من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر الخاتون الكبرى
والخاتون الكبرى هي الملكة أولدي السلطان جان بك وتين بك وسنذكرهما وليست أم ابنته إيت كججك وأمها كانت الملكة قبل هذه، واسم هذه الخاتون طيطغلي (بفتح الطاء المهملة الأولى وإسكان الياء آخر الحروف وضم الطاء الثانية وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام وياء مد)، وهي أحظى نساء هذا السلطان عنده، وعندها يبيت أكثر لياليه ويُعَظِّمها الناس بسبب تعظيمه لها، وإلا فهي أبخل الخواتين، وحَدَّثَنِي مَنْ أَعْتَمِدُه مِن العارفين بأخبار هذه الملكة أن السلطان يحبها للخاصية التي فيها، وهي أنه يَجِدُها كُلَّ ليلة كأنها بِكْر، وذَكَرَ لي غيره أنها من سلالة المرأة التي يُذْكَر أن المُلْكَ زال عن سليمان عليه السلام بسببها، ولما عاد إليه مُلْكُه أَمَرَ أن توضع بصحراء لا عمارة فيها فوُضِعَتْ بصحراء قفجق، وأن رحم هذه الخاتون شبه الحلقة خِلْقَةً، وكذلك كل مَنْ هو من نسل المرأة المذكورة، ولم أَرَ بصحراء قفجق ولا غيرها من أخبر أنه رأى امرأة على هذه الصورة ولا سَمِعَ بها إلا هذه الخاتون، اللهم إلا أن بعض أهل الصين أخبرني أن بالصين صنفًا من نسائها على هذه الصورة، ولم يقع بيدي ذلك ولا عرفت له حقيقة، وفي غَدِ اجتماعي بالسلطان دَخَلْتُ إلى هذه الخاتون، وهي قاعدة فيما بين عشر من النساء القواعد كأنهن خديمات لها، وبين يديها نحو خمسين جارية صغارًا يُسَمَّوْن البنات، وبين أيديهن طيافير الذهب والفضة مملوءة يحب الملوك وهن ينقينه، وبين يدي الخاتون صينية ذهب مملوءة منه وهي تُنَقِّيه، فسَلَّمْنا عليها وكان في جملة أصحابي قارئ يقرأ القرآن على طريقة المصريين بطريقة حسنة وصوت طيب فقرأ، ثم أَمَرَتْ أن يؤتى بالقمز فأُتِيَ به في أقداح خشب لطاف خفاف، فأخذت القدح بيدها وناوَلَتْنِي إياه، وتلك الكرامة عندهم، ولم أكن شَرِبْتُ القمز قبلها، ولكن لم يمكني إلا قبوله، وذُقْتُه ولا خير فيه ودَفَعْتُه لأحد أصحابي، وسألَتْنِي عن كثيرٍ مِنْ حال سفرنا فأجبناها ثم انصرفنا عنها، وكان ابتداؤنا بها لأجل عظمتها عند الملك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع