تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

جيلان

غيضة بين قزوين وبحر الخزر صعبة المسلك لكثرة ما بها من الجبال والوهاد والأشجار والمياه، في كلّ بقعة ملك مستقلّ لا يطيع غيره، والحرب بينهم قائمة، والمطر كثير جدّا ربّما يستمرّ أربعين يوما لا ينقطع ليلا ولا نهارا، ويضجر الناس منه. وبيوتهم من الأخشاب والاخصاص وسط الأشجار، ولا حدّ لكثرة أشجارها الطوال لو كانت بأرض أخرى كان لها قيمة.

ونساؤها أحسن النساء صورة لا يستترن عن الرجال يخرجن مكشوفات الوجه والرأس والصدر.

وبها من الخيل الهماليج ما لا يوجد في غيرها من البلاد، ولم ير أحسن منها صورة ومشيا.

ومن عجائبها ما سمعت ولا صدقت حتى جرّبت، وهو ان المطر إذا دام عندهم ضجروا منه، فإن سمعوا بالليل صوت ابن آوى وعقبه نباح كلب يبشر بعضهم بعضا بصحو الغد، وعندهم من بنات آوى والكلاب كثير، وهذا شيء أشهر عندهم وجرّبت مرارا ما أخطأ شيء.

مأكولهم الرزّ الجيّد المولاني والسمك، ويؤدون زكاة الرز ولا يتركونه أصلا. ويقتنون دود الإبريسم، شغل رجالهم زراعة الرزّ وشغل نسائهم تربية

دود القزّ والرزق الحلال في زماننا عندهم. ونساؤهم ينسجن الميازر والمشدات الفرية الملاح وتحمل منها إلى سائر البلاد.

ومن عاداتهم أن فقهاءهم في كلّ سنة يستأذنون من الأمير الأمر بالمعروف، فإذا أذن لهم أحضروا كلّ واحد كائنا من كان وضربوه مائة خشبة، فربّما يحلف الرجل أيمانا انّه ما شرب ولا زنى فيقول الفقيه: أيش صنعتك؟ فيقول:

بقّال أنا! فيقول: أما كان بيدك الميزان؟ فيقول: نعم. فيأمر بضربه مائة!

ينسب إليها الشيخ محمّد بن خالد الملقّب بنور الدين. كان شيخا عظيم الشأن ظاهر الكرامات. رأيته في صغر سني كان شيخا مهيبا وضيء الوجه طويل القامة، كثّ اللحية طويلها، ما رآه أحد ولو كان ملكا إلّا أخذته هيبته.

له مصنّفات في عجائب أحواله ومشاهدته الملائكة والجنّة والنار، وأحوال الأموات وخواصّ الأذكار والآيات.

حكى بعض من صحبه قال: سرنا ذات يوم فرفع لنا خان فقصدناه، فقال بعض السابلة: لا تدخلوا الخان فإنّه يأوي إليه سبع! فقال الشيخ: نتّكل على اللّه. فدخلناها وفرش الشيخ مصلّاءة يصلّي، فسمعت زئير الأسد فأنكرت في نفسي على الشيخ لدخول الخان، فدخل الخان سبع هائل، فلمّا رآنا جعل يأتينا إتيانا لينا لا إتيان صائل، وأنا أنظر إلى شكله فذهب عقلي، فهربت إلى الشيخ وجعلته بيني وبين الأسد، فجاء وافترش عند مصلّى الشيخ، فلمّا فرغ الشيخ من صلاته مسح رأسه وقال بالعجميّة: فارق هذا الموضع ولا ترجع تفزّع الناس ههنا! فقام السبع وخرج من الخان ولم يره أحد بعد ذلك هناك.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.