من «نثار الأزهار في الليل والنهار» لابن منظور (ت ٧١١هـ)
الباب الثاني في أوصاف الليل وطوله وقصره واستطابته والاغتباق ومدحه وذم الاصطباح
في التنزيل العزيز (ومن شر غاسق إذا وقب) غسق الليل شدة ظلمته ووقب أي دخل قال العسكري: من أتم أوصاف الظلمة الذي ليس في كلام الكثير مثله قوله ﷿ (أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها) وقال النبي ﷺ (جنبوا صبيانكم فحمة العشاء) وفحمة الليل أشد ظلمته، ومن أسماء الليل الدجى والدجن والدجية. والكافر سمي كافرا لأنه يستر الأشخاص والكفر بفتح الكاف الستر ومنه اشتق اسم الكافر لأنه يجحد نعمة الله ﷿ ويسترها والكفور القرى النائية عن حواضر المدن لأن ساكنها يغيب عن جمهور الناس ويستر عنهم وفي الحديث: (لا تسكنوا الكفور فإن ساكني الكفور كساكني القبور) وقال الأصمعي: كل ظلماء من الليل حندس والليلة الليلاء الشديدة الظلمة وكذلك الليل الأليل وعسعس الليل اشتدت ظلمته وكذلك أكفهر وأدلهم وليل مكفهر ومدلهم وغيهب وغيهب كل ذلك شديد السواد. سال هشام ابن عبد الله خالد بن صفوان: كيف كان سيرك؟ فقال: (قتلت أرضا عالمها وقتلت أرض جاهلها بينا أنا أسير ذات ليلة إذ عصفت ريح شديد ظلماؤها أطبق سماؤها، وبق سحابها، وتغلق ربانها، فبقيت محر نجما كالأشقر إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر، لا أسمع لواطئ همسا، ولا لنابح جرسا، تدلت علي غيومها، وتوارت عني نجومها، فلا أهتدي بنجم طالع، ولا بعلم لامع، أقطع محجة، وأهبط بحجة، في ديمومة قفر، بعيدة القعر، فاليرح تخطفني، والشوك يخبطني، في ريح عاصف، وبرق خاطف، قد أوحشني أكامها، وقطعني سلامها، فبينا أنا كذلك قد ضاقت علي معارجي، وسدت مخارجي، إذ بدا نجم لائح، وبياض واضح، عرجت إلى أكام محر ذيله فإذا أنا بمصابيح هذه فقرت العين، وانكشف الرين)
فقال هشام: (لله درك! ما أحسن وصفك) ومن أحسن ما جاء في الليل قول ذي الرمة:
وليل كجلباب العروس أدرعتهبأربعة والشخص في العين واحد
أخذه ابن المعتز فقال: وليل كجلباب الشباب قول العسكري: جلباب العروس أطرب من
جلباب الشباب، وقال العلوي:
ورب ليل بانت عساكرهتحمل في الجو سود رايات
لامعة فوقها أسنتهامثل الأزاهير وسط روضات
ومن حسن الاستعارات في الليل قول عبد الصمد بن المعذل:
أقول وجنح الدجى ملبدولليل في كل فج يد
ونحن ضجيعان في مجسدفلله ما ضمن المجسد
أيا ليلة الوصل لا تنفديكما ليلة الهجر لا تنفد
ويا غد إن كنت لي راحمافلا تدن من ليلتي يا غذ
قال العسكري: وأجود ما قيل في طول الليل من الشعر القديم قول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدولهعلي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبهوأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجليبصبح وما الإصباح منك بأمثل
كأن الثريا علقت في مضائهابأمراس كتان إلى صم جندل
قال العسكري: هذا من فصيح الكلام وأبدعه شبه الليل بالبحر وترادف ظلماته بالموج واستعار له سدولا وهي الستور وأحدهما سدل لما يحول منه بين البصر وبين أدراك المبصرات وقوله وما الإصباح منك بأمثل معناه
أن صبحك إذا كان فيك راحة كأنه يريد به طلوع الفجر المتقدم بين يدي ضوء النهار وقيل معناه أن ليله كنهاره في البث وأنه لا يجد في النهار راحة كما لا يجدها في الليل فجعل الليل والنهار سواء فيما يكابده من الوجد والحب. قال الشيخ المصنف: كنت وقفت لشاعر بعد امرئ القيس على هذا وفيه زيادة مطبوعة وذهبت عني فنظمت في معناه:
لا أظلم الليل الطويل واشتكيمنه وما لي في الصباح رجاء
من كان يطمع في الصباح راحةويسره إن لاح منه ضياء
فحواي متصل الظلام بضوئهالليل عندي والنهار سواء
وهذا هو معنى بيت امرئ القيس ثم ذكرت البيت الذي كنت أحفظه وهو للطرماح.
ألا أيها الليل الطويل ألا اصبحببم وما الإصباح منك بأروح
ولكن للعينين في الصبح راحةبطرحهما لحظيهما كل مطرح
بم اسم مدينة كرمان بباء موحدة تحتها ويروى:
أليلتنا في بم كرمان أصبحيبخير وما الإصباح منك بأروح
وهذا معنى امرء القيس واستدرك فقال: على أن للعينين في الصبح راحة فحاء بما لا يشك فيه إلا أن لفظه لا يقع من لفظ امرئ القيس موقعا والتكلف في قوله بطرحهما طرفيهما كل مطرح بين الكراهة فيه ظاهرة ونحوه قول أبي الدمنة:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنىويجمعني والهم بالليل جامع
وأنشد العسكري لنفسه
وازداو في جنح الظلام صبابةولا صعب إلا وهو بالليل أصعب
إسحاق الموصلي في معنى النابغة
إن في الصبح راحة لمحبومع الليل ناشئات الهموم
هذا مأخوذ من ناشئة الليل وتمني بعض المثقلين بالدين دوام الليل فقال:
ألا ليت النهار يعود ليلافإن الصبح يأتي بالهموم
دواع لا نطيق لها قضاءولا ردا وروعات الغريم
قوله ولا ردا من التتميم الحسن وقول امرئ القيس فيا لك من ليل كأن نجومه إلى آخر الأبيات قالوا إن البيت الأخير مكرر فضل لا معنى له ولا فائدة فيه لأن الثريا في جملة النجوم وقد اكتفى بذكرها في البيت الأول فيا لك من ليل كأن نجومه ولم أجد لأحد من علماء البديع من وجه وجها لامرئ القيس في ذلك قال الشيخ والوجه عندي أن من عادة العرب إذا ذكرت جملة أن يستثنى أشرفها منها ويفرد بالذكر عنها ليدل على شرفه وفضله ومثله في القرآن العزيز (وفيهما فاكهة ونخل ورمان) والنخل والرمان من جملة الفاكهة فلما ذكر امرؤ القيس النجوم استثنى الثريا وأفراها ليدل على شرفها وفضلها
القاضي التنوخي
وليلة كأنها يوم أملظلامها كالدهر ما فيه خلل
كأنما الإصباح فيها باطلأزهقه الله بحق فبطل
ساعاتها أطول من يوم النوىوليلة الهجر وساعات العدل
مؤصدة على الورى أبوابهاكالنار لا يخرج منها من دخل
وهذا مستملح وإن لم يكن مختارا من التشبيه لأن إخراج المحسوس إلى ما ليس بالمحسوس في التشبيه به خفاء.
ابن المعتز
كأن نجوم الليل في حجراتهادراهم زيف لم تحرر على النقد
يريد أن نجومه واقفة ليست تسير كأنها دراهم زيف ليست بنقد فتصرف.
ولبعض المحدثين
عهدي بنا ورداء الليل منسدلوالليل أطوله كاللمح بالبصر
فالآن ليلي إذ بانوا فديتهمليل الضرير فصبحي غير منتظر
قال وهذا أبلغ معنى من قول امرئ القيس إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه والمعنى أن ليله ممدود لا انقضاء له كليلة الضرير والدهر كله عند الضرير، ولآخر في معنى قول امرئ القيس:
يا ليل ليلك سرمدا أبداما في الصباح لعاشق فرج
وأجود ما قيل في وصف الليل:
وليل تعول الناس في ظلمتهسواء بصيرات العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتا حصينةموج أعاليها وساج كسورها
هذا أبدع تشبيه في الليل فانه شبه أعلاه بمسح شعر لتكاثف ظلمته وأسفله بسياج وهو الطيلسان الأخضر لما يشوب ما بين يدي الناظر فيه من يسير الضياء وكسور البيت أسافله المرخاة منه، ولآخر:
وليل ذي عياطل من حجونرميت بنجمه غرض الأقول
يرد الطرف حندسه كليلاويملأ هوله صدر الدليل
وآخر
وليل فيه تحسب كل نجمبدا لك من خصاصه طيلسان
وصف الليل بشدة السواد وكأن النجوم تظهر من خروق طيلسان وشبه سواد الليل بالطيلسان لخضرته وشدة الخضرة راجعة إلى السواد ومنه قوله تعالى مدهامتان من شدة
الخضرة من الثرى والمدهام الأسود ومنه سمى سواد العراق سوادا لنخيله وجنانه وكثرة مائه وذلك أن الماء الكثير البعيد القعر يظهر أسود ولذلك شبه أمرؤ القيس الليل
بالبحر ويقال لليل إذا أسود أخضر قال الراجز يخاطب ناقته: (وعارضي الليل إذا ما أخضرا) وقال الشماخ:
وليل كلون الساج أسود مظلمقليل الوغى داج ولون الأرندج
أي قليل الأصوات والأندج الجلود السود التي يقال لها بالفارسية رنده وجمع الساج سيجان ومما يحكى من الاستشهاد على أن الساج الطيلسان أن أبا دلامة كان شاعرا خفيف الروح مقبولا عند خلفاء بني العباس، وكان ماجنا منهمكا على الخمر فحظر عليه الخليفة شربها وأمر الشرطي متى وجده سكرانا أن يخرق طيلسانه ويحبس في بيت الدجاج، فأخذ سكرانا فحبس فلما أصبح كتب إلى الرشيد.
أمير المؤمنين فدتك نفسيعلام حبستني وخرقت ساجي
أقاد إلى السجون بغير ذنبكأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لهان ذاكمولكني حبست مع الدجاج
دجاجات يطيف بهن ديكتناجي بالصياح إذا يناجي
فضحك منه الرشيد وأطلقه وفي شعر ذي الرمة الزويري:
وليل كأبناء الزويري جبتهبأربعة والشخص في العين واحد
قال: الزويري الطيلسان وهي الأكيسة الخضر الزويرية قال المصنف: وكذلك أثبت في
كتاب الأنواء لأبي حنيفة الدينوري.
لغز في السنة
أربعة وهي ثلث واحدةكثيرة العد وهي ثنتان
دائمة السير لا يدان لهاتقطع أرضا ولا جناحان
أراد بالأربعة الفصول وهي ثلث واحدة أراد أن الأربعة ثلث السنة وكثيرة العد أراد الأيام وهي ثنتان أي أنها أي أنها في الغالب شتاء وصيف كما قال ﷿ رحلة الشتاء والصيف والبيت الثاني ظاهر لأنها تسير وتتصرم وليس لها عضو تتحرك به.
أبو القاسم الزاهي
الريح تعصف والأغصان تعتنقوالمزن باكية والزهر مغتبق
كأنما الليل جفن والبروق لهعين من الشمس تبدو ثم تنطبق
العطوي
ورب ليل باتت عساكرهتحمل في الجو منه رايات
في كل أفق من السماء لهكمين جيش من الدجنات
ترد عنه العيون خاشيةمرتبكات ذوات خيرات
ومن المبالغة في وصف الليل قول عبد العزيز بن خلوف الجروي من أفريقية:
ومن دونها طود من السمر شامخإلى النجم أو بحر من البيض متأق
وأسود لا تبدو به النار حالكوبيداء لا يجتازها الريح سملق
قوله لا تبدو به النار من أعجب المبالغة مع اختصار لفظ وجزالة معنى وذكر ابن رشيق في نموذج الشعراء بإفريقية أن عبد العزيز بن خلوف أحد هذا المعنى من محمد بن إبراهيم وذكر له حكاية لطيفة قال: كان محمد بن إبراهيم هذا محبوب فماحكه فيه أسود أسمه خلف فقطعه عنه، فماحكه فيه عبد آخر اسمه فرج فعمل أبياتا مشهورة بالقيروان أولها:
أي الهموم عليه اليوم لم أعجوأي باب عن الأحزان لم ألج
تأملوا ما دهاني تبصروا قصصاظلامها ليس يمسي فيه بالسرج
هذا موضع الاستشهاد
ما نالني الخلف إلا وهو من خلفوعاقني الضيق إلا وهو من فرج
حتى لقد صار كافور المشيب هوىأشهى لنفسي من مسك الصبا الأرج
النابغة الذبياني غي طول الليل
كليني لهم يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطيء الكواكب
تقاعس حتى قلت ليس بمنجلوليس الذي يرعى النجوم بآيب
الذي النجوم الصبح استعار له أسم الراعي لكونه يأتي معقبا وراء النجوم.
شاعر
ألا هل على الليل الطويل معينإذا نزحت دار وحن حزين
أكابد هذا الليل حتى كأنماعلى نجمه أن لا يغور يمين
آخر
ما لنجوم الليل لا تغربكأنها من خلفها تجذب
رواكد ما غاب في غربهاولا بدا من شرقها كوكب
آخر
كأن يهيم الليل أعمى مقيدتحير في تيه من الأرض مجهل
كأن الظلام حين أرخى سدولهيبيت على ليل بليل موصول
ابن الرقاع
وكأن ليلي حين تغرب شمهبسواد آخر مثله موصول
أرعى النجوم إذا تغيب كوكبأبصرت آخر كالسراج يجول
أصرم بن حميد
وليل طويل الجانبين قطعتهعلى كمد والدمع تجري سواكبه
كواكبه حسرى عليه كأنهامقيدة دون المسير كواكبه
وذكر عمر بن شيبة أن الأصل في ذكر الليل الطويل بيت الحرث بن خالد وهو:
تعالوا أعينوني على الليل أنهعلى كل عين لا تنام طويل
ثم تبعه الناس.
بشار بن برد
خليلي ما بال الدجى ليس يبرحوما لعمود الصبح لا يتوضح
أضل النهار المستنير طريقهأم الدهر ليل كله ليس يبرح
لطال علي الليل حتى كأننيبليلين موصولين لا يتزحزح
أظن الدجى طالت وما طالت الدجىولكن أطال الليل هم مبرح
وله
كأن جفونه سلمت بشوكفليس لنومه فيها قرار
جفت عيني من التغميض حتىكأن جفونها عنها قصار
أقول وليلتي تزداد طولاأما الليل بعدهم نهار
شاعر
صباحي ما لضوئك لا ينيروليلى ما لنجمك لا يغور
أقيد كل نجم كان يجريأما الظلماء حائرة تدور
أبو الفضل محمد بن عبد الواحد التميمي
يا ليل هلا انجليت عن قلقطلت ولا صبر لي على الأرق
جفت لحافظي التغميض فيك فماتطبق أجفانها على الحدق
كأنها صورة ممثلةناظرها الدهر غير متطبق
التنوخي
وليلة مشتاق كأن نجومهاقد اغتصبت عيني الكرى فهي نوم
كأن عيون السامرين لطولهاإذا شخصت للأنجم الزهر أنجم
جحظة البرمكي
وليل في كواكبه حرانفليس لطول مدتها أنتهاء
عدمت تبلج الإصباح فيهكأن الصبح جود أو وفاء
جعفر بن محمد
رب ليل كالبحر هولا وكالدهرامتدادا وكالمداد سوادا
خضته والنجوم توقدن حتىأطفأ الفجر ذلك الإيقادا
سعيد بن حميد
يا ليل بل يا أبدأنائم عنك غد
يا ليل لو تلقى الذيألقى بها أو تجد
قصر من طولك أوضوعف منك الجلد
العباس بن الأحنف
أيها الراقدون حولي أعينونيعلى الليل حسبه وانتصارا
خبروني عن النهار حديثاوصفوه فقد نسيت النهارا
وله
رقدت ولم ترث للساهروليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقادما فعل الدمع بالناظر
علي بن الخليل
لا أظلم الليل ولا أدعىأن نجوم الليل ليست تزول
ليلي كما شاءت قصير إذاجادت وإن صدت فليلي طويل
أخذه ابن بسام فقال:
لا أظلم الليل ولا أدعىأن نجوم الليل ليست تغور
ليلي كما شاءت فإن لم تجدطال وإن جادت فليلي قصير
وذكر الفرزدق العلة في طول الليل فقال:
يقولون طال الليل والليل لم يطلولكن من يهوى من الوجد يسهر
شاعر
أخو الهوى يستطيل الليل من سهروالليل من طوله جار على قدره
ليل الهوى سنة في الهجر مدنهلكنه سنة في الوصل من قصره
الوليد بن يزيد
لا أسأل الله تغييرا لما صنعتسعدي وإن أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدهاوالليل أقصر شيء حين ألقاها
شاعر
ليل طويل كمثل أحرفهأوله في الهجاء آخره
وذكر آخر سروره بالسهر فقال:
يا نسيم الروض في السحروشبيه الشمس والقمر
إن من أسهرت ناظرهلقرير العين بالسهر
ومما يطرب قول محمد بن عبد الملك الزيات:
كتب على فص لخاتمهامن مل من أحبابه رقدا
فكتبت في فصي ليبلغهامن نام لم يشعر بمن سهدا
إبراهيم بن خفاجة
يا ليل وجدي بنجدأما لطيفك مسرى
وما لدمعي طليقوأنجم الجو أسرى
وقد طما بحر ليللم يعقب المد جزرا
لا يعبر الطرف فيهغير المجرة جسرا
ابن الرومي
يحول الحول في الوصلويبقى لي تذكاره
ويوم الهجر والبينكيوم كان مقداره
مؤيد الدولة الطغراي
ليلي وليلى نفى نومي اختلافهماحتى لقد صيراني في الهوى مثلا
يجود بالطول ليلي كما بخلتبالوصل ليلى وإن جادت به بخلا
علي بن أبي غالب من أفريقية
كأن نجوم الليل بدل سيرهافصارت إلى نحو المشارق تقصد
الخفاجي الحلبي
من كان يحمد ليلا في تقاصرهفإن ليلى لا يدرى له سحر
لا تسألوني إلا عن أوائلهفآخر الليل ما عندي له خبر
العسكري
بانوا فلم أدر ما ألاقيمس من الوجد أم جنون
ليلي لا يبتغي براحاكأنه أدهم حرون
أجيل في صحفيته عيناما يتلاقى لها جفون
شاعر في طيبة الأيام
يا رب يوم لي كظلكأو كظنك أو يقارب
رقت حواشيه وغضتعين واشيه المراقب
قصرت لنا أطرافهقصر القناع عن الترائب
وتبرجت لذاتهللخاطبين وللخواطب
الأسفرايني
ألا هاتها وردية عنبيةفقد شوشت ريح الصبا طرة الورد
شاعر
يوم كأن نسيمه من عنبروتخال أن أديمه من جوهر
لو باعت الأيام آخر مثلهبالعمر أجمع كنت أول مشتري
ابن رشيق
أيها الليل طل بغير جناحليس للعين راحة في الصباح
كيف لا أبغض الصباح وفيهغاب عني أولو الوجوه الصباح
يحيى بن أحمد التيفاشي عم النصف
ائتني وقلب البرق يخفق غيرةعليها وعين النجم تنظرها شزرا
وقد هجعت عين الوشاة وأسبلتعلينا الدياجي من حنادسها سترا
فبتنا إلى وجه الصباح كأنناقضيبان لا صدا نخاف ولا هجرا
فيا ليلة قد قصر الوصل طيبهاتعد إذا أحصى الفتى دهره عمرا
العلوي الأصبهاني في قصر اليوم
يوم دجن ذي ضمير متهممثل سرور شابه عارض هم
صحو وغيرهم وضياء وظلمكأنه مستعبر قد ابتسم
مازلت فيه عاكفاً على صنممهفهف الكشح لذيذ الملتثم
تفاحة وقف على لثم وشمونابه وقف على هصر وضم
يا طيبه يوماً تولى وانصرموجوده من قصر مثل العدم
قال الأصمعي: قرأت على خلف الأحمر شعراً لجرير فلما بلغت إلى قوله:
ويوم كإبهام القطاة محببإلى هواه غالب لي باطله
فيا لك يوما خيره قبل شرهتغيب واشيه وأقصر عاذله
قال: ويله وما ينفعه خير يؤول إلى شر. فقلت: كذا قرأته على أبي عمرو قال: صدقت كذا قال جرير وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع قلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود إن كان قال (فيا لك يوما خيره دون شره) فأروه هكذا فقد كانت الرواة تصلح من أشعار القدماء. فقلت: لا أرويه بعدها إلا هكذا.
ابن طباطبا
بأبي من نعمت منه بيوملم يكن للسرور فيه نمو
يوم لهو قد التقى طرفاهفكأن العشي فيه غدو
علي بن جبلة العكوك
وليلة كأنها نهارغراء لا تغشى بها الأبصار
مشرقة من حسنها الأقطارلا يمكن البدر بها استتار
طالت لنا ساعتها القصارولم يكن لفجرها انفجار
كانت سواء هي والأسفار
محمد بن أحمد الحسيني المعروف بابن طباطبا
وتنوفة مد الضمير قطعتهاوالليل فوق آكامها يتربع
ليل يمد دجاه دون صاحبهآمال ذي الحرص الذي لا يقنع
باتت كواكبه تحوط بقاءهفي كل أفق منه نجم يلمع
زهر يثير على الصباح طلائعاحول السماء فهن حسرى ضلع
متيقظا في المسير كأنهاباتت تناجي بالذي يتوقع
والصبح يرقب من دجاه غرةمتضائل من سحقه يتطلع
متنفساً فيه جناناً واهنافي كل لحظة ساعة يتشجع
حتى انزوى الليل البهيم لضوئهوقد استجاب ظلامه يتقشع
وبدت كواكبه حيارى فيه لاتدري بوشل ريالها ما تصنع
متهادلات النور في آفاقهامستعبرات في الدجى تسترجع
وكواكب الجوزاء تبسط باعهالتعانق الظلماء وهي تودع
وكأنها في الجو نعش أخي ولايبكي ويوقف تارة ويشيع
وكأنما الشعرى العبور وراءهاثكلى لها دمع غزير يهمع
وبنات نعش قد برزن حواسراقدامها أخواتهن الأربع
عبرى هتكن قناعهن على الدجىجزعا وآلت بعد لا تتقنع
وكأن أفقا من تلألأ نجمهعند افتقاد الليل عيني تدمع
والفجر في صفو الهواء موردمثل المدامة في الزجاج تشعشع
يا ليل ما لك لا تغيب كواكبازفراتها وجدا عليل تقطع
لو أن لي بضياء صبحك طاقةيا ليل كنت أوده لا يسطع
حذرا صبح هاك شبيبتي فافتك بهاودع الدجى بسواده يتمتع
أفقدتني أنسي بأنجمها التيأصبحت من فقدي لها أتوجع
هذا الذي أبدع فيه وخالف الشعراء في أنسه بالليل والكواكب وبكائه عليها وتوجعه لفقدها وجميع الشعراء مهيعهم شكوى الليل وطوله والتوجع لرعى النجوم ووصف الليل والنجوم كما أنفرد ابن طباطبا بالإجادة فيه كأبي نواس في الخمر وابن المعتز في التشبيه والصنوبري في صفات الربيع والبحتري في طيف الخيال وأبي تمام في البديع والرثاء وابن حازم في القناعة وأبي العتاهية في الزهد وابن الرومي في الهجو ومحمود الوراق في الحكم والمتنبي في المدح والأمثال والحمدوي في طيلسان ابن حرب والمعري في الدرع وعمر بن أبي ربيعة في النسب وكشاجم في الأوصاف النادرة ومحمد بن هالي في وصف الحرب وأدواتها والسري الموصلي في وصف شعره وأبي العباس الخازن في الاعتذار والاستعطاف وطياب في الخمار وابن الحجاج في المجون وأبي حكيمة راشد بن عبد القدوس في رثاء ذكره ومن المتقدمين أمرؤ القيس في وصف الخيل والنابغة في الاعتذار والأعشى في الخمر وزهير في المدح والشماخ في وصف الإعسار وذو الرمة في وصف الفلوات والهواجر وهذيل في القسي والنبل والفرزدق في الفخر فهؤلاء الشعراء وقف لغيره وذكر هاهنا طبقات الشعراء فقال: الشعراء خمس طبقات الجاهلية ورأسها أمرؤ القيس والمخضرمون ورأسهم حسان والإسلامية ورأسها جرير والمحدثون ورأسهم أحمد بن العباس الرومي وهذه الأسماء واقعة على من جاء بعد هذه الطبقة إلى يوم القيامة وشعراء الأندلس طبقة واحدة ورأسها أحمد بن عبد ربه والعرب تقول الليل أخفى ومنه قول الشاعر:
الليل للويل أخفىوالدمع للوجد أشفى
ما يعرف الليل إلاألف يعانق ألفا
وتقول فلان أنم من الصبح وأقود من الليل ومنه أخذ ابن المعتز قوله:
لا تلق إلا بليل من تواعدهفالشمس غامة والليل قواد
كم من محب أتى والليل يسترهلاقى الأحبة والواشون رقاد
وقد أحسن أبو الطيب هذا المعنى وأزال عنه هجنة لفظتي نمام وقواد:
فقال
أزورهم وظلام الليل يشفع ليوأنثني وبياض الصبح يغري بي
فصار أحق بالمعنى ممن أخذه منه وقال العلماء فيه أخذ عباءه وأعطى ديباجة اجتمع بغرناطة محمد بن غالب الرصافي الشاعر ومحمد بن عبد الرحمن الكندي الشاعر وغيرهما من الفضلاء الرؤساء فأخذوا أن يخرجوا إلى نجد وحور المؤمل وهما من أشرف متنزهات غرناطة وكان الرصافي قد أظهر الزهد وترك الخلاعة فقالوا: ما لنا غنى عن أبي جعفر بن سعيد، فكتبوا إليه:
بعثنا إلى رب السماحة والمجدومن ما له في ملة الظرف من ند
ليعدنا عند الصبيحة من غدبسعي إلى حور المؤمل أو نجد
لتشرح منا أنفس من شجونهاثوت في سجون هن شر من اللحد
ونظفر من بخل الزمان بساعةألذ من العليا وأشهى من الحمد
على جدول ما بين الفاف دوحةيهز الصبا فيها بنودا من الرند
ومن كان ذا شرب يخلى لشأنهومن كان ذا زهد تركناه للزهد
وما طرفه يأبى الحديث على الطلاولا أن يديل الهزل حينا من الجد
وما نغص العيش المهنا غير أنيمازحه تكليف ما ليس بالود
نظمنا من الخلان عقد فرائدولما نجد إلاك واسطة العقد
فماذا تراه لا عدمناك ساعةفنحن بما نبديه في جنة الخلد
فكان جوابه لهم
هو القول منظوما أم الدر في العقدهو الزهر تفاح الصفا أم أشد الورد
أتاني وفكري في عقال من الأسىفحل بنفث السحر ما حل من عقد
فيا من بهم تزهى المعالي ومن لهمقياد المعاني ما سوى قصدكم قصدي
فسمعنا وطوعا للذي قد أشرتمبه لا أرى عنه مدى الدهر من يد
وعندي ما يختار كل مؤملمن الراح والمعشوق والكتب والرند
فقوموا على أسم الله نحو حديقةمقلدة الأجياد موشية البرد
وكل ما شاءه لست ناوياعتابا له أني المساعد بالود
ولست خليا من تأنس قينةإذا ما شدت ضل الخلي عن الرشد
لها ولد في حجرها لا تزيلهأوان غناء ثم ترميه بالبعد
فيا ليتني قد كنت منها مكانهتقلبني ما بين خصر إلى نهد
ضمنت لمن قال أني زاهدإذا حل عندي أن يحول عن الزهد
فإن كان يرجوا جنة الخلد آخلافعندي له في عاجل حبة الخلد
فركبوا واجتمعوا ومن لهم أحسن يوم وما زالوا بالرصافي إلى أن شرب معهم
فقال الكندي
غلبناك عما رمته يا بن غالببراح وريحان وشدو وكاعب
فقال أبو جعفر
بدا زهده مثل الخضاب فلم يزلبه ناصلا حتى بدا زهد كاذب
ثم غربت الشمس فقالوا ما رأينا أقصر من هذا اليوم وما ينبغي أن تترك وصفه فقال أبو جعفر أنا له ثم قال وهو من عجائبه المعجزة:
لله يوم مسرةأضوى وأقصر من ذباله
طار النهار به كمرتاع وأجفلت الغزالة
فكأننا من بعدهبعنا الهداية بالضلالة
النهار ذكر الحباري وإليه أشار بقوله طار النهار والغزالة الشمس فتم له المعنى فسلم له الجميع تسليم السامع المطبع.
ولأبي جعفر في الغزالة أيضا
بدا ذنب السرحان ينبئ أنهتقدم سبقا والغزالة خلفه
ولم تر عيني مثلها من متابعلمن لا يزال الدهر يطلب حتفه
قال المصنف: جرت في قصر النهار نادرة أنشدني سليمان بن إسماعيل المارديني المسيحي لنفسه فيما زعم من قصر النهار:
ويوم حواشيه ملمومةظنناه من قصر مدعبا
قنصت غزالته والتفت أريدأختها فاحتمت بالدجى
فأثبت البيتين عندي فاخبرني بعد ذلك أبو الحسن بن سعيد أنه وقف في تاريخ أربل لابن المستوفي لأبي عبد الله محمد بن أبي الوفاء القنيصي:
ويوم حواشيه ملمومةعلينا نحاذر أن يفرجا
قنصت غزالته والتفت أريدأختها فاحتمت بالدجى
قال ابن المستوفي: ثم ورد علينا أبو الحسن على بن يوسف الصفار فنسبهما لنفسه قال ولعلهما ليسا له ولا لابن القنيصي قال المصنف فقيدت هذا على هذه الصورة ثم جرى بعد ذلك مذاكرة في هذه الأبيات وتحادث من تحادثها من الشعراء فقال بعض من حضر هذه الأبيات عندي في تعليق لغز من ذكر فرغبنا إليه في الكشف عنها فأحضر التعليق فإذا فيه:
خرج المنتجب العاني - منسوب إلى عانة جزيرة بالفرات - مع الملك الزاهر ابن صلاح الدين صاحب البيرة للصيد فأثاروا ظبية في آخر النهار فاستطرت لهم فلم يدركها السلطان إلا عند غروب الشمس فأمسكها ونظر إلى الشمس وهي تغرب فاستظرف هذا الاتفاق وقال لشاعر قل في ذلك شيئا فقال:
ويوم حواشيه ملمومةعلينا نحاذر أن تفرجا
قنصت غزالته والتفت إلىأختها فاحتمت بالدجى
قال المصنف: فصح عندي أن هذا هو قائلها على الخصوص وأن الجميع لصوص، قال: وقد قرأت كتاب اللصوص للجاحظ فلم أسمع فيه بأن ثلاثة لصوص اجتمعوا بالاتفاق الظريف على بيت واحد.
إبراهيم بن محمد القانوني الدمشقي
يوم تقاصر حتى خلته حلمافليس يبصره إنسان إنسان
ما تطلع الشمس إلا وهي غاربةكأنما شمسه في الأفق شمسان
للشيخ شرف ابن المصنف
ويوم سرقناه من الدهر خلسةبل الدهر أهداه لنا متفضلا
أشبهه بين الضلامين غرةلحسناء لاحت بين فرعين أرسلا
والحكماء يمدحون الليل والاشتغال فيه قال بعضهم لأبنه: يا بني اجعل نظرك في العلم ليلا فإن القلب في الصدر كالطير ينتشر بالنهار ويعود إلى وكره في الليل فهو في الليل ساكن
ما ألقيت إليه من شيء وعاه، وقال بعضهم في الليل يجم الأذهان وتنقطع الأشغال ويصح النظر ويؤلف الحكمة ويدر الخواطر ويتسع مجال القلب والليل أخرى في مذهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على صدقة السر، وأصح لتلاوة الذكر، وأرباب الأمر يختارون الليل على النهار لرياضة النفوس، وساسة التقدير
في دفع الملم، وإمضاء المهم، وإنشاء الكتب ونظم الشعر وتصحيح المعاني، وإظهار الحجج وإصابة غرض الكلام، وتقريبه من الأفهام، وفي الليل تتزاور الأحباب، وتتهيأ بالشراب، وتكمل الأظراب وتغيب الرقاب، وتغلق في أوجه الأضداد الأبواب، ولا يمكن فعل شيء من ذلك كله في النهار، لاستجلاب الظنة بالأستتار، وكان ابن المعتز لا يشرب إلا ليلا ويقول: الليل أمتع لا يطرقك فيه خبر قاطع، ولا شغل مانع، والنهار أبرص لا يتم فيه سرور ونظم ذلك كشاجم فقال:
اتخذ الليل حملما حمل الليل حمل
آمن فيه طارقايشغلني عن الشعل
كان يحيى بن خالد ولي أبنه الفضل خراسان فبلغه عنه إقبال على القصف وإهمال الرعية وتفقد أعماله فوجدها مختلفة فكتب إليه: بلغني إقبال على القصف وإهمال لأمورك وقد يهفو ذو الفطنة ويزل الحليم ثم يرجع إلى ما هو أولى به حتى كأن أهل دهره لم يعرفوه إلا بذلك وقد كتبت إليك بأبيات إن أنت أخلفتها ولم تمتثلها هجرتك حولا وعزلتك على سخط وكتب إليه:
انصب نهارا في طلاب العلاوأصبر على فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل دنا مقبلاوانحسرت فيه عيون الرقب
فأخل مع الليل بما تشتهيفإنما الليل نهارا الأريب
كم فاتك تحسبه ناسكايستقبل الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أثوابهفبات في امن وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفةيسعى بها كل عدو رقيب
قال فآلى أن لا يشرب نهارا.
أبو بكر بن دريد
وليلة سامرت عيني كواكبهانادمت فيها الصبا والنوم مطرود
يستنبط الراح ما تخفي النفوس وقدجادت بما منعته الكاعب الرود
والراح يفتر عن در وعن ذهبفالتبر منسبك والدر معقود
يا ليل لا تبح الإصباح حورتناوليحم جانبه أعطافك السود
بشار بن برد
قد نام واش وغاب ذو حسدفاشرب هنيئا خلا لك الجو
آخر
ولم أر مثل الليل جنة فاتكإذا هم أمضى أو غنيمة ناسك
ابن المعتز
سقتني في ليل شبيه بشعرهاشبية خديها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين للشعر والدجىوصبحين من كأس ووجه حبيب
شاعر
وليلة قصف ليلة العرس دزنهاأنارت بها الظلماء والليل لائل
وسكرانة سكرى دلال وقهوةإذا هي قامت لم تخنها المفاصل
تثنت كغصن ذابل عند سكرهاوذا عجب غصن من الري ذابل
البحتري
يا ليلي بالسفح من نطباسومعرسي باقصر بل أعراسي
باتت تبرد من جواي وغلتيأنفاس ظبي طيب الأنفاس
هيف الجوانح منه هاض جوانحيونعاس مقلته أطار نعاسي
يدنو إلى بخمره وبريفهفيعلني بالكأس بعد الكاس
آخر
وليلة بات يجلو الراح من يدهأحوى أغن غضيض الطرف جدلان
والليل ترمقنا شزرا كواكبهكأنه من دنوي من غيران
كأنها نقد بالدو نفرهالما بدا ذنب السرحان سرحان
آخر
وليل قد سهرت ونام فيهندامى صرعوا حولي رقودا
أنادم فيه قرقرة القنانيومزمارا يحدثني وعودا
وكأن الليل يرجمني بنجموقال أراه شيطانا مريدا
آخر
أشرب الراح واسقني بظلامواترك النوم للئام النيام
لا أحب اللذات إلا مع الليلإذا ما هدت عيون الأنام
القائد علي
يا رب ليل شربنا فيه صافيةحمراء في لونها تنفي التباريحا
ترى الفراش على الأكواس ساقطةكأنما أبصرت منها مصابيحا
عبد الله بن محمد المعروف بابن البغدادي من أفريقية كان أبوه ظريفا لبقا فلقب بالبغدادي لذلك:
أزرى شاذن ذو قرطقيسقي العقار ويعقد الزنارا
ولقد شكوت إليه بعض صبابتيفحنا وقال أرى بقلبك نارا
في ليلة حلفت علي بطيبهالأقاطعنك إن شربت نهارا
ولأسترن البدر عنك بظلمتيفيكون في ليل التمام سرارا
ابن المعتز يذم الصبوح
على الصبوح لعنة الرحمنفاسمع أخبرك ببعض الشان
إذا أردت الشرب عند الفجروالنجم في لجة ليل يسري
وكان برد والنديم يرتعدوريقه على الثنايا قد جمد
وللغلام ضجرة وهمهمهوشيمة في صدره محمحمة
يمشي بلا رجل من النعاسويدفق الكأس على الجلاس
فإن يكن لليوم ساق يعشقفجفنه بجفنه مدنق
ورأسه كمثل فرو قد مطروصدغه كصولجان منكسر
ما في فضل للصبوح يعرفعلى الغبوق والظلام مسدف
وله
لا تدعني لصبوحإن الغبوق حبيبي
فالليل لون شبابيوالصبح لون مشيي
ناقضه ابن حجاج فقال
الصبح مثل البصير نوراوالليل في صورة الصرير
فليت شعري بأي رأييختار أعمى على بصير
ظافر الحداد
وعشية أهدت لعينك منظراقدم السرور به لقلبك رائدا
روض كمخضر العذار وجدولنقشت عليه يد النسيم مباردا
والنخل كالهيف الحسان تزينتفلقيت من أثمارهن قلائدا
ابن المعتز
لا تذكرن لي الصبوح وعاطنيكأس المدامة عند كل مساء
في ليل شغل الرقاد رقيبهاعن عاشقين تواعدا للقاء
عقدا عناقا طول ليلهما معاقد الصقا الأحشاء بالأحشاء
حتى إذا طلع الصباح تفرقابتنفس وتلهب وبكاء
ما راعنا تحت الدجى شيء سوىشبه النجوم بأعين الرقباء
قال وشعراء المغرب حازوا قصب السباق في وصف الاغتباق فمن ذلك قول عبد الكريم بن إبراهيم الهشلي مصنف كتاب الممتع في علم الشعر وعمله يصف غبوقا اغتبقه مع المعز بن باديس:
يا رب فتيان صدق رحت بينهموالشمس كالذهب المشعوب في الأفق
مرضى أصائلها حسرى شمائلهاتروج الورق الممطور في الورق
معاطيا شمس إبريق إذا مزجتتقلدت عرق مرجان من البرق
عن ما جل طافح بالماء معتلجكأن بغيته صيغت من الحدق
تضمه الريح أحيانا وتفرقهفالماء ما بين محبوس ومنطلق
من أخضر ناضر في الماء يلحفهوأبيض تحت قبطي الضحى يقق
تهزه الريح أحيانا فيمسحهاللزجر خفق فؤاد العاشق القلق
كأن حافاته نطقن من زبدمناطقا رصعت من لؤلؤ نسق
كأن قيته من سندس نمطحسناء محلوة اللبات والعنق
إذا تبلج نجم فوق زرقتهحسنته فرسا دهماء في بلق
أو لازودا جرى في متنه ذهبفلاح في شارق من مائه شرق
عشية كلمت حسنا وساعدهاليل يمدد أطنانا على الأفق
تجلى بغرة وضاح الجبين لهما شئت من كرم دان ومن خلق
ولأبي عبد الله محمد بن إدريس الجزيري من جزيرة شقر وهو المعروف بمرج كحل
عرج بمنعرج الكثيب الأعفربين الفرات وبين شاطي الكوثر
وعشية قد بت أرقب وقتهاسمحت بها الأيام بعد تعذر
نلنا بها آمالنا في روضةيهدي لناشقها نسيم العنبر
والدهر من ندم يسفه رأيهفيما صفا من عيشه المتكدر
والورق تشدو والاراكة تنثنيوالزهر بين مدرهم ومدنر
والنهر مصقول الأباطح والربىبمصندل من زهره ومعصفر
وكأنما ذاك الحباب فرندهمهما صفا في صفحة كالجوهر
وكأنه وكأن خضرة بسطهسيف يسل على بساط أخضر
وكأنما وجناته محفوفةبالآس والنعمان خد معذر
روض يهيم بحسنهن لم يهمويجيد فيه الشعر من لم يشعر
ما اصفر وجه الشمس عند غروبهاإلا لفرقة حسن ذاك المنظر
وللحسن بن علي ببجاية يصف اغتباقه مع أمير بجاية
ولما نزلنا ساحة القصر راقنابكل جمال مبهج الطرف مونق
بما شئت من ظل يرف وجدولوروض متى يلمم به الريح يعبق
وشاز معاني الشعر في نغماتهبطارحه شدود الحمام المطوق
إذا ما رقصنا بالرؤوس لشدوهرمونا بكاسات الرحيق المعتق
فيا حسن ذاك القصر لا زال آهلاويا طيب ربى نشره المتنشق
وتعنا به في روضة الأنس بعدماهصرنا بغصن للمسرة مونق
ويضحكنا طيب الوصال وربمايمر على الأوهام ذكر التفرق
فتضحى مصونات الدموع مذالةينحن على طرف من الدهر أبلق
فلله ساعات مضين صوالحاعليهن من زي الصبا أي رونق
خلعنا عليها النسك إلا اقلهوإن عاودت نخلع عليها الذي بقي
علي بن أحمد من شعراء بلنسية
قم اسقني والرياض لابسةوشيا من النور حاكه الزهر
والشمس مصفرة غلالهاوالروض تبدو ثيابه الخضر
في مجلس كالسماء لاح بهمن وجه من قد هويته بدر
والنهر مثل المجر حف بهمن الندامى كواكب زهر
أبو الفضل بن الأعلم
وعشية كالسيف إلا حدهبسط الربيع بها لتعلى خده
عاطيت كأس الأنس فيها واحداما ضره إن كان جمعا وحده
إبراهيم بن خفاجه
وعشي أنس أضجعني نشوةفيه تمهد مضجعي وتدمث
خلعت علي يد الأراكة ظلهاوالغصن يصغي والحمام يحدث
والشمس تجنح للغروب مريضةوالرعد يرقى والغمامة تنفث
الرصافي
وعشي رائق منظرهقد قصرناه على صرف الشمول
وكأن الشمس في أثنائهألصقت بالأرض خدا للنزول
والصبا يرفع أذيال الربىومحيى الجو كالسيف الصقيل
حبذا منزلنا مغتبقاحيث لا تنظرنا عين الهزيل
طائر شاد وغصن منثنوالدجى يسرب صهباء الأصيل
أبو الحسن بن عبد الكريم
أقول لخلي والمدامة تختليكلمع بروق في سجوف غمام
ألا فاسقني وقت الأصيل ولا ترعفؤادي يا خل الهوى بملام
فقد نعست عين الغزالة للكرىوقد رققت أجفانها بمنام
ألم ترافق الغرب كيف تغرنيوتشرب شمسا مثل شمس مدام
الرصافي
وكنت أراني في الكرى وكأننيأناول كالديار من ذهب الدنيا
فلما انقضى ذاك الوصال وطيبهعلى ساعة من أنسنا صحت الرؤيا
ابن أفلج يصف غبوقا من المغرب إلى شروق الشمس
ولرب مغتبق خلعت منشطافيه العذار لفاتر لم تنشط
وسروج لهوى في ظهور خلاعتيمذ شدها داعي الصبا لم تحطط
ناديت حي على الغبوق وفي يدينار متى صافحتها لم تغلط
صفراء كالذهب السبيك ترى لهافي بزلها سور الذبال المسلط
يبدي المذلة طعمها فإذا سرتفعلت كفعل الغادر المتسلط
تعطي الجبان شجاعة عرضيةوالنكس تيه الماجد المتحمط
ما خامرت عقل امرئ إلا غدامتبسطا سكرا وإن لم يبسط
يسعى بها صلف الشمائل أهيفلدن كغصن البانة المتخوط
سيان فعل مدامهولحاظهورباضه للخابر المستنبط
ما بين جام بالمدام مكللفيا وكأس بالحباب مقرط
وعلى الهضاب من النهار ملاءةسحق الحواشي أن تحط بتمغط
والشمس خافضة الجناح مسفةفي الغرب تنساب انسياب الأرقط
أو كالعروس بدت فأسدل دونهاجنبات ستر كالجياد مخطط
وأتى الظلام على الضياء كما أتىأجل على أمل فلم يتأبط
واستلأمت منه السماء بنثرةحصداء شرط فترها لم يمغط
والزهر يغمض في المجرة عوماعوم المها في جدول متعطمط
والنجم يرقى في السماء محلقاكنزو طفل في المهاد مقمط
واللهو قد سلب الجفون رقادهامنا اغتباطا بالسرور المفرط
حتى تبدى الفجر في ذل الدجىيحكي نصول خضاب شعر أشمط
وتلاه مبيض الصباح كأنهعمل لمجتهد زكا لم يحبط
والتاج قرن الشمس عند ذرورهكالتاج فوق جبين كسرى المقسط
هذاك آخر ما عهدت وطاح بيبرق رعشت به ارتعاش مبرقط
وتحكمت فينا الشمول فلم تدعفينا صحيح تصور لم تخلط
أبو الحسن علي بن عطية البليسي المعروف بابن الدقاق
وعشية لبست رداء شقيقتزهى بلون للخدود أنيق
أبقت بها الشمس المنيرة مثلماأبقى الحياء بوجنة المعشوق
لو أستطيع شربتها كلفا بهاوعدلت فيها عن كؤوس رحيق
أبو العلاء المعري
والبدر قد مد عماد نورهوالليل مثل الأدهم المقفر
المقفر الذي بلغ تحجيله إلى ركبتيه ومن أوقات الشرب وقتان غير الاصطباح والاغتباق وهما الجاشرية وهي شرب نصف النهار والفحمة وهي شرب نصف الليل ولم يعتن الشعراء بوصف الشرب فيهما لكراهة استعمال الشراب فيهما لأنهما وقتا الهدو والمنام واجمام النفس وراحة الجسم لاستمراء الشراب والطعام.
القاضي السعيد بن سنا الملك في ذم الشمس
لا كانت الشمس فكم أصدأتصفحة خد كالحسام الصقيل
وكم وكم صدت بوادي الكرىطيف خيال جاءني من خليل
وأعدمتني من نجوم الدجىومنه روضا بين ظل ظليل
تكذب في الوعد وبرهانهإن سراب الفقر منها سليل
وتحسب النهر حساما فترتاع ويخطي فيه قلب الدليل
إن صدا الطرف فما صقلهإلا التملي بمحيى جميل
وهي إذا أبصرها مبصرحديد طرف راح عنها كليل
يا علة المهموم يا جلدةالمحموم يا زفرة حب نحيل
يا قرحة المشرق وقت الضحىيا سلحة المغرب وقت الأصيل
أنت عجوز لم تبرجت ليوقد بدا منك لعاب يسيل
وأنت بالشيطان قرنانةفكيف تهدينا سواء السبيل
الشيخ شرف ابن المصنف
في خلقه الشمس وأخلاقهامثنى عيوب جمة تذكر
رمداء عمشاء إذا أصبحتعمياء عند الليل لا تبصر
وهي رقيب في الهوى كاشحتنم بالإلفين لا تستر
وخلقها خلق الملول الذيينكث في العهد ولا يصبر
من صبحها النور لا مسائهامغاير الأشكال لا تفتر
والظل منها زائل دائماشبه خليل السوء إذ يغدر
ويغدي البدر لها كاسفاوجرمه من جرمها أصغر
حرورها في القيظ لا تتقىودفؤها في القر مستنزر
ليست بحسناء وما حسن منتنبو لحاظ عينه إذ تنظر
لا تملأ العينين من وجههافالشمس مرأى ساقط يحفر
البدر يهدي وهي من شؤمهاتضل فالخلق بها كفروا
وعمرها يوم وفي ليلةتقبر في مالحة تنشر
تبيت في الحماة من خسةوتغتدي منها لنا تظهر
النص من طبعة مطبعة الجوائب بالقسطنطينية (١٢٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع