تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(١٠) المبحث العاشر: في التقييد بالمفاعيل الخمسة ونحوها

التقييد بها يكون لبيان نوع الفعل، أو ما وقع عليه، أو فيه، أو لأجله، أو بمقارنته، ويُقيد بالحال لبيان هيئة صاحبها وتقييد عاملها، ويقيَّد بالتمييز لبيان ما خفي من ذات أو نسبة، فتكون القيود هي محط الفائدة.

والكلام بدونها كاذب، أو غير مقصود بالذات، كقوله تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ .

وقد سبق القول في أول الباب مفصلًا، فارجع إليه إن شئت.

تنبيهات

(١) منها: التعميم باختصار، كقوله تعالى: وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ؛ «أي جميع عباده» لأن حذف المعمول يؤذن بالعموم «ولو ذُكر لفات غرض الاختصار المناسب لمقتضى الحال».

(٢) ومنها: الاعتماد على ما تقدم ذكره، كقوله تعالى: يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ؛ أي ويثبت ما يشاء.

(٣) ومنها: طلب الاختصار، نحو: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ؛ أي يغفر الذنوب.

(٤) ومنها: استهجان التصريح به، نحو: «ما رأيت منه ولا رأى منِّي»؛ أي العورة.

(٥) ومنها: البيان بعد الإبهام، كما في حذف مفعول فعل المشيئة، ونحوها إذا وقع ذلك الفعل شرطًا فإنَّ الجواب يدل عليه، ويبيِّنه بعد إبهامه، فيكون أوقع في النفس، ويُقدر المفعول مصدرًا من فعل الجواب، نحو: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ؛ أي: فمن شاء الإيمان.

(٦) ومنها: المحافظة على سجع، أو وزن.

والثاني كقول المتنبي:

بناها فأعلى والقنا يقرع القناوموج المنايا حولها متلاطم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي: فأعلاها.

(٧) ومنها: تعين المفعول، نحو: رعت الماشية «أي نباتًا».

(١) منها: التخصيص، نحو: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .

(٢) ومنها: رد المخاطب إلى الصواب عند خطئه في تعين المفعول، نحو: «نصرًا رأيت» ردًّا لمن اعتقد أنك رأيت غيره.

(٣) ومنها: كون المتقدم محط الإنكار مع متعجب، نحو: «أبعد طول التجربة تنخدع بهذه الزخارف».

(٤) ومنها: رعاية موازاة رءوس الآي نحو: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ وهلم جرًّا من بقية الأغراض التي سبقت.

تطبيق عام على الإطلاق والتقييد

إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَهافإن المعاصي تُزِيلُ النِّعَم
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «إذا كنت في نعمة فارعها»

جملة «فارعها» إنشائية أمرية، والأمر مستعمل في أصل معناه. المسند إليه أنت، وهي مقيدة بالمفعول به لبيان ما وقع عليه الفعل، ومقيدة بالشروط للتعليق، وكانت أداة الشرط «إذا» لتحقق الحصول.

«فإن المعاصي تزيل النعم» جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمرور بالخبر للتحذير من المعاصي. المسند إليه «المعاصي»، والمسند جملة «تزيل»، وأُتي به جملة؛ لتقوية الحكم بتكرار الإسناد، وقُيد بالمفعول به «النعم» لبيان ما وقع عليه الفعل، والحكم مقيد بإن للتوكيد.

«إن اجتهد خليل أكرمته» الجملة «أكرمته»، وهي جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي. المسند أكرم، والمسند إليه التاء، وهي مقيدة بالمفعول به لبيان ما وقع عليه الفعل، وبالشرط للتعليق، وكانت أداة الشرط «إن» لعدم الجزم بوقوع الفعل.

وأصابت تلك الربى عين شمسأورثتها من لونها اصفرارًا
كلما جال طرفها تترك الناس سكارى وما هم بسكارى

«وأصابت تلك الربى» جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بالخبر أصل الفائدة.

المسند أصاب، ذُكر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وقُدم لإفادة الحدوث في الزمن الماضي مع الاختصار.

والمسند إليه عين شمس، وذُكر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وأُخر لاقتضاء المقام تقديم المسند، وخصص بالإضافة لتعينها طريقًا لإحضار معناه في ذهن السامع.

والمضاف إليه «شمس» قيد بالصفة «أورثتها من لونها»؛ لأنها في محل جر صفة شمس للتخصيص، وقيد الحكم بالمفعول به «تلك» لبيان ما وقع عليه الفعل، وعرف المفعول به بالإشارة لبيان حاله في البعد، وقيد المفعول بالبدل «الربى» لتقدير حاله في نفس السامع. «تترك الناس سكارى» هي الجملة الرئيسية؛ لأن الشرطية لا تعتبر إلا بجوابها، وهي جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي، والمراد بالخبر التفخيم.

المسند إليه الناس، ذُكر وقُدم؛ لأن الأصل فيه ذلك، وعُرِّف بأل للعهد الذهني؛ لأن المراد بالناس، الذين نظروا إليها.

والمسند سكارى، ذُكر وأُخر؛ لأن الأصل فيه ذلك، ونكر للتهويل، والحكم مقيد «بتترك» لإفادة التحويل، وبالشرط للتعلق. كانت أداة الشرط «كلما» لإفادة التكرار.

«وما هم بسكارى» جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بالخبر أصل الفائدة، والمسند إليه هم، والمسند سكارى، والحكم مقيد بما لنفي الحال.

لا تيأسن وكن بالصبر معتصمًالن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

«لا تيأسن» جملة إنشائية نهيية، والمراد بالنهي الإرشاد. المسند لا تيأس، والمسند إليه أنت.

و«كن بالصبر معتصمًا» أصلها: «أنت معتصم بالصبر» وهي جملة إنشائية أمرية، والمراد بالأمر الإرشاد أيضًا. المسند إليه الضمير المستتر في كن، والمسند معتصمًا، والحكم مقيد «بالصبر» لبيان ما وقع عليه الفعل، وبالأمر «كن» لإفادة التوقيت بالاستقبال.

«لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا» أصلها «لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر» وهي جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي، والمراد بالخبر الحث على الصبر. المسند تبلغ والمسند إليه أنت، الحكم مقيد بلن للنفي في المستقبل، وبالجار والمجرور لبيان غاية الفعل.

عسى الكرب الذي أمسيت فيهيكون وراءه فرج قريب
للشاعر عبد الكريم البَسطي، اقرأ القصيدة

في البيت جملة إنشائية، غير طلبية، وهي اسمية من الضرب الثالث لما فيها من تقوية الحكم بتكرار الإسناد.

المسند إليه «الكرب» ذُكر وقُدم؛ لأن الأصل فيه ذلك، وعُرف بأل للعهد الذهني، وقُيد بالنعت «الذي أمسيت فيه» لتوضيحه، والمسند يكون … إلخ، والحكم مقيد بعسى لإفادة الرجاء.

وأما جملة النعت «الذي أمسيت» فيه فهي جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي، المسند إليه فيها التاء، والمسند الجار والمجرور، والحكم مقيد بأمسى لإفادة المساء.

وجملة الخبر «يكون وراءه فرج قريب» جملة خبرية اسمية من الضرب الابتدائي. المسند إليه فيها «فرج» ذُكر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وأخر لضرورة النظم، وقُيد بالنعت «قريب» لإفادة القرب، والمسند وراءه، ذكر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وقُدم للضرورة، والحكم مقيد بالناسخ «يكون» لإفادة الاستقبال.

يوشك من فر من منيتهفي بعض غراته يوافقها
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

أصل الجملة «يوشك من فر من منيته يوافقها في بعض غراته» وهي جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بها التيئيس من الخلود في هذه الدنيا.

المسند إليه «من» ذُكر وقُدم؛ لأن الأصل فيه ذلك، وعُرف بالموصولية لعدم العلم بما يخصه غير الصلة، والمسند جملة يوافقها، ذُكر وأُخر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وأُتي به جملة لتقوية الحكم، وقُيد بالجار والمجرور لبيان زمنه، والحكم مقيد بالناسخ «يوشك» لإفادة المقاربة.

إن الثمانين وبُلِّغْتُهاقد أحوجَتْ سَمعي إلى تَرْجُمان
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يا خير من ينبي على جوده»

«إن الثمانين قد أحوجت» جملة خبرية اسمية من الضرب الثالث، والمراد بها إظهار الضعف.

المسند إليه «الثمانين» ذُكر وقُدم؛ لأن الأصل فيه ذلك، وعُرف بأل للعهد الذهني، والمسند «قد أحوجت» ذُكر وأُخر؛ لأن الأصل فيه ذلك، وأُتي به جملة لتقوية الحكم، والحكم مقيد بإن وقد للتوكيد.

وأما قوله: «وبلغتها» فهي جملة معترضة للدعاء، وهي جملة خبرية فعلية من الضرب الابتدائي. المسند إليه التاء، والمسند بلغ، والحكم مقيد بالمفعول به لبيان ما وقع عليه الفعل.

أسئلة على الإطلاق والتقييد يطلب أجوبتها

ما هو الإطلاق؟ ما هو التقييد؟ متى يكون الإطلاق؟ متى يكون التقييد؟ لماذا يقيد بالنعت؟ لماذا يقيد بالتوكيد؟ لماذا يقيد بعطف النسق؟ لماذا يقيد بالبدل؟ لماذا يقيد بالمفاعيل الخمسة؟ لماذا يقيد بالحال؟ لماذا يقيد بالتمييز؟ لماذا يقيد بالنواسخ؟ لماذا يقيد بضمير الفصل؟ ما الفرق بين «إن، وإذا، ولو»؟ ما المقصود من الجملة الشرطية؟ هل يمكن أن تُستعمل «إن» في مقام الجزم بوقوع الشرط؟ هل يمكن أن تُستعمل «إذا» في مقام الشك؟ هل يمكن أن تُستعمل «لو» مع المضارع؟ لماذا يقيد بالنفي؟

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الإطلاق والتقييد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.