من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر سلطانها
وهو السلطان شاه بك من متوسطي سلاطين هذه البلاد، حسن الصورة والسيرة جميل الخلق قليل العطاء، صلينا بهذه المدينة صلاة الجمعة ونزلنا بزاوية منها ولقيت بها الخطيب الفقيه شمس الدين الدمشقي الحنبلي وهو من مستوطنيها منذ سنين وله بها أولاد، وهو فقيه هذا السلطان وخطيبه ومسموع الكلام عنده، ودَخَلَ علينا هذا الفقيه بالزاوية فأَعْلَمَنَا أن السلطان قد جاء لزيارتنا، فشكرْتُه على فِعْله واستقبلت السلطان فسلَّمْتُ عليه، وجلس فسألني عن حالي وعن مقدمي وعمن لقيته من السلاطين، فأخبرته بذلك كله، وأقام ساعة ثم انصرف وبعث بدابة مسرجة وكسوة، وانصرفنا إلى مدينة برلو (وضبط اسمها بضم الباء الموحدة وإسكان الراء وضم اللام)، وهي مدينة صغيرة على تل تحتها خندق ولها قلعة بأعلى شاهق نزلنا منها بمدرسة فيها حسنة، وكان الحاج الذي سافر معنا يَعْرِف مُدَرِّسَها وطَلَبَتَها ويحضر معهم الدرس، وهو على علاته من الطلبة حنفي المذهب، ودعانا أمير هذه البلدة، وهو علي بك ابن السلطان المكرم سليمان بادشاه ملك قصطمونية وسنذكره، فصعدنا إليه إلى القلعة فسلمنا عليه فرحب بنا وأَكْرَمَنَا، وسألني عن أسفاري وحالي فأجبته عن ذلك، وأجلسني إلى جانبه، وحضر قاضيه وكاتبه الحاج علاء الدين محمد وهو من كبار الكتاب، وحضر الطعام فأكلنا، ثم قرأ القراء بأصوات مُبْكِيَة وألحان عجيبة.
وانصرفنا وسافرنا بالغد إلى مدينة قصطمونية (وضبط اسمها بقاف مفتوح وصاد مهمل مسكن وطاء مهمل مفتوح وميم مضمومة وواو ونون مكسور وياء آخر الحروف)، وهي من أعظم المدن وأحسنها، كثيرة الخيرات رخيصة الأسعار، نزلنا منها بزاوية شيخ يُعْرَف بالأطروش لثقل سمعه، ورأيت منه عجبًا، وهو أن أحد الطلبة كان يكتب له في الهواء وتارة في الأرض بأصبعه فيفهم عنه ويجيبه ويحكي له بذلك الحكايات فيفهمها، وأقمنا بهذه المدينة نحو أربعين يومًا، فكنا نشتري طابق اللحم الغنمي السمين بدرهمين، ونشتري خبزًا بدرهمين فيكفينا ليومنا ونحن عشرة، ونشتري حلواء العسل بدرهمين فتكفينا أجمعين، ونشتري جوزًا بدرهم وقسطلًا بمثله فنأكل منها أجمعون ويفضل باقيها، ونشتري حِمْل الحطب بدرهم واحد وذلك أوان البرد الشديد، ولم أَرَ في البلاد مدينة أرخص أسعارًا منها، ولقيت بها الشيخ الإمام العالِم المفتي المدرس تاج الدين السلطانيوكي من كبار العلماء، قرأ بالعراقين وتبريز واستوطنها مدة، وقرأ بدمشق وجاور بالحرمين قديمًا، ولقيت بها العالم المدرس صدر الدين سليمان الفنيكي من أهل فنيكة من بلاد الروم، وأضافني بمدرسته التي بسوق الخيل، ولقيت بها الشيخ المعمر الصالح دادا أمير علي دخلت عليه بزاويته بمقربة من سوق الخيل، فوجدته ملقًى على ظهره فأجلسه بعض خدامه ورَفَعَ بعضهم حاجبيه عن عينيه ففتحهما وكَلَّمَني بالعربي الفصيح وقال: قَدِمْتَ خير مَقْدِم، وسألته عن عمره فقال: كُنْتُ من أصحاب الخليفة المستنصر بالله، وتوفي وأنا ابن ثلاثين سنة، وعمري الآن مائة وثلاث وستون، فطَلَبْتُ منه الدعاء فدعا لي وانصرفت.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع