تجاوز إلى المحتوى

من «نثار الأزهار في الليل والنهار» لابن منظور (ت ٧١١هـ)

مقدمة المؤلف

﷽

أحمد الله سبحانه على نعمه الباطنة والظاهرة. وأسأله الصلاة على سيدنا محمد وآله الغرة الطاهرة. وأصحابه العصبة الزاهرة. وأجدد حمدي على ما جبلني عليه من تتبع آثار العلماء. واقتفاء سنن الأدباء. وكنت في أيام الوالد ﵀ أرى تردد الفضلاء إليه. وتهافت الأدباء عليه. ورأيت الشيخ شرف الدين أحمد بن يوسف بن أحمد التيفاشي العبسي في جملتهم وأنا في سن الطفولة لا أدري ما يقولونه. ولا أشاركهم فيما يلقونه. غير أني كنت أسمعه يذكر للوالد كتاباً صنفه أفنى فيه عمره. واستغرق دهره. وإنه سماه (فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب). وأنه لم يجمع ما جمع فيه كتاب. وكنت على صغر السن أنكر تجاسره على هذا الاسم الذي عده الله ﷿ من النعمة. ومنَّ على نبيه بأنه أتاه فصل الخطاب مع الحكمة. وكنت شديد الشوق إلى الوقوف عليه. وتوفي الوالد ﵀ في سنة خمس وأربعين وستمائة وشغلت عن الكتاب وتوفي شرف الدين التيفاشي بعده بمدة فلما ذكرته بعد سنين وقد جاوزت الستين تطلبته من كل جهة. ورمته من كل وجهة. فلم أجد من يدلني عليه. ولا من يذكر أنه نظر إليه. فبذلت

الجهد في طلبه إلى أن ظفرت به عند شخص من أصحابه. فسعيت إلى بابه. وبذلت له جملة لم تكن في حسابه. فلم يسمح لي مع فقره ببيع ولا عارية. ولا استحسنت تملكه باليد العادية. وعدت إلى طلبه منه. واستعنت عليه بمن لا غنى له عنه. فلم يفد فيه سؤال ولا شفاعة. ولم يعط لنا فيه طاعة. إلى أن قدر الله تعالى تملكه في سنة تسعين وستمائة فرأيته مجرداً في مسودات وحرارات. وظهور وتخريجات. وقد جعله من تجزئة أربعين جزءاً لم أجد منها سوى ستة وثلاثين ربطة وهو في غاية الاختلال لسوء الحظ. وعدم الضبط. ولو لم يكن تكرر وقوفي على خطه في زمن الوالد وعرفت اصطلاحه في تعليقه لما قدرت على قراءة حرف منه غير أني عرفت طريقته في خطه واصطلاحه. وتحققت فساده من صلاحه. ووقفت منه على أوراق مفرقات ومفردات. وحرارات تفعل في مطالعها ما لا تفعل الزجاجات. فضممت ما وجدت منه بعضه إلى بعض. وأحرزته بتجليده من الأرضة والقرض. ورأيته قد جمع فيها أشياء لم يقصد بها سوى تكبير حجم الكتاب. ولم يراع فيه التكرار ولا ما تمجه أسماع ذوي الألباب. فاستخرت الله في تعليق ما يختار منه. ورغبت في إبرازه إلى الوجود فإن ما ذكرت بخطه لا يفهم أحد شيئاً عنه. فأخذت زبده. ورميت

زَبَدَه. وأوردت مكرره. وتركت مكرره. وبذلت في تنقيحه جهدي. وجعلته سميري أوقات هزلي وجدي. فإنه روضة المطالع. ونزهة القلوب والمسامع. ويسر به الخاطر. ويقربه الناظر. وإلى الله الرغبة في الصفح عن مصنفه وعني. والعفو عما صدر منا فإن العفو غاية التمني. وسميت هذا الكتاب (نثار الأزهار في الليل والنهار وأطايب الأصايل والأسحار وسائر ما يشتمل عليه من كواكبه الفلك الدوار) وجعله

أبواباً عدة جمعت أنا جميع ما فيه في عشرة أبواب.

النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٢٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نثار الأزهار في الليل والنهار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.