تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان قصطمونية: حكاية

لما دخلنا هذه المدينة رآنا أهلها ونحن نصلي مُسْبِلي أيدينا، وهم حنفية لا يَعْرِفون مذهب مالك ولا كيفية صلاته، والمختار من مذهبه هو إسبال اليدين، وكان بعضهم يرى الروافض بالحجاز والعراق يصلون مُسْبِلي أيديهم، فاتهمونا بمذهبهم، وسألونا عن ذلك فأخبرناهم أننا على مذهب مالك، فلم يقنعوا بذلك منا، واستقرت التهمة في نفوسهم حتى بعث إلينا نائب السلطان بأرنب وأوصى بَعْضَ خُدَّامه أن يلازمنا حتى يرى ما نفعل به، فذبحناه وطبخناه وأكلناه، وانصرف الخديم إليه وأَعْلَمَهُ بذلك، فحينئذٍ زالت عنا التُّهمة وبعثوا لنا بالضيافة، والراوفض لا يأكلون الأرنب، وبعد أربعة أيام من وصولنا إلى صنوب تُوُفِّيَتْ أم الأمير إبراهيم فخرجْتُ في جنازتها، وخرج ابنها على قدميه كاشفًا شعره، وكذلك الأمراء والمماليك وثيابهم مقلوبة، وأما القاضي والخطيب والفقهاء فإنهم قلبوا ثيابهم ولم يكشفوا رءوسهم، بل جعلوا عليها مناديل من الصوف الأسود عوضًا عن العمائم، وأقاموا يطعمون الطعام أربعين يومًا وهي مدة العزاء عندهم، وكانت إقامتنا بهذه المدينة نحو أربعين يومًا ننتظر تيسير السفر في البحر إلى مدينة القرم، فاكترينا مركبًا للروم وأقمنا أحد عشر يومًا ننتظر مساعدة الريح، ثم رَكِبْنَا البحر فلما توسطناه بعد ثلاثٍ هالَ علينا واشتد بنا الأمر ورأينا الهلاك عيانًا، وكنت بالطارمة ومعي رجل من أهل المغرب يسمى أبا بكر، فأمرْتُه أن يصعد إلى أعلى المركب لينظر كيف البحر ففعل ذلك وأتاني بالطارمة، فقال لي: أستودعكم الله، ودهمنا من الهول ما لم يُعْهَد مثله، ثم تغيرت الريح وردَّتْنا إلى مقربة من مدينة صنوب التي خرجنا منها، وأراد بعض التجار النزول إلى مرساها فمَنَعْتُ صاحب المركب من إنزاله ثم استقامت الريح وسافرنا، فلما توسطنا البحر هالَ علينا وجرى لنا مثل المرة الأولى.

ثم ساعدت الريح ورأينا جبال البر وقصدنا مرسًى يسمى الكرش، فأردنا دخوله فأشار إلينا أناس كانوا بالجبل أن لا تدخلوا، فخِفْنَا على أنفسنا وظننا أن هنالك أجفانًا للعدو فرجعنا مع البر، فلما قربناه قلت لصاحب المركب أريد أن أنزل ها هنا فأنزلني بالساحل، ورأيت كنيسة فقصدْتُها فوجدت بها راهبًا، ورأيت في أحد حيطان الكنيسة صورة رجل عربي عليه عمامة متقلد سيفًا وبيده رمح وبين يديه سراج يوقد، فقلت للراهب: ما هذه الصورة؟ فقال: هذه صورة النبي علي، فأُعْجِبْتُ من قوله، وبِتْنَا تلك الليلة بالكنيسة وطبخنا دجاجًا فلم نَسْتَطِعْ أكلها إذ كانت مما استصحبناه في المركب ورائحة البحر قد غَلَبَتْ على كل ما كان فيه، وهذا الموضع الذي نزلنا به هو من الصحراء المعروفة بدشت قفجق (والدشت بالشين المعجم والتاء المثناة) بلسان الترك هو الصحراء، وهذه الصحراء خضرة نضرة لا شجر بها ولا جبل ولا تل ولا أبنية ولا حطب، وإنما يوقدون الأرواث ويسمونها الترك (بالزاي المفتوح) فترى كبراءهم يلقطونها ويجعلونها في أطراف ثيابهم، ولا يسافَر في هذه الصحراء إلا في العجل وهي مسيرة ستة أشهر؛ ثلاثة منها في بلاد السلطان محمد أوزبك وثلاثة في بلاد غيره، ولما كان الغد من يوم وصولنا إلى هذه المرسى تَوَجَّهَ بعض التجار من أصحابنا إلى مَنْ بهذه الصحراء من الطائفة المعروفة بقفجق وهم على دين النصرانية، فاكترى منهم عجلة يجرها الفرس فركبناها، ووصلنا إلى مدينة الكفا (واسمها بكاف وفاء مفتوحتين)، وهي مدينة عظيمة مستطيلة على ضفة البحر يسكنها النصارى وأكثرهم الجنويون ولهم أمير يُعْرَف بالدندير، ونزلنا منها بمسجد المسلمين.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.