تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر خروج السلطان بنفسه إلى كنباية

ولما بلغ السلطان ما فعله الأفغان بكنباية ودولة آباد خرج بنفسه، وعزم على أن يبدأ بكنباية ثم يعود إلى دولة آباد، وبعث أعظم ملك البايزيدي صهره في أربعة آلاف مقدمة، فاستقبلَتْه عساكر القاضي جلال فهزموه وحصروه ببلوذرة وقاتَلوه بها، وكان في عسكر القاضي جلال شيخٌ يسمى جلول وهو أحد الشجعان، فلا يزال يفتك في العساكر ويقتل ويطلب المبارزة، فلا يتجاسر أحد على مبارزته، واتفق يومًا أنه دفع فرسه فكبا به في حفرة فسقط عنه وقُتِلَ ووجدوا عليه درعين، فبعثوا برأسه إلى السلطان، وصلبوا جسده بسور بلوذرة، وبعثوا يديه ورجليه إلى البلاد، ثم وصل السلطان بعساكره، فلم يكن للقاضي جلال من ثبات، ففر في أصحابه، وتركوا أموالهم وأولادهم، فنهب ذلك كله، ودخلت المدينة وأقام بها السلطان أيامًا، ثم رحل عنها، وترك بها صهره شرف الملك أمير بخت الذي قدمنا ذكره وقضية فراره، وأخذه بالسند وسجنه، وما جرى عليه من الذل ثمَّ من العز، وأمره بالبحث عمن كان في طاعة جلال الدين وترك معه الفقهاء ليحكم بأقوالهم فأدى ذلك إلى قتل الشيخ علي الحيدري حسبما قدمناه، ولما هرب القاضي جلال لحق بناصر الدين بن ملك مل بدولة آباد ودخل في جملته فأتى السلطان بنفسه إليهم واجتمعوا في نحو أربعين ألفًا من الأفغان والترك والهنود والعبيد وتحالفوا على ألَّا يفروا، وأن يقاتلوا السلطان، وأتى السلطان لقتالهم، ولم يرفع الشطر الذي هو علامة عليه، فلما استحر القتال رفع الشطر فلما عاينوه دهشوا، وانهزموا أقبح هزيمة، ولجأ ابن ملك مل والقاضي جلال في نحو أربعمائة من خواصهما إلى قلعة الدويقير وسنذكرها، وهي من أمنع قلعة في الدنيا، واستقر السلطان بمدينة دولة آباد الدويقير وهي قلعتها، وبعث لهم أن ينزلوا على حكمه، فأبوا أن ينزلوا إلا على الأمان، فأبى السلطان أن يؤمنهم، وبعث لهم الأطعمة تهاونًا بهم، وأقام هنالك وعلى ذلك آخر عهدي بهم.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.