تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر وصول الأمر الكريم إلي

ولما عُدْتُ إلى تكدا وَصَلَ غلام الحاج محمد بن سعيد السجلماسي بأمر مولانا أمير المؤمنين وناصر الدين المتوكل على رب العالمين آمِرٌ إِلَيَّ بالوصول إلى حضرته العلية، فقَبِلْتُه وامتثلته على الفور، واشتريت جملين لركوبي بسبعة وثلاثين مثقالًا وثلث، وقَصَدْتُ السفر إلى توات، ورفعت زاد سبعين ليلة إذ لا يوجد الطعام فيما بين تكدا وتوات، إنما يُوجَد اللحم واللبن والسمن يشترى بالأثواب، وخرجت من تكدا يوم الخميس الحادي عشر لشعبان سنة أربع وخمسين في رفقة كبيرة، فيهم الجعفر التواني وهو من الفضلاء، ومعنا الفقيه محمد بن عبد الله قاضي تكدا وفي الرفقة نحو ستمائة خادم، فوصلنا إلى كاهر من بلاد السلطان الكركي، وهي أرض كثيرة الأعشاب يشتري بها الناس من برابرها الغنم، ويُقَدِّدون لحمها ويحمله أهل توات إلى بلادهم، ودخلنا منها إلى بَرِّيَّة لا عمارة بها ولا ماء، وهي مسيرة ثلاثة أيام، ثم سرنا بعد ذلك خمسة عشر يومًا في برية لا عمارة بها إلا أن بها الماء، ووصلنا إلى الموضع الذي يفترق به طريق غات الآخذ إلى ديار مصر وطريق توات، وهنالك أحساء ماء يجري على الحديد، فإذا غُسل به الثوب الأبيض اسود لونه، وسرنا من هنالك عشرة أيام ووصلنا إلى بلاد هكار وهم طائفة من البربر مثلمون لا خير عندهم، ولقينا أحد كبرائهم فحبس القافلة حتى غرموا له أثوابًا وسواها، وكان وصولنا إلى بلادهم في شهر رمضان وهم لا يغيرون فيه ولا يعترضون القوافل وإذا وجد سراقها المتاع بالطريق في رمضان لم يعرضوا له، وكذلك جميع من بهذه الطريق من البرابر، وسرنا في بلاد هكار شهرًا وهي قليلة النبات كثيرة الحجارة طريقها وعر، ووصلنا يوم عيد الفطر إلى بلاد برابر أهل لثام كهؤلاء، فأخبرونا بأخبار بلادنا، وأعلمونا أن أولاد خراج وابن يغمور خالفوا وسكنوا تسابيت من توات، فخاف أهل القافلة من ذلك.

ثم وصلنا إلى بُوَاد (بضم الباء الموحدة)، وهي من أكبر قرى توات، وأرضها رمال وسباخ وتمرها كثير ليس بطيب، لكن أهلها يفضلونه على تمر سجلماسة، ولا زرع بها ولا سمن ولا زيت، وإنما يُجْلَب لها ذلك من بلاد المغرب، وأكل أهلها التمر والجراد وهو كثير عندهم يختزنونه كما يُختزن التمر ويقاتلون به ويخرجون إلى صيده قبل طلوع الشمس، فإنه لا يطير إذ ذاك لأجل البرد، وأقمنا ببودا أيامًا، ثم سافرنا في قافلة ووصلنا في أوسط ذي القعدة إلى مدينة سجلماسة وخرجت منها في ثاني ذي الحجة وذلك أوان البرد الشديد ونزل بالطريق ثلج كثير، ولقد رأيت الطرق الصعبة والثلج الكثير ببخارى وسمرقند وخراسان وبلاد الأتراك، فلم أَرَ أَصْعَبَ من طريق أم جنيبة، ووصلنا ليلة عيد الأضحى إلى دار الطمع، فأقمت هنالك يوم الأضحى، ثم خرجت فوصلنا إلى حضرة فارس حضرة مولانا أمير المؤمنين — أيده الله — فقبَّلت يده الكريمة وتيمنت بمشاهدة وجهه المبارك، وأقمت في كنف إحسانه بعد طول الرحلة، والله تعالى يُشْكَر ما أولانيه من جزيل إحسانه وسابغ امتنانه ويديم أيامه ويمتع المسلمين بطول بقائه، وههنا انتهت الرحلة المسماة تحفة النظار، في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، وكان الفراغ من تقييدها في ثالث ذي الحجة عام ستة وخمسين وسبعمائة، والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال ابن جزي: انتهى ما لخصْتُه من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بطوطة أَكْرَمَه الله، ولا يخفى على ذي عقل أن هذا الشيخ هو رحَّال العصر، ومن قال: رحال هذه الملة لم يُبْعِدْ، ولم يجعل بلاد الدنيا للرحلة، واتخذ حضرة فارس قرًّا ومستوطنًا بعد طول جولاته، إلا الماء لما تحقق أن مولانا — أيده الله — أعظم ملوكها شأنًا، وأَعَمَّهم فضائل، وأكرمهم إحسانًا، وأشدهم بالواردين عليه عناية، وأتمهم بمن ينتمي إلى طلب العلم حماية، فيجب على مثلي أن يحمد الله تعالى لأنْ وَفَّقَه في أول حاله وترحاله لاستيطان هذه الحضرة التي اختارها هذا الشيخ بعد رحله خمسة وعشرين عامًا، إنها لَنِعْمَة لا يُقْدَر قَدْرها ولا يُوفَى شُكْرُها، والله تعالى يرزقنا الإعانة على خدمة مولانا أمير المؤمنين، ويُبْقِي علينا ظِل حُرمته ورحمته، ويَجْزِيه عنا — معشر الغرباء المنقطعين إليه — أَفْضَلَ جزاء المحسنين، اللهم وكما فَضَّلْتَه على الملوك بفضيلَتَي العلم والدِّين، وخَصَصْتَه بالحلم والعقل الرصين، فمُدَّ لملكه أسباب التأييد والتمكين، وعَرِّفْه عوارف النصر العزيز والفتح المبين، واجعل الملك في عَقبِه إلى يوم الدين، وأَرِهِ قُرَّة العين في نفسه وبنيه وملكه ورعيته يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وكان الفراغ من تأليفها في شهر صفر عام سبعة وخمسين وسبعمائة.

يقول مصححه الراجي عَفْو ربه الكريم، ابن الشيخ حسن الفيومي إبراهيم: حمدًا لمن شَرَحَ صدور الأجلة الأَلُبَّاء؛ لاستكشاف ما في الأصقاع من العادات وجميل الأنباء، وصلاة وسلامًا على من أَطْلَعَهُ الله على ما كان، وأرسله إلى الثقلين من إنس وجان، وبعد، فقد تَمَّ طَبْع هذا السِّفْر المشتمل على معرفة عوائد الأقطار المُسَمَّى: «تحفة النُّظار، في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار» تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بابن بطوطة — رحمه الله — وذلك «بالمطبعة الأزهرية» الثابت محل إدارتها بشارع رقعة القمح رقم ٦ بجِوَارِ الرياض الأزهرية، وقد وَافَقَ التَّمَامُ أوائلَ شهر جمادى الثانية من عام ١٣٤٧ هجرية، عليه وعلى آله وأصحابه أتم صلاة وأزكى تحية، آمين.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.