من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من مليح ما جاء في المغنيات والغناء
ومن مليح ما جاء في المغنيات والغناء قول بشار بن برد:
وصفراء مثل الزعفران شربتهاعلى وجه صفراء الترائب رود
حسدت عليها كلّ شيءٍ يمسّهاوما كنت لولا حسنها بحسود
كأنّ مليكاً جالساً في ثيابهاتؤمّل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثلّةٍسواماً ولم ترتفع حداج قعود
إذا نطقت صحنا وصاح لها الصّدىصياح جنودٍ وجّهت لجنود
تميت به ألبابنا وقلوبنامراراً وتحييهنّ بعد همود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كلّهكأنّا من الفردوس تحت خلود
ولا بأس إلاّ أننا عند أهلهاشهودٌ وما ألبابنا بشهود
وقال:
لعمر أبي زوّارها الصّيد إنّنالفي منظرٍ منها وحسن سماع
تصلّي لها آذاننا وعيونناإذا ما التقينا والقلوب دواعي
وقال:
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعشببؤسٍ ولم تركب مطيّة راعي
جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانهالزوّارها من مزهرٍ ويراع
إذا قلّدت أطرافها العود زلزلتقلوباً دعاها للوساوس داع
كأنهم في جنّةٍ قد تلاحقتمحاسنها من روضةٍ ويفاع
يروحون من تغريدها وحديثهانشاوى وما تسقيهم بصواع
لعوبٌ بألباب الرجال إذا رنتأُضيع التقى والغيّ غير مضاع
والشعر في هذا المعنى واسع الذرع، سابغ الدرع؛ ولأبي الفتح كشاجم فيه كل شيء مليح، فمن ذلك قوله:
جاءت بعودٍ كأنّ الحبّ أنحلهفما يرى فيه إلاّ الوهم والشبح
فحرّكته وغنّت في الثقيل لناصوتاً به النار في الأحشاء تنقدح
بيضاء يحضر طيب العيش إن حضرتوإن نأت عنك غاب اللهو والفرح
كلّ اللّباس عليها معرضٌ حسنٌوكلّ ما تتغنّى فيه مقترح
وهذا مقول عبد الله بن المعتز:
وغنّت فأغنت عن المسمعين وارتجّ بالطرب المجلس
محاسنها نزهةٌ للعيونومعرضها كلّ ما تلبس
ولأبي الفتح:
جاءت بعودٍ كأنّ نغمتهصوت فتاةٍ تشكو فراق فتى
محفّفٍ حفّت النفوس بهكأنّما الزهر حوله نبتا
دارت ملاويه فيه واختلفتمثل اختلاف اليدين شبّكتا
لو حرّكته وراء منهزمٍعلى بريدٍ لعاج والتفتا
يا حسن صوتيهما كأنهماأُختان في صنعةٍ تراسلتا
تراه عنها ينوب إن سكتتطوراً وعنه تنوب إن سكتا
وله:
آه من بحّةٍ بغير انقطاعلفتاةٍ موصولة الإيقاع
أتعبت صوتها وقد يجتنى منتعب الصوت راحة الأسماع
فغدت تكثر الشّحاج وحطّتطبقات الأوتار بعد ارتفاع
كأنين المحبّ ضعّف منهصوت شكواه شدّة الأوجاع
وله:
أشتهي في الغناء بحّة حلقٍناعم الصوت متعبٍ مكدود
لا أُحبّ الأوتار تعلو كما لاأشتهي الضرب لازماً للعمود
وأحبّ المجنبات كحبّيللمبادي موصولةً بالنشيد
كهبوب الصّبا توسّط حالاًبين حالين شدةٍ وركود
وله أيضاً:
غنّت فخلت أظنّني طرباًأسمو إلى الأفلاك أو أرقى
لو لم تحرّكه أناملهاكان الهواء يعيده نطقا
جسّته عالمةً بجسّتهاجسّ الطبيب لمدنفٍ عرقا
فحسبت يمناها، وقد ضربترعداً وخلت يسارها برقا
وأبو الفتح كشاجم هذا اسمه محمود بن الحسن بن السندي، من أهل هذه الصناعة، وله في الغناء كتاب مليح. وقد دل على فعاله بمقاله:
أفدي التي كلف الفؤاد من أجلهابالعود حتى شفّني إطرابا
باهت بجمع صناعتين فأظهرتكبراً لذاك وأُعجبت إعجابا
قالت فضلتك بالغناء وأنت لاتشدو، وكنّا مثلكم كتّابا
فعبثت بالأوتار حتى لم أدعنغماً ولم أعقل لهنّ حسابا
وألفتها فأغار ذاك على يديقلمي وعاتبها عليه عتابا
فجعلت للقرطاس جانب صدرهوجعلت جانب عجزه مضرابا
وكان كامل آلات الظرف، جامعاً لخلال الأدب واللطف، وله تآليف ملاح، تدل على معرفته وتوسعه، وقد ذكروا أنه سمى نفسه كشاجم لما يعلمه؛ فالكاف من كاتب، والشين من شاعر، والألف من أديب، والجيم من منجم، والميم من مغن.
وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم:
لقد جاد من عابثٍ ضربهاوزاد كما زاد تغريدها
إذا نوت الصوت قبل الغناء أنشدنا شعرها عودها
وقد قال أستاذه ابن الرومي في نحوه:
ضربك في عودك لم يخرجاعن حاله، والعود في الضرب
كأنّما وقعهما في الحشاوقع الحيا في زمن الجدب
أخذ هذا أبو الحسن المنجم بن يونس المصري فقال:
غنّت فأخفت صوتها في عودهافكأنّما الصوتان صوت العود
غيداء تأمر عودها فيطيعهاأبداً ويتبعها اتباع ودود
أندى من النّوّار صبحاً صوتهاوأرقّ من نشر الثنا المعهود
فكأنّما الصوتان حين تمازجاماء الغمامة وابنة العنقود
ومثل هذا:
سلامة بن سعيديجيد حثّ الراح
إذا تغنّى زمرناعليه بالأقداح
وقال الناجم:
تأتي أغاني عابثأبداً بأفراح النفوس
تشدو فترقص الرؤوس لها وتزمر الكؤوس
وقال:
وما صدحت عابث ومزهرهاإلاّ وثقنا باللهو والفرح
لها غناءٌ كالبرء في جسدأضناه طول السّقام والتّرح
تعبدها الراح فهي ما صدحتإبريقنا ساجداً إلى القدح
وقال:
إذا أنت ميّزت بين الغناء ميّزتها الأحذق الأطيبا
تهزّ القريض بألحانهاكما هزّت الغصن ريح الصّبا
وقال:
ما تغنّت إلاّ تكشّف همٌّعن فؤادٍ وأقلعت أحزان
تفضل المسمعين حسناً وطيباًمثل ما يفضل السماع العيان
وقال:
ما نطقت عابث ومزهرهاإلاّ ظللنا للراح نعملها
تطلب أوتارها الهموم بأوتارها فما تستفيق تقتلها
وقال:
لها غناء مطرب معجبيفعل ما تفعله الخمره
تشوق الأُذن إلى شدوهاتشوّق العين إلى الخضره
كأنما فرحة من زارهافرحة من طارت له القمره
لو أن إسحاق شدا شدوهالخلت من يسمع في سحره
مندرةٌ في كل ألحانهالا كالتي تحسن في النّدره
وقال:
لقد برعت عابث في الغناوزادت فأربت على البارع
يسبّح سامعها معجباًوأصواتها سبحة السامع
وقال:
شدوٌ ألذّ من ابتداء العين في إغفائها
أحلى وأشهى من منىنفسٍ وصدق رجائها
وقال ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الراسبي:
واهاً لذاك الغناء من طبقعلى جميع الأنام مقتدر
أضحت من الساكني حفائرهمسكنى الغوالي مداهن السرر
يا مشرباً كان لي بلا كدرٍيا سمراً كان لي بلا سهر
أصبحت بالترب غير راجحةعنه وقد ترجحين بالبدر
وتبعه الناجم، فقال في عجاب جارية أبي مروان:
أضحى الثرى بجوارهاعطر المسالك والمسارب
حلّت حفيرتها حلول المسك في سرر الكواعب
يا درّة كانت تضيء لناظري من كلّ جانب
وهذا من قول بشار:
درّةٌ حيثما أديرت أضاءتومشمٌّ من حيث ما شمّ فاحا
وجنانٌ قال الإله لها كوني فكانت روحاً وروحاً وراحا
وله:
تلقى بتسبيحةٍ من حسن ما خلقتوتستفزّ حشا الرائي بإرعاد
كأنّما صوّرت من ماء لؤلؤةفكلّ جارحةٍ وجهٌ بمرصاد
والبيت الأول من هذين قد تقدم نظيره من قول الناجم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع