من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان برصا
وسلطانها اختيار الدين أرخان بك، وأرخان (بضم الهمزة وخاء معجم) ابن السلطان عثمان جوق (وجوق بجيم معقود مضموم وآخره قاف)، وتفسيره بالتركية الصغير، وهذا السلطان أكبر ملوك التركمان وأكثرهم مالًا وبلادًا وعسكرًا، له من الحصون ما يقارب مائة حصن، وهو في أكثر أوقاته لا يزال يطوف عليها ويقيم بكل حصن منها أيامًا لإصلاح شئونه وتفقُّد حاله، ويقال: إنه لم يُقِمْ قط شهرًا كاملًا ببلد، ويقاتِلُ الكفار ويحاصره، ووالده هو الذي استفتح مدينة برصا من أيدي الروم، وقَبْرُه بمسجدها، وكان مسجدها كنيسة للنصارى، ويُذْكَر أنه حاصر مدينة برتيك نحو عشرين سنة ومات قبل فتحها، فحاصرها ولده هذا الذي ذكرناه اثنتي عشرة سنة وافتتحها، وبها كان لقائي له، وبعث إلي بدراهم كثيرة، ثم سافرنا إلى مدينة يزنيك (وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف وإسكان الزاي وكسر النون وياء مد وكاف)، وبتنا قبل الوصول إليها ليلة بقرية تُدْعَى كرلة بزاوية فتًى من الأخية، ثم سِرْنا من هذه القرية يومًا كاملًا في أنهار ماء على جوانبها أشجار الرمان الحلو الحامض.
ثم وَصَلْنَا إلى بحيرة ماء تُنْبِت القصب على ثمانية أميال من يزنيك لا يستطاع دخولها إلا على طريق واحد مثل الجسر لا يسلك عليها إلا فارس واحد، وبذلك امتنعت هذه المدينة والبحيرة محيطة بها من جميع الجهات وهي خاوية على عروشها، لا يسكن بها إلا أناس قليلون من خدام السلطان، وبها زوجته بيون خاتون، وهي الحاكمة عليهم — امرأة صالحة فاضلة — وعلى المدينة أسوار أربعة بين كل سورين خندق وفيه الماء ويَدْخُل إليها على جسور خشب متى أرادوا رَفْعها رفعوها، وبداخل المدينة البساتين والدور والأرض والمزارع، فلكل إنسان داره ومزرعته وبستانه مجموعة وشربها من آبار بها قريبة، وبها من جميع أصناف الفواكه والجوز والقسطل عندهم كثير جدًّا رخيص الثمن ويسمون القسطل قسطنة بالنون والجوز القوز بالقاف، وبها العنب العذارى لم أَرَ مِثْلَه في سواها متناهي الحلاوة عظيم الجرم صافي اللون رقيق القشر للحبة منه نواة واحدة، أَنْزَلَنَا بهذه المدينة الفقيه الإمام الحاج المجاور علاء الدين السلطانيوكي، وهو شيخ الفضلاء الكرماء، ما جئت قط إلى زيارته إلا أَحْضَرَ الطعام، وصورته حسنة وسيرته أحسن، وتَوَجَّهَ معي إلى الخاتون المذكورة، فأكْرَمَتْ وأضافت وأحسنت، وبعد قدومنا بأيام وَصَلَ إلى هذه المدينة السلطان أرخان بك الذي ذكرناه، وأقمت بهذه المدينة نحو أربعين يومًا بسبب مرض فَرَسٍ لي، فلما طال عليَّ المكث تَرَكْتُه وانصرفت ومعي ثلاثة من أصحابي وجارية وغلامان، وليس معنا من يُحْسِن اللسان التركي ويترجم عنا، وكان لنا ترجمان فارَقَنا بهذه المدينة.
ثم خرجنا منها فبتنا بقرية يقال لها مكجا (بفتح الميم والكاف والجيم)، بتنا عند فقيه بها أَكْرَمَنَا وأضافنا وسافرنا من عنده، وتَقَدَّمَتْنا امرأة من الترك على فَرَس ومعها خديم لها وهي قاصدة مدينة ينجا، ونحن في اتباع أثرها، فوصلْتُ إلى وادٍ كبير يقال له: سَقَرِي، كأنه نَسَبٌ إلى سَقَر أعاذنا الله منها، فذَهَبَتْ تَجُوزُ الوادي، فلما تَوَسَّطَتْه كادت الدابة تغرق بها ورمتها عن ظهرها، وأراد الخديم الذي كان معها استخلاصها فذهب الوادي بهما معًا، وكان في عدوة الوادي قوم رموا بأنفسهم في أثرهما سباحة فأخرجوا المرأة وبها من الحياة رَمَقٌ، ووجدوا الرجل قد قضى نحبه رحمه الله، وأَخْبَرَنَا أولئك الناس أن المعدية أسفل من ذلك الموضع تَوَجَّهْنَا إليها، وهي أربع خشبان مربوطة بالحبال يجعلون عليها سروج الدواب والمتاع ويجذبها الرجال من العدوة الأخرى ويركب عليها الناس، وتجاز الدواب سباحة وكذلك فَعَلْنا، ووصلنا تلك الليلة إلى كاوية، واسمها على مثال فاعلة من الكي، نزلنا منها بزاوية أحد الأخية فكلَّمْنَاه بالعربية فلم يَفْهَمْ عنا، وكَلَّمَنَا بالتركية فلم نَفْهَمْ عنه فقال: اطلبوا الفقيه، فإنه يَعْرِف العربية فأتى الفقيه فكَلَّمَنَا بالفارسية وكَلَّمْنَاه بالعربية، فلم يَفْهَمْها منا، فقال للفتى: إيشان عربي كهنا ميقوان (ميكويند ومن عربي نوا ميدانم)، وإيشان معناه هؤلاء وكهنا قديم وميقوان يقولون ومن أنا ونو جديد وميدانم تعرف، وإنما أراد الفقيه بهذا الكلام ستر نفسه عن الفضيحة حين ظنوا أنه يَعْرِف اللسان العربي وهو لا يَعْرِفه، فقال لهم: هؤلاء يتكلمون بالكلام العربي القديم، وأنا لا أعرف إلا العربي الجديد، فظن الفتى أن الأمر على ما قاله الفقيه ونَفَعَنَا ذلك عنده، وبالغ في إكرامنا وقال: هؤلاء تَجِبُ كرامتهم لأنهم يتكلمون باللسان العربي القديم، وهو لسان النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا وأصحابه، ولم نفهم كلام الفقيه إذ ذاك لكنني حَفِظْتُ لفظه، فلما تَعَلَّمْتُ اللسان الفارسي فَهِمْتُ مراده.
وبِتْنَا تلك الليلة بالزاوية وبعث معنا دليلًا إلى ينجا، (وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف وكسر النون وجيم)، بلدة كبيرة حسنة، بَحَثْنَا بها عن زاوية الأخي فوجدنا بها أحد الفقراء المولهين، فقلت له: هذه زاوية الأخي، فقال لي: نعم، فسُرِرْتُ عند ذلك إذْ وَجَدْتُ مَنْ يفهم اللسان العربي، فلما اختبرْتُه أَبْرَزَ الغيبُ أنه لا يَعْرِف من اللسان العربي إلا كلمة نعم خاصة، ونزلنا بالزاوية وجاء إلينا أحد الطلبة بطعام ولم يكن الأخي حاضرًا وحصل الأُنْسُ بهذا الطالب ولم يكن يَعْرِف اللسان العربي، لكنه تَفَضَّلَ وتَكَلَّمَ مع نائب البلدة فأعطاني فارسًا من أصحابه وتوجَّه معنا إلى كبنوك (وضبط اسمها بفتح الكاف وسكون الباء وضم النون)، وهي بلدة صغيرة يسكنها كفار الروم تحت ذمة المسلمين، وليس بها غير بيت واحد من المسلمين وهم الحكام عليهم وهي من بلاد السلطان أرخان بك، فنزلنا بدار عجوز كافرة وذلك إبان الثلج والشتاء، فأحسنَّا إليها وبِتْنا عندها تلك الليلة، وهذه البلدة لا شجر بها ولا دوالي العنب ولا يُزْدَرَع بها إلا الزعفران، وأتتنا هذه العجوز بزعفران كثير وظَنَّتْ أننا تجار نشتريه منها.
ولما كان الصباح ركبنا وأتانا الفارس الذي بعثه الفتى معنا من كاوية، فبعث معنا فارسًا غيره ليوصلنا إلى مدينة مطرني، وقد وقع في تلك الليلة ثلج كثير عفى الطرق، فتَقَدَّمَنا ذلك الفارس فاتبعنا أثره إلى أن وصلنا في نصف النهار إلى قرية للتركمان، فأتوا بطعام فأكلنا منه، وكلمهم ذلك الفارس فركب معنا أحدهم وسلك بنا أوعارًا وجبالًا ومجرى ماء تَكَرَّرَ لنا جوازه أزيد من الثلاثين مرة، فلما خلصنا من ذلك قال لنا ذلك الفارس: أعطوني شيئًا من الدراهم، فقلنا له: إذا وصلنا إلى المدينة نعطيك ونرضيك، فلم يَرْضَ ذلك منا أو لم يفهم عنا، فأخذ قوسًا لبعض أصحابي ومضى غير بعيد ثم رجع فردَّ إلينا القوس فأعطيته شيئًا من الدراهم فأخذها وهرب عنا وتَرَكَنَا لا نعرف أين نقصد ولا طريق يظهر لنا، فكنا نتلمح أثر الطريق تحت الثلج ونسلكه إلى أن بَلَغْنَا عند غروب الشمس إلى جبل يظهر الطريق به لكثرة الحجارة، فخِفْتُ الهلاك على نفسي ومن معي وتوقعْتُ نزول الثلج ليلًا، ولا عمار هنالك، فإن نزلنا عن الدواب هلكنا، وإن سرينا ليلتنا لا نعرف أين نتوجه، وكان لي فرس من الجياد فعملت على الخلاص وقُلْتُ في نفسي: إذا سَلِمْتُ لعلِّي أحتال في سلامة أصحابي، فكان كذلك، واستودَعْتُهم الله تعالى وسِرْتُ، وأهل تلك البلاد يبنون على القبور بيوتًا من الخشب يظن رائيها أنها عمارة فيجدها قبورًا، فظهر لي منها كثير، فلما كان بعد العشاء وصلت إلى البيوت فقلت: اللهم اجعلها عامرة، فوجدتها عامرة، ووفقني الله تعالى إلى باب دار، فرأيت عليها شيخًا فكلمته بالعربي فكلمني بالتركي، وأشار إليَّ بالدخول فأخبرته بشأن أصحابي فلم يَفْهَمْ عني.
وكان مِنْ لُطْف الله أن تلك الدار زاوية للفقراء والواقف بالباب شيخها، فلما سمع الفقراء الذين بداخل الزاوية كلامي مع الشيخ خَرَجَ بعضهم، وكانت بيني وبينه معرفة فسلم عليَّ وأخبرته خبر أصحابي، وأشرت إليه بأنْ يمضي مع الفقراء لاستخلاص الأصحاب ففعلوا ذلك، وتوجهوا معي إلى أصحابي وجئنا جميعًا إلى الزاوية، وحمدنا الله تعالى على السلامة، وكانت ليلة جمعة فاجتمع أهل القرية وقطعوا ليلتهم بذكر الله تعالى، وأتى كل منهم بما تيسر له من الطعام، وارتفعت المشقة ورحلنا عند الصباح فوصلنا إلى مدينة مُطُرْنِي عند صلاة الجمعة (وضبط اسمها بضم الميم والطاء المهملة وإسكان الراء وكسر النون وياء مد)، فنزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخية وبها جماعة من المسافرين ولم نجد مربطًا للدواب فصلينا الجمعة ونحن في فلق لكثرة الثلج والبرد وعدم المربط، فلقينا أحد الحجاج من أهلها فسلم علينا وكان يَعْرِف اللسان العربي، فسُرِرْتُ برؤيته وطلبْتُ منه أن يدلنا على مرابط للدواب بالكراء فقال: أما ربطها في منزل فلا يتأتى لأن أبواب دور هذه البلدة صغار لا تدخل منها الدواب، ولكنني أدلكم على سقيفة بالسوق يربط فيها المسافرون دوابَّهم والذين يأتون لحضور السوق، فدلنا عليها وربطْنا بها دوابنا، ونزل أحد الأصحاب بحانوت خالٍ إزاءها ليحرس الدواب.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع