من «نثار الأزهار في الليل والنهار» لابن منظور (ت ٧١١هـ)
الباب الخامس في انشقاق الفجر ورقة نسيم وتغريد الطير في الشجر وصياح الديك وإيذانه الصباح
الفجر أول ضوء تراه من الصباح ويقال له ابن ذكاء وذكاء من أسماء الشمس.
قال الراجز
وردته قبل انبلاج الفجروابن ذكاء كامن في كفر
والكفر ما غطاه يعني به الليل والفجر مأخوذ من انفجار الماء لأنه ينفجر كالماء شيئا بعد شيء وهما فجران الأول منهما ذنب السرحان تشبيها له بذلك وهو الذي لا يحرم الطعام على الصائم ويسمى الفجر الكاذب لأنه يلوح ثم يخفى والثاني هو الفجر الصادق وهو الذي يحرم الطعام على الصائم والذي يلي الفجر من الليل هو السحر يقال أتيته بسحر وبسحرة وبالسحر الأعلى لآخر السحر وسحيرا لأوله والسدفة ظلمة يخالطها ضوء يكون من أول الليل ومن آخره يذهب إلى بقايا الشفق لأن الشفق في أول الليل كالفجر في آخره ويقال انبلج الصبح انبلاجا فهو أبلج وتبلج يتبلج وساح يسيح وانساح ينساح أنسياحا وانفسح ينفسح وانصاح ينصاح أنصياحا كل ذلك إذا اتسع وانبسط وتنفس يتنفس وفي التنزيل العزيز (والصبح إذا تنفس) وصاح يصيح إذا علا وظهر.
وقال الفرزدق
والشيب ينهض في النهار كأنهليل يصيح بجانبيه نهار
لما علا وظهر شبهه بالصائح الذي دل على نفسه بصياحه فإذا علا بعد ذلك بشيء فعرفت المار وإن كان منك بعيدا قلت أسفر الصبح وفي التنزيل
العزيز (حتى يتبين لكم الخيط البيض من الخيط الأسود من الفجر) والعرب تشبه رقة البياض البادي من الفجر أولا ورقة السواد الحاف به بخطين أبيض وأسود على جهة الاستعارة والتمثيل.
قال أبو داود
فلما بصرن به غدوةولاح من الفجر خيط أنارا
والكتاب العزيز نزل على ما تفهمه العرب في لغتها وتأليفه في عرفها، ونزل الخيط
الأبيض من الخيط الأسود ولم يكن فيها من الفجر ومضى على ذلك عام فجاء عدي بن حاتم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني جعلت تحت وسادتي عقالين أبيض وأسود أعرف الليل والنهار. فقال له رسول الله إني جعلت تحت وسادتي عقالين أبيض وأسود أعرف الليل والنهار. فقال له رسول الله ﷺ: إنما هو سواد الليل وبياض النهار، فأستدل بهذا القول على أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وعلى ذلك العمل في الصوم والصلاة والإيمان وغير ذلك من جميع ما يناط به حكم شرعي، وأما على ظاهر اللغة فاختلف فيه فروى أبو حنيفة الدينوري في كتاب الأنواء أن النهار محسوب من طلوع الشمس إلى غروبها والليل من غروب الشمس حتى طلوعها ولا يعد شيء قبل طلوعها من النهار ولا شيء قبل غروبها من الليل، وقال الزجاج في كتاب الأنواء أيضا: أول النهار ذرور الشمس، ومن أهل اللغة من جعل وقت النهار من الأسفار إذا أتسع الضوء وانبسط وهو موافق لمن قال بالذرور واعتبر في ذلك التسمية اللفظية وقال النهار مأخوذ من أتساع الضوء واتضاح نوره وانشد:
ملكت بها كفي فانهرت فتقهايرى قائما من دونها ما وراءها
والحكم عند عامة الفقهاء في النهار ما ورد في الحديث وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأما تحديد تبين الخيط الأبيض من الخيط
الأسود من الفجر وهو الذي بسببه تجب الأعمال فقد أختلف فيه ووقع العمل على أنه الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة فبطلوع لأوله في الأفق يجب الإمساك عن الأكل للصيام لما خرجه مسلم في صحيحه أنه ﷺ قال: (ليس الفجر الذي يقول هكذا) وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض (ولكن الذي يقول هكذا) ووضع المسبحة على المسبحة ومد يديه، وروى عن ابن عباس غيره أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطريق وعلى رؤوس الجبال وعن علي ﵇ أنه صلى بالناس الصبح وقال: الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وإنما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار والنهار عندهم من طلوع الشمس لأن أخره غروبها فكذلك أوله طلوعها وذكر عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر واستدل بقوله وأقم الصلاة طرفي النهار وهذا من أهل اللغة موافق الحديث ومن أكل وهو يشك في طلوع الفجر فعليه عند مالك القضاء. ومما نقل من كتاب
ديوان المعاني للعسكري من أجود ما قيل في الصباح قال الأصمعي: نزلت بقوم من غنى قد جاوروا قبائل العرب من بني صعصعة فحضرت ناديهم وشيخ طويل الصمت عالم بالشعر يأتونه الناس من كل ناحية ينشدونه أشعارهم فإذا سمع الشعر الجيد قرع الأرض بلحجته فينفذ حكمه على من حضر منهم بشاة إن كان ذا غنم أو ابن مخاض إن كان ذا إيل فتذبح أو تنحر لأهل النادي قال فحضرته يوما وأنشده بعضهم يصف ليلا:
كأن سميط الصبح في أخرياتهملاء ينفى من طيالسة خضر
تخال بقائاه التي سار الدجىقد وشيعا فوق أردية الفجر
فقام الشيخ كالمجنون مصلتا سيفه حتى خالط البرك فجعل يضرب يمينا وشمالا ويقول:
لا تفرغن في أذني بعدهاما يستفز فاريك فقدها
أنى إذا السيف تولى مدهالا أستطيع بعد ذال ردها
قال العسكري: وهذا دليل على أن على الشعر وتميزه جيده من رديئه عزيز عند أهل البوادي وهم أصوله ومعدنه واستفزاز هذا الشعر لهذا الشيخ قريب مما روي عن الأمير إني لأطرب على جيد الشعر كما أطرب على حسن الغناء قال ومن غريب ما قيل في الصبح قول ذي الرمة:
وقد لاح للساري الذي كمل السرىعلى أخريات الليل فتق مشهر
كلون الحصان الأنبط قائماتمايل عند الحل واللون أشقر
الأنبط الأبيض البطن شبه بياض الصبح تحت حمرته ببياض بطن الفرس الأشقر أخذه ابن المعتز فقال:
وما راعنا إلا الصباح كأنهجلال قباطي على فرس ورد
ولغيره
بدا والصبح تحت الليل بادكمهر أشقر مرخي الجلال
ومن أغرب ما قيل في قول ابن المعتز:
وقد رفع الفجر الظلام كأنهظليم على بيض تكشف جانبه
وله
قد أغتدي والليل في جلبابهكالحبشي فر من أصحابه
والصبح قد كشف عن أنيابهكأنما يضحك من ذهابه
ولأبي هلال
ياكرتها والخير في بكوريوالصبح بالليل ملوث النور
كما خلطت المسك بالكافور
وله
وقد باشر الليل النهار كأنهبقية كحل في حماليق أزرق
وله
إلى أن طوينا الليل إلا بقيةتزل ضياء الشمس عنها فتزلق
وخلل وجه الشرق برد ممسكوقابله للغرب برد ممشق
فلاح لنا من مشرق الشمس مغربوبان لنا من مغرب الشمس مشرق
ومد علينا الليل ثوبا منمقاوأشعل فيه الفجر فهو يحرق
وصبحنا صبح كأن ضياءهتعلم منا كيف يبهى ويشرق
ابن المعتز
والليل قد رق وأصغى نجمهواستوفز الصبح ولما ينتصب
معترضا بفجره في ليلةكفرس دهماء بيضاء اللبب
العلوي الصبهاني
إلى أن تجلى الصبح من خلل الدجىكما انخرط السيف اليماني من الغمد
ابن المعتز في النجم في خمرة الفجر
قد أغتدي على الجياد الضمروالصبح قد أسفر أو لم يسفر
حتى بدا في ثوبه المعصفرونجمه مثل السراج الأزهر
كأنه غرة مهر أشقر
الشمردل بن شريك
ولاح ضوء الصبح فاستميناكما رأيت المفرق الدهينا
التنوخي
أسامره والليل أسود وأزرقإلى أن جلا الإصباح عن أشقر ورد
تبسم محمرا خلال سوادهتبسم ورد الخد في الصدغ الجعد
ابن المعتز في الشفق
ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهمحتى نوقد في جنح الدجى الشفق
وله في الصبح
والصبح يتلو المشتري فكأنهعريان يمشي في الدجى بسراج
الصنوبري
وليلة كالرفرف المعلممحقوقة الظلماء بالأنجم
تعلق الفجر بأرجائهاتعلق الأشقر بالأدهم
ابن المعتز
لما تعدى أفق الضياءمثل ابتسام الشقة اللمياء
التنوخي
كأن سواد الليل والفجر ضاحكبلوح ويخفي أسود يتبسم
شاعر
والفجر في روض الدجى جدولساح ليسقي زهر الأنجم
ابن بابك
كم صحبنا الظلام وهو غلامقد تبدى عذاره المختط
وسحبنا ذيوله وكان الصبحجيب على الظلام يعط
أدرعناه والثريا وشاحوخلعنا سواده وهي قرط
السري الموصلي
انظر إلى الليل كيف يصدعهراية صبح مبيضة العذب
كراهب حن للهوى طربافشق جلبابه من الطرب
الأمير تميم
شربنا على نوح المطوقة الورقوأردية الروض المفوفة البلق
معتقة أفنى الزمان وجودهافجاءت كفوت اللحظ أو رنة العشق
كأن السحاب الغر أصبحن أكؤسالنا وكان الراح فيها سنا البرق
إلى أن رأيت النجم وهو مغربوأقبل رايات الصباح من الشرق
كأن سواد الليل والفجر طالعبقية لطخ الكحل في الأعين الزرق
الأرجاني
والليل سيف الفجر في فرقهيقتله والديك بنعاه
أبو العلاء المعري
تخيلت الصباح معين ماءفما صدقت ولا كذب العيان
تكاد الفجر تشربه المطاياوتملأ منه أسقية شنان
ظافر الحداد
وصبيحة باكرتها في فتيةأضحوا لكل نفيسة كالأنفس
والليل قد ولى بعبة راحلوالصبح قد وافى ببشر معرس
والفجر قد أخفى النجوم كأنهسيل يفيض على حديقة نرجس
شرف الدين التيفاشي المصنف
نبه نديمك أن الديك قد صخباوالليل قوض من تخييمه الطنبا
والفجر في كبد الليل السقيم حكىسر المتيم عن أجفانه غلبا
كأنه بظلام الليل ممتزجاسمراء تفتر أبدت مبسما شنبا
كأنما الفجر زند قادح شررافي فحمة الليل لاقى الفحم والتهبا
كأن أول فجر فارس حملتراياته البيض في أثر الدجى فكما
كأن ثاني فجر غرة وضحتتل في وجه طرف أدهم ونبأ
أبو علي بن رشيق
كأنما الصبح الذي تفراضم إلى الشرق النجوم الزهرا
فاختلطت فيه فصارت فجرا
شاعر من العرب وأبدع فيه
فأدبر الليل مشمطا ذوائبهوأقبل الصبح موشيا أكارعه
جعل ذوائب الليل شمطا من ممازحة الصبح وجعل أكارع الصبح موشية من ممازحة الليل وجعل أخذ الليل من آخره وهو المتصل بأول الصبح وأخذ الصبح من مقادمه وهو المتصل
بآخر الليل وأصاب في التشبيه كأنه أومأ إلى الصبح فجعله كالثور الوحشي والثيران الوحشية كلها بيض وأكارعها خاصة موشية وهو معنى لم يقع لغيره.
عبد الله بن محمد الأزدي
يا رب كأس مدامة باكرتهاوالصبح من جبين المشرق
والليل يعثر بالكواكب كلماطردته رايات الصباح المشرق
ابن المعتز
يا رب ليل سحر كلهمفتضح البدر عليل النسيم
يلتقط الأنفاس برد الندىفيه فيهديه بحر الهموم
أخذه من أبي تمام
أيامنا مصقولة أطرافهابك والليالي كلها أسحار
ابن الرومي
كأن نسيمها أرج الخزاميولاها بعد وسمي ولي
بقية شمال هبت بليللا فنان الغصون بها نجي
إذا أنفاسها نسمت سحيراتنفس كالشجي بها الخلي
شاعر
والفجر كالسيف الخفي الرونقأو بدء شيب في سواد مفرق
والديك قد صاح بهذا المشرقفي سدف مثل الرداء المخلق
حتى بدأ في ثوبه الممزقكالكمري بارزا في يلمق
قاطع زري طوقه المشقشقأو تمد من بارد مصفق
صافي شعاعي السنا معتقفي قريات بابل أو جلق
شاعر من أفريقيا
وكم ليلة هانت علي ذنوبهابما يأت يروني من الريق والخمر
أقبل منه الورد في غير حينهوألثم بدر التم في غيبة الدر
إلى أن بدأ نور التبلج في الدجىكنور جبين لاح في ظلمة الشعر
ابن الرومي
حيتك عنا شمال طاف ريقهابجنة فحوت روحا وريحانا
هبت سحيرا فناجى الغصن صاحبهسرا بها وتداعى الطير إعلانا
زرق تغني على غصن تهدلهيسمو بها وتمس الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طربوالغصن من هزه عطفيه سكرانا
شاعر
جنة من قرقف جدولهاوهدير الورق منها في أرتفاع
لا تلم أغصانها إن سكرتفهي ما بين شراب وسماع
آخر
زارنا سحرة نسيم عليلمبطئ الخطو طيب الأنفاس
فكأن السرى على البعد أعياهـ وفي جفنه بقايا النعاس
ثمل من سلافة الطل في الزهروناهيك حسنها من كأس
ابن الرومي
وأنفاس كأنفاس الخزاميقبيل الصبح بللها السماء
تنفس نشرها سحرا فجاءتبه سحرية السرى رخاء
وفي الخبر أنه ﷺ كان يعجبه أن ينظر إلى الخضرة وإلى الحمام الأحمر وفي حديث أخر كان يعجبه النظر إلى الأترج وإلى الحمام والطير جماعة مؤنثة واحدها طائر وجمع الطائر أطيار وطيور وقبل جمع الطائر طوائر كفارس وفوارس وجاء تذكير الطير وهو قليل والتأنيث أكثر وأفصح وفي التنزيل العزيز (والطير محشورة)، (والطير صافات) وأما التذكير فعلى قول الشاعر:
لقد تركت فؤادك مستجنامطوقة على فتن تغنى
يميل بها ويرفع بلحنإذا ما عز للمحزون أنا
فلا يحزنك أيام تولىتذكرها ولا طير أرنا
وكل طائر يهدل ويرجع كالقمري والفاختة والورشان واليمامة واليعقوب وما أشبه ذلك، فالعرب تسمية حماما والحمام عند العرب القماري والدباسي وهي وما أشبه ذلك فالعرب تسميه حماما والحمام عند العرب القماري والدباسي وهي التي يصفون بكاءها في بلادهم
والفاختة جنس من القماري إلا أنه هجين لا عتق له.
مجهك بن خلف
تذكرت ليلى إذ رميت حمامةوإني بليلى والفؤاد قريح
يمانية أمست بنجران دارهاوأنت عراقي هواك نزوح
فإن شعبت ورقاء في رونق الضحىعلى الأيك حماء العلاط صدوح
مطوقة طوقا من الريش لا ترىلنائحة طوقا سواء يبوح
وأسعدنها بالنوح من كل جانبصواحب في أعلى الأراك تصيح
فها أنا صب بالفراق مروعبصوت يعل القلب وهو صحيح
وكدت في الشوق المبرح إذ بكتبأسرار ليلى في الفؤاد أبوح
عدي بن الرقاع
ومما شجاني أنني كنت نائماأعلل من فرط الحوى بالتبسم
إلى أن بكت ورقاء في روفق الضحىتردو مبكاها بحسن الترنم
فلو قبل مبكاها بكيت صبابةلسعدي شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكىبكاها فقلت الفصل للمتقدم
هذه رواية أهل المغرب ورواية أهل المشرق هو قول الشاعر:
وقد كدت يوم الحزن لما ترنمتهتوف الضحى محزونة بالترنم
أموت لمبكاها أسى أن لوعتيووجدي لسعدى قاتل لي فاعلم
ولو قبل مبكاها بكيت صبابة (البيتان)
ذكر أن مجنون بني عامر نام تحت شجرة فغرد طائر فانتبه فقال:
لقد هتفت في جنح ليل حمامةعلى فنن تدعو وإني لنائم
فقلت اعتذارا عند ذال وأننيلنفسي فيما قد رأيت للائم
أأزعم أني عاشق ذو صبابةبليلى ولا أبكي وتبكي البهائم
كذبت وبيت الله لو كنت عاشقالما سبقتني بالبكاء الحمائم
شقيق بن سليك
ولم أبك حتى هيجتني حمامهتغني حمام الورق فاستخرجت وجدي
وقد هيجت مني حمامة أبكةمن الوجد شوقا كنت أكتمه جهدي
تنادي هديلا فوق أخضر ناعملوقت ربيع باكر في ثرى جعد
فقلت تعالي نبك من ذكر ما خلاونذكر منه ما نسر وما نبدي
فإن تسعديني نبك دمعتنا معاوإلا فإني سوف اسفحها وحدي
قال أئمة النظم والنثر هذا كله في باب المحبة ناقص وأنقص منه قول جحدر ابن الفقعسي:
وكنت قد اندملت فهاج شوقيبكاء حمامتين تجاوبان
تجاوبتا بلحن أعجميعلى غصنين من غرب وبان
فكان البان إن بانت سليمىوفي الغرب اغتراب غير دافي
قالوا فإذا سلى عمن يهواه ولم يبق في قلبه أثر من حبه يكون نوح الحمام أقوى سبب في رد قلبه إلى أحبابه ولكن الذي قال أبو صخر الهذلي قول لا يعاب قائله ولا من انتخبه وهو:
وليس المعنى بالذي لا يهيجهعلى الشوق إلا الهاتفات السواجع
ولا بالذي إن صد يوما خليلهيقول ويبدي الصبر إني لجازع
ولكنه سقم الجوى ومطالهوموت الجفا ثم الشؤون الدوامع
رشاشا وتهتانا ووبلا وديمةكذلك يبدي ما نحن الأضالع
آخر
ألا يا حمامات اللوى عدن عودةفإني إلى أصواتكم حزين
فعدن فلمان عدن كدن يمتننيوكدت بأسراري لهن أبين
فلم تر عيني مثلهن حمائمابكين ولم تدمع لهن عيون
آخر
يا طائرين على غصن أنا لكمامن أنصح الناس ولا أبغي به ثمنا
طيرا إذا طرتما زوجا فإنكمالا تعدمان إذا أفردتما حزنا
هذا أنا لا على غيري أدلكمافارقت ألفي فما أن أعرف الوسنا
الهذلي
ألا يا حمام الأيك ألفك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شيء فإننيبكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطت غاربة دار زينبفها أنا أبكي والفؤاد قريح
آخر
دعاني الهوى والشوق لما ترنمتعلى الأيك من بين الغصون طروب
تجاوبها ورق أرعن لصوتهافكل لكل مسعد ومحب
ألا يا حمام الأيك ما لك باكياأفارقت إلفا أم جفاك حبيب
آخر
ألام على فيض الدموع وأنيبفيض الدموع الجاريات جدير
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفهوأحبس دمعي أنني لصبور
آخر
لقد هيجت شوقا وما كنت ساكناوما كنت لو رمت اصطبار لأصبرا
حمائم واد هجن كم بعد هجعةحمائم ورق مسعدا أو معذرا
كأن حمام الواديين ودومةنوائح قامت في دجى الليل حسرا
محلاة طوق ليس يخشى انصامهإذا هم أن يبلى تبدل آخرا
دعت فوق ساق دعوة لو تناولتبها صخرا على يذبل لتحدرا
قال مصنف كتاب الزهرة: هذه الأبيات من نفيس الكلام ألا ترى إلى احترازي من أن يتوهم أن الحمام أعاد له الشوق بعد سكونه ولق أحسن القائل:
وقبلي أبكي كل من كان ذا هوىهتوف البواكي والديار البلاقع
وهن على الأخلال من كل جانبنوائح ما تخضل منها المدامع
مزبرجة الأعناق نمر ظهورهامخطمة بالدر خضر روائع
ومن قطع الياقوت صبغت عيونهاخواضب بالحناء منها الأصابع
قال عبد الله محمد بن المكرم مختار هذا الكتاب عفا الله عنه ولقد عمل محي الدين عبد الله بن الشيخ رشيد الدين عبد الطاهر كاتب الإنشاء بعد موت هذا المصنف في هذا المعنى شيئا ظريفا اخترت إيراده هنا وهو:
نسب الناس للحمامة شحواوأراها في الشجو ليست هنالك
خضت كفها وكحلت العينوغنت وما الحزين كذلك
حميد بن ثور
وما هاج هذا الشوق إلا حمامةدعت ساق حر ترحة وترنما
بكت شجو ثكلى قد أصيبت حميمهامخافة بين يترك الحبل أجذما
فلم أر مثلي شاقة صوت مثلهاولا عربيا شاقه صوت أعجما
آخر
رويدك يا قمري لست بمضرمن الشوق إلا دون ما أنا مضمر
ليكفك أن القلب منذ تنكرتأمامة عن معروفها متنكر
سقى الله أياما خلت لامامةفلم يبق إلا عهدها والتذكر
لئن كانت الدنيا أتت بإساءةلما أحسنت في سالف الدهر أكثر
المنازي البندبيجي الشاعر وبندبيج قصر بالرافقان بين بغداد وحلوان وقد اجتاز بسوق باب الطاق ببغداد حيث يباع الطير فسمع حمامة تلحن في قفص فاشتراها وأرسلها وقال:
ناحت مطوقة بباب الطاقفجرى سوابق دمعي المهراق
حنت إلى أرض الحجاز بحرقةتشجي فؤاد الهائم المشتاق
إن الحمائم لم تزل بحنينهاقدما تبكي أعين العشاق
كانت تفرخ في الأراك وربماكانت تفرخ في فروع الساق
تعس الفراق وجذ حبل وتيهوسقاه من سم الأوساد ساقي
يا ويحه ما باله قمريةلم تدر ما بغداد في الأفاق
فأتى الفراق بها العراق فأصبحتبعد الأراك تنوح في الأسواق
فشريتها لما سمعت حنينهاوعلى الحمامة عدت بالإطلاق
بي مثل ما بك يا حمامة فاسأليمن فك أسرك أن يحل وثاقي
أبو تمام
اتسعسعت عبرات عينك أن دعتورقاء حين تشعشع الإظلام
لا تنشحن لها فإن بكاءهاضحك وإن بكاءك استغرام
هن الحمام فإن كسرت عيافةمن حانهن حمام
ابن المعتز
وبكيت من حزن لنوح حمامةدعت الهديل فظل غير مجيبها
ناحت ونحنا غير أن بكاءنابعيوننا وبكاءها بقلوبها
محمد بن يزيد بن مسلمة
أشاقك برق أم شجتك حمامةلها فوق أطراف الأراك رنيم
أطاف إليها الهم فقدان آلفوليل يسد الخافقين بهيم
تداعت على ساق بليل فرجعتوبالوجد منها مقعد ومقيم
تميل إذا ما الغصن حارت متونهكما مال من ري المدام نديم
فباتت تناديه وأنى يجيبهامنوط بأطراف الجناح رميم
أتيح له رام بصفراء نبعةعلى عجسها ماضي الشباة صميم
رماها فأصمها فطارت ولم تطرفظل لها ما ظل عليه تحوم
وظلت بأجراع الغوير نهارهامولهة كل المرام تروم
قرينة ألف لم تفارقه عن قلىغداة غد يوم عليه مشوم
وراحت بهم لو تضمن مثلهحشى آدمي ما استطاع بريم
فللبرق إيماض وللدفع واكفوللريح من نحو العراق نسيم
فطورا أشيم البرق وابن مصابهوطورا إلى أعوال تلك أهيم
غناء يروع المنصتين وتارةبكاء كما يبكي الحميم حميم
ومن هاهنا أخذ المنازي قوله
شجا قلب الخلي فقال غنىوبروح بالشجي فقال ناحا
إذا ما استهلت بالغناء تطلعتوأصغي لها طب بذاك عليم
فمن دون ذا المشتاق من كان ذا هوىويعرب عنه الحلم وهو حليم
شاعر
وآلفة التغريد قاسمتها الهوىفكان عليها النوح والدمع من عندي
وعارضتها بالنوح حتى تشبهتبألفي بلبس الطوق في موضع العقد
سليمان بن حيان
وهتوف ورقاء أرقت العينوزادت خبل الفؤاد خبالا
ذات طوق من الزبر جد يحكيصفو عيش عنا تولى فزالا
أيقظتني والصبح قد خالطالليل كما طرق الصدود وصالا
وتراها كأنما خضبوهابدموعي أو خاضت الجمر آلا
المعتمد بن عباد وهو معتقل بأغمات
بكت أن رأت الفين ضمهما وكرمساء وقد أخنى على إلفها الدهر
وناحت وباحت فاستراحت بسرهاوما نطقت حرفا يبوح به سر
فما لي لا أبكي أم القلب صخرةوكم صخرة في الأرض يجري بها نهر
بكت واحدا لم يشجها فقد غيرهوأبكت لآلاف عديدهم مثر
أحمد بن عبد ربه
ويهتاج قلبي كلما كان ساكنادعاء حمام لم تبت بوكون
وإن ارتاحي من بكاء حمامةكذي شجن داويته بشجون
كأن حمام الأبيك لما تجاوبتحزين بكى من رحمة لحزين
في الهزار
وخرساء إلا في الربيع فإنهانظيرة قس في الغصون الذواهب
أنت تمدح النوار فوق غصونهاكما يمدح العشاق حسن الحبائب
تبدل إلحانا إذا قيل بدليكما بدلت ضربا أكف الضوارب
ابن قرمان
ومما شجاني هاتف يبعث الأسىيهيج من قلبي ومن خفقانه
يكاد القضيب اللدن يعشق شدوهفيشغله بالميس عن طيرانه
عبد الكريم النهشلي
أواجدة وجدي حمائم أيكةتميل بها ميل النزيف غصونها
نشاوى وما مالت بخمر رقابهابواك وما فاضت بدمع عيونها
أفيقي حمامات اللوى إن عندنالشجوك أمثالا يعود حنينها
وكل غريب الدار يدعو همومهغرائب محسودا عليها شجونها
الحصري
يا هل بكيت كما بكتورق الحمائم في الغصون
هتفت سحيرا والربىللقطر رافعة في الغصون
فكأنما صاغت علىشجوي شجى تلك اللحون
ذكرني عهدا مضىللأنس منقطع القرين
فتصرمت أيامهوكأنها رجع الجفون
قال عوف بن محلم الشيباني عاد عبد الله بن طاهر إلى خراسان فدخلنا الري في السحر فإذا قمرية تغرد فقال عبد الله بن طاهر: أحسن أبو بكر حيث يقول:
ألا يا حمام البيك الفك حاضروغصنك مياد ففيم تنوح
ثم قال: يا عوف أجز فقلت: أعزك الله شيخ غريب حملته على البديهة ولا سيما في معارضة أبي بكر ثم قلت:
أفي كل عام غربة ونزوحأما للنوى من أوية فتريح
لقد طلح البين المشت أحبتيفهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري صوت حمامةفنحت وذو الشجو الحزين ينوح
على إنها ناحت ولم تذر دمعةونحت أسراب الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهماومن دون أفراخي مهامه فيح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوىفنلقى عصى التطواف وهي طريح
فإن الغني يدني الفتى من صديقهوبعد الغنى للمقترين طروح
فأذن لي من ساعتي ووصلتي بمائة ألف درهم وردني إلى منزلي.
حدث رجل من قريش قال: حججنا وعدنا فأتينا في بعض المنازل امرأة في خبائها فاستأذنا عليها فقالت: يا هؤلاء أفيكم من أهل البصرة؟ قلنا: نعم، قالت: هاهنا رجل لما به يريد أن يوصي إلى بعضكم وتشهدوا وفاته. فقمنا إليه وإذا رجل مدنف فكلمناه وإذا طائر سقط على شجرة وصوت فنظر إليه وبكى وأنشد:
يا بعيد الدار عن وطنهمفردا يبكي على شحنه
ولقد زاد الفؤاد شجىهاتف يبكي على سكنه
ثم أغمي عليه فقلنا نحبه ثم فتح عينه والطائر يصوت على حاله فقال:
كلما خد البكاء بهزاد الأسقام في بدنه
شفه ما شفني فبكىكلنا يبكي على سكنه
ثم تنفس وأغمى عليه فظنناها كالأولى وإذا هو قد مات فسألنا المرأة عنه فقالت: هذا العباس بن الأحنف. فغلناه ودفناه.
قال يوسف بن هارون: بكرت ولابن هذيل إلى باب أبي المطرف بن مثنى بقرطبة وهو أميرها فلقبت يحيى بن بكر قد بكر قبلي فقال لي: ما عندك. فقلت: ليس عندي كبير معنى ولكن ما عندك أنت فأخرج قصيدة منها:
ومرنة والدجن ينسج فوقهابردين من حلك ونوه باكي
مالت على طي الجناح كأنماجعلت أربكتها قضيب أراك
وترنمت لحنين قد خلتهماكغناء مسمعة وأنه شاكي
ففقدت من نفسي لفرط صبابتينفس الحياة وقلت من أبكاك
فأنشدينها وأنا أعد محاسنها فلما أكملها قال: انصرف إلى المكتب وتأدب حتى تحكم مثل هذا. فحركني كلامه ولم يخرج أبو المطرف ذلك اليوم فبكرت إليه وأنشدت:
أحمامة فوق الأراكة بينيبحياة من أبكاكح ما أبكاك
أما أنا فبكيت من حرق الهوىوفراق من أهوى فأنت كذاك
فلما سمعها ابن هذيل قال لي: عارضتني. قلت: لا إنما ناقضتك. فقال: أذهب فقد أخرجتك من المكتب. عارض هاتين القصيدتين أبو مروان المعروف بالبلينة فقال:
أحمامة بكت الهديك وغنماطربت فغنت فوق غصن أراك
معشوقة التثويب ذات قلائدغنيت جواهرها عن الأسلاك
ناحت على فتنم وكل شج بكىيوما بلا دمع فليس بباكي
لو كنت صادقة وكنت شجيةجادت دموعك حين جد بكاك
علي بن حصن كاتب المعتمد
وما هاجني إلا ورقاء هاتفعلى فتن بين الجزيرة والنهر
مفستق طوق لازوردي كلكلموشى الطلا أحوزى القوادم والظهر
أدار على الياقوت أجفان فضةوصاغ من العقيان طوقا على الشفر
حديد شبا المنقار داج كأنهشبا قلم من فضة مد في حبر
توسد من فرع الأراك أريكةومال على طي الجناح مع النحر
ولما رأى دمعي تؤاما أرابهبكائي فاستولى على الغصن النضر
وحث جناحه وصفق طائراوطار بقلبي على الغصن النضر
وحث جناحيه وصفق طائراوطار بقلبي حيث طار ولا أدري
في وصف الحمام
سجعت هاتفه الورق غناها شحط بين
ذات طوق مثل خطالنون أقنى الطرفين
وترى ناظرها يلمع في ياقوتتين
تخرج الأنفاس منثقبين كاللؤلؤتين
كشاجم يرثى قمريا
وفجعت بالقمري فجعة تأكلوفقدت منه أمتع السمار
لون الغمامة والعمامة لونهومناسب الأقلام بالمنقار
ومطوق من صنع خلقة ربهطوقين خلتهما من النوار
ولطالما استغنيت في غلس الدجىبهديله عن مطرب الأوتار
مرح الأصائل يستحث كؤوسناويقيمنا للفرض في الأسحار
لهفي على القمري يبقى دائمايكوي الحشا بجوى كلذع النار
ولقد هجرت الصبر بعد فراقهولقد مزحت دما بدمع جاري
ما كنت في الأطيار إلا واحداهبهات أودى سيد الأطيار
أبو إسحاق الصابي في الببغاء
أنعتها صبيحة مليحةناطقة باللغة الفصيحة
عدت من الأطيار واللسانيوهمنا بأنها إنسان
تنهي إلى صاحبها الأخباراوتهتك الأسرار والأستارا
صماء إلا أنها سميعهتعيد ما تسمعه طبيعه
وربما لقنت العضيههفتغتدي بذية سفيهه
زارتك من بلادها البعيدهواستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراء الجوز والإوزوالضيف في أبياتها يعز
تراه في منقارها الخلوقيكلؤلؤ يلقط بالعقيق
تنظر من عينين كالمقصينفي النور والظلماء بصاصين
تميس في حلتها الخضراءمثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدروها الأقفاصليس لها من حبسها خلاص
نحبسها وما ها من ذنبوإنما نحبسها للحب
تلك التي قلبي بها مشغوفكنيت عنها واسمها معروف
عبد الواحد بن فتوج الوراق في الحمام الداجن
يجتاب أودية السحاب بخافقكالبرق أومض في السحاب فأبرقا
لو سابق الريح الجنوب لغايةيوما لجاءك مثلها أو أسبقا
يستقرب الأرض البسيطة مذهباوالأفق والسقف الرفيعة مرتقى
ويظل يسترق السماع مخافةفي الجو تحسبه الشهاب المحرقا
يبدو فيعجب من رآه لحسنهوتكاد آية عنقه أن تنطفا
مترقرق من حيث درت كأنمالبس الزجاجة أو تجلبب زئبقا
أبو العلاء المعري في الخطاف
ولاية من حندس الليل ظلمةمفرجةعن صدرها تشبه القبا
برأس تحاكي شاه بلوط أعجمتغني بصوت معجم ليس معربا
لقد أتقن الصباغ جرى سوادهاوقد طوسوا منها قذالا ومنكبا
تراها إذا ما أقبل الصبح ضاحكاوولى الدجى عنها هزيما مقطبا
تصفق لا أدري أحزنا على الدجىوأما إلى ضوء الصباح تطربا
إذا أقبلت في دار قوم تباشرواوقالوا لها أهلا وسهلا ومرحبا
الصابي
وهندية الأوطان زنجية الخلقومسودة الألوان محمرة الحدق
كأن بها حزنا وقد لبست لهحدادا وأذرت من مدامعها علق
تصيف إلينا ثم تشتو بأرضهاوفي كل عام ناتقي ثم نفترق
أبو الشيص في الهدهد
لا تأمنين على سري وسركمغيري وغيرك أو طي القراطيس
أو طائر ساجليه وابعثه لناما زال صاحب تبيين وتأسيس
سود ترائبه ميل ذوائبهصفر حماليقه في الحبر مغموس
وكان هم سليمان ليذبحهلولا سياسته مع ملك بلقيس
روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (من الدواب أربع لا يقتلن النحلة والنملة والصرد والهدهد) ومن أعاجيب الخفاش أنه طائر وهو مع أنه شديد الطيران كثير التكفي في الهواء سريع التقلب فيه ولا يجوز أن يكون طعمه إلا من البعوض وقوته إلا من الفراش وأشباه الفراش ثم لا يصيده إلا في وقت طيرانه في الهواء وقت سلطانه لأن البعوض إنما يتسلط في الليل فلا يجوز أن يبلغ ذلك إلا بسرعة اختطاف واختلاس وشدة طيران ولين أعطاف وحسن تأت ورفق بالصيد وهو ليس بذي ريش وإنما هو لحم وجلد وطيرانه بلا ريش عجب من أعاجيبه إنه لا يطير في ضوء ولا ظلمة وهو قليل شعاع العين ولذلك لا يظهر في الظلمة لأنها تكون غامرة لضياء بصره غالبة لمقدار شعاع ناظره ولا يظهر نهارا لأن ضعف ناظره يلمع في شدة بياض النهار ولأن الشيء المتلألئ ضار لعيون من يوصف بحدة البصر ولأن شعاع الشمس - لمخالفة مخرج أصوله ومذاهبه - يكون رادعا لشعاع ناظره ومفرقا له فهو لا يبصر ليلا ولا نهارا فلما علم ذلك واحتاج إلى الكسب والطعم التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون قاهرا غالبا ولا من الضياء ما يكون معيشا مانعا والتمس ذلك في وقت غروب الشمس وبقية الشفق لأنه وقت هيجان البعوض وهو وقت ارتفاعها في الهواء وانتشارها وطلب أرزاقها فالبعوض خرج للطعم وطعمه دماء الحيوان والخفافيش تخرج للطعم فيقع طالب رزق على طالب رزق وزعموا أن النسل له آذان والمسموحة من جميع الحيوان أنها تبيض بيضا وكل أشرف له آذان ولا يلد ولا يبيض ولا يدري على ذلك ولآذان الخفافيش حجم ظاهر وهي
وإن كانت من الطير فإن هذا وهي تحبل وتلد وتحيض وترضع وزعم صاحب المنطق أن ذوات الأربع كلها تحيض على اختلاف في القلة والكثرة والزمان والخضرة والصفرة والغلط
والرقة وليس في سائر الطير ما يحيض ولا يبيض إلا الخفافيش وبلغ من ضن الخفافيش يولدها وخوفها عليه أنها تحمله تحت جناحها وربما قبضت عليه بفمها قبضا رقيقا وربما أرضعته وهي تطير وتقوى من ذلك ويقوى ولدها على ما لا يقوى عليه الحمام وسباع الطير وربما أتأمت الخفاش أنه من الطير وليس له منقار مخروط وله فم فيما بين مناسر السباع وأفواه البوم وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك إلى أصول الفك إلى ما كان في نفس الخطم وقد عرفت درب أسنانها ومن أعاجيبها تركها البراري والقفار وقصدها منازل الناس وأرفع مكان وأحصنه من البيوت فتتوطنه وأنها طويلة العمر حتى تجوز حد العقاب والورشان إلى النسر وتجور حد الفيلة والأسد وحمير الوحش إلى أعمار الحيات وإن أبصارها تصلح على طول العمر فيقال أن التي يطرن في القمر من المسنات المعمرات وإن أولادهن إذا بلغن لم تقو أبصارهم على ضياء النور وإنها تصبر على فقد الطعام وأنها تضخم وتجسم وتقبل اللحم على الكبر والسن والنساء وأشباه النساء يزعمون أن الخفاش إذا عض إنسانا فلا يدع سنه من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحش. قال: فما أنى فزعي من مس الخفافيش ووحشتي من قربها إلى أن بلغت والذي لا يبصر بالليل من الناس تسميه الفرس سكون وتأويله أعمى ليل وليس له في لغة العرب أسم أكبر من أنه يقال للذي يبصر بالليل من الناس به هذيل وأما الأغطش فإنه سيئ البصر بالليل والنهار وإذا كانت المرأة رديئة البصر بالنهار قيل لها
جهراء وقيل الجهراء التي لا تبصر في الشمس وقالوا السحاة مقصور أسم الخفاش والجمع سحا وأنشدوا لغزا في الخفاش:
أبى شعراء الناس أن يخبرونيوقد ذهبوا في الشعر في كل مذهب
بجلدة إنسان وصورة طائروأظفار يربوع وأنياب ثعلب
وعن عبد الله بن عمر أنه قال: لا تقتلوا الضفادع فإن نعيقهن تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه إذا خرب بيت المقدس قال يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم وفي رواية لا تقتلوا الخفاش فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائة فيطفئ بيت المقدس حين حرق وروى عنه ﷺ أنه نهى عن قتل الوطواط وأمر بقتل الوزاغ والخفاش يأتي الرمانة في شجرتها فينقب عنها فيأكل كل شئ حتى لا يدع إلا القشر وحده فهم يحفظون الرمان من الخفافيش بكل حيلة ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصقور ولكثير من جوارح الطير
وتسمن عليها وتصبح أبدانها ولها في ذلك عمل بين الأثر.
وللعسكري في الخطاف
وزائرة في كل عام تزورنافيخبر عن طيب الزمان مزارها
تخبر أن الجو رق قميصهوأن الرياض قد توشى إزارها
وأن وجوه الغرب راق بياضهاوأن وجوه الأرض راع اخضرارها
نحن إلينا وهي من غير شكلنافتدنو على بعد من الشكل دارها
أغار على ضوء الصباح قميصهاوفات بألوان الليالي خمارها
تصيح كما صرت مع العرائستمشت إلينا هندها ونوارها
(عاد الحديث إلى الحمام) العرب تقول أن نوحا أرسل الغراب والحمام من السفينة لما استقرت على الجودي فلم يرجع الغراب فدعى عليه ورجعت الحمامة فدعى لها فتزينت بالطوق عن سائر الطيور قال جهم بن خلف:
وقد شاني نوح قمريةطروب العشي هتوف الضحى
مطوقة كسيت زينةبدعوة نوح لها إذا دعا
فلم أر باكية مثلهاتبكي ودمعتها لا ترى
عبد الله بن أبي بكر الصديق
ولم أر مثلي طلق اليوم مثلهاولا مثلها في غير جرم تطلق
أعاتك لا أنساك ما هبت الصباوما ناح قمري الحمام المطوق
ومن كتاب الطير للجاحظ قال: كل طائر يعرف بالصوت الحسن والدعاء والهدير والترجيع فهو حمام وإن خالف بعضه بعضا في بعض الصور واللون والقد ولحن الهديل كما تختلف الإبل والبقر والمعز والدجاج في أنواعها وأشكالها ولا يخرجها ذلك عن أن تكون إبلا وبقرا أو معزا أو دجاجا والقمري والفاختة والورشان والشفنين واليام واليعقوب وضروب أخر كلها حمام وزعم أفليمون صاحب الفراسة أن الحمام تتخذ لضروب منها ما يتخذ للأنس ومنها ما يتخذ الفراخ ومنها ما يتخذ للطيران والتهلي بذلك ومنها ما يتخذ للترحل والسباق ومن مناقب الحمام حبه للناس وأنس الناس به وهو أن جميع طبقات الأمم تحبه وتتخذه ثم ذكر قمط الحمام فقال يبتدئ الذكر بالدعاء والطرد وتبتدئ الأنثى بالتأني والاستدعاء ثم
تزيف وتتشكل ثم تمكن وتمنع وتجيب وتصدف بوجهها ثم يتعاشقان ويتطاوعان ويحدث لهما من الغزل والقبل والمص والرشف والغنج والخيلاء ومن إعطاء التقبيل حقه كله وإدخال الفم في جوف الفم وذلك هو التطاعم هذا مع إرسالها جناحيها وكتفيها على الأرض وهو مع تدريجها وتنقيلها ومع تنفجه وتنفخه مع ما يعتريه من الحكة والتفلى والتنفش ثم الذي يرى من كشحه بذنبه وارتفاعه بصدره وضربه بجناحه وفرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثم أنه يعتريه ذلك في الوقت الذي يفتر فيه أنشط الناس وتلك خصلة يفوق
بها الحيوان من الإنسان فمن دمنه ومن عجيب فطن الحمام أنه في كل حين يقلب بيضه حتى يصير ما كان يلي الأرض منه يلي بدن الحمام من بطنه وباطن جناحيه حتى يعطي جميع البيض نصيبها من الحضن ومما أشبه فيه الحمام الناس أن ساعات الحضن على البيض أكثرها على الأنثى وإنما يحضن الذكر في صدر النهار يسيرا كالمرأة التي تكفل الصبي فتطعمه وتمرخه وتتعاهد بالتمهيد والتحريك حتى إذا ذهب الحضن وصار البيض فراخا وصار في البيت عيال وما يحتاجون إليه من الطعام والشراب صار أكثر ساعات الزق على الذكر كما أن أكثر ساعات الحضن على الأنثى. قال مثنى بن زهر وهو أمام في التبصر بالحمام لم أر شيئا في الرجل والمرأة إلا رأيت مثله في الذكر والأنثى من الحمام رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها كالمرأة التي لا تريد إلا زوجها وسيدها ورأيت حمامة لا تمنه شيئا من الذكور ورأيت امرأة لا تدفع يد لامس ورأيت حمامة لا تزيف إلا بعد طرد كثير وشدة طلب ورأيتها تزيف لأول ذكر يريدها ساعة يصل إليها، ورأيت الحمامة لها زوج وهي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه ورأيت مثل ذلك في النساء، ورأيتها تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها ورأيتها لا تفعل ذلك إلا وذكرها يطير أو يحضن، ورأيت الحمامة تقمط الحمامة ورأيت الحمام الذكر يقمط الحمام الذكر، ورأيت أنثى لا تقمط إلا الإناث ويقمطها افناث ورأيت أنثى لا تقمط إلا الإناث ولا تدع أنثى تقمطها، ورأيت ذكرا يقمط الذكر ويقمطه الذكر ورأيت ذكرا يقمط الذكور ولا يدع ذكرا يقمطه، ورأيت أنثى تزيف للذكور ولا تدع ذكرا منها يقمطها، ورأيت هذه الأصناف كلها في السحاقات من المذكرات والمؤنثات وفي الرجال الخلقيين واللوطيين ورأيت من النساء من تزني أبدا ولا تتزوج ومن الرجال من يلوط ولا يزني أبدا ولا يتزوج ورأيت حماما يقمط ما لقي ولا
يتزوج ورأيت حمامة تمكن كل حمام أرادها
ذكرا وأنثى وتسفد الذكور والإناث ولا تتزوج ورأيتها تزاوج ولا تبيض وتبيض فيفسد بيضها كالمرأة وهي عاقر وكالمرأة تلد وتكون خرقاء ويعترض لها العقوق والطلة على أولادها كما يعتري ذلك العقاب قال الجاحظ: ورأيت الجفاء بالأولاد شائعا في اللواتي يحملن من الحرام ولربما ولدت من زوجها فيكون عطفها وتحنتها وبين ذلك الولد رحم وكأنها لم تلده، والحمام والفواخت والأطرغلة والحمام البري يبيض مرتين في السنة والحمام الأهلي يبيض عشر مرات وإذا باض الطير لم يخرج البيضة من جهة التحديد والتلطيف لبل يكون الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم وكان الظن يسرع على أن الراس المحددة هي التي تخرج أولا والبيضة عند خروجها لينة القشرة غير يابسة ولا جامدة والبيضة في بطن الطائر مستوية الطرفين فإذا خرجت فهي لينة وبرز نصفها أنضم الرحم عليها بطبعه فيحدد النصف الباقي لمكان لينها وكلما انسلتت منم الرحم زاد التحديد ويقولون أن البيض يكون من أربعة أشياء يكون من التراب ومن السماد ومن نسيم يصل إلى أجوافها في بعض الزمان ومنه شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطبيعة فإن الأنثى ربما كانت على سفالة الريح التي تهب من شق الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا قال الجاحظ ولا شك في أن النخلة المطعمة تكون بقرب الفحال وتحت ريحه فتلقح بتلك الريح وتكتفي بذلك قال ويكون بيض الريح من الدجاج والحمام والطاووس والإوز قال وبيض الصيف المضون أسرع خروجا منه من الشتاء وكذلك تحضن الدجاجة في الصيف ثمان عشرة ليلة وربما عرض غيم في الهواء ورعد في وقت حضن طائر فيفسد البيض وفساده في الصيف أكثر وفي هبوب الجنائب وكان ابن الجهم لا يطلب من نسائه الولد إلا
والريح شمال والرعد إذا أشتد لم يبق طائر على وجه الأرض واقفا إلا غدا فزعا، وإن كان يطير إلا رمى بنفسه إلى الأرض وكذلك الرعد تلقي له الحمامة بيضها، وليس التقبيل إلا للحمام والإنسان، ولا يدع ذكر الحمام ذلك إلا بعد الهرم. والفرخ يخلق من البياض ويتغذى بالصفرة ويتم خلقه لعشرة أيام والرأس وحده أكبر من سائر الجسد، ويبلغ من تعظيم الحمام لحرمة البيت أن أهل مكة عن أخرهم لم يروا فالحمام قط سقط على ظهر الكعبة إلا من على عرضت له فإن كانت هذه المعرفة اكتسابا فالحمام فوق جميع الطير وكل ذي أربع وأن كان إنما هم من طريق الإلهام ملك صاحبه
وكان المطلوب أكثر مالا وأشجع رجالا وأخصب بلادا وكان بينهما مسافة بعيدة فخافه الطالب على ملكه، فأستشار وزراءه فأشاروا عليه بآراء منها مصاهرة الملك والخطبة إليه ليستكفي بذلك شره فأظهر الملك خطبته وأرسل رسولا إليه وهدايا وأمر رسله أن يصانعوا جميع من يصلون إليه ودس رجالا من ثقاته وأمرهم باتخاذ الحمام ببلاده وتوطينهم واتخذ أيضا عند نفسه مثلهن فيرفعوهن من غاية إلى غاية إلى أن بلغ الغرض وجعل هؤلاء يرسلون من بلاد الملك والآخرون يرسلون من بلاد الملك الآخر، وأمرهم بمكاتبته بالخبر كل يوم وتعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام فصار لا يخفى عليه شيء من أمر عدوه فأطعمه عدوه في التزويج وطاوله ليطلب غرته، ودس لحرسه رجالا فلاطفوهم حتى صاروا يبيتون بأبوابه، فلما وجدوا منه غرة كتبوا إليه بغرته فأتاه الخير من يومه فسار إليه بجند أنتخبهم بجامع الطرق ووثب أصحابه من داخل وهو وجنده من خارج ففتحوا الأبواب وقتلوا الملك وغلب على تملك المملكة فعظمته الملوك وهابوه وطار صيته بالحزم والكيد وأطاعوه وكان ذلك بسبب الحمام، قال الجاحظ
وللحمام من الفضيلة والفخر أن الحمام الواحد يباع بخمسمائة دينار ولم يبلغ ذلك باز ولا شاهين ولا صقر ولا عقاب ولا طاووس ولا بعير ولا بغل وذلك معروف في البصرة وبغداد، الحمام إذا جاء من الغابة بيع الفرخ الذكر من فراخه بعشرين دينارا وأكثر وبيعت الأنثى بعشرة دنانير وأكثر وبيعت البيضة بخمسة دنانير وأكثر فيقوم الزوج منها في الغلة مقام الصنعة الفاخرة حتى يبيض بمونة العيال ويقضي الدين ويبني من غلاته وأثمان رقابه الدور الجياد ويبتاع الحوانيت المغلة وهو في ذلك ملهى عجيب ومعتبر لم تذكر. وللحمام حسن الاهتداء وجودة الاستدلال وثبات الحفظ والذكر وقوة النزاع إلى أربابه والألف لوطنه وكفاك اهتداء ونزاعا أن الحفظ والذكر وقوة النزاع إلى أربابه والألف لوطنه وكفاك اهتداء ونزاعا أن يكون طائرا من بهائم الطير يجيء من خرشته ومن أفلوة وهما بدرب الروم إلى بغداد والبصرة، ثم الدليل على أنه إنما يستد بالعقل والمعرفة والعيافة أنه إنما يجيء من الغابة بالتدريج والتدريب وعلى ترتيب والدليل على علم أربابه بأن تلك المقدمات قد تجعن فيه وعملن في طباعه إنه إذا بلغ الحد المطلوب طيروه إلى الدرب وما فوق الدرب من بلاد الروم، ولو كان الحمام مما يرسل بالليل لكان ممل يستدل بالنجوم لأنا رأيناه يلزم بطن الفرات أو بطن الأودية
التي قد مر بها وهو يرى ويبصر ويفهم انحدار الماء ويعلم بعد طول الجولان إذا هو أشرف على الفرات أو دجلة أن طريقه وطريق الماء واحد وأنه ينبغي أن ينحدر معه وما أكثر ما يستدل على الجولان في الطرق إذا أعيته بطون الأودية فغن لم يدر أمصعد هو أو منحدر تعرف ذلك بالريح ومواضع الشمس في السماء وإنما يحتاج إلى ذلك كله إذا لم يكن وقع بعد على رسم يعمل عليه وربما كسر حين يرحل شمالا وجنوبا وصبا ودبورا. وللحمام نسب اشتملت عليه دواوين أصحاب الحمام أكثر من كتب الإنسان التي تضاف على الكلبي
وغيره من النسابين، وقال صاحب الحمام ليس في الأرض جنس يعتريه الإنضاج والشتات ويكون فيها المصمت وأسود مصمت وأحمر مصمت وأبيض مصمت وضروب كلها مصمتة الألوان إلا أن الهداية للخضر والنمر فإذا أبيض الحمام كالنقيع فمثله من الناس الصقالية فإن الصقلي فطير خام لم تنضجه الأرحام لأنها كانت في البلاد التي شمسها أضعف من غيرها، وإذا أسود الحمام فإنما ذلك احتراق مجاورة لحد النضج ومثله من الناس الزنج فن أرحامهن جازت حد الإنضاج إلى الاحتراق وشيطت الشمس شعورهم فتقصفت والشعر إذا أدنيته إلى النار تجعد فإن زدته تفلفل فإن ردته أحترق فكما أن عقول سودان الناس وحمراتهم دون عقول السمر فكذلك بيض الحمام وسودها دون الخضر في المعرفة والهداية، والنقيع من الخيل لا ينجب وليس فيه إلا حسن بياضه لمن اشتهى ذلك لا غير، والحمام طائر ألوف مألوف محبب موصوف بالنظافة حتى أن زرقة لا يعاب ولا نتن له كسلح الدجاج والديكة وقد يعالج بزرقه صاحب الحصاة، وللفلاحين فيه منافع والخباز يلقي الشيء منه في الخبز لينفخ العجين ويعظم الرغيف ثم لا يبين ذلك فيه ولزرقها غلاب وليس طائر له أطواق إلا الحمام. وفي ذم الحمام روى أن عثمان بن عفان ﵁ أراد أن يذبح الحمام وقال: لولا أنها أمة من الأمم لأمرت بذبحها ولكن قصوهن فدل بقوله قصوهن على إنها إنما تذبح لكثرة من يتخذهن ويلعب بهن من الفتيان والشطار وأصحاب المراهنة والقمار والذين يشرفون على حرم الجيران ويخدعون بفراخ الحمام أولاد الناس ويرمون الجلاهق وما أكثر من فقأ عينا وهشم أنفا وهتم فما وهو لا يدري ما صنع ثم تذهب جنايته جبارا ويعود ذلك الدم مطولا إذ كان صاحبه مجهولا وكان عمر ﵁ أمر بذبح
الديكة وأمر النبي ﷺ بقتل الكلاب وروى أن عثمان بن
عفان ﵁ شكوا إليه الحمام فقال: من أخذ منهن شيئا فهو له قال الجاحظ: وقد علمنا أن اللفظ وإن كان وقع على شكاية الحمام أن المعنى إنما هم في شكاية أصحاب الحمام لأنه ليس للحمام معنى يدعو إلى شكايته، وسئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده الناس، فقال: لا تأكله فإنه أموال الناس فجعله مالا ونهى عن اصطياده بغير إذن أهله وكلما كان مالا فبيعه حسن وابتياعه حسن فكيف يجوز لشيء هذه صفته أن يذبح إلا أن يكون ذلك على سبيل العقاب والزجر لمن أتخذه لما لا يحل ونهى عثمان ﵁ عن لعب الحمام وعن رمي الجلاهق قال الجاحظ: شهد أبو أحمد صاحب حمام يوم مجيء حمامه من واسط وكانت واسط يومئذ هي الغاية فرآه كلما جاء طائر من حمامه نعر ورقص وقال له: أني أرى مكنك عجبا أراك تفرح بمجيء حمامك من واسط وهو ذاك الذي كان وهو الذي جاء وجاء ولم يجيء معه بشيء فما سبب الفرح؟ فقال: فرحي أني أرجو بيعه بخمسين دينارا قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارا؟ قال: فلان وفلان، فمضى إليها فقال: زعم فلان أنك تشتري حماما جاء له من واسط بخمسين دينارا، فقال: صدق فقال: لم تشتريه بخمسين دينارا، قال: لأنه جاء من واسط قال: وإذا جاء من واسط لم تشتريه بخمسين دينارا، قال لأني أبيع الفرخ منه بثلاثة دنانير والبيضة بدينارين قال: ومن يشتريه منك قال: مثل فلان وفلان ومضى إليها فقال: زعم فلان أنك تشتري منه فرخا جاء أبوه من واسط بثلاثة دنانير والبيضة بدينارين قال: صدق قال: فلم تشتريها بذلك قال: أن أباه جاء من واسط قال: وإذا جاء أبوه من واسط فهو ماذا قال: لأني أرجو أن يجيء هو من واسط قال: فإذا جاء من واسط قال: أبيعه بخمسين دينارا قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارا قال: فلان وفلان فمضى إليهما فقال: زعم فلان
أن فرخا من أفراخه إذا جاء من واسط تشتريه منه بخمسين دينارا، قال: صدق قال: ولم تشتريه إذا جاء من واسط بخمسين دينارا فأعاد عليه مثلما قال له الأول بعينه فقال: لا رزق الله من يشتري حماما جاء من واسط بخمسين دينارا رزقا.
ومما جاء في صراخ الديك وآذانه بالصباح قال عبد الله بن عبد الله بن عتبة: صرخ ديك عند النبي ﷺ فسبه بعض أصحابه فقال (لا تسبوه فأنه يدعو إلى الصلاة) وروى عن النبي ﷺ أنه قال: (إن مما خلق الله ﷿ لديكا عرفه
تحت العرش ورجلاه في الأرض السفلى وجناحه في الهواء فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ثلث ضرب بجناحه ثم قال سبحان الملك القدوس سبوح قدوس ربي لا شريك له فعند ذلك تضرب الطير بأجنحتها وتصيح الديكة) وروي أنه ﷺ قال: (الديك الأبيض صديقي وعدو عدو الله يحرس دار صاحبه وسبع دور) وكان ﷺ يبيته معه في البيت وزعم أهل التجربة أن كثيرا ما يرون الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لا يزال ينكب في أهله والديك يسمى العنزفان. قال عدي بن زيد يصف الحمر:
ثلاثة أحوال وشهر تجرمايضيء كعين العنزفان المحارب
سمله بالمحارب كما سماه بالعنزفان قال المصنف وأنا أرى انه لم يسميه بالمحارب وإنما وصفه بذلك لأن غير الديك المحارب اشد حمرة واحد وأحد نظرا من غير المحارب فيكون مبالغة في وصف حمرة العين وبصيصها ويكون كقوله المحارب في البيت موقع حسن مع البديع يسمى التتميم كقول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
فقوله لم يثقب أتم في التشبيه، وفي الديك الصيصة وهي طرف عرفه الحاد وهي سلاحه الذي يقاتل به وبها سمي الثور صيصه وسمية آطام
المدينة للامتناع بها صياصي وفي التنزيل العزيز (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم) ويقال لصوت الديك الدعاء والزقاء والهناف والصياح والصراخ والصقاع وهو يهتف ويصقع ويصيح ويزقو ويصرخ ويقال للهام أيضا يزقو قال الراجز:
ومنهل طامسه أعلامهيعوي به الذئب ويزقو هامه
ثوبة بن الحمير
ولو أن ليلى الأخيلية سلمتعلي وفوقي جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقاإليها صدى من جانب القبر صائح
السري الرفاء
كشف الصباح قناعه وتألقاوسطا على الليل البهيم فأطرقا
وعلا فلاح على الجدار موشحبالوشي توج بالعقيق وطوقا
مرح فضول التاج من لباتهومشمر وشيا عليه منمقا
شاعر
غدوت بشرية من ذات عرفأبا الدهماء من حلب العصير
وأخرى بالعقنقل ثم سرنانرى العصفور أعظم من بعير
كأن الديك ديك بني نميرأمير المؤمنين على السرير
كأن دجاجهم في الدار رقطاوفود الروم في قمص الحرير
فبت أرى الكواكب دانياتينلن أنامل الرجل القصير
أدافعهن بالكفين عنيوأمسح جانب القمر المنير
عبد السلام ديك الجن يرثى ديكا لأبي عمرو عمير بن جعفر كان له
عنده مدة فذبحه وعمل عليه دعوة وبها ديك الجن
دعانا أبو عمرو عمير بن جعفرعلى لحم ديك دعوة بعد موعد
فقدم ديكا عند دهرا مدملجامبرنس أبيات مؤذن مسجد
يحدثنا عن قوم هود وصالحوأغرب من لاقاه عمرو بن مرثد
وقال لقد سبحت دهرا مهللاوأسهرت بالتأذين أعين هجد
أيذبح بين المسلمين مؤذنمقيم على دين محمد
فقلت له يا ديك أنك صادقوإنك فيما قلت غير مفند
ولا ذنب للأضياف إن نالك الردىفإن المنايا للديوك بمرصد
العسكري
متوج بعقيقمقرط باللجين
يزهى بتاج وطوقكأنه دور عين
ابن معمعة الحمصي
يا ابن اقيال وائل الكرام الصيدمن تغلب قروم القروم
والمير الذي عليه إمارات المعالي من حادث وقديم
قد مدحت الأمير بالأمس منثوراوجئت الغداة بالمنظوم
فاستمع قصتي وفرج بإحسانكما بي منم طارقات الهموم
لي ديك حضنه وهو في البيضةمن منصب كريم الخيم
ثم ربيته كتربية الطفلرضيعا وعند حال الفطيم
يأكل العفو كيف ما شاء من مالي أكل الولي مال اليتيم
هو عندي بصورة الوالد البروفي صورة الصديق الحميم
أبيض اللون أفرق العرف نظاربعين كأنها عين ريم
وعلى نحره وشاحان من شذربديع ولؤلؤ منظوم
رافع راية من الذنب المشرفيسعى بها كسعي الظليم
وإذا ما مشى تبختر مشي الطربالمنتشي من الخرطوم
وسم الأرض وسم طين كتاببخواتيم كاتب مختوم
وله خنجران في قصب الساقينقد ركبا لحفظ الحريم
وعليه من ريشه طيلسانصيغ من صيغه اللطيف الحكيم
وجميع الديوك تشهد في حمصله بالحلال والتعظيم
يتجاوبن بالصياح مشيراتإليه في ذاك بالتسليم
وإذا ما رأيته بين خمسمن دجاجاته كبار الجسوم
قلت ملك يخدمنه فتياتيتهادين بين زنج وروم
وترى عرفه فتحسبه التاجعلى رأس كسروي كريم
ثاقب العلم بالمواقيت ليلاونهارا وحاذق بالنجوم
ويحث الجيران حولي علي البركحث المدير كأس النديم
وله أيها الأمير علي العهد فيسالف الزمان القديم
إنه آمن من الشر عنديغير يوم المشيئة المحتوم
وقد احتجت أن أضحي في العيدبه حاجة الأديب العديم
وبناتي يقلن يا أبتاناأنت في ذاك بين عذر ولوم
وتراهن حوله يتباكينبدمع سيدي بذبح عظيم
تبق في ذال سنة لك يبقىذكرها ذكر كبش إبراهيم
اجتمع الأمير أبو الفضل الميكالي ليلة بحبيب له فلما كان في السحر صرخ الديك فقام محبوبه وقال أصبحنا وخرج فقال يهجو الديك:
قام بلا عقل ولا دينيخلط تصفيقا بتأذين
فنبه الأحباب من نومهمليخرجوا في غير ما حين
كأنما غص بها حلقهأغصه الله بسكين
شاعر
ما عذرنا في حبسنا الأكواباسقط الندى وصفا النسيم وطابا
ودعى بحي على الصبوح مغرداديك الصباح فهيج الأطرابا
آبو بكر الخوارزمي
لما بدت روح الضياءتدب في جسم الظلام
وغدت نحو الليل وهيتغر من حدق الأنام
والديك يتلو دائماهجو النيام على القيام
قال المؤذن ما أرادوقلت من حسن الكلام
هو قال حي على الصلاةوقلت حي على المدام
قال عبد الله بن محمد مختار هذا الكتاب لم يقل أبو بكر الخوارزمي بيت المؤذن على هذه الصورة وإنما قاله على صورة يستقبحها من يتمسك بيسير من الأدب مع الدين قال:
ناقضت ما قال المؤذن بالفعال وبالكلام
فغيرته ولا أستحسن أراده كما قاله:
كشاجم
مطرب الصبح هيج الطربالما قضى الليل نحبه نحبا
مغرد تابع الصياح فماندري رضى كان ذلك أم غضبا
ما شكر الطير أنه ملكلها فبالتاج راح معتصبا
مد ليمتد صوته عنقامنه وهز الجناح واضطربا
طوى الظلام البنود منصرفاحين رأى الفجر ينشر العذبا
والليل من فتكة الصباح بهكراهب شق جيبه طربا
فباكر الخمرة التي تركتبنان كف المدير مختصبا
فليس نار الهموم خامدةإلا بنور الكؤوس ملتهبا
الصابي
كوكب الإصباح لاحاطالعا والديك صاحا
فاسقينها قهوة تأسومن الهم جراحا
ذات نشر كنسيم الروضغب القطر فاحا
حرم الماء وأبعدهوإن كان مباحا
أقراح أنا حتىأشرب الماء القراحا
شاعر
هتف الديك بالدجى فاسقنيهاقهوة تترك الحليم سفيها
لست أدري لرقة وصفاءهي في كأسها أم الكأس فيها
قال إسحاق الموصلي: أنشدت أم الهيثم الأعرابية قول الشاعر
وخمر سلاف يحلف الديك أنهالدى المزح من عينه أصفى وأحسن
فقالت: لقد بلغني أن الديك من صالحي طيوركم وأعرفها بأوقات الصلوات وما أحسبه يحلف كاذبا.
النقاش الحلبي
وليل باتت الأوتار فيهتجاوبنا بألسنة فصاح
جعلنا فرشنا تحت الدواليبها غض البنفسج والأقاحي
وباتت جوزة تجلو دجانابأوجهها الصباح إلى الصباح
فيا لنجاح وقت وافقتناعليه بشدوها ذات الجناح
طردنا ديكه فاقتص منامؤذنه بحي على الفلاح
ابن التعاويذي الكاتب
أذر الكأس المدام علي صرفاولا تفد كؤوسك بالمزاج
فقد خان الصباح وحن قلبيإلى عذراء ترقص في الزجاج
وهذا الديك من طرب يغنيويخطر بين أكليل وتاج
ودعني من إقامة كل فرضفليس على خراب من خراج
محمد بن علي الدينوري
ومشمر الأذيال في ممزوجةمتتوج تاجا من العقيان
بالجاشرية ظل يهتف موهاويصيح من طرب على الندمان
هبوا إلى شرب الصبوح فإنمالصبوحكم لا للصباح أذاني
الباخرزي
وليل دجوجي كأن صباحهيهز لواء أبيضا فوق كتفه
تنزه سمعي فيه من صوت طائرغدا مشرئب الجيد ثاني عطفه
فأطعمت خلاني كبابا كتجهوأسقيت ندماتي شرابا كطرفه
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٢٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع