من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)
ذكر إحراق اهل الهند لأنفسهم
وفي ملوكهم من اذا قعد للملك طبخ له أرز ثمّ وضع بين يديه على ورق الموز، وينتدب من أصحابه الثلاثمائة والأربعمائة باختيارهم لأنفسهم لا بإكراه من الملك لهم، فيعطيهم الملك من ذلك الأرز بعد أن يأكل منه، ويتقرّب رجل رجل منهم فيأخذ منه شيئا يسيرا فيأكله، فيلزم كلّ من أكل من هذا الأرز اذا مات الملك أو قتل أن يحرقوا أنفسهم بالنّار عن آخرهم في اليوم الذي مات فيه لا يتأخّرون عنه حتّى لا يبقى منهم عين ولا أثر.
وإذا عزم الرّجل على إحراق نفسه صار إلى باب الملك فاستأذن، ثمّ دار في الأسواق وقد أجّجت له النّار في حطب جزل كثير عليها رجال يقومون بإيقادها حتّى تصير كالعقيق حرارة والتهابا، ثمّ يعدوا، وبين يديه الصنوج دائرا في الأسواق، وقد احتوشه أهله وقرابته، وبعضهم يضع على رأسه إكليلا من الريحان يملؤه جمرا، ويصبّ عليه السندروس، وهو مع النّار
كالنفط، ويمشي وهامته تحترق وروائح لحم رأسه تفوح، وهو لا يتغتّر في مشيته، ولا يظهر منه جزع، حتّى يأتي النّار فيثبت فيها فيصير رمادا.
فذكر بعض من حضر رجلا منهم يريد دخول النّار، انّه لما اشرف عليها أخذ الخنجر فوضعه على رأس فؤاده فشقّه بيده إلى عانته، ثمّ أدخل يده اليسرى فقبض على كبده، فجذب منها ما تهيأ له، وهو يتكلّم ثمّ قطع بالخنجر منها قطعة فدفعها إلى اخيه استهانة بالموت وصبرا على الألم، ثم زجّ بنفسه في النّار إلى لعنة الله.
وزعم هذا الرجل الحاكي: أنّ في جبال هذه الناحية قوما من الهند سبيلهم سبيل الكنيفية والجليدية عندنا في طلب الباطل والجهل وبينهم وبين أهل الساحل عصبية، وانه لا يزال رجل من أهل الساحل يدخل الجبل فيستدعي من يصابره على التمثيل بنفسه، وكذلك أهل الجبل لأهل الساحل، وأنّ رجلا من أهل الجبال صار إلى أهل الساحل لمثل ذلك، فاجتمع إليه النّاس بين ناظر ومتعصب، فطالب أهل العصبية بأن يصنعوا مثل ما يصنع فإن عجزوا عنه اعترفوا بالغلبة، وانه جلس عند رأس منابت القنا وأمرهم باجتذاب قناة من تلك القنا وسبيله سبيل القصب في
التفافه، وأصله مثل الدّن وأغلظ، واذا حطّ رأس القناة استجابت حتّى تقارب الأرض، فإذا تركت عادت إلى حالها، فجذب رأس قناة غليظة حتّى قربت منه ثمّ شدّ بها ضفائره شدّا وثيقا، ثمّ أخذ الخنجر وهو كالنّار في سرعتها، فقال لهم: انّي قاطع رأسي به فإذا بان عن بدني فاطلقوه من ساعته، فسأضحك اذا عادت القناة برأسي إلى موضعها، وتسمعوا قهقهة يسيرة، فعجز أهل السّاحل عن أن يصنعوا مثل ذلك.
ولقد أخبرنا بهذا من لا نتّهمه وهو اليوم متعارف اذ كانت هذه البلاد من الهند تقرب من بلاد العرب، وأخبارها متصلة بهم في كل وقت، ومن شأنهم اذا أخذت السّنّ من رجالهم ونساءهم وضعفت حواسهم أن يطالب من صار في هذه الحال منهم أهله بطرحه في النّار أو تغريقه في الماء ثقة منهم بالرجعة، وسبيل موتاهم الاحراق.
وقد كان بجزيرة سرنديب وبها جبل الجوهر ومغاص اللؤلؤ وغيره، يقدم الرّجل الهندي على دخول السوق ومعه الجربى وهو خنجر لهم عجيب الصنعة مرهف فيضرب بيده إلى أجلّ تاجر يقدر عليه، ويأخذ بتلابيبه ويشهر الخنجر عليه ويخرجه عن البلد في مجمع من النّاس لا يتهيأ لهم فيه حيلة، وذلك انّه متى أريد انتزاعه منه قتل التّاجر وقتل نفسه، فاذا خرج عن البلد طالبه بالفدية وتبع التّاجر من يفتديه بالمال الكثير، فدام ذلك بهم مدّة من
الزّمان حتّى ملكهم ملك أمر بمن فعل ذلك من الهند أن يؤخذ على أيّة حال كان، ففعل ذلك فقتل الهندي التّاجر وقتل نفسه، فجرى هذا على جماعة منهم، وتلفت فيه أنفس الهند وأنفس العرب، فلمّا وقع البأس انقطع ذلك وأمن التّجار على أنفسهم.
والجوهر الأحمر والأخضر والأصفر مخرجة من جبل سرنديب وهى جزيرة وأكثر ما يظهر لهم في وقت المدود يدحرجه الماء عليهم من كهوف ومغارات ومسائل مياه لهم عليها أرصاد للملك، وربّما استنبطوه أيضا كما تستنبط المعادن فيخرج الجوهر ملصقا بالحجارة فيكسر عنه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع