تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان قصطمونية

وهو السلطان المكرم سليمان بادشاه (واسمه بباء معقودة وألف ودال مسكن)، وهو كبير السن ينيف على سبعين سنة، حسن الوجه طويل اللحية صاحب وقار وهيبة يجالسه الفقهاء والصلحاء، دَخَلْتُ عليه بمجلسه فأجلسني إلى جانبه وسألني عن حالي ومقدمي وعن الحرمين الشريفين ومصر والشام فأجبته، وأمر بإنزالي على قرب منه وأعطاني ذلك اليوم فرسًا عتيقًا قرطاسي اللون وكسوة، وعَيَّنَ لي نفقة وعلفًا وأَمَرَ لي بعد ذلك بقمح وشعير نفذ لي في قرية من قرى المدينة على مسيرة نصف يوم منها، فلم أجد من يشتريه لرخص الأسعار، فأعطيته للحاج الذي كان في صحبتنا، ومن عادة هذا السلطان أن يجلس كل يوم بمجلسه بعد صلاة العصر ويؤتى بالطعام فتفتح الأبواب ولا يُمْنَع أحد من حضريٍّ أو بدويٍّ أو غريب أو مسافر من الأكل، ويجلس في أول النهار جلوسًا خاصًّا ويأتي ابنه فيُقَبِّل يديه وينصرف إلى مجلس له، ويأتي أرباب الدولة فيأكلون عنده وينصرفون.

ومن عادته في يوم الجمعة أن يركب إلى المسجد وهو بعيد عن داره، والمسجد المذكور وهو ثلاث طبقات من الخشب فيصلي السلطان وأرباب دولته والقاضي والفقهاء ووجوه الأجناد في الطبقة السفلى، ويصلي الأفندي وهو أخو السلطان وأصحابه وخدامه وبعض أهل المدينة في الطبقة الوسطى، ويصلي ابن السلطان وليُّ عهده — وهو أصغر أولاده ويُسَمَّى الجواد — وأصحابه ومماليكه وخُدَّامه وسائر الناس في الطبقة العليا، ويجتمع القراء فيقعدون حلقة أمام المحراب ويقعد معهم الخطيب والقاضي، ويكون السلطان بإزاء المحراب، ويقرءون سورة الكهف بأصوات حسان ويكررون الآيات بترتيب عجيب، فإذا فرغوا من قراءتها صعد الخطيب المنبر فخطب ثم صلى، فإذا فرغوا من الصلاة تنقلوا وقرأ القارئ بين يدي السلطان عشرًا وانصرف السلطان ومَنْ مَعَهُ، ثم يقرأ القارئ بين يدي أخي السلطان، فإذا أَتَمَّ قراءته انصرف هو ومن معه، ثم يقرأ القارئ بين يدي ابن السلطان، فإذا فَرَغَ من قراءته قام المعرف وهو المذكر فيمدح السلطان بشعر تركي ويمدح ابنه ويدعو لهما وينصرف، ويأتي ابن الملك إلى دار أبيه بعد أن يُقَبِّل يد عَمِّه في طريقه وعَمُّه واقف في انتظاره، ثم يدخلان إلى السلطان فيتقدم أخوه ويُقَبِّل يده ويجلس بين يديه، ثم يأتي ابنه فيُقَبِّل يده وينصرف إلى مجلسه فيقعد به مع ناسه، فإذا حانت صلاة العصر صلوها جميعًا، وقَبَّل أخو السلطان يَدَه وانصرف عنه فلا يعود إليه إلا في الجمعة الأخرى، وأما الولد فإنه يأتي كل يوم غدوة كما ذكرناه.

ثم سافرنا من هذه المدينة ونزلنا في زاوية عظيمة بإحدى القرى من أحسن زاوية رأيتها في تلك البلاد بناها أمير كبير تاب إلى الله تعالى يُسَمَّى فخر الدين، وجعل النظر فيها لولده والأشراف ولمن أقام بالزاوية من الفقراء، وفوائد القرية وَقْف عليها، وبنى بإزاء الزاوية حمامًا للسبيل يدخله الوارد والصادر من غير شيء يلزمه، وبنى سوقًا بالقرية ووقفه على المسجد الجامع، وعَيَّنَ من أوقاف هذه الزاوية لكل فقير يَرِدُ من الحرمين الشريفين أو من الشام ومصر والعراقين وخراسان وسواها كسوة كاملة ومائة درهم يوم قدومه وثلاثمائة درهم يوم سفره، والنفقة أيام مقامه وهي الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء، ولكل فقير من بلاد الروم عشرة دراهم وضيافة ثلاثة أيام، ثم انصرفنا وبِتْنا ليلةً ثانية بزاوية في جبل شامخ لا عمارة فيه، عمرها بعض الفتيا الأخية ويُعْرَف بنظام الدين من أهل قصطمونية، ووَقَفَ عليها قرية يُنْفَق خراجها على الوارد والصادر بهذه الزاوية، وسافرنا من هذه الزاوية إلى مدينة صنوب (وضبط اسمها بفتح الصاد وضم النون وآخره باء)، وهي مدينة حافلة جَمَعَتْ بين التحصين والتحسين، يحيط بها البحر من جميع جهاتها إلا واحدة وهي جهة الشرق، ولها هنالك باب واحد لا يَدْخُل إليها أحد إلا بإذن أميرها، وأميرها إبراهيم بك ابن السلطان سليمان بادشاه الذي ذكرناه، ولما استؤذن لنا عليه دَخَلْنَا البلد، ونزلنا بزاوية عز الدين أخي جلبي وهي خارج باب البحر.

ومن هناك يُصْعَد إلى جبل داخل في البحر كمينا سبتة فيه البساتين والمزارع والمياه وأكثر فواكه التين والعنب، وهو جبل مانع لا يستطاع الصعود إليه وفيه إحدى عشرة قرية يسكنها كفار الروم تحت ذمة المسلمين وبأعلاه رابطة تُنْسَب للخضر وإلياس عليهما السلام لا تخلو عن متعبِّد، وعندها عين ماء والدعاء فيها مستجاب، وبسفح هذا الجبل قبر الولي الصالح الصحابي بلال الحبشي، وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر، والمسجد الجامع بمدينة صنوب من أحسن المساجد، وفي وسطه بِرْكة ماء عليها قبة تُقِلُّها أربع أرجل، ومع كل رجل ساريتان من الرخام وفوقها مجلس يُصْعَد له على دَرَج خشب، وذلك من عمارة السلطان بروانة ابن السلطان علاء الدين الرومي، وكان يصلي الجمعة بأعلى تلك القبة، ومَلَكَ بعده ابنه غازي جلبي فلما مات تَغَلَّبَ عليها السلطان سليمان المذكور، وكان غازي جلبي المذكور شجاعًا مقدامًا، ووهبه الله خاصية في الصبر تحت الماء وفي قوة السباحة، وكان يسافر في الأجفان الحربية لحرب الروم، فإذا كانت الملاقاة واشتغل الناس بالقتال غاص تحت الماء وبيده آلة حديد يخرق بها أجفان العدو فلا يشعرون بما حل بهم حتى يدهمهم الغرق، وطرقت مرسى بَلَدِهِ مرة أجفان العدو فخَرَقَها وأَسَرَ من كان فيها، وكانت فيه كفاية لا كفاء لها؛ إلا أنهم يَذْكُرون أنه كان يُكْثِر أَكْل الحشيش وبسببه مات، فإنه خرج يومًا للتصيد وكان مولعًا به، فاتبع غزالة ودَخَلَتْ له بين أشجار وزاد في رَكْض فرسه فعارضته شجرة فضربت رأسه فشدخته فمات، وتَغَلَّبَ السلطان سليمان على البلد وجَعَلَ به ابنه إبراهيم، ويقال: إنه أيضًا يأكل ما كان يأكله صاحبه على أن أهل بلاد الروم كلها لا ينكرون أكلها، ولقد مررْتُ يومًا على باب الجامع بصنوب وبخارجه دكاكين يقعد الناس عليها، فرأيت نفرًا من كبار الأجناد وبين أيديهم خديم لهم بيده شكارة مملوءة بشيء يشبه الحناء، وأحدهم يأخذ منها بمعلقة ويأكل وأنا أنظر إليه ولا عِلْمَ لي بما في الشكارة، فسألت مَنْ كان معي، فأخبرني أنه الحشيش، وأضافنا بهذه المدينة قاضيها ونائب الأمير بها ومعلمه ويُعْرَف بابن عبد الرزاق.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.