من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)
ذكر أديان أهل جزيرة سرنديب وشرائعهم
ولملك هذه الجزيرة شريعة ومشايخ لهم مجالس كمجالس محدّثينا، يجتمع إليهم الهند فيكتبون عنهم سير أنبيائهم وسنن شرائعهم.
وبها صنم عظيم من ذهب ابريز يفرط البحريون في مبلغ وزنه، وهياكل قد انفق عليها أموال عظيمة.
وبهذه الجزيرة جمع من اليهود كثير، ومن سائر الملل، وبها أيضا ثنويّة، والملك يبيح لكلّ فريق منهم ما يتشرّع به.
ومحاذى هذه الجزيرة أغباب واسعة ومعنى الغبّ الوادي العظيم إذا أفرط في طوله وعرضه، وكان مصبّه إلى البحر، يسير المجتازون في هذا الغبّ المعروف بغبّ سرنديب شهرين وأكثر في
غياض ورياض وهواء معتدل، وفي فوّهة هذا الغبّ البحر المعروف بهركند، وهو نزة المكان، الشاة فيه بنصف درهم، وما يشرب جمع من الرّجال من الشّراب المطبوخ من عسل النحل بحبّ الداذى الرطب، بمثل ذلك، وأكثر أعمالهم القمار بالدّيكة والنرد والدّيكة عندهم عظيمة الأجسام وافرة الصّياصي يستعملون لها من الخناجر الصّغار المرهفة ما يشدّ على صياصيها، ثمّ ترسل وقمارهم في الذهب والفضّة والأرضين والنّبات وغير ذلك، فيبلغ الديك الغالب جملة من الذهب، وكذلك لعبهم بالنرد دائم علي خطر واسع، حتّى أنّ أهل الضعف منهم ومن لا مال له ممّن يذهب الى طلب الباطل والفتوة، ربّما لاعب في أنامله فيلعب وإلى جنبه شيء قد جعل فيه من دهن الجوز أو دهن السمسم إذ كان الزّيت معدوما عندهم وتحته نار تحميه وبينهما فاس صغيرة مشحوذة، فإذا غلب أحدهما صاحبه وضع يده على حجر وضرب القامر بالفأس أنملة المقمور فابانها، ووضع المقمور يده في الدّهن وهو في نهاية الحرارة فيكويها، ولا يقطعه ذاك عن المعاودة في اللعب، فربّما افترقا وقد بطلت أناملهما جميعا.
ومنهم من يأخذ الفتيلة فينقعها في الدّهن، ثمّ يضعها على عضو من أعضائه ويشعل النّار فيها فهى تحترق ورائحة اللحم تفوح وهو يلعب بالنرد لا يظهر منه جزع.
والفساد في هذا الموضع فاش في النساء والرّجال غير محظور، حتّى أنّ تجار البحر ربما دعا الواحد منهم ابنة ملكهم فتأتيه إلى غياضهم بعلم أبيها، وكان مشايخ أهل سيراف يمنعون من الجهاز إلى هذه الناحية وخاصة الأحداث.
وأمر اليسارة التي تكون ببلاد الهند وتفسيرها المطر، فانه يدوم عليهم في الصّيف ثلاثة أشهر تباعا ليلا ونهارا لا تمسك السماء عنهم بتّة، وقد استعدوا قبل ذلك لأقواتهم، فاذا كانت اليسارة أقاموا في منازلهم لأنها معمولة من خشب مكنسة السقوف مظللة بحشائش لهم، فلا يظهر أحد منهم الّا لمهمّ، على أن أهل الصّناعات يعالجون صنائعهم في هذه الأماكن هذه المدة، وربما عفنت أسافل أرجلهم في هذا الوقت، وبهذه اليسارة عيشهم واذا لم تكن هلكوا لأن زراعتهم الأرز لا يعرفون غيره، ولا قوت لهم سواه، انما يكون في هذا الوقت في حرامات لهم طريحا لا يحتاجون الى سقي ومعاناة، ومعنى الحرامات منابت الأرز عندهم، فإذا انكشفت السماء عنهم بلغ الأرز النهاية في الريع والكثرة ولا يمطرون الشتاء.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع