من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطان برصا: حكاية
وكان من غريب ما اتفق لنا أني بعثْتُ أحد الخدام ليشتري التبن للدواب، وبعثت أحدهم يشتري السمن، فأتى أحدهما بالتبن والآخر دون شيء وهو يضحك، فسألناه عن سبب ضحكه فقال: إنا وقفنا على دكان بالسوق فطلبنا منه السمن فأشار إلينا بالوقوف وكلم ولدًا له، فدفَعْنا له الدراهم فأبطأ ساعة وأتى بالتبن فأخذناه منه وقلنا لنا: إنا نريد السمن، فقال: هذا السمن، وأبرز الغيب أنهم يقولون للتبن سمن بلسان الترك، وأما السمن فيُسَمَّى عندهم رباغ، ولما اجتمعنا بهذا الحاج الذي يَعْرِف اللسان العربي رغبنا منه أن يسافر معنا إلى قصطمونية، وبينها وبين هذه البلدة مسيرة عشر، وكَسَوْتُه ثوبًا مصريًّا من ثيابي، وأعطيته نفقة تركها لعياله، وعَيَّنْتُ له دابة لركوبه ووعدته الخير، وسافر معنا فظهر لنا من حاله أنه صاحب مال كثير وله ديون على الناس، غير أنه ساقط الهمة خسيس الطبع سيئ الأفعال، وكنا نعطيه الدراهم لِنَفَقَتِنا فيأخذ ما يفضل من الخبز ويشتري به الأبزار والخضر والملح، ويمسك ثمن ذلك لنفسه، وذُكِرَ لي أنه كان يسرق من دراهم النفقة دون ذلك، وكنا نحتمله لما كنا نكابده من عَدَمِ المعرفة بلسان الترك، وانتهت حاله إلى أن فضحناه، وكنا نقول له في آخر النهار: يا حاج، كم سرقت اليوم من النفقة؟ فيقول: كذا، فنضحك منه ونرضى بذلك، ومن أفعاله الخسيسة أنه مات لنا فرس في بعض المنازل فتولى سلخ جلده بيده وباعه، ومنها أنا نزلنا ليلةً عند أخت له في بعض القرى، فجاءت بطعام وفاكهة من الإِجَّاص والتفاح والمشمش والخوخ وكلها ميبسة، وتُجْعَل في الماء حتى ترطب فتؤكل ويُشْرَب ماؤها، فأَرَدْنَا أن نُحْسِنَ إليها فعلم بذلك فقال: لا تعطوها شيئًا وأعطوا ذلك لي، فأعطيناه إرضاء له وأعطيناها إحسانًا في خفية بحيث لم يعلم بذلك.
ثم وصلنا إلى مدينة بولي (وضبط اسمها بباء موحدة مضمومة وكسر اللام)، ولما انتهينا إلى قريب منها وجدنا واديًا يظهر في رأي العين صغيرًا، فلما دخله بعض أصحابنا وجدوه شديد الجرية والانزعاج فجازوه جميعًا وبقيت جارية صغيرة خافوا من تجويزها، وكان فرسي خيرًا من أفراسهم فأردفْتُها وأخذت في جواز الوادي، فلما توسطته وَقَعَ بي الفرس ووقَعَت الجارية فأخرجها أصحابي وبها رَمَقٌ وخلصت أنا، ودخلنا المدينة فقصد زاوية أحد الفتيان الأخية، ومن عوائدهم أنه لإنزال النار موقدة في زواياهم أيام الشتاء أبدًا يجعلون في كل ركن من أركان الزاوية موقدًا للنار، ويصنعون لها مَنَافِسَ يصعد منها الدخان ولا يؤذي الزاوية ويسمونها البخاري واحدها بخيري، قال ابن جزي: وقد أحسن صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلي في قوله في التورية وتذكرته بذكر البخيري:
إن البخيري مذ فارقتموه غدايحثو الرماد على كانونه الترب
لو شئتمُ أنه يمسي أبا لَهَبٍجاءت بغالكمُ حمالة الحطبِ
(رجع)، قال: فلما دخلنا الزاوية وجدنا النار موقودة، فنزعت ثيابي ولبست ثيابًا سواها واصطليت بالنار، وأتى الأخي بالطعام والفاكهة وأكثر من ذلك فلله درهم من طائفة ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم وأعظم شفقتهم على الغريب وألطفهم بالوارد وأحبهم فيه وأجملهم احتفالًا بأمره، فليس قدوم الإنسان الغريب عليهم إلا كقدومه على أحبِّ أهله إليه، وبتنا تلك الليلة بحال مرضية، ثم رحلنا بالغداة فوصلنا إلى مدينة كردي بولي (وضبط اسمها بكاف معقودة وفتح الراء والدال المهمل وسكون الياء وباء موحدة مضمومة وواو مد ولام مكسورة وياء)، وهي مدينة كبيرة في بسيط من الأرض حسنة متسعة الشوارع والأسواق من أشد البلاد بردًا، وهي محلات مفترقة كل محلة تسكنها طائفة لا يخالطهم غيرهم.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع