من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
الحضر
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
مدينة كانت بين تكريت وسنجار مبنية بالحجارة المهندمة، كان على سورها ستّون برجا كبارا، بين البرج والبرج تسعة أبراج صغار، بإزاء كلّ برج قصر وإلى جانبه حمّام. وبجانب المدينة نهر الثرثار وكان نهرا عظيما عليه جنان بناها
الضّيزن بن معاوية، وكان من قضاعة من قبل شابور بن اردشير ملك الفرس، وقد طلسمها أن لا يقدر على هدمها إلّا بدم الحمامة الورقاء، ودم حيض المرأة الزرقاء؛ وإيّاها أراد عدي بن زيد:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة تجبى إليه والخابورشاده جندلا وجلّله كلسا، وللطّير في ذراه وكور
فاتّفق أنّه ظهر لشابور خصم بخراسان، فذهب إليه وطالت غيبته فعصى ضيزن عليه واستولى على بلاد الجزيرة، وأغار على بلاد الفرس وخرب السواد وأسر ماه أخت شابور الملك. فلمّا عاد شابور من خراسان وأخبر بما فعل ضيزن، ذهب إليه بعساكره وحاصره سنين ولم يظفر بشيء، فهمّ بالرجوع فصعدت النّصيرة بنت الضيزن السطح ورأت شابور فعشقته، فبعثت إليه أن ما لي عندك ان دللتك على فتح هذه المدينة؟ فقال شابور: آخذك لنفسي وأرفعك على نسائي. فقالت: خذ من دم حمامة ورقاء، واخلطه بدم حيض امرأة زرقاء، واكتب بهما واشدده في عنق ورشان وأرسله، فإنّه إذا وقع على السور تهدّم! ففعل كما قالت فدخل المدينة وقتل مائة ألف رجل وأسر البقيّة، وقتل ضيزن وأنسابه فقال الحدس بن الدلهاث:
ألم يجزيك والأبناء تمنىبما لاقت سراة بني العبيد؟
ومقتل ضيزن وبني أبيهوإجلاء القبائل من يزيد
أتاهم بالفيول مجلّلاتوبالأبطال شابور الجنود
فهدّم من بروج الحضر صخراكأنّ ثقاله زبر الحديد!
ثمّ سار شابور إلى عين التمر وعرّس بالنصيرة هناك، فلم تنم هي تلك الليلة تململا على فراشها، فقال لها شابور: ما أصابك؟ فقالت: لم أنم قطّ على فراش أخشن من هذا! فنظر فإذا في الفراش ورقة آس لصقت بين عكنتين
من عكنها، فقال لها شابور: بم كان أبواك يغذوانك؟ قالت: بشهد الأبكار ولباب البرّ ومخّ الثنيان! فقال شابور: أنت ما وفيت لأبويك مع حسن صنيعهما بك، فكيف تفين لي؟ ثمّ أمر أن تصعد بناء عاليا وقال: ألم أرفعك فوق نسائي؟ قالت: بلى! فأمر بفرسين جموحين وشدّت ذوائبها في ذنبيهما ثمّ استحضرا فقطعاها؛ قال عدي بن زيد:
والحضر صبّت عليه داهيةشديدة أيد مناكبها
ربيبة لم ترقّ والدهابحبّها إذ ضاع راقبها
فكان حظّ العروس إذ جشرالصّبح دما يجري سبايبها
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
