من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
أشعار في وصف الذئب
قطعة في وصف الذئب:
حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، قال، قال أبو عبيدة: كان أول شعر قاله الفرزدق، أنه كان يرعى على أمّه وهو غلام، فغفل ذات يوم عن الغنم، فأغار الذئب على غنمه، فأخذ كبشا، فلما راح إلى أمه، لا مته لوما شديدا، فأنشأ يقول:
ألا يمتي يوما على ما أتت بهصروف الليالي والخطوب القوارع
فقلت لها فيئي إليك وأقصريفلوم الفتى سيف لوصليه قاطع
تلوم على أن صبّح الذئب ضأنهافألوى بكبش وهو في الرعي راتع
وقد مرّ حول بعد حول وأشهرعليه ببؤس وهو طيّان جائع
فلما رأى الإقتار عارا وأنّهأخو الموت من سدّت عليه المطالع
أغار على خوف فصادف غرّةولاقى التي كانت عليها المطامع
وما كنت مضياعا ولكنّ همّتيسوى الرعي مفطوما وإذ أنا يافع
أبيت أسوم النفس كلّ عظيمةإذا وطؤت بالمكثري المضاجع
وقال أبو عبيدة: نزل الفرزدق بالغريّين ومعه شاة مسلوخة، فأغار الذئب على بعضها، فانتبه القوم، فهرب ثم عاد، فألقى له منها ربعا، ثم قال في ذلك:
وليلة بتنا بالغريّين ضافناعلى الزاد ممشوق الذراعين أطلس
تلمّسنا حتى أتانا ولم [يزل]لدن ولدته أمّه يتلمّس
فقاسمته نصفين بيني وبينهبقيّة زادي والركائب نعّس
ولو أنّه إذ جاءنا كان دانيالألبسته لو أنّه كان يلبس
ولكن تنحّى جنبه بعد ما دنافكان كقيد الرّمح أو هو أنفس
وكان ابن ليلى إذ قرى الذئب زادهعلى طارق الظلماء لا يتعبّس
وحدثنا المبرد قال، قال أبو عبيدة: نزل الفرزدق بفلاة ليلا، فأوقد نارا، فأقبل نحوه ذئب فأطعمه من زاده، وقال:
وأطلس ممشوق الذراع بقفرةرفعت لناري ضوءها فأتاني
فلما دنا قلت ادن دونك إنّنيوإيّاك في زادي لمشتركان
فبتّ أسوّي الزاد بيني وبينهعلى ضوء نار مرّة ودخان
وقلت له لمّا تكشّر ضاحكاوقائم سيفي في يدي بمكان
تعال فان عاهدتني لا تخوننينكن مثل من ياذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتماأخيّين كانا أرضعا بلبان
ولو غيرنا نبّهت تلتمس القرىرماك بسهم أو شباة سنان
وأنشد لحميد بن ثور الهلالي:
ترى ربّة البهم الشفيقة عندنالقاضية من بهمها وهو ضائع
تلوم ولو كان ابنها رضيت بهإذا هبّ أرواح الشتاء الزعازع
ينام بإحدى مقلتيه ويتّقيبأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
ترى طرفيه يعسلان كلاهماكما اهتزّ عود الساسم المتتايع
طوي البطن إلا من مصير يبلّهدم الجوف أو سؤر من الحوض ناقع
إذا ما غدا يوما رأيت غيايةمن الطير ينظرن الذي هو صانع
وإن أجدبت أرض عليه فانّهبعزّة أخرى طيّب النفس قانع
وإن خاف من أرض عدوّا رمت بهمخافته والجانب المتواضع
وإن بات وحشا ليلة لم يضق بهاذراعا ولم يصبح لها وهو ضارع
وقال عوف بن محبوب النهشلي:
لعمري لئن أمسيت يا ذئب مقويامن الزاد قد أعيت عليك المذاهب
لبئس المرجّى قد عشوت لنارهأخو سفر قد منّه السير لاغب
عليك بأثلام الحفير وشانهففيه لمن يبغي الغوار مذاهب
فأقعى أمامي ثم طرّب قاعدالينجده عون عليّ وصاحب
وقمت إلى صفراء فرغ كأنّهاهلال بدا في خلبة الغيم ثاقب
وأسمر حشر قد بريت ورشتهله شعر ركّبن فيه نواشب
فسدّدت كفّي نحو ثغرة نحرهوقلت خذنها إنّ حتفك كارب
وأنشد لكعب بن زهير، وكان محارفا في ماله بعد أبيه، وكان أبوه موسعا عليه، كثير المال، فقيل له: ابتغ غنما ودع الإبل، فانها لا تزكو عندك، فقال:
يقول حيّاي من عوف ومن جشميا كعب ويحك لم لا تشترى غنما
من لي بهنّ إذا ما أزمة أزمتومن أويس إذا ما أنفه رذما
أخشى عليها كسوبا غير مدّخرعاري الأشاجع لا يشوي إذا ضغما
إن يغد في شيعة لم يثنه بهروإن غدا واحدا لم يتّق الظلما
إذا تولّى بلحم الشاة نبّذهأشلاء برد ولم يجعل لها وضما
وإن أغار فلم يظفر بطائلةفي ظلمة ابن جمير ساور الفطما
إذ لا تزال فريس أو مغبّبةصيداء تنشج من دون الدماغ دما
وأنشد:
يا ربّ ذئب طلّسان أهوجسراته مثل دخان العرفج
أشعرته قبل هج وهجهججيّاشة الأعلى قلوس المخرج
وقال راع لبني طهيّة يقال له الشعبي:
أشلت عنزي ومسحت قعبيصبّا على ماء بذيّ عذب
وقد تهيّأت لشرب قأبفي قعدتي ولست بالمقرنبي
إذ مرّ يهوي كرشاء الغربفآب وسط غنمي وأبّي
فقلت: يهياه فتاة كلبيللجانب المخالف الأتبّ
فقلت جوعا ونسيت ربّيوأعنز يأفزن إفز الأطبي
أمثل شيء ما ترى من شطبيمحنأ ظلوع كقداح القضب
في مثل أخلاق السّقاء الخشبتسعى بدأبي وألوى عجبي
وقال يعلى بن حسان العنبري:
اصبب على شاء أبي رباطثلاثة كالأقدح المراط
يضمن أهل الشاء في الخلاطتدنو إذا قيل لها يعاط
تنجو ولو من خلل الأمشاط
قال: شدّ الذئب على غنم أبي خراش الهذلي، فأخذ منها شاة، فجاءت امرأته وهو نائم فضربته برجلها، وقالت: قم لا أرقد الله عينك، قد أخذ الذئب الفلانة، قال: فأخذ قوسه ثم خرج يشتد في أثره، وهو يقول:
يا هل أتى عثمان من بين النّسمما فعل اليوم أويس في الغنم
تاح له في الريح مرّيخ أشمفاعتام منها لجبة غير قزم
آليتها يشتد شدي ذو قدموفي شمالي سمحة من النّسم
تئطّ في الكفّ إذا الرامي اعتزمتهزّم الشارق في أخرى النّعم
فأنهلته سلطة لها رذمدونكها فلا شوى ولا شرم
قد كنت أقسمت وواليت القسملأن رميت من قريب أو أمم
لأخضبنّ بعضك من بعض بدم
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع