من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
أجأ وسلمى
جبلان بأرض الحجاز، وبها مسكن طيّء وقراهم. موضع نزه كثير المياه والشجر. قيل: أجأ اسم رجل وسلمى اسم امرأة كانا يألفان عند امرأة اسمها معروجا، فعرف زوج سلمى بحالهما فهربا منه، فذهب خلفهما وقتل سلمى على جبل سلمى وأجأ على جبل أجأ، ومعروجا، فسميّت المواضع بهم، وقال الكلبي: كان على أجأ أنف أحمر كأنّه تمثال إنسان يسمّونه فلسا، كان طيّء يعبدونه إلى عهد رسول اللّه، ﷺ، فلمّا جاء الإسلام بعث رسول اللّه، ﷺ، عليّ بن أبي طالب في مائة وخمسين من الأنصار، فكسروا فلسا وهدموا بيته وأسروا بنت حاتم.
ينسب إليها أبو سليمان داود بن نصير الطائي الزاهد العابد؛ قيل إنّه سمع
امرأة عند قبر تقول:
مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقهلقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كلّ يوم وليلةوتبقى كما تبلى وأنت حبيب
كان ذلك سبب توبته. وقيل: إنّه ورث من أبيه أربعمائة درهم، أنفقها ثلاثين سنة، وصام أربعين سنة، ما علم أهله أنّه صائم. وكان حرّازا يأخذ أوّل النهار غداءه معه إلى الدكان، ويتصدّق به في الطريق، ويرجع آخر النهار يتعشّى في بيته، ولا يعلم أهله أنّه كان صائما. وكان له داية قالت: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية بين أكل الخبز وشرب القنيت أقرأ خمسين آية! وقال حفص بن عمر الجعفي: إن داود الطائي مرّ بآية يذكر فيها النار فكرّرها في ليلة مرارا، فأصبح مريضا، فوجدوه مات ورأسه على لبنة، سنة خمس وستّين ومائة في خلافة المهدي.
وينسب إليها أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، الشاعر المفلق، فاق على كلّ من كان بعده بفصاحة اللفظ وجزالة المعنى؛ قيل إنّه أنشد قصيدته في مدح المعتصم:
ما في وقوفك ساعة من باستقضي ذمام الأربع الدّرّاس
فلمّا انتهى إلى المديح قال:
إقدام عمرو في سماحة حاتمفي حلم أحنف في ذكاء إياس
قال بعض الحاضرين: مه! من هؤلاء حتى تشبّه الخليفة بهم؟ فأطرق أبو تمام هنيّة ثمّ رفع رأسه وقال:
لا تنكروا ضربي له من دونهمثلا شرودا في النّدى والباس
فاللّه قد ضرب الأقلّ لنورهمثلا من المشكاة والنّبراس
فتعجّب الخليفة والحاضرون من قدرته على الكلام فولّاه الموصل.
وحكى البحتري أنّه دخل على بعض الولاة، ومدحه بقصيدة قرأها عليه، قال: فلمّا تمّمتها قال رجل من الحاضرين: يا هذا أما تستحي تأتي بشعري وتنشده بحضوري؟ قلت: تعني أن هذه القصيدة لك؟ قال: خذها! وجعل يعيدها إلى آخرها. قال: فبقيت لا أرى بعيني شيئا واسودّ وجهي، فقمت حتى أخرج فلمّا شاهد مني تلك الحالة قام وعانقني وقال: الشعر لك وأنت أمير الشعراء بعدي! فسألت عنه، قالوا: هو أبو تمام الطائي.
وينسب إليها حاتم الطائي، وكان جوادا شاعرا شجاعا، إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب وإذا سئل وهب، وكان أقسم باللّه أن لا يقتل واحد أمّه، وكان يقول لعبده يسار إذا اشتدّ كلب الشتاء:
أوقد فإنّ اللّيل ليل قرّوالرّيح يا واقد ريح صرّ
عسى يرى نارك من يمرّإن جاءنا ضيف فأنت حرّ
وقالوا: لم يكن يمسك إلّا فرسه وسلاحه.
وحكي أنّه اجتاز في سفره على عترة، فرأى فيهم أسيرا، فاستغاث بحاتم، فاشتراه من العتريّين وقام مقامه في القدّ حتى أدّى فكاكه.
ومن العجب ما ذكر أن قوما نزلوا عند قبر حاتم، وباتوا هناك وفيهم رجل يقال له أبو الخيبري، يقول طول ليله: يا حفر أقر أضيافك! فقيل له:
مهلا ما تكلّم من رمّة بالية! فقال: إن طيّئا يزعم أنّه لم ينزل به أحد إلّا قراه! فلمّا نام رأى في نومه كأن حاتما جاء ونحر راحلته، فلمّا أصبح جعل يصيح: وا راحلتاه! فقال أصحابه: ما شأنها؟ قال: عقرها حاتم بسيفه واللّه وأنا أنظر إليها حتى عقرها! فقالوا: لقد قراك! فظلّوا يأكلونها واردفوه، فاستقبلهم في اليوم الثاني راكب قارن جملا، فإذا هو عديّ بن حاتم فقال:
أيّكم أبو الخيبري؟ قالوا: هذا. فقال: إن أبي جاءني في النوم وذكر شتمك
إيّاه، وأنّه قد قرى براحلتك أصحابك، وقال في ذلك أبياتا وهي هذه:
أبا الخيبريّ وأنت امرؤحسود العشيرة شامها
لماذا عمدت إلى رمّةبدوّية صخب هامها
تبغي أذاها وإعسارهاوحولك غوث وأنعامها
وإنّا لنطعم أضيافنامن الكوم بالسّيف نعتامها
وأمرني ببعير لك فدونكه! فأخذه وركبه وذهب مع أصحابه.
وقال ابن دارة لمّا مدح عديّا:
أبوك أبو سفّانة الخير لم يزللدن شبّ حتّى مات في الخير راغبا
به تضرب الأمثار في النّاس ميّتاوكان له إذ كان حيّا مصاحبا
قرى قبره الأضياف إذ نزلوا بهولم يقر قبر قبله قطّ راكبا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع