من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)
ذكر من يتولى القضاء واختبارهم لأمره
ومن عجيب تدبيرهم في قديم الأيام دون هذا الوقت أمر الاحكام وجلالها في صدورهم، واختيارهم لها من لا يخالج قلوبهم الشّك في علمه بشرائعهم وصدق لهجته وقيامه بالحقّ في كلّ أحواله وتجنّبه الإغماض عمّن جلّ مقداره حتّى يقع الحقّ موقعه، ويكون عفيفا عن أموال أهل الضّعف وما يجري على يده، فإذا عزموا على تقليد قاضي القضاة أنفذوه قبل تقليده إلى جميع البلدان التي هي أعمدة بلادهم، حتى يقيم في كل بلد شهرا أو شهرين فيبحث عن أمر أهله وأخبارهم ورسومهم، ويعلم من يجب قبول قوله منهم معرفة يستغني بها عن المسألة، فإذا سلك به هذه الامصار، ولم يبق في المملكة بلد جليل الّا وطيه، رحل إلى دار المملكة وولى قضاء القضاة وجعل إليه اختيارهم، فيليهم، وعلمه بجميع المملكة ومن يجب أن يقلّد في كلّ بلد من أهله أو غيرهم علم من يستغني بعلمه عن الرجوع إلى من لعله ان يميل فيه أو يقول بغير الحقّ فيما يسأل عنه، ولا يتهيأ لأحد من قضاته أن يكاتبه بشيء قد علم خلافه أو يزيله عن جهته، ولقاضي القضاة مناد في كلّ يوم ينادي على بابه يقول: هل من متظلّم على الملك المستور عن عيون رعيّته، أم من أحد من أسبابه وقواده وسائر رعيته فانّي أنوب في ذلك كلّه عنه لما بسط به يدي وقلّدني، يقول ذلك ثلثا، لأن الملك في عقدهم ان الملك لا يزول عن موضعه حتّى تنفذ الكتب من
دواوين الملوك بالجور المصرّح، وأن يهمل أمر الحكم والحكام، وانّه متى تحفّظ من هذين الأمرين، فلم تنفذ الكتب من الدواوين الّا بالعدل، ولم يل الحكم الّا من يقوم بالحقّ فالملك منتظم.
فأمّا خراسان ومتاخمتها لبلاد الصّين فالذي بينها وبين الصغد مسيرة شهرين الّا انّه في مفازة ممتنعة ورمال منتظمة لا ماء فيها ولا أودية لها ولا عمارة بقربها، فهو السّبب المانع من هجوم أهل خراسان على بلدهم
وأمّا ما كان من الصّين يلي مغرب الشّمس، وهو الموضع المعروف بمذو فهو على حدود التبّت والحروب بينهم متّصلة.
وقد رأينا ممّن دخل الصّين ذكر: أنّه رأى رجلا حمل على ظهره مسكا في زقّ وورد من سمرقند راجلا يقطع بلدا بلدا من مدن الصّين حتّى صار الى خانفو وهو مجتمع التّجار القاصدين من سيراف.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع