من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر فرار أمير بخت وأخذه
وكان السلطان قد وَجَدَ على أمير بخت الملقب بشرف الملك أحد الذين وفدوا معنا على السلطان، فحط مرتبه من أربعين ألفًا إلى ألف واحد، وبعثه في خدمة الوزير إلى دهلي، واتفق أن مات أمير عبد الله الهروي في الوباء في التلنك، وكان ماله عند أصحابه بدهلي، فاتفقوا مع أمير بخت على الهروب، فلما خرج الوزير من دهلي إلى لقاء السلطان هربوا مع أمير بخت وأصحابه، ووصلوا إلى أرض السند في سبعة أيام وهو مسيرة أربعين يومًا، وكان معهم الخيل مجنوبة، وعزموا على أن يقطعوا نهر السند عومًا، ويركب أمير بخت وولده ومن لا يحسن العوم في معدية قصب يصنعونها، وكانوا قد أعدوا حبالًا من الحرير برسم ذلك، فلما وصلوا إلى النهر خافوا من عبوره بالعوم، فبعثوا رجلين منهم إلى جلال الدين صاحب مدينة أوجة فقالا له: إنَّ ها هنا تجَّارًا أرادوا أن يعبروا النهر، وقد بعثوا إليك بهذا السرج لتبيح لهم الجواز، فأنكر الأمير أن يعطي التجار مثل ذلك السرج، وأمر بالقبض على الرجلين ففر أحدهما، ولحق بشرف الملك وأصحابه وهم نيام لما لحقهم من الإعياء ومواصلة السهر، فأخبرهم الخبر فركبوا مذعورين وفروا، وأمر جلال الدين بضرب الرجل الذي قُبِضَ عليه، فاعترف بقضية شرف الملك، فأمر جلال الدين نائبه فركب في العسكر وقصدوا نحوهم فوجدوهم قد ركبوا، فاقتفوا أثرهم فأدركوهم، فرموا العسكر بالنشاب.
ورمى طاهر بن شرف الملك نائب الأمير جلال الدين بسهم فأثبته في ذراعه وغلب عليهم، فأتى بهم إلى جلال الدين فقيدهم، وغَلَّ أيديهم، وكتب إلى الوزير في شأنهم، فأَمَرَهُ الوزير أن يبعثهم إلى الحضرة، فبعثهم إليها وسُجِنُوا بها، فمات طاهر في السجن، فأمر السلطان أن يضرب شرف الملك مائة مقرعة في كل يوم، فبقي على ذلك مدة ثم عفا عنه، وبعث مع الأمير نظام الدين أمير نجلة إلى بلاد جنديري، فانتهت حاله إلى أن كان يركب البقر، ولم يكن له فرس يركبه، وأقام على ذلك مدة، ثمَّ وفد ذلك الأمير على السلطان وهو معه، فجعله السلطان شاشنكيرة (جا شنكير)، وهو الذي يقطع اللحم بين يدي السلطان ويمشي مع الطعام، ثمَّ إنه بعد ذلك نوه به ورفع مقداره، وانتهت حاله إلى أن مرض فزاره السلطان وأمر بوزنه بالذهب وأعطاه ذلك، وقد قدمنا هذه الحكاية في السفر الأول، وبعد ذلك زوجه بأخته، وأعطاه بلاد جنديري التي كان بها البقر في خدمة الأمير نظام الدين، فسبحان مقلب القلوب ومحول الأحوال.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع