمرح في قِدّاتهاتعدّ عِينَ الوحش من أقواتها
قد لوّح التقديح وارياتهاوأشفق القانص من حُفاتها
وقلتُ قد أحكمتَها فهاتهاوأدنِ للصيد معلَّماتها
وارفع لنا نسبة أمهاتهافجاء يزجيها على شياتها
شمّ العراقيب مؤنّفاتهاسوداً وصفراً وخَلَنْجيّاتها
كأن أقماراً على لبّاتهاترى على أفخاذها سماتها
قُودَ الخراطيمُ مخَرْطَمِاتهامن نَهَم البهم ومن حُواتها
زَلّ المواخير عملساتِهامشرفةَ الأكتاف مِوزَراتها
مفروشة الأيدي شر نبثاتهامفدّياتٍ ومحمّياتها
مسمّنات ومفدياتهاأن حياة الكلب في وفاتها
تقذف حالاها بجوزيْ شاتها
وقال فيه:
إذا الشياطين رأت زُنبوراقد قُلِدّ الحلْقة والسيورا
بكت الخزّان القرى ثبوراأدفى ترى في شدقه تأخيرا
ترى إذا عارضْتَه مَفْرُوراخناجراً قد بيّنت سطورا
مُشتبكات تَنْظِم السُّحورااُحسِنَ في تأديبه صغيرا
حتى توفيَّ الستة الشهورامن سنه وبلغ الشُّغورا
وعرف الايحاء والصفيراوالكفّ أن تومئ أو تشيرا
يعطيك أقصى حُضْره المذخوراشدّاً ترى من همْزِه الاظفورا
منتشطاً من أذنه سيورافما يزال والغاً تأمورا
من ثعلب غادره عفيراأو أرنب جوّرها تجويرا
فأمتع الله به الأميراربي ولا زال به مسرورا
وقال فيه:
لما تَبدّى من حجابهكطلعة الأشط من جلبابه
هجنا بكلب طالما هجنا بهينتسف المِقْوَد من جِذابه
كأن متنيه لدى انسلابهمتَنا شجاع لجّ في انسيابه
كأنما الأظفور من قِنابهموسى صَناعٍ رُدّ في نصابه
تراه في الحضر إذا هاها بهيكاد أن يخرج من اهابه
يعفو على ما جرّ من ثيابهإلا الذي أثر من هُدابه
ترى سوامَ الوحش تحتوي بهيرُحْنَ أسرى ظفره ونابه
وقال فيه:
قد طالما أفلتّ يا ثعالاوطالما وطالما وطالا
جلتُ بكلبٍ نحوك الأجوالاما طلت من لا يسأم المطالا
وله أيضاً:
وثعلب بات قرير العينِلاقى مع الصبح غراب البينِ
وقد غدا مُجْرَمِزَّ الشخصينفاستَقبلتْه لحضور الحَيْن
طلعةُ كلبٍ أغْضَفِ الأذنينفمرّ يهوي ثابت السَّدْوَيْن
إلى وِجارٍ بين صخرتينوالكلب منه راكب المتنين
فلم يرعه غير روعتينحتى أراني شلوَه شلوين
مقطَّعاً أحسن قطعتينفرُحتُ إذ رُحتُ به نصفَيْن
كأنما رحت بأرنبينلأنه ماطلني بدَيْن
ثم قضانيه أبو الحصينبعد خداعٍ شابَهُ بَميْنِ
وقال أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان يصف الطَرَد:
ما العمر ما طالت به الدهورُالعمرُ ما تم به السرورُ
أيام عزي ونفاذِ أمريهي التي أحسِبُها من عمري
لو شئتُ مما قد قلَلْن جِدّاعددتُ أيام السرورِ عَدّا
أنعت يوماً مرّ لي بالشامِألذّ ما مرّ من الأيامِ
دعوتُ بالصقَّار ذات يومِعند انتباهي سحراً من نومي
قلت له اختر سبعةً كباراكلّ نجيبٍ يَرِدُ الغُبارا
يكون للأرنب منها اثنانِوخمسةُ تُفْردُ للغزلانِ
واجعل كلاب الصيد نوبتَينتُرسِل منها اثنين بعد اثنين
ولا تؤخر أكلبَ العِراضِفهنّ حتف للظباء قاضِ
ثم تقدمتُ إلى الفَهَّادِوالبازياريّين باستعدادِ
وقلت: إن خمسةً لتُقنعُوالزُّرّقان الفرخ والملمَّع
وأنت يا طبّاخ لا تباطاعجّل لنا اللبّاتِ والأوساطا
ويا شرابيّ البلسْقياتِ (؟تكون بالراح مُيَسَّراتِ
بالله لا تستصحبوا ثقيلاواجتنبوا الكثرة والفضولا
ردّوا فلاناً وخذوا فلاناوضمنوني صيدكم ضَمانا
فاخترت لما وقفوا طويلاعشرين أو فُوَيْقها قليلا
عصابة أكرمْ بها عصابَهْشرطك في الفضل وفي النجابْه
ثم قصدنا صيد (عينِ قاصرِمَظِنَّةَ الصيد لكل خابرِ
جئناه والأرض قبيل المغربتختال في ثوب الأصيل المُذهب
وأخذ الدرّاجُ في الصياحمكتنفاً من سائر النواحي
في غفلةٍ عنا وفي ضلالونحن قد زرناه بالآجالِ
يطرب للصبح وليس يدريأن المنايا في طلوع الفجر
حتى إذا أحسستُ بالصباحناديتهم: حيّ على الفلاح
نحن نصلي والبزاة تُخرجمجرّداتٍ والخيولُ تُسرَج
وقلتُ للفهَّاد امضِ فأنفردوصح بنا إن عنّ ظبيٌ واجتهِدْ
فلم يزل غير بعيدٍ عناإليه يمضي ما يفرّ منا
وسرت في صف من الرجالكأنما نزحف للقتال
فما أستوينا حسناً حتى وقفغُلَيّم كان قريباً من شرف
ثم أتاني عجلاً قال: السّبَقْفقلت: إن كان العيان قد صدق
سرتُ إليه فأراني جاثمهظننتها يقظي وكانت نائمه
ثم أخذت نبلةً كانت معيودرت دورين ولم أوسّع
حتى تمكنت فلم أخطِ الطلبلكل جتف سبب من السبب
وضَجّت الكلاب في المقاودتطلبها وهي بجهدٍ جاهدِ
وصحتُ بالأسودِ كالخطّافليس ببيضيّ ولا غِطراف
ثم دعوت القوم هذا بازيفأيكم بنشط للبرازِ
فقال منهم رشأ: أنا أناولو درى ما بيدي لأذعنا
فقلت: قابلني وراء النهرأنت لشطرٍ وأنا لشطر
طارت له درّاجة فأرسلاأحسن فيها بازُه وأجملا
علّقها فعطعطوا وصاحواوالصيد من آيينه الصياحُ
فقلت ما هذا الصياح والقلقْأكلّ هذا فرح بذا الطلق
وقال كلاّبيَ: سوّ البازاقد حُرّر الكلب فجز وجازا
فلم يزل يزعق بي مولائيوهو كمثل النار في الحلفاء
طارت فأرسلتُ فصارت شلواحلّت بها قبل العلوّ البلوى
فما رفعت الباز حتى طاراآخر عوداً يحسن الفرارا
اسوَدُ صياحٌ عظيم كرّزمطرّزٌ محلّك ملزّزُ
عليه ألوان من الثيابمن حلل الديباج والعتّابي
فلم يزل يعلو وبازٍ يَسفُليحرز فضل السبق ليس يغفل
يرقبه من تحته بعينهوإنما قد زاره لِحَينه
حتى إذا قارب فيما يحسَبمعلقه والموت منه أقرب
أرخى إلى بُنّجِه رجليهوالموت قد سابقه إليه
صحتُ وصاح القوم بالتكبيروغيرنا يضمر في الصدور
ثم تسايرنا فطارت واحدهشيطانة من الطيور ما رده
من قُرُبٍ فأرسلوا إليهاولم تزل أعينهم عليها
فلم يعلّق بازُه وادّىمن بعد ما قاربها وشدّا
فصحت هذا الباز أم دجاجهليت جناحيه على دُرّاجه
فاحمرّت الأوجه والعيونوقال: هذا موضع ملعون
إن لزّها الباز اصابت بنَّجا (؟أو سقطت لم تلق إلا مَدْرجا
اعدل بنا للبنّج الخفيفوالموضع المنفرد المكشوف
فقلت هذي حجة ضعيفةوغِرّة ظاهرة معروفة
نحن جميعاً في مكان واحدفلا تَعَلّل بالكلام البارد
قصّ جناحيه يكن في الدارمع الدباسي ومع القَماري
واعمد إلى جلجله البديعفأجعله في عنز من القطيع
حتى إذا أبصرته وقد خجلقلت أراه فارهاً على الحجل
دعه وهذا الباز فاطّرد بهتفادياً من غمه وعتبه
وقلت للخيل التي حولَيْناتشاهَدُوا كلكم علينا
بأنه عارية مضمونهيقيم فيها جاهه ودينه
جئت ببازٍ حسنٍ مُبَهرجدون العقاب وفويق الزُّمج
زَينٍ لرائيه وفوق الزّيْنينظر من نارين في غارين
كأن فوق صدره والهاديآثارَ مشي الذرّ في الرّماد
ذي مِنسرٍ فخم وعين غائرهوفخِذٍ ملءَ اليمين وافره
ضخم قريب الدستبان جدايلقى الذي يحمل منه كدّا
وراحة تغمر كَفّي سبطهزاد على قدر البزاة بسطه
سُرّ وقال: هات، قلت: مهلااحلف على الردّ فقال كلا
أمّا يميني فهي عندي غاليهوكلمتي مثل يميني وافيه
قلت فخذه هبةً بقُبُلهفصدّ عني وعلته خجله
ثم ندمت غاية الندامهولمت نفسي أكثر الملامه
على مزاحي والرجال خُطَّروهو يزيد خجلاً ويحضر
فلم أزل أمسحه حتى انبسطوهشّ للصيد قليلاًَ ونَشِط
صاح به اركب فاستقلّ عن يديمبادراً أسرع من قول قدِ
ضم سباقيه وقال قد حصلقلت له الغرة من شر المعمل
سرتُ وسار الغادر العيَّارليس لطيرٍ معنا مطار
ثم عدلنا نحو نهر الواديوالطير فيه عددُ الجراد
أدرت شاهينين في مكانلكثرة الصيد مع الامكان
دارا علينا دورة وحلَّقاكلاهما حتى إذا تعلَّقا
توازيا واطَّردا اطّرِاداكالفارسين التقيا أو كادا
ثَمَّت شدّا فأصادا أربعاًثلاثة خضراً وطيراً أبقعا
ثم ذبحناها وخلصناهماوأمكن الصيد فأرسلناهما
فجدّلا خمساً من الطيورفزاد والرحمنِ في سروري
أربعةً منها انَيْسيانوطائراً يُعرف بالبيضاني
خيل تناجيهن حيث شيناًطيّعة ولُجمها ايدينا
فهي إذا ما رُفعت للعادهصَرّفها الجوع على الإراده
وكلَّما شدّا عليها في طَلَقتساقطت ما بيننا من الفرق
حتى أخذنا ما أردنا منهاثم انصرفنا راغبين عنها
إلى كَراكيّ بقرب النهرعشر أراها أو دُوَين العشر
لما رآها الباز من بعدٍ لصقوحدّد الطرف إليها وذرق
فقلت صدناها ورب الكعبهوكن في واد بقربٍ جَنْبه
فدرتُ حتى مَكَّنتْ ثم نزلفحطّ منها اقرعاً مثل الجمل
ما انحط إلا وأنا إليهممكّناً كفي من رجليه
نزلت كي أشبعه إذا هيهقد نزلت من عن يمين الرابيه
فَشِلْتُه ارغب في الزيادهوتلك للطراد شرّ عاده
لم اجزه بأحسن البلاءأطعتُ حرصي وعصيت رائي
فلم أزل اختلها وتنختلوإنما نختلها إلى الأجل
عمدتُ منها لكبيرٍ مفرديمشي بعنق كالرشاء المُحصد
طار، وما طار ليأتيه القدروهل لما قد حان سمعٌ أو بصر؟
حتى إذا جدّله كالعندلِأيقنت أن العظم غير الفصل
ذاك على ما نلتُ منه أمرعثرت فيه واقال الدهر
خير من النجاح للإنسانإصابة الرأي مع الحرمان
صحت إلى الطبَّاخ ماذا تنتظرانزل على النهر وهات ما حضر
جاء بأوساط وجُرْدِتاجِمن حَجَلِ الصيد ومن درّاجِ
فما تنازلنا عن الخيوليمنعنا الحرص عن النزول
وجئ بالكأس وبالشرابفقلت وَفّرها على أصحابي
أشْبَعني اليوم ورَوّابي الفرحفقد كفاني بعض وسط وقدح
ثم عدلنا نطلب الصحراءنلتمس الوحوش والظباء
عنّ لنا سربٌ يبطن وادٍيقدمه اقرن عَبْل الهادي
قد صدرت عن منهل رويّمن غُبَّر الوسميّ والوليّ
ليس بمطروق ولا بَكِيّومرتعٍ مقتبل جنيّ
رَغبن فيه غير مذعوراتِبقاع وادٍ وافر النبات
مرّ عليه غَدِق السحاببواكف متصل الرباب
لما رآنا مال بالأعناقنظرةً) لا صب ولا مشتاق
ما زال في خفض وحسن حالحتى أصابته بنا الليالي
سرب حماه الدهر ما حماهلما رآنا ارتدّ ما أعطاه
بادرت بالصقَّار والفهَّادحتى سبقناه إلى الميعاد
فجدّل الفهد الكبير الأقرناشدّ على مذبحه واستبطنا
وجدّل الآخر عنزاً حاملارعت حمى الغورَيْن حولاً كاملا
ثم رميناهن بالصقورفجئنها بالقدَر المقدور
افردن منها في القراح واحدةقد ثَقُلَتْ بالحَصر وهي جاهده
مرت بنا والصقر في قذالهايؤذنها بسيّء من حالها
ثم ثناها واتاها الكلبهُما عليها والزمان الب
فلم نزل نَصيدُها وتصرعحتى تبقَّى في القطيع أربع
ثم عدلنا عدلةً إلى الجبلإلى الأراوي والكباش والحجل
فلم نزل بالخيل والكلابنحوزها حوزاً إلى الغياب
ثم نزلنا والبغال موقرهفي ليلةٍ مثل الصباح مسفره
حتى أتينا رحلنا بليلٍوقد سبقنا بجياد الخيل
ثم نزلنا وطرحنا الصيداحتى عددنا مائة وزَيْدا
فلم نزل نشوي ونقلي ونُصِبحتى طلبت صاحياً فلم نُصِب
شَرْباً كما عنّ من الزّقِاقبغير ترتيب وغير ساق
فلم نزل سبع ليالٍ عدداأسعد من راح أحظى من غدا
تمت وأهدي إلى بعض الملوك صيد وكتبت معه هذه الأبيات:
أزال الله شكواكوأهدي لك افراقا
خرجنا أمس للصيدوكنا فيه سباقا
فسمينا وارسلناعلى بختك اطلاقا
فجاد الله بالرزقوكان الله رزاقا
وأحرزنا من الدراجما الرحل به ضاقا
فأطعمت وأهديتإلى المطبخ أوساقا
وخير اللحم ما أقلقه الجارح اقلاقا
وذو العادة للصيدإذا أبصره تاقا
فيغذوه بما كانإليه الدهر مشتاقا
فكلْ منه شفاك اللهـ مشوياً وأمراقا
فهذه الحفظ للقوة لا تدبير اسحاقا
ما قيل في الجوارح من الشعر
ما قيل في الجوارح ووصف به من الشعر المستحسن لمتقدم ومتأخر
فمن ذلك ما قال أبو نؤاس في صفة البازي:
قد أسبق القاريّة الجونامن قبل تثويب المنادينا
بكل منسوب بأعراقهعلى عيون الارمينيينا
ربيب بيت وانيسٍ ولميرب بريش الأم محضونا
لم ينكه جرح حياص ولميبغ له بالتفل تسكينا
كُرّز عام صاغه صانعلم يدّخر عنه التحاسينا
ألبسه التكريز من حوكهوشياً على الجؤجؤ موضونا
له جراب فوق منقارهجمعن تأنيقاً وتسنينا
كل سنان عيج من متنهتخال مَحْني عطفه نونا
ومنسر أكلف فيه شفاكأنه عقد ثمانينا
وهامة كأنما قّنعتسبّ حياك السابريينا
ومقلة أشرب آماقهاتبراً يروق الصيرفيينا
يرسل منه عند إطلاقهعلى الكراكيّ دُرَخْمينا
داهية تخبط اعجازهاخبطاً تحسَّيها الأمرّينا
قد مشقته في الحشا مشقةألقت من الجوف المصارينا
يحمي عليها الجو من فوقهاحيناً ويُغريعها أحايينا
فمُقْعصٌ أثبت في نحرهوخاضب من دمه الطينا
أعطى البزاة الله من فضلهما لم يخوّله الشواهينا
وقال أيضاً:
حشوتُ كفي دستباناً مُشْعَرافروة سنجاب لؤاماً اوبرا
بقي بنان الكف ألا تَخصراوغمزة البازي إذا ما ظفّرا
فشمتُ فيها الكف إلا الخنصراأعددت للبغثان حتفاً ممقرا
أبرش بطنان الجناح أقمراأرقط ضاحي الدفتين أنمرا
كأن شدقيه إذا تضوراصدغان من عرعرة تفطرا
كأن عينيه إذا ما أتأرافُصّان قُدّا من عقيق أحمرا
في هامة علباء تهدي منسراكعطفة الجيم بكفّ أعسرا
فالطير يلقين مُدّقّاً مِكسرامشقاً هذاذيه ونهساً نهسرا
وقال غيره في صفته:
مكان سواد العين منه عقيقةوتبر على خط البياض يدور
تمور إذا مارنّقت في مآقهاكما مار من ماء الزجاجة نور
له قَرْطقٌ ضافي البنائِق أنمرمفوّف ضاحي الشقتين طرير
ومن تحته درع كأن رقومهتعاريج وشي أرضهن حرير
كأن اندراج الريش منه حبائكبعقب سحابات لهنّ نشور
له هامة ملساء أما قذالهافمُوفٍ وأما جيدها فقصير
ململمة فرعاء لولا شكيرهالقلت مَذاكٍ ضُمَّنته صخور
معصَّبة بالقِدّ ذات نواشرلها من خطاطيف الحديد ظفور
له مِنسر يحكي من الظبي روقهإذا تم للتحجيز منه طرور (؟
له فُوَفٌ فوق القذال كأنهاولم يَعْلُه وخط القتير قتير
تخّيره القنّاص من بين عصبةلهم عند فخر القانصين فخور
وهذّبه حتى كأن ضميرهله دون ما تهوى النفوس ضمير
أتانا به من رأس خلقاء حزنهلها فوق أرآد الشفاف ذرور
مُؤللةٍ جَلسٍ إذا الطرف رامهاأعادت إليه الجفن وهو حسير
كآدٍ تحاماها الأنوق فما لهابأحضانها دون الرؤوس وكور
سباه صغيراً فأستمرّ لحزمهوردّ إليه العزم وهو كبير
يُقطّع أسحار البغاث كأنماله في نحور البائسات ثؤور
تبوأ أيدي مالكيه كأنهعلى آمريهِ في الجلالِ أمير
ومما قيل في صفته:
كأنها ألواح بازٍ نهضلكُرّز يلقي ريشهٍ ويغتلي
أكلف ملتفّ بريش دغفلتلفَّف الشيخ التوى في المَشْمَل
إذا غدا والطير لم تُصلصلغدا بضيق العينين لم يكلل
بحدِ أطراف شباً مؤسلفانحطّ يهوي من بعيد المحتل (؟
إن طِرن ساماهنّ سامٍ من علوإن تطأطأن انحنى لأسفل
أوْدّين بعد النفض والتحفلمن لطم ذي معمعةٍ مولول
وقال بعض المحدثين يصفه:
قد أغتدي في نفس الصباحبمقرم للصيد ذي ارتياح
معلّق الأشباح بالأشباحيركض في الهواء بالجناح
كركض طرف السبق في البراحذي جلجلٍ كالصرصر الصيّاح
قُمّصٍ وشياً حسن الاوضاحتخاله منه حباب الرّاح
حتفٍ لطير اللّجَّة السَّبَّاحذي الطوق منهن وذي الوشاح
يسبحن في الماء وفي الرياح
لما خَبا ضوء الصباح ومشىغدوت في غرته منكمشاً
أنتاب بالدير غديراً مرعشاًبكرَّزي كالرخام أبرشا
تخال في الجؤجؤ منه نمشاأو بُردَ وشّاءٍ أجاد النّقشا
أو وحي حِبرٍ في أديم رقشاوتحسب الريش إذا ما نهشا
قطناً على منسره منفّشا
أخطأ في قوله نهشاً كان يجب أن يقول:
ونحسب الريش إذا ما نهسا
بالسين غير معجمة في الجوارح فأما النهش بالإعجام فللحيّة.
وقال:
غدوت للصيد بفتيان نُجبوسبب للرزق من خير سبب
غداً تلاقي الطير حتفا من كثبوهي على ماء خليج تصطخب
تطلب ديناً في النفوس قد وجببمقلة تهتك أستار الحجب
كأنها في الرأس مسمار ذهبكانت له وسيلة فلم تخب
ذي منسرٍ مثل السنان مختضبوذَنَب كالذيل ريّان القصب
اسُبِلَ فوق عطبة من العُطُبكأن فوق رأسه إذا انتصب
من حلل الكتان راناً ذا هُدَبقد وثق القوم له بما طلب
فهو إذا خُليّ لصيدٍ واضطربعرّوا سكاكينَهُم مِن القرب
وقال عبد الله بن محمد الناشي يصفه:
لما تفرّى الليل عِن اثباجهوارتاح ضوء الصبح لانبلاجه
غدوت أبني الصيد في منهاجهبأقْمَرِ أبدع في نتاجه
ألبسه الخالقُ من ديباجهثوباً كفى الصانع من نِساجِه
حالٍ من السُّوق إلى أوداجهوشياً يحار الطرف في اندراجه
في نسقٍ منه وفي انعراجهوزانَ فَوْدَيْه إلى حِجاجِه
بزينةٍ كفته نظم تاجهمنسره ينبئ عن خِلاجِه
وظفره يخبر عن علاجهلو استضاء المرء في ادلاجه
بعينه كفته من سراجه
وقال:
أيا صاح بازيّ بازيّ أنهمن البؤس والفقر في الدهر جُنّه
ألست ترى ظبيات يردنمياهاً يضيء تلألؤهنّه
صوارينا شأنكنّ النهودَلهن فهن أولياؤكنه
قياماً أقبحكن الغداةأن لم تجئن إلينا بهنّه
فيَهْياه يَهياهُ أين المفرلهن إذا ما شاء أو تيَهنّه
ويا خيل ويهأ دراكِ دراكِعساكن تمنحننا صيدهنّه
فنأخذ منهنن ثاراتنابحق جناية أشباههنّه
فكم من قتيل لنا هالكبإحداقهن وأجفانهنّه
يمكنّ منْ شائمات القلوب ضواري العيون فيصدْ نهنه
وقال محمود بن الحسين السندي الكاتب يصفه:
لما أجدّ الليل في انحيازهولاح ضوء الصبح في أعجازه
دعوت سعداً فأتى ببازهيحمل يسراه على قفازه
ضامن زادٍ جدّ في احرازهندباً هوانُ الطير في اعزازه
أقرانه تنكل عن برازهيبادر الفرصة في انتهازه
كأنما راح إلى بزّازهفابتزّه المُوْشيّ من طرازه
فصاد قبل الشدّ في اجتيازهخمسين حزناً هن باحتيازه
ما أسلف البرّ فلم يجازهولا خلا في الوعد من إنجازه
وله فيه:
قد أغتدي والليل مهتوك الحمىوالصبح يسْتنفِض أسرار الدجى
مبتسماً عن ساطع من الضياضحك الفتاة الخود في وجه الفتى
أو مثل وجهي يستهّل للِقرىبكاسرٍ من البزاة مجتبى
أبيض إلاّ لمعاً فوق الفراكأنها رش عبيرٍ في مُلا
كأنما ناظره إذا سمايا قوتة تهدى إلى بعض الدُّمى
كأنما المنسر من حيث انحنىعطفة صدغ خُطّ في خدّ رشا
كأنما نيطت بكفيه مُدىأوحى من النجم إذا النجم هوى
أو رجعة الطرف سما ثم انثنىتستأسر الطير له إذا بدا
موقنة منه بحتفٍ ورديأجزل بما كافأته وما جزى
أقرضتُه تأميل ربحٍ فَوَفىبواحدٍ ألفاً وأربى في العطا
وليس بين العبد والمولى ربا
قال: وكنت إلى صديق لي من الكتّاب أصف بازياً له حضرت معه الصيدَ به
قد أغتدي أو باكراً بأسحارونحن في جلباب ليل كالقار
شُدّ علينا بعري وأزراركأنه جلدة نوبيّ عار
حتى إذا ما عرف الصيد الضاريوأذن الصبح له في الإبصار
خلى لكل شيخ نائي الدارفارس كفٍّ ماثلٌ كالأسوار
ذو جؤجؤ مثل الرخام المرمار (؟أو مصحف منمنم ذي أسطار
ومقلة صفراء مثل الديناريرفع جفناً مثل جوف الزنار
ومخلب كمثل عطف المسمارآنَسَ طيراً في خليج هدّار
مضطرب اللجنة صافي الأقطارسوابحاً تغري جباب التيّار
من كل صدّاح العشيّ صفّاركأنه مرجّع في مزمار
وذات طوق أخضر ومنقاركنصف مضراب برى منه الباري
فصاد قبل فترةٍ وإضجارخمسين فيهن سمات الأظفار
يخبطها خبط مليك جبارمظفراً يطلبها بالأوتار
قد حُكّمت سيوفه في الأعماركأنه فيها شواظ من نار
ما قيل في الباشق من الشعر
مما ضمَّناه كتابنا هذا فمن ذلك قول محمود بن الحسين الكاتب:
وكان جؤجؤه وريش جناحهترجيع نقش يد الفتاة العاتق
يسمو فيَخْفى في الهواء وتارةيهفو فينقض انقضاض الطارق
ما حام عن طلب الحمام ولم يُفِقمذ كان من صيد الاوز الفائق
يشفي إذا نعب الغراب بفرقةقلب المحب من الغراب الناعق
وإذا القطاة تخلفت من خوفهلم يعدُ أن يهوى بها من حالق
له هامة كُلّلت باللجينفسال اللجين على المَفْرِق
يقلّب عينين في رأسهكأنهما نقطتا زئبقِ
وشُرّب لوناً له مُذْهباًكلون الغزالة في المشرق
هُنَيْدَة كاملة وزنهوسرعته سرعة البيدق
حِمام الحَمام وحتف القطاوصاعقة القَبْج والعَقْعَق
وأحنى عليك إلى أن يعودإليك من الوالد المشفق
وإن غاب عنك لصيدٍ نحاهبأسنان مستأسدٍ موثق
سمعت الفصيح كأن الخليل يطارحه علل المنطق
فأكرم به وبكف الأميروبالدستبان إذا تلتقي
وقال بعض شعراء بني هاشم يصفه:
لما انجلى ضوء الصباح فانفتقغدوتُ في ثوبٍ من الليل خَلَق
بطامح النظرة في كل أفقبمقلةٍ تصدقه إذا رمق
كأنها نرجسة بلا ورقمباركٍ إذا رأى فقد رُزِق
وقد قيل في الباشق من الشعر ما لو أتينا به لأطلنا ولكنا اقتصرنا في ذلك على ما ضمناه كتابنا.
ما قيل في الشواهين من الشعر
قال أبو نؤاس:
قد اغتدي قبل الصباح الأبلجوقبل يفتان الدجاج الدُّحج
أو سبهردار اللون اسبهرجيوفي على الكفّ انتصاب الرمج
مشمر ثيابه عن موزجكأنما عُلّ بصبغ النيلج
كأن لون ريشه المدرّجمن قائم منه ومن معرّج
باقي حروف السطر المخرفجأبرش أوتاد الجناح الخرجّ
بين خوافيه إلى الدّهِيرَجينهس سير المقود المحملج
من نهم الحرص وأن لم يلمجينحاز جولان القذى المنمنج
عند امتداد النظر المحمجمن مقلة واسعة المحمج
كأنما يطرق عن فيروزجمن الشواهين كلاف كنفج
في هامة مثل الصلا المدمَّجومنسر أقنى رحاب المفرج
حتى قضينا كال حاج محتجمن ديرج اللون وغير الديرج
يظل أصحابي بعيش سجسجمن رَهَم الصيد وشرب البُختج
تراهم من معجل ومنضجوقادح أورى ولم يؤجج
وأنشِدتُ لبعضهم في صفته:
هل لك يا قناص في شاهينسَوْدَانقٍ مؤدّبٍ أمين
جاء به سابيه من دَرِينضرّاه بالتخشين والتليين
حتى لأغناه عن التلقينفكاد للتثقيف والتمرين
يعرف معنى الوحي بالجفونيظلّ من جناحه المَزين
في قُرْطَق من خزّه الثمينمفوّق في نعمة ولين
يشبه في طرازه المصونبُرد أنوشروان أو شيرين
وشِكَةٍ كَزَرَدٍ موضونمضاعف بالنسج ذي غضون
كدرع يزدجر أو شروينأحوى مجاري الدمع والشؤون
ذي مِنْسرٍ مؤيدٍ مسنونوافٍ كشطر الحاجب المقرون
منعطف مثل انعطاف نونيبدي اسمُهُ معناه للعيون
ما قيل في الصقر من الشعر
قال رؤبة بن العجّاج:
قد أغتدي والصبح ذو بَنيقبملحمٍ أكلف سَوْذَينق
يرمى إلينا نظر الموموقعجلان منها عن غدير النوق
على شمال مطعم مرزوقبكف بسطام على توفيق
آنس سرباً لايح التبريقفانقضّ ضارٍ كعب التمزيق
كأنه حطَّان منجنيقإذا انتحى بمخلبٍ علوق
طأطأ منهنّ عن التحليققد وثقوا من وقعة الموثوق
بوقعِ لا وان ولا مسبوقيدير عيني وعلٍ موروق
يصكّ كل خُرّبٍ بطريقبين فضاء الأرض والمضيق
يعطيه بعد النفض والتعريقعنقاً ورأساً كقفا الإبريق
أوراق إلا جدّة التطويقأدمج بالحناء والخلوق
مما يُشَفّى من دم العروقكان صوت ريشه المطروق
لما تدلى من أعالي النيققصباء حَتّ في ضيا حريق
وأنشدني بعض أهل العلم:
يا رب صقر يفرس الصقوراويكسر العيقان والنسورا
يجتاب برداً فاخراً مطرورامسّيراً بكتفه تسييرا
وقد تقبَّى تحته حريرامشّمرا عن ساقه تشميرا
يضاعف الوشي به التنميرامعرّجاً فيه ومستديرا
كما يضمُّ الكاتب السطوراكأنه قد ملك التصويرا
لنفسه فأحسن التقديرايروم منه أسداً هصورا
مشزرّاً ألحاظه تشزيراكأنّ في مقلته سعيرا
تخاله من قلق مذعوراذا حذرٍ قد جرب الأمورا
سباه من شاهقةٍ صغيراقد طار أو ناهز أن يطيرا
من كان بالرفق له جديراينذر في ابقائه النذورا
كأن ساقيه إذا استثيراساقا ظليم أحكما تضبيرا
ذا هامة ترى لها تدويراكما أدرت جندلاً نقيرا
تسمع من داخلها صفيرايحكي من اليراعة الزميرا
ترى الاوزّ منه مستجيرايباكر الضحضاح والغديرا
يثبت في أحشائها الاظفوراينتظم الأسحار والنحورا
وله أيضاً:
غدونا وطرفُ الليل وسنان غابروقد نزل الاصباح والليل سائر
بأجدلَ من حُمْر الصقور مؤدّبوأكرمُ ما جرّبتَ منها الاحامر
جريء على قتل الظباء وإننيليعجبني أن يقتل الوحش طائرُ
قصير الذُّنابي والقُدامى كأنهاقوادم نسرٍ أو سيوف بواتر
ورُقِشّ منه جؤجؤ فكأنماأعارته أعجامَ الحروف الدفاتر
وما زالتَ بالاضمار حتى صنعتُهوليس يحوز السبق إلا الضوامر
وتحمله منا أكف كريمةكما زُهِيت بالخاطبين المنابر
فعنً لنا من جانب السفح ربربعلى سَنن تستنّ فيه الجآذر
فَجَلَّي وُحلت عقدة السير فانتحىلأولها إذ أمكنته الأواخر
يحث جناحيه على حرّ وجههكما فُصّلت فوق الخدود المغافر
فما تمّ رجع الطّرف حتى رأيُتهامصرّعة تهوي إليها الخناجر
كذلك لذاتي وما نال لذةكطالب صيدٍ ينكفي وهو ظافر
وقال فيه:
ألفت صقراً جلّ باريه وَعزْندباً إذا قدّم ميعاداً نجز
مجتمع الخلق شديداً مكتنزأحمر رحب الجوف مخطوف العجز
كأنما الريش عليه حمل خزكأنما حملاقه زّنار قز
كأنما بنظر من بعض الخرزأنمر من عَزّ به في الصيد بز
في مثله يسعد اطرار الرجزيعدو على الظبي ويغتال الخزز
ويقتل الفز فما يُخطبه فزويحتوي على الحمام والاوز
يعبرها حتى إذا جاز همزأمضى من العضب إذا ما العضب هُز
وإن رأى الفرصة منهن انتهزحاز على أشكاله ما لم تحز
ترى به شخص حمامٍ أن برزما أخطأ المفصلَ منها حين حز
كلا ولا أحرزها منه حَرَزصُل بالقطاميّ إذا شئت تفز
وأفخر به فالصقر أعلا وأعزوساير الطير سداد من عوز
وقال آخر يصفه:
مثل القطاميّ أناف قتبهمختضباً معظمه ومخلُبه
يغتصب الطير وما تغتصبهتظلّ في الاخمار مما ترهبه
جانحة من خوفه ترقبهلا يأمن الضربة منه أرنبه
ولا يدب بالفضاء ثعلبهمثرٍ من الكسب قليل نشبه
يكتسب اللحم وما يكتسبهبات وطلّ من سماءٍ يضربه
حتى إذا الصبح تجلّت جوبهعن طرفِ لِمّاحٍ شديدٍ كَلَبه
من أضم الجوع الذي تَلّهبُهيكاد أن عاين شخصاً بمثقبه
بقوة الطرف الذي يقلبهاسنان عين صادق لا تكذبه
لاح له قبل الذُرور خُرَبهوليّ ولا يؤيل منه هربه
واحتثَه من جوه تصوّبهبه رشاش من دمٍ يخضبه
كأنه طالب ذحْلٍ يطلبهأعسر مسحور شديد كَلَبُه
ذو ماقةٍ كدّرها تغضُّبهما أن يرى أن عدوّاً يغلبه
كأنه في الُلح إذ يقطبهإن طار عنه ريشه وزغبه
وانفضَّ من بعد اجتماع سلبهعفرية صُبّ عليه كوكبه
في مستجير اللون داج غيهبهأو قِشعُ فَروٍ لم يُجمّعُ هدَبُه
النص من طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع