تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان قصطمونية: حكاية (٢)

ولما نزلنا بهذا المسجد أقمنا ساعة ثم سمعنا أصوات النواقيس من كل ناحية، ولم أكن سَمِعْتُها قطُّ فهالني ذلك، وأمرت أصحابي أن يصعدوا الصومعة ويقرءوا القرآن ويَذْكُروا الله ويؤذنوا ففعلوا ذلك، فإذا برجل قد دَخَلَ علينا وعليه الدرع والسلاح فسَلَّمَ علينا واستفهمناه عن شأنه، فأخبرنا أنه قاضي المسلمين هنالك، وقال: لما سمعت القراءة والأذان خِفْتُ عليكم فجئت كما ترون، ثم انصرف عنا وما رأينا إلا خيرًا، ولما كان من الغد جاء إلينا الأمير وصنع طعامًا فأكلنا عنده، وطفنا بالمدينة فرأيناها حسنة الأسواق وكُلُّهم كُفَّار، ونزلنا إلى مرساها فرأينا مرسًى عجيبًا به نحو مائتي مركب ما بين حَرْبِيٍّ وسَفَرِيٍّ صغيرًا وكبيرًا، وهو من مراسي الدنيا الشهيرة، ثم اكترينا عجلة وسافرنا إلى مدينة القرم وهي (بكسر القاف وفتح الراء)، مدينة كبيرة حسنة من بلاد السلطان المعظم محمد أوزبك خان وعليها أمير من قِبَلِه اسمه تلكتمور، وضبط اسمه (بتاء مثناة مضمومة ولام مضموم وكاف مسكن وتاء كالأولى مضمومة وميم مضمومة وواو وراء)، وكان أَحَدَ خُدَّام هذا الأمير قد صَحِبَنَا في طريقنا، فعَرَّفَه بقدومنا فبعث إلي مع إمامه سعد الدين بفرس، ونزلنا بزاوية شيخها زاده الخراساني، فأَكْرَمَنَا هذا الشيخ ورَحَّبَ بنا وأَحْسَنَ إلينا وهو مُعَظَّم عندهم، ورأيت الناس يأتون للسلام عليه من قاضٍ وخطيب وفقيه وسواهم، وأخبرني هذا الشيخ زاده أنَّ بخارج هذه المدينة راهبًا من النصارى في دير يُتَعَبَّد به ويُكْثَر الصوم، وأنه انتهى إلى أن يواصل أربعين يومًا ثم يفطر على حبة فول، وأنه يكاشف بالأمور، ورغب مني أن أصحبه في التوجه إليه فأَبَيْتُ، ثم ندمت بعد ذلك على أن لم أكن رأيته وعرفْتُ حقيقة أَمْرِه، ولقيتُ بهذه المدينة قاضيها الأعظم شمس الدين السائلي قاضي الحنفية، ولقيت بها قاضي الشافعية وهو يُسَمَّى بخضر والفقيه المدرس علاء الدين الأصي وخطيب الشافعية أبا بكر وهو الذي يخطب بالمسجد الجامع الذي عَمَرَهُ الملك الناصر رحمه الله بهذه المدينة، والشيخ الحكيم الصالح مظفر الدين وكان من الروم فأَسْلَمَ وحَسُنَ إسلامه، والشيخ الصالح العابد مظهر الدين وهو من الفقهاء المعظمين، وكان الأمير تلكتمور مريضًا فدخلنا عليه فأَكْرَمَنا وأَحْسَنَ إلينا، وكان عليَّ التوجه إلى مدينة السرا حضرة السلطان محمد أوزبك فعَمِلْتُ في السير في صحبته واشتريت العجلات برسم ذلك.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.