من «نثار الأزهار في الليل والنهار» لابن منظور (ت ٧١١هـ)
الباب الثالث في الاصطباح ومدحه وذم شرب الليل وإيقاظ النديم للاصطباح
لما كانت محاسن الأشجار، وما تشتمل عليه من الأزهار، ما يتخللها عن الجداول، والأنهار، إنما تظهر للأبصار بالنهار، وكان في ضيائه أنس القلوب، تنفيس الكروب، وانتشار الحرارة الغريزية في الأبدان، وتنزه العيون في محاسن الألوان، كان الشرب فيه تجاه الرياض المشرقة، وتحت ظلال البساتين المونقة، وعلى حافات البرك والأنهار المتدفقة، ألذ من الشرب في الليل الحائل بين الناظر، وبين إدراك حسن المناظر، إلا أن ذلك مقصور على فصل الربيع تتزين الأرض بأنواع الزخارف ولما تلبسه من خضر المطارف، حتى تبدي لبصرها من أزهارها ما هو أبهى من الجوهر، ويهدي أرجها ما هو أطيب من المسك الأذفر، ففي هذا الفصل خاصة ينبغي لمن ألانت له الدنيا أعطافها، ومهدت له أكتافها، وأدرت
عليه النعم أخلافها، أن يغتنم صبوحه قبل الشروق، ويواصل قائلته بالغبوق، فأما العرب ومن هو في طبقتهم فإنما أثروا الصبوح فرارا من العواذل على الخلاعة، ليسبقوا من يعدلهم قبل أن يغدو عليهم لأن من شأن العواذل أن يبكروا على من يريدون عذله على الشرب في أمسه لأن ذلك وقت صحوة وأفاقة فاستعملوا الاصطباح ليسابقوا عذالهم بمباركة صبوحهم قال عدي بن زيد:
بكر العاذلون في وضحالصبح يقولون لي ألا تستفيق
وقال طرفة بن العبد
ولولا ثلاث هن من لذة الفتىوجدك لم أحفل متى قام عودي
فمنهن سبق العادلات بشربةكميت متى ما تعل بالماء تزبد
ولا بن المعتز أرجوزة في مدح الصبوح وتفصيله على الغبوق ناقض فيها نفسه معنى من المعاني أي معنى كان ضرب من البديع يسمى المغايرة وهو يدل على جودة الطبع وصفاء القريحة وغزارة المعاني وتوسع الألفاظ:
لي صاحب أملني ورادافي تركي الصبوح ثم عادا
قال ألا تشرب في النهاروفي ضياء الصبح والأسحار
إذا وشى بالليل صبح فاتضحوذكر الطائر شدوا فصدح
أما ترى البستان كيف توراونشر المنشور بردا أصفرا
وضحك الورد إلى الشقائقواعتنق الزهر اعتناق وامق
قل لي أهذا حسن بالليلويلي مما تشتهي وعولي
بت عندنا حتى إذا الصبح سفركأنه جدول ماء انفجر
قمنا إلى زاد لنا معبدوقهوة صراعة للجلد
كأنما حبابها المنشوركزاكب في فلك تدور
ومسمع يلعب بالأوتارأرق من نائحة القماري
عبد الصمد بن بابك
يا صاحبي قضيب البان ريانوالبدر ملتحف والصبح عريان
والنرجس الغض ساه والنسيم ندوالطل في طرر الريحان حيران
قفا لنا نحتسي بالراح واختلساعقلي فقد نفح النسرين والبان
واستوطنا وطني واستدعيا طربيقبل الشروق فلا طراب أحيان
وعرضا بهوى سعدى فلي ولهاوللزجاجة إن عرضتما شأن
أبو عمرو الزعفراني
وليل دعاني فجره فأجبتهبمجلس طلق الوجه سهل التخلق
إذا شئت خضنا في حديث منمنموإن شئت عمنا في رحيق معتق
يرد شبابي وهو شاسعويدني التصابي بعد ما شاب مفرقي
أبو بكر الخالدي
هو الفجر قابلنا بابتسامليصرف عنا عبوس الظلام
ولاح فخلل كأس الشمول صرفا وحرم كأس المنام
ظللنا على شم ورد الخدود ومسك النحور ونقل اللثام
نعين الصباح على كسفهقناع الظلام بضوء المدام
أبو الحسن الجوهري
يا سقيط الندى على الأقحوانشأنك اليوم في الصبح وشاني
أنت أذكرتني دموعي وقد صوبنبين العتاب والهجران
إن يكون للخليج فيك أوانلتمضي المني فهذا أواني
سحر مدنف وجو عليلوصباح يميل كالنشوان
كشاجم
هذا الصبوح فما الذيبصبوح صبحك ينتظر
خذ من زمانك ما صفاودع الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معاتبة الزمان على الغير
وله
إذا ما اصطبحت وعندي الكتاب وكان الطباهج في جانبي
وكانت رياحينا غضةوصفراء من صنعة الراهب
فليس الخليفة في ملكهبأنعم مني ومن صاحبي
ابن شراعة
قد عزل الليل على رغمهوقد أتتنا دولة الصبح
فانهض إلى الراح فقفل الأسىما لم تدرها عسر الفتح
واربح على دهرك في شربهافلذة العاقل في الربح
شاعر
طاب شرب الراح مصطبحالا تدع من كفك القدحا
إنما عمر الفتى فرحفأغتنم من دهرك الفرحا
آخر
باكر الراح ودعنيمن حماقات النصيح
ما رأينا قط أنفىلهموم من صبوح
من قانون الأدب
جنان إذا لاح الصباح تنسمتبنشر شذى تثني عليه بآلاء
وأشبهت الأسحار طيبا ظلالهافجال خبال الغصن في مقلة الماء
ابن المعتز
يا رب صاحب حانة نبهةوالليل قد كحل الورى برقاد
في ساعة فيها الجفون سواكنقد شمن أعينهن في الأغماد
فأتى بها كالنار تأكل كفهبشعاعها من شدة الإيقاد
ابن وكيع
ضحك الفجر ساخرا بالظلامحين فلت جيوشه بانهزام
لاح في الحندس البهيم يحاكيملك الروم بين أبناء حام
فدع اللوم واسقنيها كميتاسبكت تبرها يد الأيام
شاعر
ومغرم باصطباح الراح باكرهافي فتية باصطباح الراح حذاق
فكل شئ رآه ظنه قدحاوكل شخص رآه ظنه الساقي
آخر
ألا أسقاني قبل أن نتفرقاوهات فاسقيني شرابا مروقا
فقد كاد ضوء الصبح الدجىوكاد قميص الليل أن يتمزقا
الصوفي
عاقر عقارك واصطبحواقدح سروك بالقدح
واخلع عذارك في الهوىوأرح عدولك واسترح
وافرح بيومك إنماعمر الفتى يوم الفرح
ابن حمديس
قم هاكها من كف ذات الوشاحفقد نعى الليل نسيم الصباح
وباكر اللذات واركب لهاسوابق الليل ذوات المراح
من قبل أن ترشف شمس الضحىريق الغوادي من ثغور الأقاح
شاعر
أديراها على الزهر المفدىفحكم الصبح في الظلماء ماضي
وما غربت نجوم الأفق لكننقلن من السماء إلى الرياض
آخر
قل لصريع الكأس قم نصطبحفالراح تحي كل مخمور
ما أنت في نومك يا مالكيوقد أتى الصبح بمعذور
لا سيما والشمس قد قابلتبدر الدجى والأفق بالنور
كأنما تلك وهذا معاجامان من تبر وبلور
ابن المعتز
قم فاسقني والظلام منهرموالصبح باد في كفه علم
والطير قد صفرت فأفصحتاللحان منها وكلها عجم
وميلت رأسها الثريابأسرار إلى الغرب وهي تحتشم
في الشرق كأس وفي مغاربهاقرط وفي أوسط السما قدم
وله
قم فاسقني قد تبلج الفلقمن قهوة في الزجاج تأتلق
كأننا والمدام دائرةنشرب نارا وليس نحترق
ولما ابن المعتز أرجوزته في ذم الصبوح، على الصبوح لعبة الرحمن، وقد تقدمت كتب إليه النميري يعيب عليه ذم الصبوح والامتناع منه وكان هو مشهورا بذلك:
قبح الله شرب كل نبيذيتوخى في وقت شرب التجار
إنما يشرب الملوك مع الفجر وفي الروح قبل نصف النهار
قد تأذت منا الشياطين والجن جميعا وصالح العمار
حيث نحيي ليل التمام إلىالصبح ونهدأ في ساعة الأنتشار
أبو نواس
نبه نديمك قد نعسيسقيك كأسا في الغلس
صرفا كأن شعاعهافي كف شاربها قبس
مما تخير كرمهاكسرى بعانة واغترس
تذر الفتى وكأنمابلسانه ممنها خرس
يدعى ليرفع رأسهفإذا استقل به نكس
ابن وكيع
غرد الطير فنبه من نعسوأدر كأسك فالعيش خلس
سل سيف الفجر من غمد الدجىوتعرى الصبح من قمص الغلس
وبدا في حلل فضيةنالها من ظلمة الليل دنس
فاسقني من قهوة مسكيةفي رياض عنبريات النفس
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٢٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع