تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

الفيّوم

ناحية في غربي مصر في منخفض من الأرض والنيل مشرف عليها. ذكر ان يوسف الصدّيق، ﵇، لمّا ولي مصر ورأى ما لقي أهلها من القحط، وكان الفيّوم يومئذ بطيحة تجتمع فيها فضول ماء الصعيد، أوحى اللّه تعالى إليه أن احفر ثلاثة خلج: خليجا من أعلى الصعيد، وخليجا شرقيّا، وخليجا غربيّا، كلّ واحد من موضع كذا إلى موضع كذا. فأمر يوسف العمّال بها فخرج ماؤها من الخليج الشرقي وانصبّ في النيل، وخرج من الخليج الغربي وانصبّ في الصحراء ولم يبق في الجوبة ماء، ثمّ أمر الفعلة بقطع ما كان بها من القصب والطرفاء فصارت الجوبة أرضا نفية، ثمّ ارتفع ماء النيل فدخل خليجها فسقاها من خليج أعلى الصعيد، فصارت لجة من النيل، كلّ ذلك في سبعين يوما. فخرج وأصحابه فرأوا ذلك وقالوا: هذا عمل ألف يوم، فسمّي الموضع الفيوم. ثمّ صارت تزرع كما تزرع أرض مصر.

بنى بالفيوم ثلاثمائة وستّين قرية، وقدّر أن كلّ قرية تكفي أهل مصر يوما واحدا، على أن النيل إن لم يزد اكتفى أهلها بما يحصل من زراعتها وجرى الأمر على هذا. وزرعوا بها النخيل والأشجار فصار أكثرها حدائق، فتعجب الناس ممّا فعل يوسف الصدّيق، ﵇، فقال للملك: عندي من الحكمة

غير ما رأيت، انزل الفيوم من كلّ كورة من كور مصر أهل بيت، وأمر كلّ أهل بيت أن يبنوا لأنفسهم قرية، وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر، فإذا فرغوا من البناء صيّر لكلّ قرية من الماء قدر ما يصير لها من الأرض، لا زائدا ولا ناقصا. صيّر لكلّ قرية شربا في زمان لا ينالهم الماء إلّا فيه، وصيّر مطأطئا للمرتفع ومرتفعا للمطأطئ بأوقات من الساعات في الليل والنهار، وصيّر لها قدرا معلوما فلا يأخذ أحد دون حقّه ولا زائدا عليه، فقال له فرعون: هذا من ملكوت السماء؟ فقال: نعم. فلمّا فرغ منها تعلّم الناس وزن الأرض والماء واتّخاذ موازينها. وحدث يومئذ هندسة استخراج المياه، واللّه الموفق.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.